معيار الكسب الحلال   
الأحد 17/10/1431 هـ - الموافق 26/9/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:24 (مكة المكرمة)، 13:24 (غرينتش)

- وجه فرضية الكسب وعلاقته بالدين والتمدن
- حول التوكل وفقه الكسب والاكتساب

- الفرق بين الكسب والرزق ومعايير الكسب الحلال

- أحكام في الاكتساب والسؤال


 
عثمان عثمان
يوسف القرضاوي

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}[النساء:29]، ويقول عز وجل أيضا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ..}[البقرة:267]، فالاكتساب أمر تعلق به بقاء نظام العالم كما يقول الإمام محمد بن الحسن الشيباني لأن الكسب أحد أسس التمدن وانتظام معاش الناس وبناء الحرف والصنائع ولو تركت هذه كلها لبطلت المعايش وهلك أكثر الخلق، فانتظام أمر الكل بتعاون الكل كما يقول الإمام الغزالي رحمه الله. وبما أن الدنيا مزرعة الآخرة فطيب الكسب يحقق السلامة في الآخرة لأن المال أحد الأسئلة الكبرى التي يُسأل عنها العبد يوم القيامة، من أين اكتسبه وفيم أنفقه، فما معيار الكسب الحلال؟ وما علاقة الكسب بالتمدن؟ وكيف تتحدد وجوه الإنفاق دون إسراف ولا تبذير؟ الكسب نظام العالم موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحبا بك يا أخ عثمان.

عثمان عثمان: قبل الدخول إلى محاور الحلقة يبدو أن لكم كلمة فضيلة الدكتور تفضلوا بها.

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. قبل أن ندخل في الموضوع لي كلمة لا بد منها في هذا المقام تتعلق بموقف الغرب من الإسلام وسبب هذا ما قرأته أن المستشارة الألمانية ميركل منحت الرسام الدنماركي صاحب الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة إلى نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام منحته جائزة أو وساما أو شيئا من هذا تكريما له على ما بذله من رسوم حرية التعبير يعني والعجيب أن يمر هذا الخبر دون أن يعلق عليه أحد أو يبرز حتى إبرازا، أنا لولا أني قرأت في مقال إحدى الأخوات الأخت فاطمة السويدي ما عرفت هذا الأمر، يعني الرجل ليس ألمانيا يعني وليس الحديث في هذه الأيام، مر وعمل ضجة في العالم فكأن هذه المرأة تتحدى العالم الإسلامي وتضرب به عرض الحائط ثم تُستقبل في بلاد العرب وبلاد المسلمين كأنها فاتحة وكأنها عبقرية من العبقريات و.. و... ولا شيء! يعني فهذا في الحقيقة ما ننكره أشد الإنكار، نحن أنكرنا على المسلمين الذين قاموا بأعمال لا يقبلها الإسلام ضد الغرب تناولت مدنيين وتناولت أبرياء، أنكرنا هذا ولكن هذه الأعمال هي التي تنشئ مثل هذه الأعمال، أعمال العنف هذه من أين تنشأ؟ تنشأ من مثل هذه التصرفات. فأنا أنكر هذا الأمر بشدة وأنكر السكوت عليه لأن هذا نوع من التواطؤ ومن التعاون على الإثم والعدوان وأرى أنه لا بد من الاحتداد الشديد على هذا الأمر من حكامنا ومن المؤسسات ومن الهيئات، ومن المؤتمر الإسلامي ومن الجامعة العربية ومن المؤسسات الكبرى الجامعات مثل الأزهر ومثل رابطة العالم الإسلامي يعني وهذه الأشياء يجب أن تنكر هذا الأمر فهذا من حقنا نحن المسلمين بل من واجبنا أن ننكر مثل هذا المنكر الشديد الإنكار.

وجه فرضية الكسب وعلاقته بالدين والتمدن

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور بالعودة إلى موضوع البرنامج، الفقهاء جعلوا الكسب والاكتساب فريضة شرعية، بداية فضيلة الدكتور ما وجه فرضية الكسب؟ وهل توضحون لنا علاقة الدين بالكسب والاكتساب والمعاش.

يوسف القرضاوي: أولا هو الأصل في الاكتساب أنه حقيقة من المباحات ولكن هو واجب من ناحية أخرى والأصل في الأفراد ليكتسبوا الأصل أن الإسلام شرع لهم الكسب وهو أمر مشروع إنما فرضيته ليست لكل الناس، من يحتاج إلى الكسب يجب عليه أن يسعى ولا يتكفف الناس ولا يسأل الناس ما دام عنه قدرة الأصل أن القادر على العمل يجب أن يبحث عن رزقه بعمله. الكسب هو إيه؟ الكسب هو طلب المعاش عمل الإنسان لدنياه لاكتساب الرزق وذلك أن الله تعالى خلق الإنسان يعني له حاجات ومطالب يأكل ويشرب ويلبس كما كان هذه الأشياء موجودة في الجنة بلا تعب، {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى}[طه:118] ربنا قال لآدم كده {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى،  وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى}[طه: 118، 119]، فحاجاتك من الأكل والشرب واللبس والمسكن، لا تضحى يعني لا تتعرض للشمس يعني مش محتاج إلى هذا، هذه الأشياء لم تعد موجودة في الأرض، وقال له كذلك {..فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى}[طه:117]، شقاء في السعي والكدح وكد اليمين وعرق الجبين، ومن هنا لما أنكر الناس على الرسل والأنبياء أنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وأنكروا المشركون من قريش والعرب على محمد هذا الأمر، قال تعالى  {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ..}[الفرقان:20]، وقال {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ}[الأنبياء:8]، ربنا ما خلقش البشر ناس تستغني عن الطعام مثل الملائكة، ومن هنا حينما خلق الله هذه الأرض بارك فيها وقدّر فيها أقواتها وجعل فيها المعايش قبل أن يخلق آدم، قال {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ، وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ..}[الأعراف: 10، 11]، فقبل خلق آدم هيأ الله له المعيشة وهيأ الله له الأرزاق وبارك فيها في هذه الأرض، إلا أن سنة الله أن هذه الأرزاق لا تنال إلا بالسعي، كما قال سيدنا عمر يعني "لا يقعدن أحد عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة" بل لا بد من السعي وأساس هذا قول الله تعالى {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ..}[الملك:15] فالمشي هذا أمر هذا أفضل من استدلال الإمام محمد بن الحسن بقوله تعالى  {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ..}[الجمعة:10] لأنه ممكن أن يقال هذا يعني أمر بعد الحظر لأنه قال وذروا البيع وبعدين فالأمر بعد الحظر يعني يفيد الإباحة، إنما هذه الآية تخاطب الجميع ابتداء {..فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا..} التمسوا الرزق في خبايا الأرض بالزراعة بالصناعة بالاحتراف {.. وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ..} فرزق الله موجود، فمن  هنا الأصل في هذا الأمر كما يقول الإمام الشاطبي، له قاعدة أن في أشياء قد تكون مباحا بالجزء واجبا بالكل، فالسعي على المعاش هو مباح بالجزء على حسب حاجة الناس ولكنه واجب كليا على الجميع أن يسعى يعني السعي مطلوب لإغناء النفس حتى لا تتكفف الناس، لإغناء الأسرة كما وجدنا البنتين ابنتي الشيخ.. وأبونا شيخ كبير يعني بترعيا الغنم لأن الأسرة محتاجة إلى هذا، قد يحتاج إلى ذلك المجتمع لأن المجتمع يجب أن يكون مجتمعا قويا غنيا المجتمع المسلم لعمارة الأرض ونشأكم من الأرض، العمل مطلوب لعمارة الأرض، العمل مطلوب لذاته، حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة.." -يعني نخلة صغيرة المصريون بيقولوا عليها شتلة يعني نخلة صغيرة- يريد أن يغرسها فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها. يعني الساعة ما تقمش إلا ما يغرسها يغرسها، طيب يغرسها ليه؟ يعني لا حينتفع بها لا هو ولا.. الساعة تقوم لماذا يغرسها ولن يستفيد من غرسها أحد؟ هذا إشارة إلى أن المسلم يظل عاملا منتجا معطاء يعطي الحياة إلى أن تلفظ آخر أنفاسها لأن العمل نفسه عبادة فيتعبد لله إلى آخر رمق في حياته.

عثمان عثمان: حتى ولو كان الإنسان يملك ثروة كبيرة من المال هل يجب عليه العمل هنا؟

يوسف القرضاوي: العمل يراقب هذه الثروة يعني لو عنده مال، ليه الإسلام حرم الربا؟ طيب يقول لك أنا عندي مليون أديه لـ 10% يجيب لي مائة ألف وأنا قاعد، لا، لازم تشغل هذا العمل إما بنفسك إما تشارك أحد مشاركة أو مضاربة أو شيء من هذا بحيث يجب عليك أنك تتابع الأمر، المال لا يلد المال وحده بدون مشاركة أو مخاطرة هذا مرفوض في الإسلام.

عثمان عثمان: دائما كان هناك حديث مولانا عن ربط الكسب بالتمدن، ما وجه العلاقة بينهما؟

يوسف القرضاوي: لأن الكسب لعمارة الأرض، نحن ليه بنقول لإغناء المجتمع لعمارة الأرض لإحياء الحياة؟ من أحيا أرضا ميتة فهي له، هذا كله يعني الزراعة والصناعة وهذه الأشياء كلها من شأنها أنها تقيم التمدن فالعمل في مجموع حينما ينتظم لأن المفروض العمل في المجتمع المسلم لازم يتكامل مش الناس كلها تشتغل في الزراعة وتسيب الصناعة أو الناس كلها تشتغل في التجارة وتسيب الحرف، لا بد أن توزع المكاسب كلها على المجتمع بالقسطاس المستقيم وهنا يكون دور الموجهين ودور أولي الأمر في الأمة من الحكام ومن العلماء ومن أهل الرأي والتوجيه بحيث الأشياء لا يطغى بعضها على بعض تبقى ثغرات ليس فيها شيء ما فيهاش أي حاجة وثغرات عليها ازدحام فهذا هو أساس التمدن الحقيقي، ليس هناك تمدن بالبطالة إنما التمدن يأتي بالعمل وبإحسان العمل لأن الإسلام مش بس أمرنا بالعمل أمرنا أن نحسن العمل، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله كتب الإحسان على كل شيء"، معنى كتبه يعني إيه؟ يعني فرضه فرضية موثقة زي ما قال كتب عليكم الصيام، كتب عليك القصاص في القتلى، يعني فرضه فرضية موثقة مكتوبة مؤكدة، فالإحسان فريضة إسلامية لازم تعمل العمل وتتقنه "إن الله يحب من أحدكم إن عمل عملا أن يتقنه" ولذلك لماذا نحن لم ندخل ميدان الصناعة وننافس العالم؟ لأننا لم نتعود إحسان العمل، ماشيه ماشية، مع أن الصناعة لا بد خصوصا اللمسات الأخيرة في العمل بحيث يطلع مضبوط، إذا تريد أن تنافس العالم في الصناعات وهذه الأشياء لا بد أن تعود الأمة إحسان العمل وإتقان العمل.

حول التوكل وفقه الكسب والاكتساب

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور هناك بعض المفاهيم المشكلة في أفهام بعض الناس، أن الكسب ربما يناقض مسألة التوكل على الله عز وجل، كيف يمكن توضيح هذه المسألة؟

يوسف القرضاوي: هذا هو هناك أمران مما يعني يجري عند بعض المتصوفة والسالكين هو موضوع الزهد وموضوع التوكل، فالناس الزهد مش محتاجين إلى الدنيا ولا كذا يحسبك أنك تأكل لقمة والثانية وخلاص، ولكن الإسلام كما قلنا مش يريد إقامة فرض فقط يريد الفرد الصالح والأسرة الصالحة والمجتمع الصالح والأمة الصالحة والدولة الصالحة، والصلاح هذا مش الصلاح التسبيح كما جاء {..أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}[الأنبياء:105] من هم الصالحون؟ الصالحون لإقامة المجتمعات الفاضلة لإقامة الأمة الصالحة في الأرض وهذا يحتاج إلى قوة اقتصادية وقوة علمية وقوة تكنولوجية وقوة.. هذا لا بد من هذا فإذا أردنا أن نقيم حياة لا بد أن نراعي هذه الأمور كلها العلم والعمل والتكامل في الأمور حتى يعني نقيم حياة طيبة تليق بالإنسان المؤمن، الله تعالى يجعل الحياة الطيبة جزاء للإنسان المؤمن {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً..}[النحل:97]، {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ..}[الأعراف:96]، {..وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ..}[الطلاق:2، 3]، {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً}[الجن:16] إنما الناس مش فاهمة، فاهمة الإيمان والتقوى على غير.. الإيمان والتقوى أنك تعمل حسب سنن الله لا تهمل سنن الله وتنتظر أنك تجيب نتيجة وأنت لم تجد، من جد وجد ومن زرع حصد، إنما لا تزرع وتريد أن تحصد وأن تنافس الزارعين؟ هيهات هيهات!

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني انطلاقا من هنا هل يمكن الحديث اليوم عن فقه للكسب والاكتساب؟

يوسف القرضاوي: طبعا في فقه الكسب وفقه المعاش والمسلمين يعني أفاضوا يعني فيه في كتب الفقه وفي كتب خاصة مثل كتاب يعني الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة هو كتاب صغير كده ولكن شرحه الإمام السرخصي صاحب "المبسوط" ووسع فيه، وجاء هناك أناس ألفوا كتبا ومنها من ألف كتاب "البركة في السعي والحركة" وغيرها من الكتب، وإن كان كثير من هذه الكتب يغلب عليها كثرة الأحاديث الضعيفة والواهية والموضوعة وما لا أصل له يعني ولكن عندنا من القرآن الكريم من محكمات القرآن ومن صحاح السنة ما يغنينا عن هذه الأباطيل. فأريد أن أقول تكملة لمسألة التوكل، التوكل ليس هو ترك العمل، التوكل في القلب إنما لا ينافي التوكل أنك تأخذ بالأسباب، خذ بالأسباب واترك النتائج إلى رب الأرباب، ابذر الحب وارج الثمار من الرب، بعضهم يستدل بالتوكل بالحديث الشريف "لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا"، الإمام أحمد رد على اللي بيستدلوا بالحديث قال لهم ما شفتوش الحديث يشير إلى التسبب، لأنك تغدو خماصاً يعني ربنا لما يضمن لها أنها ترجع بطاناً يعني شبعانه إلا بعد أن تغدو، تغدو يعني تتحرك وتعمل، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم حينما سأله الأعرابي يا رسول الله أرسل ناقتي أم أربطها وأعقلها؟ قال له اعقلها أو قيدها وتوكل. أتركها وأتوكل ولا أربطها وأعقلها؟ قال له اعقلها اربطها بالعقال وتوكل، فهذا توكل مطلوب. ومما يذكره رجال التصوف وأهل الرقائق قصة لطيفة قرأتها عن إبراهيم بن أدهم وصديقه شقيق البلخي كلاهما من رجال الزهد والسرور، شقيق البلخي ودع إبراهيم بن أدهم وذهب في رحلة للتجارة ولم يلبث إلى أياما ثم عاد وبعدين وجده إبراهيم بن أدهم قال له ماذا عجل بعودتك رجعت سريعا ليه؟ قال له رأيت عجباً، قال له ماذا رأيت؟ قاله والله دخلت يعني مكانا مهجورا كذا خربا فوجدت فيه طائرا كسيحا أعمى فعجبت كيف يعيش هذا الطائر لا هو بيقدر يتحرك ولا بيشوف، فبعد مدة جاء طائر آخر جايب له الأكل بتاعه يدي له الأكل ويجيب له الماء يسقيه من فمه، وبعد كم ساعة جاب له تاني فبيقول أنا قلت الذي رزق هذا الطائر الكسيح قادر على أن يرزقني ورجعت، فقال له يا شقيق ولماذا رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى الكسيح الذي يطعمه طائر آخر لماذا لا تكون الطائر البصير الذي يملك جناحين ويطير بهما ويطعم الطيور الضعيفة الأخرى؟ أما سمعت قول النبي صلى الله عليه وسلم "اليد العليا خير من اليد السفلى"، فهنا أقبل شقيق وعانقه وقال له أنت أستاذنا ياأبا اسحاق ورجع ثاني إلى.. فليس التوكل هو ترك الأخذ بالأسباب إطلاقا، بل سيدنا عمر يقول لما شاف جماعة في المسجد يقولون إحنا متوكلون قال لهم أنتم لستم متوكلين أنتم متأكلون لا متوكلون، المتوكل من زرع حبه من ألقى حبه في الأرض وتوكل على الله ويتابع الحبة طبعاً يسقيها ويتعهدها حتى تثمر.

عثمان عثمان: سيدي طالما تحدثنا عن فقه الكسب والاكتساب مالذي يجب على المسلم وجوبا عينياً تعلمه من فقه المعاملات والمكاسب؟ أسمع الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي نتناول فيها الكسب ونظام العالم مع فضيلة الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. فضيلة الدكتور الذي يتعامل الآن في موضوع الكسب يحتاج إلى فقه في هذه المعاملات وهذه المكاسب، ما هو الضروري الواجب تعلمه في هذا المجال على المسلم؟

يوسف القرضاوي: شوف هناك يعني فقه لكل حرفة يعني المطلوب من الزارع غير المطلوب من الصانع غير المطلوب من التاجر وكل حرفة لها يعني إذا كان بيزرع لازم يعرف إيه المحرم من الزرعات لا يزرع الحشيش أو الأفيون أو شيء مما يضر الناس بل المفروض يبحث عن الأشياء التي يحتاج إليها الناس حتى لو كان الناس محتاجين إلى القمح وراح هو يزرع يعني الأشياء ترفيهية والناس محتاجة إلى القوت مطلوب منك الواجب عليك توفر القوت للناس، يعني إذا كنت يعني صانعا ابحث لازم تعرف صنعتك ماذا يحرم فيها وماذا يحل، لا يجوز لك أن تصنع الخمر مثلا أو المخدرات لا يجوز لك أن تصنع الأصنام أو التماثيل المحرمة لا يجوز لك أن تربي الخنازير وتبيعها للمسلمين، لازم تعرف في حرفتك هذه أو في مهنتك ماذا يحرم فيها. حتى يعني التجارة، التجارة أيضا لها محرمة حتى كان سيدنا عمر يقول لا يجوز أن يدخل سوقنا من لم يتفقه في ديننا. إذا دخلت السوق، السوق له فقه في معاملات محرمة يعني الاحتكار الربا الغش النجش إيهام الشخص أنك عايز تشتري وأنت مش حتشتري يعني في أشياء كثيرة من المحرمات، الاحتكار يعني "لا يحتكر إلا خاطئ" كما في صحيح مسلم يعني إلا آثم كما قال الله عن فرعون وهامان {..إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}[القصص:8] أي كانوا آثمين، لازم تعرف إيه المحرم في ذلك، إذا كنت تشتغل في الصيرفة لازم تعرف فقه الصرف في التجارة تعرف فقه البيوع يعني ما الذي يحل في البيوع وما الذي يحرم منها، في مثلا بيع اسمه بيع الصرف في بيع اسمه بيع السلم، لازم تفقه في ما تحتاج إليه لأن ما تحتاج إليه يجب ولكن يجب أن يكون عندك أولويات الفقه حتى تعرف لأنه اذا كان ما عندكش فكرة أن الزكاة فيمن يملك النصاب يعني مش حتعرف إمتى حتبحث عن فقه الزكاة لازم تعرف إيه النصاب في المال الذي تملكه، عندك أنعام اذاً ما هو النصاب في الأنعام، عندك حبوب ما هو ملك النصاب في الحبوب، عندك تجارة ما هو ملك النصاب، لازم يكون عندك فقه عام بعدين تبحث عن الأشياء التي تهمك في تجارتك وربما ما تستطيع أن تصل إلى كل شيء، في أشياء اسأل عنها إذا لم تجدها في كتب ميسرة لك اسأل عنها أهل الذكر {..فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}[النحل:43].

الفرق بين الكسب والرزق ومعايير الكسب الحلال

عثمان عثمان: نأخذ بعض المشاركات، السيد محمود شريف من فرنسا تفضل أخي الكريم بسؤالك.

محمود شريف/ فرنسا: بارك الله فيك، أسئلة لشيخنا القرضاوي من فضلك، يا أخي حابين نسأل بعض الأسئلة، هل يجوز زكاة المال لبناء مسجد في فرنسا، باريس يعني، متكون على كل حال فيه معهد إسلامي للقراءة والتعليم لأنني لم أجد في القراءة..

عثمان عثمان: اسمح لي أخ محمود حتى لا يأخذنا الوقت، فضيلة الدكتور أجاب عن هذا السؤال في الحلقة الماضية إجابة وافية يمكنك أن تعود إليها. الأخ إبراهيم عبد الله من السعودية.

إبراهيم عبد الله/ السعودية: السلام عليكم.

عثمان عثمان: وعليكم السلام ورحمة الله.

إبراهيم عبد الله: بخصوص موضوع كسب الفقراء والمعدمين نطالب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بإعداد قوائم لمشاريع مزارع متكاملة لفقراء مصر والسودان بالذات والكتابة رسميا لمدير البنك الإسلامي للتنمية في جدة لتمويلها بالكامل، وعلى أن تبقى إدارة هذه المشاريع من بدايتها إلى نهايتها تحت مسؤولية وإشراف الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين حتى تثمر ويجني فوائدها جميع الفقراء في مصر والسودان بالخصوص وبدون تمييز بينهم والسلام عليكم.

عثمان عثمان: شكراً جزيلا. الأخ جمال دوار من مصر.

جمال دوار/ مصر: السلام عليكم أخ عثمان.

عثمان عثمان: عليكم السلام تفضل بسؤالك.

جمال دوار: شيخنا الجليل وعالمنا الفذ متعكم الله بالعافية ومتعنا بحياتك ونفعنا بعلمك اللهم آمين، سؤالي الأول فضيلة مولانا ما الفرق بين الكسب والرزق؟ سؤالي الثاني لماذا استعمل الله عز وجل في الآية الكريمة كلمت لا تأكلوا وكلمة تجارة تحديدا؟ وهل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها" تفسير لكلمة عن تراض منكم، وأرجو تسليط الضوء على رزق المعنويات أو رزق القيم وبارك الله فيكم.

عثمان عثمان: شكرا جزيلا، فضيلة الدكتور يعني الأخ جمال دوار طرح قضايا ربما يعني تحتاج إلى حلقات. نريد أن ندخل أكثر يعني أن نلامس حياة الناس، الأخ إبراهيم عبد الله طرح مشروعا يمكن للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن يتبناه، إنشاء مشاريع زراعية وغيرها ليستفيد منها المسلمون في مصر والسودان وغيرها.

يوسف القرضاوي: والله هذا مشروع المفروض كل المؤسسات الإسلامية تتبنى مثل هذه المشاريع، والمسلمون عندهم إمكانات كبيرة وكثيرة ولكن للأسف لا يوظفونها ولا يستفيدون منها ولا يتكاملون بعضهم مع بعض، بنحفظ من يوم ما كنا تلاميذ السودان غلة العالم العربي ويستطيع أن يغذي العالم العربي كله ولكن لماذا لم يستفد الناس من ملايين وعشرات ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة من الآن وبعضها تحتاج إلى إعداد، لماذا لم يستفد؟ لأنه لم يحدث تعاون لم يحدث تكامل، في بلد فيها رأس مال أو بلد فيها فنيون وبلد فيها أيد عاملة وبلد تتجمع هذه وتستفيد، لا بد أن نستفيد مما في العالم الإسلامي من خيارات نستطيع أن نكون يعني الأمة الأولى في العالم لو استفدنا بعضنا من بعض ووظفنا ما عندنا ولكن للأسف كنا الأمة الأولى عدة قرون ثم أصبحنا يعني في ذيل القافلة ولا حول ولا قوة إلا بالله.

عثمان عثمان: أريد أن آخذ بعض المشاركات من..

يوسف القرضاوي: في الأخ يللي بيقول إيه الفرق بين..

عثمان عثمان: بين الكسب والرزق.

يوسف القرضاوي: بين الكسب والرزق، الكسب هو طلب الرزق، يعني الآية مثلا بتقول {..فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ..}[الملك:15] فإحنا نمشي لنأكل من الرزق، فالكسب هو العمل لنصل إلى الرزق.

عثمان عثمان: هناك عشرات الأسئلة على الإنترنت، الأخت أم أيمن التونسية تقول "هل يتحول معيار الكسب الحلال من بلد إلى آخر -من بلد اسلامي إلى آخر غربي ربما- أم هي ضوابط عامة يتحتم علينا احترامنا أينما كنا؟"

يوسف القرضاوي:هو ضوابط عامة ولكن أيضا تختلف من بلد لبلد وحتى من فرد إلى آخر، لأنه في فرد نحكم له بحكم الضرورة أنه يجوز له هذا العمل وهو يحرم على غيره ولكن لأن هذا الشخص في حالة ضرورة في نفسه أو في أهله، ابنه مريض أو زوجته مريضة ويحتاج إلى أن يعمل عملية جراحية لابنه المريض أو لزوجته المريضة ولا يجد إلا أن يأخذ من البنك فهذه الحالة ضرورة إذا لم يجد طريقا آخر فنبيح هذا الفرض، وكذلك الأشخاص في بلاد الأقليات الإسلامية هؤلاء لهم فقه خاص ولذلك أنشئ المجلس الأوروبي للإفتاء، لماذا أنشئ المجلس الأوروبي للإفتاء؟ لأن المسلمين في أوروبا باعتبارهم أقليات لهم مشاكل أكثر من مشاكل غيرهم باعتبارهم يعيشون في مجتمع غير مسلم، الذي يعيش في المجتمع المسلم المفروض أن المجتمع بيساعده على أن يحيا حياة إسلامية ولكن الفرد الذي يعيش في المجتمع غير مسلم يجد في نفسه أحيانا مضطرا إلى أن يرتكب بعض الأشياء لا يجوز للمسلم في البلاد الإسلامية أن يرتكبها وأحيانا نيسر على هؤلاء الناس ما لا نستطيع أن نيسره في البلاد الإسلامية، أبحنا لهم أن يشتروا عن طريق البنك إذا لم يستطع بطريقة أخرى أن يشتري بيتا يسكنه -لا بيتا يتاجر فيه- بيتا يسكنه هو وعائلته عن طريق البنك الربوي فهذا يعني الكلام يللي بتقوله الأخت فعلا يختلف دار الإسلام عن غير دار الإسلام والإمام أبو حنيفة وأبو محمد لهم كلام في هذا الأمر.

عثمان عثمان: صالح أحمد يسأل هل هناك حدود في الربح لمن يعمل في التجارة أم أن نسبة الربح مفتوحة؟

يوسف القرضاوي: لا هو الربح يختلف باختلاف السلع والأشياء، يعني واحد بيتاجر يبيع جرجير وطماطم وفجل وهذه الأشياء كل رأس ماله ثلاث أرباع خمس جنيه يعني ده مش حتقدر تقول له اهدر بقى 10% ولا 20% ده ما كانش يربح 100% أو 200% ما يستطعش أن يعيش إنما اللي بيبيع بالملايين وعشرات الملايين أصحاب المولات والمتاجر الضخمة هذه لا بد أن يحدد الربح فيها حتى لا يستغل غفلة الناس ليبيع لهم بأضعاف السعر المعقول، إنما عليه الصلاة والسلام أعطى أحد الصحابة اسمه عروة البارقي دينارا ليشتري له بها شاة فالرجل راح اشترى يعني شاة بنصف دينار وبعدين جاءه واحد اشتراها منه بدينار، المهم باعها بعد شوية رجع للنبي عليه الصلاة والسلام ومعه الدينار الذي إداه للنبي وجاب شاة يعني كسب 100% مش في سنة، عادة بيعملوا الحاجات دي في سنة لا في لحظات في دقائق كسب 100% والرسول أقر هذا لأن هذا غير التجارات الكبرى والتي ينبغي أن تحدد فيها السلع حتى لا يستغل أذكياء الناس ضعفاءهم والناس الطيبين فيهم فيشترون السلع بأضعاف ثمنها.

عثمان عثمان: هناك حاجات وسلع ربما نادرة وقليلة، ربما تتحدثون عن هذه المسألة.

يوسف القرضاوي: لا، لا، سنتحدث عن السلع يللي بتبيعها المولات الكبرى في مولات هنا في قطر حياة بلازا ولا اللاندمارك ولا السيتي سنتر هذه بتبيع بعشرات الملايين هذه لازم تحدد ويكسب 10% ولا 20% يكفيه ما ينفعش يكسب 100% زي صاحب الشاة دي أو يللي ببيع خضر محدودة أو هذه الأشياء.

أحكام في الاكتساب والسؤال

عثمان عثمان: الأخ بلال يسأل هل يحرم الاكتساب عن طريق الاحتراف في الأندية الرياضية؟

يوسف القرضاوي: الإيه؟

عثمان عثمان: الأندية الرياضية هناك من يتفرغ فيها ويحترفها، هل يحرم الاكتساب من هذه المسألة؟

يوسف القرضاوي: الأندية الرياضية؟

عثمان عثمان: نعم، لاعب رياضي يتفرغ للعمل الرياضي قد يكون لاعبا في كرة القدم أو غيرها.

يوسف القرضاوي: هذه يعني لا مانع منها ما دام أن يسلك الطريق الطبيعي بأنه يتدرب وبيعمل وكذا والدولة محتاجة إلى ناس رياضيين بس المهم هو نيته، ماذا يريد يعني لا بد أنا عندي قوة جسمانية اكتسبتها من الرياضة هل للمجتمع نصيب في هذه القوة، يعني لو طلبني المجتمع للدفاع عن الأمة لقضية فلسطين لتحرير أرض الإسلام هل الأمة تجد عندي شيئا أم أنا بس يا عيني عايز أبقى بطلا في كمال الأجسام وفي كذا والناس تهتف لي وتقول فلان وكذا؟ لا بد أن يكون عنده شيء يعني يللي جسمه لا يقويه ده يكون في للمجتمع نصيب في هذا الجسم بس يعني يشتغل يساهم في جمعية خيرية يساهم في أشياء يؤدي هذا المال الذي يكسبه والآن بنسمع أرقاما يعني خيالية بيع الرياضيين بالملايين وكذا فعفاه، فإذا كان بيكسب من الملايين دي يجعل لله فيها شيئا.

عثمان عثمان: الكسب أحد أسس التمدن كما ذكرتم مولانا، هناك أيضا الصناعة، هل هناك صناعات منهي عنها شرعا؟

يوسف القرضاوي: ما ذكرت لك زي صناعة الخمر يعني الرسول لعن في الخمر عشر منها عاصرها ومعتصرها فعاصر الخمر نوع من صناعة الخمر، تربية الخنازير، صناعة الأصنام أو التماثيل، هذه الأشياء وفي صناعات يكرهها الناس بيعتبروها بيقول لك مثلا بيشتغل حانوتيا فيتمنى موت المسلمين كل ما يكثر الموت يعني مبسوط وبعدين يقول لك السوق واقف ما حدش بيموت فبعض العلماء يعني مثل هذه الأشياء التي يعني فيها تمني للناس الشر للمسلمين، والبعض يقول لك من قام بحقها وأدى واجبها وترك الشر فيها فلا شيء عليه.

عثمان عثمان: الأخ عبد الله على النت يسأل هل هناك علاقة بين الحرمان من الرزق واقتراف المعاصي والذنوب؟

يوسف القرضاوي: أيوه نعم، هو القرآن الكريم قال.. ربنا منذ أهبط آدم يعني وزوجه إلى الأرض وقال  {..فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}[طه:123، 124] فهذه المعيشة الضنك من الابتعاد عن هدي الله ومنهج الله وهذا طبيعي لأن منهج الله هو يدعو الأمة أن تعمل وتعمل بانتظام وتحسن العمل وتبتعد عن أخلاقيات الغش والأشياء التي تقوم على الأنانية فطبيعي أن الأمة التي تعملها لازم تكون حياتها حياة طيبة، وكذلك الرسول عليه الصلاة والسلام قال "إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" يصيب الذنب والله تعالى يقول {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ..}[الروم:41] الغلاء والضيق وكل هذه الأشياء به سبب ذنوب الناس {..بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}[الروم:41]، {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}[الشورى:30] مش حتى بيحاسبني على كل.. يعفو عن كثير، {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ..}[النحل:61]، بيعفو عن أشياء كثيرة ولا يؤاخذهم بكل ظلمهم ولا بكل ما كسبوا.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور ذكرتكم بقواعد الحلال والحرام بقاعدة أساسية يدور عليها الكسب يعني كيف يجعل المرء الكسب لنفسه لا عليه؟

يوسف القرضاوي: يللي بيكسب على نفسه هذا يللي بيرتكب الآثام، قال الله تعالى {وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ..}[النساء:111] إنما الكسب يللي طلب الرزق بالطرق الحلال هذا هو المطلوب الإنسان المفروض يتحرى الحلال ويبتعد عن الحرام بل حتى مش يبتعد عن الحرام يبتعد عن الشبهات، "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه"، يعني يبعد حتى لا يقترب من الحرام فرجله تجر إلى.. بل حتى كان سيدنا عمر يقول "إنا لندع تسعة أعشار الحلال خشية الوقوع في الحرام" يجعل بينه وبين الحرام مسافات.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور ربما ونحن نسير في بعض الشوارع في بعض البلدان نجد رجالا نجد نساء يستطيعون العمل والكسب وهم يسألون الناس، ما حكم التعامل مع هؤلاء الناس هل يجوز إعطائهم مما أنعم الله عز وجل على الإنسان؟ ما حكم الكسب الذي يأخذونه؟

يوسف القرضاوي: الإسلام حينما جاء حث الأمة على العمل ونهاهم عن السؤال، العرب كانوا يستسهلون أنه الواحد يروح يسأل الأمير أو كذا ولا يعمل وخصوصا الأعمال يللي بيعتبروها أعمالا دنيئة أو حقيرة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول لهم "ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده"، وإن نبي الله داوود كان نبيا وملكا آتاه الله الملك والحكمة "وإن نبي الله داوود كان يأكل من عمل يده"، كان يصنع الدروع في الحرب يعني.. {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم..}[الأنبياء:80]، فالواحد يعمل "أن يأخذ حبله على ظهره فيأتي بحزمة من الحطب فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه"، يروح يشتغل، ولما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله الصدقة فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له ليس عندنا شيء من الصدقة ولكن ألا يوجد في بيتك شيء؟ قال والله يا رسول الله ما عندي غير حلس نفترشه -فرشة كدا بنفترشها- وقعب إناء نشرب منه، قال له إتني بهما، فراح جاب له الفرشة دي والبتاع وقال للناس الصحابة الموجودين من يشتري هذين؟ فواحد قال يا رسول الله أنا أشتريهما بدرهم، قال من يزيد؟ -أصل مشروعية بيع المزاد- في واحد قال أنا أشتريهما بدرهمين، قال له هات الدرهمين واداهما له ثم قال للرجل خذ هذا الدرهم فاشتر به طعام لأهلك وهذا الدرهم اشتر به قدوما وإتني به، راح لواحد حداد واشترى بالدرهم ده قدوما والرسول وضع له خشبة وقال له رح احتطب ولا أرينك إلا بعد خمسة عشر يوما، فالرجل غاب خمس عشر يوما وجاء وحالته غير ما كان، راح احتطب قال له روح احتطب جيب حطبا يعني من الأشجار والأغصان ويلمها من هنا وهناك ويبيعها والناس يتدفؤون بها ويستفيدون منها، فاشترى وباع وأصبح معه فلوسا واشترى لنفسه حاجة يلبسها، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال له "أليس هذا خيرا من أن تأتي المسألة في وجه أحدكم يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة لفقر مدقع أو لغرم مفظع أو لدين موجع" الفقر الشديد يللي يحل له، يسأل ضرورة أو لغرم مفظع دين ثقيل محتاج إلى أن يسدده، أو لدم موجع الدم يعني دية عليه ديه والدية كانت مائة ناقة فمحتاج يسأل الناس ففيما عدا هذا يعني "فإن صاحبها يسأل سحتا"، فالنبي عليه الصلاة والسلام حل له المسألة في حدود البيئة رح واحتطب ولم يسمح له أن يأخذ من الصدقة حتى بعد أن يجرب ما عنده وعنده شيء بسيط يبيعه وبعدين إدى له نصفه للإنتاج ونصفه للاستهلاك نصفه هات طعام لأهلك ونصفه حوله إلى أداة، وهكذا تحل المشكلة كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور الأسئلة حول هذا الموضوع كثيرة جدا ربما نرحل بعضها إلى حلقة مفتوحة إن شاء الله عز وجل، أشكركم في ختام هذه الحلقة مولانا فضيلة الدكتور العلامة يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، أنقل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة