التيار الإسلامي في البرلمان المغربي   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

مقدم الحلقة

محمد كريشان

ضيوف الحلقة

- أبو زيد المقرئ الإدريسي، نائب في البرلمان المغربي

تاريخ الحلقة

09/10/2000


أبوزيد المقريء الإدريسي
محمد كريشان
محمد كريشان:

تحت قبة البرلمان المغربي أكثر من ثلاثمائة نائب من أحزاب وتلوينات سياسية مختلفة، بعضها ربما لم يغادر هذا المبنى منذ سنوات عديدة، عدد قليل فقط من هؤلاء النواب بالكاد يتجاوز العشرة وهم من التيار الإسلامي يدخلون البرلمان لأول مرة، مما يطرح قضية تقويم هذه التجربة رغم قصرها ومحدوديتها، ضيفنا هذا الأسبوع (أبو زيد المقرئ الإدريسي) واحد من هؤلاء النواب.

المقرئ أبو زيد من مواليد عام 1960م، أستاذ بكلية الآداب في إحدى الجامعات المغربية، يحضر دكتوراه دولة في اللسانيات عن موضوع (دلالة الفضاء في القرآن الكريم) عضو مجلس الشورى لحركة التوحيد والإصلاح الإسلامية في المغرب ونائب في برلمان في دورته الحالية، عضو الهيئة الاستشارية لمجلة (المشكاة) المغربية ولجنة التحكيم لمجلة (التجديد) الماليزية، محاضر منذ زهاء خمسة عشر عاماً في كثير من القضايا الفكرية الإسلامية.

محمد كريشان:

سيدنا/ أبو زيد المقرئ الإدريسي، أهلاً وسهلاً.

أبو زيد المقرئ:

أهلاً وسهلاً.

محمد كريشان:

أكثر من سنتين على بداية الفترة البرلمانية للبرلمان المغربي الحالي، وهناك تجربة متميزة، وهي وجود عدد من النواب الإسلاميين كانوا في البداية تسعة، ثم أصبحوا في الفترة الأخيرة اثني عشر نائب ضمن البرنامج، أو ضمن الوجود لحزب العدالة والتنمية في البرلمان، كيف يمكن تقييم حصيلة النواب الإسلاميين في البرلمان المغربي كتجربة متميزة في المغرب.

أبو زيد المقرئ:

بسم الله الرحمن الرحيم، يصعب علي وعلى أي متتبع سياسي في ظرف سنتين أن يقيم تجربة وجود التيار الإسلامي داخل البرلمان المغربي، ولكن إن كان هناك من إضافة نوعية نستطيع أن نزعم أن التيار الإسلامي داخل البرلمان قد قام بها، فهي على مستوى المجيء إلى الساحة السياسية بقيم جديدة، وأخلاق جديدة، ومفاهيم جديدة تعكسها سلوكيات، وتعبر عنها مصطلحات وخطاب جديد، في هذا الإطار رقم 9 الذي استمر حوالي سنتين، وصار الآن اثني عشر، أي الحد الأدنى لتكوين فريق نيابي يمكنك من صلاحيات العمل القانونية والإمكانات المادية لهذا العمل، شيء لا يمكن أن يقارن بحجم ثلاثمائة وخمسة وعشرين التي هي عدد النواب في الغرفة الأولى، و 275 التي هي عدد النواب المستشارين في الغرفة الثانية، حيث منطق التصويت الحسابي البسيط يعطي أن أي اختيار لهذا الرقم الصغير جداً لن يكون حاسماً أبداً، أو مؤثراً في نتيجة اتخاذ القرار، ولكن دعني أقول لك مثلاً ملاحظة: الشارع المغربي الذي تحدث عن يمين ويسار وإسلاميين وينظر إلى حكومة، ومعارضة، وإسلاميين، في الوعي العام نحن لسنا 9 أو 12.

نحن تيار ثالث يمثل في الوعي السياسي العام ثلث الاختيار الموجود في الساحة المنقسم إلى اختيار يمين، ويسار، وإسلاميين، هذه واحدة، الثانية: موقعنا السياسي موقع جديد في الخارطة السياسية المغربية، حتى في التقاليد السياسية العالمية نفسها، معروف في الأدبيات السياسية أنه يوجد دائماً حكومة ذات أغلبية وتوجد معارضة، منذ سنوات في حوارات عديدة صرح بعض ممثلين للعمل السياسي العام: أننا إذا وصلنا إلى البرلمان لن نكون معارضة، ولن نكون أغلبية مساندة، سوف نكون اختيار جديد تميله علينا ثقافتنا الإسلامية وقيمنا الدينية وهي النصيحة، وهي قول الحق ولو كان مراً، ولكن بأدب شديد هو قول أحسنت لمن أحسن، وأسأت لم أساء، وبالتالي نحن نرفض أن نتخندق وسط هذا التصنيف المستورد جاهزاً من الغرب، والممارس في تقاليد الأدبيات السياسية الديمقراطية، سواء العريقة أو الهشة في هذا الإطار، مثلاً: اخترنا اختيار متميز نعتبره تجديداً في الساحة السياسية، بل نعتبره إضافة حقيقية للعمل السياسي المتحلق كما نريده وندعو إليه وهو المساندة النقدية، معنى هذا نحن نختار مبدئياً أن نساند للحكومة لأسباب موضوعية عديدة، أهمها: أنها أول حكومة سميت حكومة تناوب، ولو أنه لنا تحفظات على هذا التناوب، لأنه لم يأت من صناديق اقتراع نزيهة، ومحايدة، وموضوعية، ولكن..

محمد كريشان[مقاطعاً]:

نعم.. سنعود إلى تقييمكم لتجربة التناوب، يعني أنتم وصفتم أنفسكم بالتيار الثالث، أو الاختيار الجديد، ولكن وجود النواب الإسلاميين في البرلمان المغربي جاء تحت مظلة حزب العدالة والتنمية، يعني لم يكن وجودكم وجود تحت يافطة لحركة إسلامية، أو لحزب إسلامي، هل هذا ينقص من هذه الطبيعة المتميزة التي تريدون فرضها كلون سياسي، وكتيار يدعو إلى تخليق الحياة السياسية كما تعتقدون.

أبو زيد المقرئ[مستأنفاً]:

أبداً.. من الناحية النظرية العامة أي تيار يدخل تحت مؤسسة أو حزب أو يافطة غير يافطته لابد له أن يقدم تنازلات تؤدي إلى تصالح بين اختياراته وبين اختيارات الإطار الذي احتضنه،ولكن استثناءً حزب العدالة والتنمية الذي كان سابقاً الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية الذي يقوده الزعيم التاريخي المتميز والمقاوم المجاهد الدكتور/ عبد الكريم الخطيب، هو حزب كانت لو اختيارات إسلامية، لم يكن يحسنوا الإفصاح عنها بهذه القوة والحضور التي لدى الحركة الإسلامية، ولكنه كان يمثل الرؤية الإسلامية الصافية، وإنما كان يمارس عمله السياسي التقليدي بأدوات العمل السياسي التقليدي، وخطاب العمل السياسي التقليدي الذي أدى إلى أنه لا تتضح هذه الرؤية، وإلا يمكن أن نعود إلى أدبية الحزب في الستينيات والسبعينيات سنرى الدعوة صريحة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، سنرى الدعوة صريحة إلى رجوع الإسلام إلى الساحة السياسية، سنرى دعوة ضد الفرانكفونية والهيمنة الثقافة الغربية، وضد التبعية للغرب، والدعوة للاستقلال الحضاري، هذا في وثائق الحزب، وبياناته، ومقرراته، ومراسلاته للمسؤولين وعلى رأسهم الملك والبرامج التي اقترحها في حملاته الانتخابية، الفرق الوحيد أن الحركة الإسلامية نشأت داخل المغرب مستقلة عن الصراع السياسي وبعيدة عن التيارات السياسية، لم تكتشف طيف التنوع السياسي في المغرب وتقترب من الأحزاب التي تمثل في جذورها كحزب استقلال، أو في مسارها كحزب العدالة والتنمية الانتماء للإسلام، ومن هنا تأخر بنا الوقت حتى اكتشفنا الدكتور/ الخطيب، واكتشفناه وجمعت بيننا ضرورة الحاجة إلى إطار سياسي بعد أن حرمنا حقنا الدستوري في تعسف غير مفهوم ولا واضح من الإدارة المغربية منذ سنوات في تكوين حزب إسلامي، كنا تقدمنا بطلب الترخيص بحزب اسمه (حزب التجديد الوطني) وتقدم تيار إسلامي آخر آنذاك بطلب لحزب سماه (حزب الوحدة والتنمية) ولحسن الحظ أن هذين التيارين هما اللذين توحدا وكونا الحركة الإسلامية الموجودة الآن التي هي حركة التوحيد والإصلاح، وبالتالي صار من إرثهما معاً هذا المطلب النضالي للترخيص لهذين الحزبين، لكن عملياً الآن تخلينا موضوعياً عن هذين المطلبين.

محمد كريشان:

مؤقتاً أم..

أبو زيد المقرئ:

لأ.. عملياً لأننا لا نجد أي داعي لأن نفاصل الإطار الذي احتضننا، إذ وجدنا فيه راحتنا الكاملة، وجدنا فيه أهم شيئين، وجدنا فيه اتفاق على المبادئ المشركة العليا، وهي الديمقراطية، والإسلام، والعمل في إطار القانون في إطار المؤسسة الشرعية الموجودة وهي الملكية الدستورية، ووجد النصف الأمر الثاني وهو الديمقراطية الداخلية، حيث يمكن كان تعبر عن رأيك وتتقدم إلى موقف المسؤولية، وتختار من قبل الجماهير، فالكل مرتاح داخل هذا الحزب، والدكتور الخطيب عندما احتككنا به وجدنا شخص ذا قيم إسلامية عالية لا يدعوا إليها إلا قليلاً، ولكن يمارسها في فعله اليومي كثيراً في أسرته، في مهنته، وفي علاقاته الاجتماعية، وفي عمله السياسي.

محمد كريشان:

نعم.. سيد/ أبو زيد يعني اثنا عشر نائباً إسلامياً في البرلمان، ذكرت بأنه عدد قليل بالنسبة لثلاثمائة وخمسة وعشرين، ولكنه قد يكون أيضاً قليلاً بالنسبة لما ذكرتموه في بعض أدبياتكم من أنه كان يفترض أن يكون لديكم زهاء الأربعين نائب، برأيك هذا العدد يعني ذلك ضمناً اعتباركم أن كان هناك تزييف معين في النتائج، لماذا هذا العدد؟ هل أريد به ألا يتم إقصاؤكم بالكامل، ولكن أيضاً في المقابل ألا يكون لديكم هذا الوزن الذي تعتقدون أنكم جديرون به من خلال صناديق الاقتراع، لماذا هذا التغييب والوجود في نفس الوقت؟

أبو زيد المقرئ:

من باب الواقعية، من باب الإدراك السليم للإطار الذي نتحرك فيه، المغرب جزء من العالم العربي الإسلامي الذي هو جزء منا لعالم الثالث، والديمقراطية في هذا النوع من البلدان هي ديمقراطية هشة ومحدودة، وينبغي ألا نبالغ في الاعتماد عليها كثيراً، وإن كنا نطمح إلى دعمها وتقويتها من خلال ممارسة من الداخل، بخلاف تيارات إسلامية أخرى ترى لحد الآن أن التحفظ على هذه الديمقراطية الهشة وإدانتها من الخارج هو طريق للدفع بها إلى أداء سياسي وأخلاقي أفضل، في هذا الإطار ما زالت التوافقات والحسابات تحكم عقلية المسؤولين أكثر من الإيمان بترك النتائج للديمقراطية ولصناديق الاقتراع، ولعل ما حصل في طاجكستان بعد وصول الإسلاميين إلى الحكم بالتحالف مع الديمقراطيين، والتآمر الدولي عليهم والمذابح التي أودت بنصف مليون شهيد، ونصف مليون مشرد، يعني ما حصل في الجزائر من إطلاق الفعل الديمقراطي إلى وصول نتائج مخيفة، جاوزت الخط الأحمر الذي يقبله المتنفذون في الداخل، والمراقبون الدوليون في الخارج، نحن في هذه النقطة واعون جداً بأن هناك خطوط حمراء ينبغي أن نشتغل داخلها بشكل اختياري، أي عوض أن نرى هذه الضغوط ينبغي أن نقاومها، نراها خطوط حمراء ليس مسموحاً بشكل موضوعي لأي تيار مجدد يتبنى الإسلام أن يجاوزها بالنظر إلى الوضع الداخلي والشرط الدولي، ولا ينبغي أن ننسى الشرط الدولي لأن أنظمتنا وسيادتنا وواقعنا منتقص بفعل التبعية، وآثار الاستعمار، والمديونية والأنظمة المرتهنة للتوجيه الدولي الذي يبعد الشرط الدولي سيقع أوتوكاتيكياً في طاجكستان، ويقع في الجزائر، وفي هذا الإطار.

محمد كريشان:

عفواً.. يعني هل وصلتم إلى هذه القناعة بناءً على هذه التجارب، الجزائر وطاجكستان.. وغيرها، أم نتيجة قناعة مسبقة ذاتية فكرية، أم ربما اجتمع هذا وذاك؟

أبو زيد المقرئ:

أبداً.. أنا أقدم أمثلة توضيحية فقط للرأي العام حتى يفهم المقصود، وإلا نحن هذه قناعتنا، انطلاقاً من تحليل سياسي قائم على فقه السياسة الشرعية، وعلى فقه الترجيح بين المصالح والمفاسد، وعلى واقعية الإسلام المبنية على التدرج، والمرحلية والإنصات الذكي إلى مواطن الواقع الموضوعي المادي الذي يفرض نفسه في التحليل، في هذا الإطار نحن فهمنا الإشارات السياسية التي أشير لنا بها بشكل مباشر أو غير مباشر في لقاءات مباشرة، أو في صحافة وطنية، أو في صحافة دولية، ولا أريد أن أفصل أنه سيكون حجمنا محدوداً، وفي هذا الإطار عندما استنكرنا التزوير الذي وقع علينا، واستنكرنا العملية الفجة التي مورست بشكل خاص على حزب العدالة والتنمية، بحيث تمت مصادرة أغلبية مقاعده وتزييفها لصالح مرشحين من أحزاب أخرى، نددنا واحتججنا، وسجلنا الموقف، لكن في إطار وعينا بأنه العالم الإسلامي بأكمله من ضمن العالم الثالث مازال يعيش مرحلة تجارب ديمقراطية محدودة جداً، ومازالت رسم الخرائط والحسابات والتوافقات تحكمه، ومنها أنه فيه خط أحمر لا يمكن للإسلاميين أن يمارسوا فوقه الفعل السياسي، وإذا انقلبت الأوضاع داخلياً بفعل ضغوط مراكز قوى، ومن الداخل، وبفعل ضغوط من الخارج، لا تنسى -أخي مثلاً- أنه الرئيس الفرنسي لما حصل ما حصل في الجزائر، ودخلت الحركة الإسلامية محاولة الممارسة السياسية الأولى سنة 1993م صرح تصريح واضح بأنه لن يسمح أن يقع في المغرب ما وقع في الجزائر، نحن نرفض التدخل في شؤوننا الداخلية، ولكن نفهم مواقع النفوذ الفرنسي في بلادنا، وينبغي أنك تتعامل معها بذكاء، لماذا؟

لأنني لست مخيراً بين ديمقراطية كاملة وبين عدالة كاملة، أو دولة (عمر بن الخطاب) أو (عمر بن عبد العزيز) –رضى الله عنهما- وبين ديكتاتورية مقنعة

أنا مخير بين هامش محدود للفعل السياسي، أو بين لا هامش، وعلى أن لا أقود [أقوض] مركبتي التي أركبها وأن نراعي محدودية سيرها وقدرتها وحالتها الميكانيكية إن جاز، وفي هذا الإطار نحن مارسنا بالتسعة الذين أريد لهم أن يكونوا ستة في الحقيقة بتصريحات رسمية للحكومة ولمسؤولين كبار منهم وزير الداخلية السابق في صحف دولية في فرنسا وفي ألمانيا، قال: إنهم سيكونون بتقديراتنا بين الخمسة والستة، ربما كانت رسالة تطمين للآخرين الذين يخافون مما يسمونه البعبع الإسلامي، ولم يصنعه إلا إعلامهم، وإلا تضخيمهم لما يسمونه الأصولية، وما ينسبون إليها من فعل عنيف وعداء للديمقراطية والحداثة، أو هو محاولة لإظهار القدرة على التحكم في الخريطة السياسية وإفرازاتها، وفي هذا الإطار نحن لا يهمنا، يهمنا أننا نعذر إلى الله، ونقيم الحجة، ونستفرغ الوسع ونؤدي واجبنا في أن نشارك في هذه الواجهة السياسية بالدعوة إلى الله وإصلاح الأوضاع، وإرجاع الإسلام إلى الواقع بشكل هادئ، وبانسياب لطيف لا يثير ردود فعل كانت كارثية بالنسبة لتجارب، والإنسان يتأمل، ويشاهد، ويتعظ ويعتبر، ويستفيد من تجارب الآخرين.

محمد كريشان:

هذا التدرج قد يراه البعض من باب الفطنة السياسية، ومن باب الواقعية السياسية، قد يراه بعض خصوم الإسلاميين الذين قد لا يميزون بين إسلامي معتدل أو إسلامي متطرف، من يؤمن بالعمل الديمقراطي، ومن يرفع السلاح على أنه نوع من طأطأة الرأس للعاصفة، حتى تتمكنون في النهاية من السيطرة التدريجية، وأنكم تقبلون الآن بهذا الحد الأدنى، ولكنكم تطمعون في النهاية بالحد الأقصى، ولكنكم لا تفصحون عن ذلك، هل الحركة الإسلامية في المغرب، أو على الأقل جزء من الحركة الإسلامية، لأن هناك أيضاً تيار غير منخرط في العمل المؤسساتي، هل لديكم مثل هذا النوع من التفكير ربما؟

أبو زيد المقرئ:

تهمة ضد الإسلاميين بأنهم أعداء الديمقراطية تهمة جاهزة ومنمطة، كل شيء إعلامي، هناك اتحاد على الصعيد المحلي والدولي على تسويقه وإنتاجه، ودمغ العقول بعملية غسيل دماغ ضدهم، وإلا أكبر من يرفعون صوتهم باتهام إسلاميين بالعداء للديمقراطية، وأنهم سوف ينقلبون عليها عندما يتمكنون مرجعيتهم الأيديولوجية النظرية كانت تدعو دائماً إلى دكتاتورية البروليتاريا، وتدعو دائماً إلى العنف، وتدعو دائماً إلى الخيار الثوري الأحمر وممارستهم، حتى ما وصلوا إلى الحكم من (موسكو) إلى بعض العواصم العربية كانت ممارسة توليتارية شمولية إقصائية، وأسوأ أنظمة مستبدة انتهت بنا إلى نكسة 1967م، وإلى التبعية، وإلى التخلف، وإلى المديونية.

محمد كريشان:

ولكن ليس فقط التيار اليساري الماركسي الذي يصمكم بهذه التهمة؟

أبو زيد المقري:

هؤلاء هم أكبر من يضغط داخل أدبياته الصحفية بإعلامه القوي، ولغته المستفزة بهذا المعنى.

محمد كريشان:

المغرب يعني تقصد.

أبو زيد المقرئ:

الآخرون هم التيار الليبرالي الفرانكفوني الذي يمثل الاختيارات التغريبية في بلادنا وهذا التيار إنما هو صدى لمخاوف الغرب وممر لخطاب الغرب واختياراته والغرب أيضاً عنده حساب مع التيار الإسلامي، لأنه يرفع شعار الأسلمه بمعني الرجوع إلى الحل الذاتي، وإلى التراث الإسلامي، وإلى التجربة المحلية والانقطاع عن المحاكاة، والتبعية، والاختيارات الاستراتيجية الكبرى في السياسة، والثقافة والإعلام، والاقتصاد التي تنهي ولو بشكل جزئي ومتدرج الهيمنة الغربية.

خذ مثلاً في مجال الاقتصاد: رفع الإسلاميين لشعار تحريم الربا الذي هو حكم من أحكام الله القطعي الواضح بالنص بالنسبة للغرب لا يفهم على أنه شيء من الدين، أو رغبة في التصالح مع أمر الله -عز وجل- يفهم أنه تقليم للأخطبوط المالي الغربي الذي يشتغل بالاستنزاف والهيمنة عن طريق الربا، وإزالة الربا تؤدي أوتوماتيكياً إلى تراجع النفوذ المالي الغربي المتصهين في بلاد المسلمين وفي غيرها من البلاد.

فبالنسبة للغرب عنده حساباته الخاصة، والتيار الفرانكفوني التغريبي الليبرالي صدىً له، بالنسبة لليسار له حساباته الخاصة، وصراعه العقدي مع الإسلاميين واحتكاكه السابق، ولكن أنا أسأل: سواء الاشتراكيين، أو الشيوعيين، أو الليبراليين الذين وصلوا إلى الحكم في البلاد الإسلامية، جاءوا عبر سياسة الحزب الواحد، وجاءوا بانقلابات عسكرية مدبرة وممولة من الغرب وسموها الثورات وانتهوا بنا إلى الكارثة.

التيار الإسلامي لم يصل أبداً قط إلى الحكم لحد الآن، وحيثما اقترب مازال يُعمِّق ويرسخ الديمقراطية حتى بمفهومها الغربي، خذ الأحزاب السياسية الإسلامية التي تشارك في العمل الديمقراطي من (ماليزيا) إلى (المغرب) مروراً ب(مصر).. ب(الجزائر)، ب(اليمن)ستجد دائماً الإسلاميين عندما يكونون حزب سياسي أو يدخلون إليه ويمارسون العمل السياسي الأكثر انضباطاً لقوانينه وأعرافه وتقاليده وآدابه، والأكثر وفاءً وتخليقاً لهذا العمل السياسي، وهم دائماً ضحايا الانقلاب عليهم عندما يصلون إلى موقع يصبحون فيه أقوياء الطريقة الدنيئة التي أُقصِي بها أنور إبراهيم في ماليزيا، الطريقة التي أقصى بها [أربكان] في تركيا عدة مرات الطرقة التي تم بها تجفيف منابيع العمل السياسي الإسلامي في مصر، الطريقة الدراماتيكية التي حصلت في (طاجكستان) والجزائر، كلها دليل على أن العكس تماماً هو الواقع.

لحد الآن مازال الإسلاميون يبينون حسن نياتهم عملياً، أما محاكمة النوايا فأظن بأنه ليس من الأخلاق، ولا من الموضوعية ولا من العلمية في شيء، لأنه لا يقبل أحد أن تحاكم نواياه، ويريد أن يرد الناس إلى أفعاله وإلى رصيده التاريخي، وإلى مواقفه وإلى قناعته.. الإسلام ضد الإقصاء، الإسلام السليم ضد الإقصاء، عقيدة الإسلام تحترم العقائد الأخرى، الإسلام يدعو إلى الاجتهاد، الإسلام يقدس حرية الاختيار، بل إنه لا يعطي حرية الفكر فقط، يعطي حتى حرية الكفر (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).

تاريخ الإسلام كله، تاريخ الدولة الإسلامية تاريخ التسامح مع أهل الذمة، تاريخ التسامح مع التعددية الثقافية والمذهبية السياسية والحزبية، نحن نمتاح من هذا الرصيد، نعتز بهذا التراث ننتمي إليه، كيف يمكن أن تتشكل من داخل هذا التراث، ومن هذا المناخ الثقافي في أذهاننا ثقافة الإقصاء؟! بل نحن دائماً ضحايا الإقصاء، وأوله هذا التزوير الفظيع الذي ذهب بأكثر من أربعة أخماس المقاعد التي نستحقها.

محمد كريشان:

أشرت قبل قليل إلى المساندة النقدية لحكومة التناوب التي يرأسها السيد عبد الرحمن اليوسفي، بالنسبة لهذه المساندة الحكومة توصف بأنها حكومة ذات أغلبية يسارية، الاتحاد الاشتراكي معروف بانتمائه اليساري وإن كان بتصنيفاته أوصاف مختلفة، إذن كيف توائمون بين هذا الموقف الأيديولوجي من اليسار الذي أشرت إليه قبل قليل، وبين مساندة نقدية لحكومة توصف بأنها حكومة ذات أغلبية يسارية؟

أبو زيد المقرئ:

لعل أكبر مصدر للحرج في الساحة الإسلامية لنا اليوم هو هذه الملاحظة الوجيهة والموضوعية التي قدمت، حيث انتُقِد علينا من إخواننا الإسلاميين، ومن كثير من الملاحظين الموضوعيين انتُقِد علينا ما سمى تناقضاً، نحن نعتبره اختيار وليس تناقض، نحن واعون تمام الوعي بالحمولة الأيديولوجية للأحزاب التي تتحكم في الحكومة الآن، وعلى رأسها الاتحاد الاشتراكي.

نحن لم ننسى ولا لحظة واحدة تاريخ الاحتكاك والصدام من قبلهم بالحركة الإسلامية، صحافتهم واختياراتهم وبرامجهم إلى يومنا هذا مازالت مجانبة في كثير منها -إن لم نقل في أغلبها- للاختيار الإسلامي، بل مازالوا بعيدين عن فهم شمولية الإسلام، فأحرى الاقتناع بالانطلاقي منها، فأحرى القدرة على تحويل الاتجاه سياسياً سواء لعوامل ذاتية تتعلق بمكوناتهم الداخلية الفكرية وقواعدهم الأيديولوجية، أو تتعلق بالضغوط الدولية وحدود الاختيارات، نحن واعون بها وواعون بشيء أكبر من ذلك.

إنه آن الأوان أن نمارس من طرفنا علمية الدعوة إلى ثقافة توافق، إلى ثقافة حوار إلى ثقافة تعاون تقطع وتنهي مرحلة أربعين سنة من الصدام الحزبي والتطاحن السياسوي، وليس السياسي أي السياسي المنحرف، والاقتتال الذي تتغلب فيه الأنانية الحزبية والدغمائية الأيديولوجية على المصالح العليا للوطن، نحن قدمنا ما سميناه بالمساندة النقدية مفهوماً جديداً يثري القاموس السياسي، ويخلقه مبني على أننا واعون بالمسافة الكافية التي تفصلنا عن الاختيارات الأيديولوجية للأحزاب المتحكمة، ولكن واعون أيضاً بأن الوطن في حالة من الخطر، وفي حالة من الضعف والوهن.

وهناك ملفات كبرى أهمها قضية البطالة، وقضية الفقر، وقضية المديونية، وقضية الصحراء المغربية، وقضية الضغط العولمي، والهيمنة، والجات القادم، وهذه تستلزم روح جندية، وروح الإطفائي الذي يذهب إلى حيث النار لكي يطفئها دون أن يتساءل عن هوية القائمين في هذا البيت المحترق، أو ماذا كانوا يفعلون فى تلك اللحظة هل يعبدون الله؟ أم يرتكبون المناكر.

بهذه الروح، بهذه الجندية قدمنا اختيار دعم هذه الحكومة على أنه الأساس والاختيار، ومارسناه سواء في التصويت على مرشحيهم لرئاسة مجلس النواب البرلمان، أو في التصويت على صريحهم الحكومي أي اختيار رئيس الحكومة الذي نسميه نحن الوزير الأول، أو في 90% من القوانين التقنية والإدارية والمالية العادية التي هي من المصالح المرسلة التي قبلناها، بل أكثر من ذلك في النقط القليلة التي نصطدم معهم، نصطدم في مسائل الهوية، في مسائل الاختيارات الاستراتيجية لحد الآن حصلت اصطدامات حضارية بروح مؤدبة، وبالوسائل القانونية عبر الإعلام وعبر المدافعة داخل البرلمان، والتصويت بالرفض، والدعوة إلى إسقاط هذه القوانين بأسلوب حضاري، لكن تمت في قضية الربا، تمت في قضية تطوير قانون مدونة الأحوال الشخصية، تمت في التجاوزات الأخلاقية الفظيعة، سواء تنظيم حفلات ملكات الجمال، أو المظاهر السيئة في التليفزيون ووسائل الإعلام، تمت بالنسبة للموقف من التطبيع مع إسرائيل، تمت في قضايا كبرى مصيرية، أما القضايا الصغرى، فنحن نبحث فيها عن توافق عام، أكثر من هذا قد نخوض في الصباح في لجنة من اللجان معركة مع الحكومة ضد قضية من هذه القضايا، وقد يكون إذن الموعد في اليوم نفسه في المساء في لجنة أخرى قانون تقني، أو اتفاقية دولية عادية، روح التعاون، والتكاتف، والحوار الهادئ، والتصويت المتحمس بهذا القانون في نفس اليوم الذي كنا نخوض فيه في الصباح معركة هذا من أجل مصلحة الوطن، من أجل تقدير سامي لما ينبغي أن يجمعنا كمسؤولين عن هذه السفينة التي نقودها جمعياً في بحر متلاطم من الضغوطات والتحديات والمخاطر ومن هنا نحن الحرج عندنا غير حاصل، رغم أنه الخطاب السياسي المعارض يضغط علينا به، لأننا مرتاحون إلى أننا قمنا بهذا انطلاقاً من تحليل للسياسة الشرعية، وقواعد أصول الفقه القائمة على ترجيح المصالح والمفاسد، وأنك إن لم تجد الأصل الأصلح لكي تنصره تنصر أقل فساداً، انطلاقاً من وعينا أن الشروط الذاتية الموضوعية في الساحة لم تنضج لأي بديل آخر يكون أحسن، أو أقل سوءاً من هذا البديل.

موضوعياً وذاتياً الحركة الإسلامية لا يمكن أن تصل الآن إلى الحكم بجميع المقاييس، لا هي مؤهلة ذاتياً، ولا الظروف الموضوعية الدولية المحلية تسمح بها البديل اللي استمر أربعين سنة، أو وصلنا إلى الكوارث، والفساد موجود الآن في المعارضة ليس مؤهلاً كأفراد، ولا كتوجه عام، ولا كبدائل وخيارات أن يقوم ولا يمكنه الآن أن يصلح ما أفسده في أربعين سنة، الموجودون الآن مثلوا بشكل عام إلى حد الآن الأمل عند المغاربة في التغيير، جاءوا عبر بوابة التناوب والديمقراطية، جاءوا يحلمون رصيد من النضال، وخطابات، ومشاريع، ووعود ينبغي أن نفسح لهم الفرصة، وأن ندعمهم بما نستطيع حتى تأخذ تجربتهم الحيز الزمني الكافي، لكي يحكم المواطن المغربي عليها، ونحن لنا أذن على الشرع وأذن على الشارع، ونلتقط نبض الشارع سياسياً كما نلتقط أوامر الشرع دينياً وعندما ينضج عندنا قرار بأن هذه الحكومة قد أخذت فرصتها وفشلت لأسباب تتعلق بالهامش المتاح لها وليس بالإكراهات والضغوط، نحن لا يمكن أن نزايد عليها فيما يتعلق بالإكراهات والضغوط، لأنه بكل موضعية لو نحن كنا في مكانها من المستحيل أن نكون في وجه هذه الإكراهات والضغوط الموضوعية إلا في إطار ضيق من الممانعة أحياناً والمقاومة، فعندما ينضج هذا يمكن أن نغير قرارنا، ولكن ليس إلى المعارضة الآلية، فهذه لا تليق بأخلاقنا ومبادئنا، ليس عندنا إلا المساندة النقدية، أو المعارضة البناءة، وهذا أمر تحسمه طبعاً القواعد الحزبية بالشورى وبالقوانين الداخلية.

محمد كريشان:

ربما نعود لمواصفات المعارضة البناءة، ولكن عندما دخلتم إلى البرلمان ذكرتم أنكم دخلتم وأنكم تحتاجون للتعلم، ماذا تعلمتم بعد أكثر من سنتين، هي فترة وجيزة لا محالة، ولكن على الأقل ما هي الدروس الأولى التي استفدتم منها؟

أبو زيد المقرئ:

هي فترة على وجازتها تعلمنا فيها لأنفسنا الكثير، اقتربنا كثيراً من مؤسسة تعتبر من أهم المؤسسات في الأنظمة المعاصرة، وهي المؤسسة التشريعية، نظرنا في الداخل إلى دواليبها، وإلى طريقة عملها، وإلى الآليات التي تحكمها، وإلى التوازنات المعقدة والدقيقة التي تصطرع داخلها ويمارسها الفرقاء السياسيين فيما بينهم، فرق كبير بين النظرية، وبين التطبيق فقه الواقع شرط أساسي، لأني مسلم يمارس أي عمل إصلاحي، لا يمكن الإصلاح إلا بامتلاك تصور صحيح، وهذا بالنسبة لنا نحن والإسلام، ولكن إلا بامتلاك معرفة سليمة بالواقع، والسيرة النبوية تقدم أعظم الدروس لرجل كان نبياً رسولاً مبلغاً للوحي، وكان فاعلاً في واقعه السياسي مبصراً بطريقة دقيقة لمكوناته وحساسياته، محسناً للاستفادة من هذه المكونات من أجل أن يصل مشروعه إلى بر الأمان.

وفي هذا الإطار في خلال سنتين عرفنا ما هو البرلمان، ما هو قوانينه، ما هي مؤسساته، هياكله، دواليبه وعرفنا أشياء أخرى لا تسر، كيف تمارس أحياناً فيه ممارسات مخلة بالديمقراطية كيف يتم فيه التدافع بطريقة سلبية، كيف يتم فيه أحياناً تعطيل أشياء مستعجلة لإصلاح الأمة وإنقاذها، لأن هناك حسابات سياسية ضيقة من هذا الطرف ومن ذاك، فنحن نتعلم إيجابياً الشق الأول، وهو معرفة موضوعية مجردة، القوانين والهياكل، والمؤسسات، ونسعى إلى إحسان الاستفادة منها لصالح مشروعنا الإسلامي، ونحاول أن نقاوم المظاهر السلبية ثانياً: ونندد بها، ونبرأ إلى الله منها، على الأقل نوطن أنفسنا إذا أحسن الناس أن نحسن، وإذا أساءوا ألا نسئ، مهمة البرلمان في العالم كله تنقسم إلى شقين: التشريع، ومراقبة الحكومة، ولحد الآن نحن نحاول -من داخل البرلمان- أن نمارس مهمتنا في مراقبة الحكومة بالأسئلة الشفوية والكتابية، والاتصالات بالوزراء والجلسات العمومية، ومناقشة القانون المالي ما استطعنا لذلك سبيلا، وأيضاً لمناقشة مشاريع القوانين ومقترحات القوانين وتقدمنا مؤخرا خطوة طيبة بدأنا نضع مقترحات قوانين من (فريقنا) ووضعنا مقترح قانون لتعديل المسطرة المدنية التي تطبق مدونة الأحوال الشخصية، لأنها فيها عيوب أكثر من المدونة التي يركز اليسار عليها، لأسباب أيديولوجية من أجل اقتلاع ما تبقى فيها من الشريعة الإسلامية، ويحملونها مسؤولية عيوب موجودة في المسطرة المدنية، تقدمنا بمقترح قانوني لهذا التعديل، تقدمنا بمقترح قانون لتخليق الإعلام وحماية الشارع السياسي من الانتهاكات المخلة بالحياء ودعمنا مقترح قانون لحزب الاستقلال فيما يتعلق بمنع الخمر، ودعمنا مقترح قانون لحزب الاستقلال فيما يتعلق بتعريب الإدارة والحياة العامة، وهذا دليل على أن اختياراتنا تحكمها الأخلاق.

فحيثما وجدنا في أرشيف القوانين المقترحة اقتراحاً لحزب من الأحزاب لا داعي أن نكرره نحن حتى نظهر به لأنفسنا، كما أننا لو كنا نحن السباقين إليه ونزايد به على الحكومة لدى الجمهور، كلما وجدنا من سبقنا إلى خير قمنا نحن بدعمه والاشتراك معه في الدفع بهذا القانون، لكي يصل إلى لجنة العدل والتشريع، ثم يمر إلى التصويت العام.

محمد كريشان:

رغم هذه الروح اشتكيتم –أحياناً- مما وصفتموه بنوع من التهميش لكم في البرلمان برأيك لماذا يعني؟ إذا كانت هذه الكتلة لا تمثل خطراً كبيراً بالعدد وبالتأثير، ما الداعي لهذا التهميش برأيك؟

أبو زيد المقرئ:

هذا يدل على أن ما حاولت أن أشرحه –لحد الآن- من الأخلاق والقيم ليس متوفراً في الضفة الأخرى للأسف الشديد، تغلب الحسابات السياسية الضيقة وتغلب التوازنات السياسية الهشة، ولكن هناك سبب موضعي لتفهم خوف الآخر وأنه يعرف أن طبيعة التيار الإسلامي هي طبيعة كاسحة، لأنه التيار الإسلامي يخاطب الفطرة، ويلامس قلوب الجماهير، والمجتمع الإسلامي مازال رغم كل محاولات التغريب مجتمع مسلم، ومازالت عاطفته في العمق دينية، وحتى الأحزاب العلمانية اليسارية أو اليمينية في المغرب عدلت من مواثيقها وقوانينها الأساسية واختياراتها المذهبية، وعادت -بعد مد الصحوة الإسلامية- تجامل الإسلام وتبدأ الانتماء إليه، لأنها فهمت أن هذا الشعب عاش أربعة عشر قرناً مسلماً، وسيبقى مسلماً، وفي هذا الإطار تخاف إنه أدنى نجاح -ولو محدود جداً- للحركة الإسلامية قد يكون انعكاسه في الانتخابات القادمة امتداد كاسح لهذا التيار يقتلع مواقع بعض الأحزاب اللي هي مواقع منخورة، ولنقل بصراحة ما ينبغي أن يقال مواقع منخورة، ومواقع ضعيفة، ومواقع فاقدة للمصداقية، من كثرة ما تخلى نواب هؤلاء هذه الأحزاب عن ممثليهم، وعن الذين صوتوا عليهم، نحن بالمقابل رغم أننا اثنا عشر، لكن سلوكنا داخل دوائرنا الانتخابية، والتحامنا بالجماهير، وممارستنا للتأطير الاجتماعي والثقافي والتربوي، وفتحنا مقرات في كل دائرة من دوائر لاستقبال المواطنين وتأطيرهم، ورفع المظالم عنهم، والسعي بالخير لقضاء حوائجهم في إطار القانون والأخلاق لدى الإدارة، هذا شيء جديد في الساحة السياسية المغربية، ولم يمارس إل بطريقة عشوائية وفردية لبعض النواب المناضلين في أحزاب أخرى، ولكن أنا إن كنت أعذر وأتفهم نفسية الذين ينطلقون من هذا التخوف للتضييق علينا فأنا لا أقبله، ولا أتفهم، ولا أسكت عليه.. أعطيك بعض المظاهر: دورنا داخل البرلمان هناك نوع حقيقي من التهميش يسعى إلى تقليص حصص أسئلتنا الشفوية، يسعى إلى تقليص فعلنا أدائنا بطرق ملتوية لا علاقة لها –طبعاً- بالقانون الداخلي الذي هو الحكم والفيصل فيما بيننا، ونحن في كل مرة نسجل –داخل قبة البرلمان- احتجاجات على طرق ملتوية في شطب أسئلتنا بمسببات بيروقراطية لا معنى لها، أيضاً حظنا من الإعلام اللي هو إعلام الجماهير وبأموال عمومية، هي من عرق جبين الجماهير وأداء ضرائبهم، وحتى حظنه فيه قليل جداً، وممكن -أخي- أن تلاحظ تغطية أي نشاط للإسلاميين في الحزب، سترى أنه بالمقارنة مع الأحزاب الأخرى هو تغطية ضيقة جداً، ومقلصة في الكم وفي الكيف..

محمد كريشان[مقاطعاً]:

في وسائل الإعلام الرسمية تقصد؟

أبو زيد المقرئ:

وسائل الإعلام الرسمية، أما غير الرسمية فهي ملك لأصحابها وهم أكثر –أحياناً- شراسة في تهميش الحركة الإسلامية.

محمد كريشان:

إذا تركنا جانباً نموذج السودان وهو نموذج خاص، يعني الإسلاميون شاركوا في الحياة البرلمانية في كل من الأردن وفي فترة فترات -أيضاً- في مصر من خلال تنظيم الإخوان المسلمين، إذا أردنا أن نقيم مشاركة الإسلاميين في البرلمان المغربي ما الذي يمكن أن يقال مقارنة بهؤلاء؟ ما الذي استفدتموه إذا كانت لكم استفادة من هذه التجربة؟ ما هي إضافتكم إذا كانت لديكم إضافة؟

أبو زيد المقرئ:

عدا الأردن ومصر هناك اليمن أيضاً..

محمد كريشان[مقاطعاً]:

اليمن فعلاً، وهناك محاولات أقبرت في كثير من البلدان بطرق دراماتيكية، مثل الجزائر وأقل سوءا في دول أخرى كثيرة، نحن كل هذه التجارب في باكستان أيضاً، في ماليزيا، في أندونسيا، في تركيا نحن نتتبع بقدر ما نستطيع –تجارب- الحركات الإسلامية ونستفيد منها، لأننا على الخط العام نقتسم معهم القناعات نفسها والأخلاقيات نفسها، والمرجعية الإسلامية نفسها، لكن ما يميز تجربتنا هو ما يميز التجربة المغربية عموماً، المغرب كبلد عربي مسلم إفريقي خصوصياتي، من هذه الخصوصيات أن المسار السياسي المغربي الآن وصل إلى إنضاج فكرة، التوافق وفكرة التراضي، وفكرة التعاون على حد أدنى تجنيباً للبلد للصراع، صحيح أنه ليس كل الأطراف التي ترفع الآن شعار التوافق، والتعاون، والتوحد تمارس –عملياً- في العمل السياسي اليومي ذلك، بالعكس نجد ترسبات للعقلية القديمة التطاحنية، القائمة على القبلية السياسية والحزبية للأسف الشديد، وعلى الأنانية الحزبية للأسف الشديد، ولكن –بشكل عام- شعارها أصبح يمثل الثقافة المهيمنة هي ضرورة الوصول إلى توافق يجنب البلد كارثة الاقتتال الداخلي، ويجعل السفينة تصطدم، لأن ربابنتها فيما بينهم يتقاتلون، الحركة الإسلامية في المغرب ما يميزها أنها هي تأخذ هذا الشعار وتدفع به إلى أقصى ما يمكن من الإقناع والبناء، والتأسيس، والممارسة، وبالتالي نحن رتبنا لأنفسنا إطار ضيق نتحرك فيه قوامه مجموعة من الأخلاق، أهمها الصبر، فنحن نصبر على كثير من المضايقات والتعسفات التي تمارس علينا من الإدارة، أو من الأحزاب الحاكمة، أو من الأحزاب المنافسة، نحن وضعنا لأنفسنا سياج العذر، نحن نختار أن نعذر ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، الإكراهات التي تجد الحكومة أو الأحزاب نفسها فيها أحياناً، نحن اخترنا مبدأ التعاون، فنحن نريد أن ندعم أي مبادرة طيبة، أو إيجابية أو خيرة لمصلحة الأمة لا تتناقض مع الإسلام والثوابت العليا إلى أبعد مدى، نحن اخترنا فلسفة المساندة النقدية بأكملها كحاضن لمجموعة من الاختيارات التي تجعلنا محرجين، تجعلنا مقيدين تقيد ذاتي بأخلاقنا على أساس أن نعذر إلى الله وأن نفسح المجال لأكبر قدر من الخير يمكن أن ينجم عن هذه النفسية التوافقية حتى في الدول الديمقراطية أحياناً هناك من يحب وضع العصي في عجلة النظام الحاكم من أجل تثبيت مكاسب حزبية ذاتية على حساب الوطن، يحصل هذا في أمريكا كثيراً، يحصل هذا في أوروبا كثيراً، يحصل هذا في كثير من البلاد التي لها ديمقراطية عريقة، نحن اخترنا الاختيار الآخر بكل الثمن الفادح الذي نؤديه

وبكل البطء في بروزنا السياسي، ولكن نؤمن بأنه بطء قصير الأمد.. أما على المدى الطويل لا يصح إلا الصحيح، ولا يثبت إلا الحق.

محمد كريشان:

نعم.. على ذكر البروز السياسي.. هل تأثرت مكانتكم (كمناضلين إسلاميين) داخل القواعد سواء قواعد الحركة الإسلامية، أو قواعد حزب العدالة والتنمية, هل تأثرت صورتكم بعد أن تحولتم إلى نواب في البرلمان؟ يعني ربما هذه الهالة التي عادة ما تكون للمناضل قد تهتز أو تطعن، إذا ما أصبح نائباً ويصوت ورفع الأيدي إلى آخره من الأشياء المعروفة، ثم سؤال آخر مرتبط يعني هل ربما هذه الوتيرة البطيئة في العمل السياسي قد تدفع بالبعض من ضيقي الأفق ربما، إلى نوع من الكفر بهذا الأسلوب، ويعتبر بأن هذا عمل يحتاج إلى تراكم ولسنوات من العمل ربما خوف العنف، أو اللجوء إلى العنف مازال ماثلاً؟ ما رأيك في هذا الأمر؟

أبو زيد المقرئ:

أبدأ بالنقطة الأخيرة: احتمالات العنف في المغرب واردة كما هي واردة في أي مكان في العالم، حتى في الأنظمة الديمقراطية الراسخة التي تتيح الحريات، التي لا تسمح –موضوعياً- بظهور العنف، هناك من يستغل هذه الحريات لكي يمارس العنف، ولا توجد بقعة في الأرض ليس فيها أناس يطالبون نظرياً وفكرياً بالعنف أو ليس فيها أناس لا يمارسون في أمريكا، في أوروبا، في اليابان.. في كل مكان هناك تنظيمات مسلحة سرية تمارس العمل، رغم أ، الديمقراطية في إيطاليا عريقة ومتأصلة مازالت بعض التنظيمات تحمل السلاح، وتغتال السياسيين، والقضاة الكبار، المغرب –مبدئياً- ليست بمنجاة من هذا –لا قدر الله- ولكن عملياً ربما آخر بلد- ولله الحمد- في العالم العربي أو الإسلامي يمكن أن تصل له احتمالات العنف هو المغرب، هذا يعود إلى طبيعة البنية السياسية القائمة في المغرب، النظام المغربي ليس نظاماً شمولياً، ليس نظاماً توتاليتارياً، ليس نظاماً ديكتاتورياً بالمعنى الكاسح والكابح، وإن كان كما قلت ليس نظاماً ديمقراطياً ديمقراطية سليمة وكاملة، لماذا؟

هو نظام قائم على التوازنات، ليس فيه حزب واحد يحكم، الدستور ينص في مادة مستقلة بالنص (ونظام الحزب الوحيد ممنوع) وهذه من البنود التي لن تعدل أبداً ما دام المغرب هو المغرب. النظام المغربي قائم على إحداث توازنات بين المكونات العرقية، والدينية، واللغوية، والسياسية، والأيديولوجية، ولعلك ترى السوق الثقافية في المغرب مفتوحة لكل أنواع الكتاب الثقافي والسياسي، هذا من الحرية التي ننعم بها، ولكنه أيضاً من الدعامات الثقافية لوجود هذا التنوع الذي يحدث توازن، قد يصل هذا التنوع أحياناً إلى فسيفسائية، إلى حالة من (البلقنة) تجعل –مثلاً- تشكيلة البرلمان عاجزة عن أن تتحرك، في اتجاه الحكومة أو في اتجاه النظام حركة قوية، لأن التوازنات الهشة التي بنت التحالف الهش داخل البرلمان للوصول إلى الحكومة، تبقى رهينة بتخلف أي طرف عن التحالف ورجوعه إلى المعارضة والذي يتحكم في هذه الخيوط هو النظام، نعم هذا شئ يؤسف أن تكون الحسابات والتحالفات الهشة هي التي تحكم، ولكنها تثمر ثمرة موضوعية وإيجابية، وهي أن البلد –نسبياً- لا يصل في الاحتقان إلى درجة الانفجار.

ولاحظ أحد الباحثين الأمريكيين السياسيين منذ أكثر من خمسة وثلاثين سنة في إحدى دراساته المتميزة عن المغرب، أن النظام المغربي، والمجتمع المغربي، والنخبة المغربية نخبة متوترة، وأنها دائماً على حافة الفعل، ولكنها لا تنصرف أبداً إلى الانفجار، لا يوجد في الساحة السياسية المغربية ارتخاء وموت وجمود كما في كثير من الساحات، ولا يوجد فيها انفجار وتصادم، هناك حالة من التوتر تحكم ذهنية المغاربة جميعاً نظاماً، وشعبا، ونخبة سياسية، وفي هذا الإطار احتمال العنف مستبعد، لكنه يبقى وارداً في ظل شيئين، في ظل قناعات أيديولوجية موجودة عند اليسار المتطرف، وموجودة عند بعض الإسلاميين الراديكاليين، وأيضاً احتمالات وصول العنف عن طريق أسباب موضوعية مثل التأزم الاجتماعي وتفاقم البطالة، وثقل المديونية الذي قد يوصل كثيراً من الشرائح المحرومة إلى الباب المسدود، ويتضافر هذان العاملان فيكون الأول هو: الوقود للانفجار ويكون الثاني هو: الصاعق أو المفجر الذي يستغل هذا الانفجار لتمرير اختيارات العنف التي يريد أن يصل إليها بكل المبررات.

أما الشق الأول من سؤالك، فأنا أعترف لك –بكل موضوعية- أننا لابد وأكيد أننا خسرنا شرائح مهمة من جماهيرنا التي لم تقبل أن نمارس العمل السياسي، ولم تقبل أن ندخل إلى هذا النفق المحرج، الذي هو اللعبة السياسية بكل توافقاتها وإكراهاتها، ولكن أكيد أننا ربحنا شرائح أوسع من الجماهير التي خرجنا إليها بخطاب شامل هو الخطاب السياسي، وخطاب دعوي خطاب نخبوي مغلق قائم على الاستقطاب، والتربية، والدعوة، والإقناع، وهذه –للأسف- محكوم موضوعه أن يبقى نخبوياً ما شاء الله.

فإذن هذه الشرائح خرجنا لها بخطاب سياسي وهو أشمل، وأوسع، وخرجنا لها بالخدمات الاجتماعية، والثقافية، والقانونية، وبالدفاع عنها، وتأطيرها محلياً ووطنياً، بشكل أننا إذا وازنا بين حجم الخسارة سنجد بأنه في نهاية المطاف لصالح مشروعنا، وليس لصالح ذواتنا، الحساب لحد الآن ماضي في الاتجاه السليم، إشارة أخيرة، لا يمكن لخطاب النكير على اختيارنا والتنديد بهذا الاختيار أن يجد مستمسكات في سلوكنا لحد الآن ونسأل الله الثبات.

فمازلنا بسطاء في عيشنا، ما زال وضعنا الاجتماعي متواضع جداً، لم يغير منا أحد سكنه، ولا سيارته، ولا لباسه، ولا رفع مستوى عيش أهله، ولا بحث عن امتيازات لأقاربه ومحيطه، والناس يلاحظون -طبعاً- لغة الشائعات –للأسف- في المجتمعات المتخلفة التي تسودها الأمية لغة قاهرة وسلاح بتار، ولكن الكذب حبله قصير. وعموم الناس بدءوا الآن يستيقظون من دعوى أننا نملك سيارات شبح وفيلات فخمة أعطيت لنا كثمن لمساندة الحكومة، وأموال في أرصدة البنوك، وبدءوا يرون عملياً مجموعة من النواب يلتحمون بقواعدهم يومياً يعيشون هموم هذه القواعد، ينصتون إليها، يراكمون مئات الملفات التي عجزوا الآن بفعل كثرتها وثقلها عن إيصالها إلى كل الدوائر يسعون لوجه الله، ولوجه مصلحة الوطن، ولخدمة المواطنين التي ابتغاء أجر الله عز وجل، وابتغاء رضوان الله عز وجل، هذه أشياء كلها تحتاج إلى فقط وقت وزمن لكي تصحح الصورة المغلوطة والمغرضة، التي تنتجها الشائعات، وصحافة الرصيف، والخصوم الأيديولوجيين.

محمد كريشان:

سيد/ أبو زيد المقرئ الإدريسي، شكراً جزيلاً.

أبو زيد المقرئ:

شكراً لكم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة