ميلود الصالحي.. القتال في صفوف الجيش الفرنسي   
الاثنين 1426/5/14 هـ - الموافق 20/6/2005 م (آخر تحديث) الساعة 14:36 (مكة المكرمة)، 11:36 (غرينتش)

- عائد من الموت
- مغربي فقير مترجما للجيش الفرنسي

- ذكريات فيتنامية

- مدرس الفيتناميين


سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة، نحن هنا في مزرعة في منطقة القنيطرة المغربية والذي قادني إلى هنا قصة رجل قاتل في الجيش الفرنسي في ألمانيا والصين وفيتنام ثم انقلب على هذا الجيش لينضم إلى المقاومة الفيتنامية، قصته تختصر جزءا أساسيا من قصص أولئك المقاتلين المغاربة الذين انضموا إلى الجيوش الأجنبية فعادوا إلى بلادهم إما بمآسٍ أو بتاريخ مشرق، هو العسكري الفرنسي السابق ميلود الصالحي.

ميولد الصالحي: بالعربي.. أترجم لك بالعربي ولكن حسب للشعب مسلِّمين.. يا إخوان للشعب مسلِّمين، نسيت أغني بالعربية وهذه الأغنية ترجمها أخ تونسي..

سامي كليب [مقاطعاً]: وهذه كانت نشيد المقاومة الفيتنامية.

ميولد الصالحي [متابعاً]: كثير أناشيد كثير.. كثير..

سامي كليب: ما هي أصعب لحظة عشتها في خلال الحرب في فيتنام؟

ميولد الصالحي: لحظات كثيرة يا أخي وهذه اللحظات الكثيرة وهو لما بدأت أميركا تُقنبل شمال فيتنام..

سامي كليب: تقصف شمال فيتنام.

ميولد الصالحي: آه، هي أصعب حالات مرينا بها ليس أنا وحدي لكن الفيتناميين والمغاربة ولا أي واحد صعب.. صعب جدا.


عائد من الموت

سامي كليب: بتواضعه المناقض لتاريخه الكبير استقبلني ميلود الصالحي عند محطة قطار القنيطرة وقد فوجئت بملامحه التي فيها شيء من آسيا رغم أنه وُلد في كنف عائلة جذورها قديمة جدا في المملكة المغربية وحين كنت أبحث عن الوثائق القليلة حول تاريخه وجدت واحدة غريبة تقول إنه متوفٍ وأخرى تفيد بأنه مصري وثمة من يعتقد أنه هندي أو باكستاني فهل أن أصوله مختلطة فعلا؟

ميولد الصالحي: لا يا أخي سامي لا.. مغربي 100% ولا عندي علاقات مع الأصول الآسيوية، نواحيتي الرباط حوالي 50 كيلو مترا جنوب العاصمة في المنطقة زعير..

سامي كليب: زعير..

ميولد الصالحي: زعير نعم، والدي كان فقيرا إلى أقصى درجة ولكن تبناني واحد السيد ابن عمي وهو كان في الجيش الفرنسي فكانت فيه فرصة أخذني معه ودخلت مدرسة القرآن ثم انتقلت إلى وِجْدَة وإلى المنطقة بركان ثم مدرسة اللغة الفرنسية.

سامي كليب: في منزله في مدينة القنيطرة المغربية أشياء كثيرة من فيتنام ذلك أن ميلود الصالحي كان كالكثير من رفاقه المغاربة الذين انضموا إلى الجيش الفرنسي قد تزوج من فيتنامية وأولاده الذين يجيدون مثله اللغتين العربية والفرنسية يتحدثون أيضا لغة الأم اللغة الفيتنامية ويأكلون الأطباق المغربية بقدر ما يحبون الأكل الفيتنامي ولكن كيف بدأت قصته مع الجيش الفرنسي عام 1952؟

ميولد الصالحي: الجيش الفرنسي كانوا يجيبوا شاحنات مملوءة بالخبز والشيكولاتة وهذه وإلى آخره من أكل وأنت عارف الـ 1949 والـ 1950 ما كانش فيه المجاعة هنا وكان يأخذ وحدك البوق ويعيِّط على الناس في الأسواق أسبوعيا عندما يدخل الجيش الفرنسي ويأخذ الأكل والشرب والزراعة والطحين والسكر إلى آخره ونساعد والدي وأدخل الجيش..

سامي كليب: يعني كان الإغراء إغراء الأكل والشرب؟

ميولد الصالحي: الأكل والشرب إلى آخره، أنا ما عملتش هيك الطريقة، أنا رحت اشتغلت عند فرنسي، ما بقاش عندي العائلة دي اللي ضعيفة ما بقاش نتبع الدراسة بتاعي، اشتغلت عند واحد هو حارس الغابة.

سامي كليب: أيوه.

ميولد الصالحي: في زعير..

سامي كليب: بعد العمل عند الفرنسي مباشرة انتقلت إلى صفوف الجيش؟

ميولد الصالحي: لا بعدين مشيت للدار البيضاء.

سامي كليب: أيوه.

"
لدخول الجيش الفرنسي يشترط عدم قراءة اللغة العربية
والفرنسية والعبرة من ذلك الاعتقاد أن كل واحد يعرف اللغة العربية أو الفرنسية إنسان يفهم ويشارك في المقاومة أو على الأقل يعمل بلبلة في وسط الجيش الفرنسي
"
ميولد الصالحي: فرحت أدخل الجيش الفرنسي لكن كنت ما أربيش شعر.. ولما جيت أدخل الواحد اللي عنده الشعر ما يدخلش الجيش واللي قارئ اللغة العربية ما يدخلش الجيش، قارئ اللغة الفرنسية ما يدخلش الجيش فجاء عندي أنا..

سامي كليب: شو السبب يعني لازم يكون أمي؟

ميولد الصالحي: أمي 100% ما يدخولش الجيش.

سامي كليب: شو العبرة من ها الأمر؟

ميولد الصالحي: العبرة لأنه كانت الحركة بدأت لأنهم يفكروا أن كل واحد عنده اللغة العربية أو اللغة الفرنسية يعني إنسان يفهم وإلى آخره ويشارك..

سامي كليب: في المقاومة..

ميولد الصالحي: في المقاومة أو على الأقل يعمل بلبلة في وسط الجيش الفرنسي فرحت عندهم قال لي قارئ الفرنسية؟ قلت نعم والعربية؟ قلت نعم والشعر طبعا شوف اللي راح.. رحت سألت الناس برة قالوا لازم تحسنه كل يوم مرة، لا أعرف لا عربية ولا فرنسية وأسبوعين من بعدها رجعت فعلا الرأس أقرع لا شيء مشي هو تغير.. شاف.. أنا كنت طويل في وسط الناس قال لي أنت.. أنت لا أنا أعرف قلت له أنا؟ قال لي أنت.. عندهم مترجم مغربي ضابط، قال لي أنت تتكلم اللغة العربية؟ قلت له لا يا سيدي ما نعرفش، الفرنسية؟ لا، أبوك يشتغل إيه؟ فلاح، كنت تعمل إيه؟ كنت نسرح البقر، طيب خذ، رحت.. بعد عشرين يوم راحوا ممضي على أربع سنوات..

سامي كليب: أربع سنوات خدمة؟

ميولد الصالحي: طبعا عقد أربع سنوات، رحت قضيت أربع سنوات وكل إنسان يقضي أربع سنوات لأن حتى لو تعرف إنجليزية أو فرنسية ما يتكلموش معك خلاص وبعدين..

سامي كليب: بعدها انتقلت إلى مرحلة التدريب العسكري باين..

ميولد الصالحي: آه طبعا..

سامي كليب: التدريب وين حصل في المغرب؟

ميولد الصالحي: في المغرب في مديونة.

سامي كليب: أيوه.

ميولد الصالحي: حوالي 15، 16 كيلو مترا 18 جنوب الدار البيضاء.

سامي كليب: وكنتم كثار من المغاربة الذين انضموا إلى الجيش الفرنسي؟

ميولد الصالحي: آه طبعا آلاف لا أقل مئات بل آلاف..

سامي كليب: أيوه.

ميولد الصالحي: آلاف، فرحت تدربت ثم قالوا لنا من يريد أن يذهب للقتال مع ألمانيا؟

سامي كليب: ألمانيا؟

ميولد الصالحي: ومن يريد الذهاب للهند الصينية فأنا قلت له..

سامي كليب: الصين الشعبية..

ميولد الصالحي: الهند الصينية.

سامي كليب: اللي أصبحت فيتنام تبعها.

ميولد الصالحي: نزلت الصين.. الهند الصينية نزلوا من ألمانيا والجنود الألمانية أرسلوهم الهند الصينية.

سامي كليب: في ألمانيا شو كان السبب تدرُّب أيضا؟

ميولد الصالحي: تدربت تدريبا كثيفا جدا.. جدا.

سامي كليب: أيوه.

ميولد الصالحي: على جميع أنواع الأسلحة الموجودة آنذاك عند الفرنسيين دُربت عليها تدريب..

سامي كليب: طيب آنذاك يعني طبعا كنت لا تزال شابا صغيرا..

ميولد الصالحي: جدا.. جدا..

سامي كليب: وكنت متجها إلى المجهول يعني لا تعرف إلى أين ستذهب..

ميولد الصالحي: آه طبعا لا.. صحيح..

سامي كليب: طيب هل كنت تشعر بأنك ستقاتل من أجل حماية فرنسا من أجل حماية بلدك أو من أجل الحصول على لقمة العيش؟

ميولد الصالحي: أول حاجة وأكثر حاجة هي لقمة العيش لأنه آنذاك أنا لا أفهم في السياسة ولا هذه ولا استعمار ولا أي شيء آنذاك هذا، بأكلمك آنذاك لما دخلت الفيتنام شيء آخر حتى فتحوا الطرق فتحوا البيبان، فلما مشيت جابونا من فرنسا في باخرة كبيرة جدا مشينا جزائريين، مغاربة، توانسة إلى..

سامي كليب: من فرنسا؟

ميولد الصالحي: من فرنسا.

سامي كليب: إلى ألمانيا.

ميولد الصالحي: نعم نزلنا في حيفا وهذه مرسى أكبر مرسى في فيتنام.. في شمال فيتنام نزلنا..

سامي كليب: هذا بعد، فإذاً بعد ألمانيا.. بعد ألمانيا عدتم إلى فرنسا ومن فرنسا إلى الهند الصينية.

ميولد الصالحي: نعم نزلنا في حيفا.

سامي كليب: طيب أهلك لما أخبرتهم أنك ستنضم إلى الجيش الفرنسي شو كان رأيهم؟

ميولد الصالحي: طبعا ما قالوش حاجة..

سامي كليب: قبلوا؟

ميولد الصالحي: لا قبلوا طبعا لأن أنت تعرف الضعف والأشياء وقالوا ربما يدخل جيش ربما يصير لنا الدراهيم إلى آخره طبعا..

سامي كليب: وحين حصلت على أول راتب أهديت أهلك أشياء؟

ميولد الصالحي: لا الأول لا، أنت تعرف كنت شاب وإلى آخره هذا ولكن الثاني أرسلته إليهم..

سامي كليب: شو عملت بأول راتب؟

ميولد الصالحي: رتبت مكانتي.. أنا ما كنتش أدخن وكانوا ينادوني بالفقيه..

سامي كليب: بسبب عدم التدخين أو بسبب حفظك للقرآن؟

ميولد الصالحي: لا بسبب حفظي للقرآن والكتابات.. أكتب إليهم رسائل لعائلتهم وأمهاتهم إلى آخره ثم أكتب باللغة الفرنسية فاحترام.. فكانوا يحترموني، أنا كنت شاب جدا فكانوا يحترموني على الأساس هذا.

[فاصل إعلاني]

سامي كليب: طيب بعد فرنسا والتدرب في ألمانيا ذهبت إلى الهند الصينية؟

ميلود الصالحي: نعم.

سامي كليب: أول ما وصلت إلى هناك ماذا فعلت عمليا وهل كان لديك فكرة مسبقة عن الهند الصينية عن فيتنام؟

ميلود الصالحي: كمان من سافروا الهند الصينية وهذا في المغرب كان يجي فرنسي يتكلم اللغة الدرجة المغربية كويس وقال لنا تروحوا فيتنام؟ ما قلش الفيتنام الهندوشي الصينية، الناس ها دوك غوغاء، ناس لو مسكوكم.. يمسكوكم يذبحوكم ويشربوا دمكم ويعملوا لكم بالفعل.. يعني صورة سوداء عن الفيتناميين..

سامي كليب: طبعا هم راسلنكم حتى تقتلوهم..

ميلود الصالحي: سوداء، فلذلك لما يمشي الجندي المغربي أو الجزائري أو التونسي فيخاف ليمسكوه الفيتناميين ويذبحوه ويشربوا دمه كما تقول الدعاية الفرنسية ولكن هذا الشيء كله دعاية فَرُحت..

سامي كليب: ولكن خفت؟

ميلود الصالحي: آه طبعا الخوف لازم، خفت جدا ومع الدعاية الفرنسية فبقت لقطة في ذهني يمسكوني يذبحوني يشربوا دمي إلى آخره فده يعني خوف صحيح ولكن بتنا هناك ليلتين في المرسى في الميناء ديال حيفا والبعض راحوا فينا غرب العاصمة آنوي، رحنا بشاحنات طويلة جدا وطائرات فوق منا تفتح لنا الطريق ربما يكونوا الفيتناميين هناك يضربوا إلى آخره، لما وصلت العاصمة في طريق مونتانا اللي كنت فيها أنا ما فيش مكان محدد اليوم هنا بكره هناك بعد بكره هناك إلى آخره..

سامي كليب: هذا اللواء اللي كنت تابع له؟

ميلود الصالحي: آه اللواء اللي كنت تبعه أنا، فرحنا بقينا شهور والله ما أعرفش..

سامي كليب: في البداية حين وصلتم لم يحصل أي قتال؟

ميلود الصالحي: لا ما فيش قتال لا بعدين فأول قتال..

سامي كليب: وأول مرة شفت فيتنامي كان في الجبهة.. على الجبهة أو بالحياة اليومية؟

ميلود الصالحي: لا.. الحياة اليومية طبعا كل يوم الفيتناميين كلهم إحنا في وسط منهم يبيعوا ونشتري....

سامي كليب: وبدأت تغير وجهة نظرك يعني؟

ميلود الصالحي: لا لأن ما أعرفش اللغة، آنذاك لا أعرف اللغة إلا الفرنسية وحين الفيتنامي يتكلم معك باللغة الفرنسية والله ما تعرف كان هندي يتكلم بالإنجليزية وكده ما أفهمش فنشوف، أنت تتقرب لهم ناس طيبين طبعا مؤدبين..

سامي كليب: طيب وأول مرة شاركت بالقتال؟

ميلود الصالحي: أيوة أول مرة شاركنا بالقتال أنا أتذكر حوالي ثمانية صباحا، ليس الجيش الفرنسي هو اللي هاجم بل الفيتناميين هاجموا الجيش الفرنسي فبدل..

سامي كليب: دب فيكم الرعب لا شك؟

ميلود الصالحي: آه طبعا يا أخي والله العظيم أقسم لك بالله لأنني كنت أمسك الرشاش وأرتعش، أنا أول مرة وأنا شاب صغير ما أعرفش.. أرتعش طبعا بأرتعش فأشوف واحد مات جنبي وأنا لما أنشن على واحد هكه مباشرة أضربه كده وخلاص..

سامي كليب: طيب معروف تاريخيا عبر كل الوثائق والأفلام وأيضا الذكريات يعني لضباط فرنسيين وغيرهم من ضباط الحلفاء إنه كان الجندي المغربي في الخطوط الأمامية..

ميلود الصالحي: آه طبعا.

سامي كليب: كان شجاعا وكان مقاتلا شديد البأس..

ميلود الصالحي: طبعا وها دول الشجعان وهم الناس اللي كانوا شاركوا في الحرب العالمية الثانية صحيح كانوا معنا كثير ها دول، أما إحنا الجُدد الصغار.. الشابين إلى آخره كنا نخف ولكن مع الوقت..

سامي كليب: مع الوقت بدأ يذهب الخوف..

ميلود الصالحي: يمشي مني الخوف إلى آخره..

سامي كليب: وحين شاهدت أول قتيل كان قتيل فرنسي ولا مغربي؟

ميلود الصالحي: لا مغربي طبعا، لا.. الفرنسيين لا يأتون أمام.. في الصفوف الأمامية هم دائما في الخلف..

سامي كليب: كانوا يضعوا كل المغاربة في الصفوف الأمامية؟

ميلود الصالحي: آه طبعا وحتى الضباط المغاربة يجون ورائنا بعد، أما الضباط الفرنسيين فهم بُعاد عن القتال، ليس بُعاد عن القتال ولكن هم يسيِّروا القتال..

سامي كليب: قُتل معكم ناس في أول.. المعركة الأولى؟

ميلود الصالحي: آه طبعا أنا بجانبي وعلى شمالي مات واحد بجانبي وجرحى كثير لكن أول مرة أشوف الفيتنامي واقف هكه ويضرب، أول مرة في حياتي آنذاك يقولون الفيتمين.. يسموهم الفيتمين.. الفيت معناه فيتنام.. مين يعني نقول تحالف أو كده يعني جبهة فيتنامية، فالفرنسيين يقولوا هذه كلمة الفيتمين كتحقير بهذا الاسم ولكن هو الحقيقة اسم يشرفهم..

سامي كليب: طيب وقاتلت في جبهات عديدة في فيتنام؟

ميلود الصالحي: لا والله العظيم مرتين..

سامي كليب: مرتين فقط؟

ميلود الصالحي: بس.

سامي كليب: بس في المرتين كانت جبهات قوية؟

ميلود الصالحي: لا المعركة الأولى كانت قوية جدا.. المرة الأولى قوية جدا أما المرة الثانية فالتقينا ليس مع الجيش النظامي بل مع الأنصار مع عصابات..

سامي كليب: وفكرت بالهرب في أول جبهة؟

ميلود الصالحي: لا..

سامي كليب: ليش؟ خوفا من الفرنسيين ولا..

ميلود الصالحي: لا ما فيش فكرة نروح بلادهم.. لا ما فيش فكرة لكن بعد جت الفكرة..

سامي كليب: لا ولكن فكَّرت بالهرب من الجبهة؟

ميلود الصالحي: لا أبدا لا للوراء ولا للأمام..


مغربي فقير مترجما للجيش الفرنسي

سامي كليب: بعد عام من انضمامه إلى الجيش الفرنسي بدأ نجم العسكري ميلود الصالحي يلمع في صفوف الجيش، بدأ يلمع ليس بسبب شراسته بالقتال وإنما بفضل مستواه العلمي فالشاب المغربي كان حاصلا على شهادة باللغة الفرنسية فكُلف بوظيفة حساسة جدا حيث صار مترجما في الجيش الفرنسي ثم وسيلة للتواصل بين الفرنسيين في هذا الجيش والجنود المغاربة، كان معظم الجنود المغاربة المنضوين تحت لواء الجيش الفرنسي آنذاك من الفلاحين وأبناء الطبقات الفقيرة فكان لابد للجيش الفرنسي من طريقة للتواصل معهم.

ميلود الصالحي: كنت أترجم ما بين الفرنسيين والمغاربة ولكن مترجم ما بين الفيتناميين اللي بيتمسكوا والفرنسيين فكان المترجم فيتنامي وأذكر يوما من الأيام المترجم الفيتنامي هذا له روح فيتنامية، أتذكر معه قلت له والله يا أخي شوف يعني القنابل النبالم كانت تنزل تحرق المدارس وتحرق السكان ليس لابد منها لا عساكر.. هم مدنيين عاديين فقلت له ما هذا..

سامي كليب: حين بدأت الترجمة بين الجيش الفرنسي والجنود المغاربة كانوا بدؤوا الفرنسيون يحترموك أكثر من غيرك؟

"
قال لي
أحد الفيتناميين إن الفرنسيين
الآن بيقتلوا المغاربة
ويحرقوا
فبدأت أفكر
أن
المقاومة
معهم حق
"
ميلود الصالحي: آه طبعا هذا صحيح فيوم من الأيام رحنا الناحية كلها منبين عندنا مساجين فيتناميين يروحوا معنا، يأخذوا لنا التموين وإلى آخره على كتافهم هكذا ذاكروا معايا.. فيهم من يذاكر معايا بالفرنسية آنذاك ما أعرفش أنا اللغة الفيتنامية ومعي الناس كلهم ضباط ولكن يخافوا أنهم ضباط عاديين من الجيش فقط، ذكر معاهم وقال لي شوف إحنا الفيتناميين إحنا ندافع عن بلادنا إلى آخره فبكل صراحة فتحوا لي حاجة ما كنتش نعرفها أنا.. قالوا لي أنت مغربي؟ أيوة مغربي وفيه الآن يقتلوا مغاربة عندكم في البلاد يحرقوا يعملوا فبدأت الفكرة كانت مما عندي أنا..

سامي كليب: بدأت تفكر إنه المقاومة معهم حق وأقرب إليك الجيش الفرنسي؟

ميلود الصالحي: آه طبعا أيوة صحيح، في يوم من الأيام جت جريدة..

سامي كليب: سنصل إلى ذلك لو سمحت ولكن قبل أن نستبق الأمور، طبعا كان عليكم خطر وقُتل العديد من رفاقك المغاربة، الاتصال بالأهل، كان حصل أي اتصال بعد الذهاب إلى فيتنام؟

ميلود الصالحي: نعم رسائل ولكن الرسائل تتأخر شوية لأنه يجي من يجمع الرسائل في الجبهة ويروح بها للعاصمة ثم يرسلها إلى المغرب..

سامي كليب: وأول رسالة وصلتك من مين؟ من الوالد؟

ميلود الصالحي: لا أنا اللي أرسلت له.. أنا الأول راسلت الوالد.

سامي كليب: تتذكر شو كتبت فيها؟

ميلود الصالحي: أيوة كتبت لأبي أنا أعرف.. أتذكر جدا قلت له أنا يا أبي في جهنم..

سامي كليب: في جهنم؟

ميلود الصالحي: نعم في جهنم ربما نرجع.. ربما أموت وهذا في يد الله هذه أتذكر لأنه صحيح.. لأنني لحظة لما كتبت الرسالة فكل واحد جندي له إناء صغير واحد يعملوا فيه اللي بدك فيه يعملوا فيه الماء.. يصبوا فيها القهوة كنت مقابل بالنار.. نار عادية فأنا رحت أشرب قهوتي تربعت هكذا وجلست وفيه صديق هنا جالس معي أنا قمت قال لي الفقيه؟ قلت له نعم، قال لي لا تتحرك لا اليمنى ولا الشمال، ليه؟ قال لي قلت لك ما تتحركش طيب آجى هي في..

سامي كليب: لُغم.

ميلود الصالحي: اللُغم ضد الإنسان ضد الواحد مشيت على..

سامي كليب: اللغم ضد الأفراد.

ميلود الصالحي: ضد الأفراد فها دول الناس المختصين في هادي خد لي تحت رجلي هذه هيك وخد الرجل هيك وجاب واحد تديكتار يقلِّب.. يفتش أجنبي قال لي تحرك شوي شاف قال لي خد.. ابعد.. رحت باعد هيك فهناك رُكَبي يعملوا هيك بكل صراحة..

سامي كليب: يعني لو كنت وقفت كان انفجر اللغم؟

ميلود الصالحي: آه.. لا لو كانت نسيت هادا بدي أو برجلي خلاص..

سامي كليب: وصلك جواب من الأهل بعد أول رسالة؟

ميلود الصالحي: نعم.

سامي كليب: شو كان مكتوب فيه؟

ميلود الصالحي: مكتوب فيه يسلم عليك أبيك وأمك وإلى آخره ونتمنى أن نشوفك في يوم من الأيام ولكن أن ترسل لنا الدراهم..

سامي كليب: الدراهم طبعا؟

ميلود الصالحي: آه طبعا.

سامي كليب: يعني كان همهم الدراهم أكثر من حياتك؟

ميلود الصالحي: أيوة للفقر..

سامي كليب: الفقر طبعا، طيب بكيت لما وصلت أول رسالة؟

ميلود الصالحي:والله بكيت مرارا يا أخي وندمت ندما شديدا جدا أني دخلت الجيش الفرنسي.. دخلت لأنني عرفت نفسي أنني سأموت..

سامي كليب: بكيت مرارا من الخوف ولا من الغربة ولا من..؟

ميلود الصالحي: من كل شيء وأكثر من الغربة..

سامي كليب: نجوت من اللُغم ولكن يعني في الواقع في البحث عن الوثائق لديك نجد إنه عندك شهادة وفاة إنك متوفي وشهادة الوفاة فرنسية؟

ميلود الصالحي: آه بحكم تقدير المحكمة الفرنسية..

سامي كليب: شو قصتها؟

ميلود الصالحي: لحد الآن أنا والله ما أعرف لحد الآن، أنا لما جيت هنا رحت زعير في الإقليم بتاعي شافوني قالوا لي عندك رسالات في الأرشيف إنك حكمت عليك فرنسا إنك ميت.

[فاصل إعلاني]

سامي كليب: يعني في الرسالة.. طبعا هي مكتوبة باللغة..

ميلود الصالحي: الفرنسية.

سامي كليب: الفرنسية ولا أدرى إذا كان عليها تاريخ.. يعني لا يبدو عليها التاريخ، المهم أنه يقول إنه بناءً على قرار.. على حكم من المحكمة الصادر من المحكمة الفرنسية بالثاني والعشرين من شهر آيار/ مايو من العام 1958 أنه حضرتك متوفي وأن هناك وثائق تؤكد أنك متوفي، هل أخطؤوا بالاسم؟

ميلود الصالحي: لا أبدا ما أخطؤوا شيء.

سامي كليب: لأنه كمان أيضا في الوثائق بين يدينا هناك الكثير من الأسماء لك والكثير من الجنسيات أيضا، ساعة مغربي ساعة مصري ساعة الصالحي ساعة بن صالح..

ميلود الصالحي: لا هذه أسماء مصري أو هندي أو مغربي هذه حتى الخمسة وستين 1965 لما بدأ الحرب مع أميركا..

سامي كليب: طب شو سبب الأخطاء بالأوراق؟ يعني كانوا عدم الاعتراف بمغربيتك؟

ميلود الصالحي: فررت من الجيش الفرنسي عند الفيتناميين، عرفوني طوقوا المنشأة كلها.. الدوار وفتشوا عليّ يمينا وشمالا يومين ولم يلتقوا بيّ لكن أنا آنذاك الفيتناميين عندهم حفرة كبيرة.. خنادق..

سامي كليب: اختبأت بها..

ميلود الصالحي: وخبَّؤوني فيها وأعطوني أعيش يومين بالموز.. أرز مفيش.. حرب ما عندهمش.. أعيش بالموز فلما ما لقونيش أعطوا أوامر للمدافع الثقيلة تردم..

سامي كليب: وظنوا أنك قتلت مع الجميع..

ميلود الصالحي: آه خلاص..


ذكريات فيتنامية

سامي كليب: لا يزال العسكري المغربي السابق في الجيش الفرنسي ميلود الصالحي يحتفظ في منزله المغربي وبعد أكثر من نصف قرن على مغامرته في فيتنام بالكثير من ذكريات الحرب وصور ذاك البلد الذي قصده مستعمِرا مع الجيش الفرنسي فاستقر فيه مقاتلا من أجل استقلال هذا البلد وضد الجيش الفرنسي ولا تزال فيتنام حاضرة بقوة في مخيلته وحياته، لا بل أننا حين اتصلنا به للاتفاق على هذه المقابلة ضرب لنا موعدا في مطعم فيتنامي في منطقة القنيطرة المغربية حيث فوجئنا بشقيقة زوجته تتحدث مثله لغة عربية شبه سليمة.

أخت زوجة ميلود الصالحي: أنا أخت زوجة سي ميلود كنت فيتنامية.. نزلت في فيتنام ولما جيت المغرب كنت صغيرة عندي أربع سنين، بنعيش زاي المغاربة هنا في المغرب، أنا بأحب أعيش دائما في المغرب، لما.. بأحب أرجع لفيتنام ولكن سياحة فقط، أنا ما بأحبش إلا في المغرب أي بلد آخر لا..

سامي كليب: ميلود الصالحي تعلم الأكل الفيتنامي وعادات البلد الذي ساهم بتحريره من الاستعمار الفرنسي ولعل حبه لهذا البلد يجد جذوره في انضمامه إلى المقاومة الثورية الفيتنامية بقيادة الزعيم الشيوعي التاريخي هوشيمين ولكن وقبل أن يخبرنا عن تلك المرحلة فلنرى ماذا في صور الماضي.

ميلود الصالحي: هذه في العودة بتاعي.. في القبيلة.. في القبيلة بتاعي هنا في نواحي زعير..

سامي كليب: بعد العودة من الصين وفيتنام؟

ميلود الصالحي: من غير استقبال ديال الدولة.. خاص ديال الحكومة المغربية، فرسان وبارود وشطيح ورقص وذبح الأغنام من الدولة المغربية ما فيهاش.. هذه خاصة بالدولة المغربية وهذه خاصة بالعائلة..

سامي كليب: في العائلة عملوا لك احتفال كبير..

ميلود الصالحي: كبير.. لأنهم كانوا دفنوني، لما صحيت عملوا عشاء وعزاء..

سامي كليب: وأهلك لما طلع خبر وفاتك كانوا تأكدوا أنك توفيت؟

ميلود الصالحي: عملوا عزاء.. لا توفيت طبعا عملوا..

سامي كليب: مسكينة الوالدة يعني..

ميلود الصالحي: كلهم أخواتي.. خواتي عملوا عشاء وخلاص قرؤوا الفقهاء قرؤوا الفاتحة إلى آخره..

سامي كليب: ورجعت مع زوجتك من فيتنام؟

ميلود الصالحي: نعم.

سامي كليب: هذه الصورة؟

ميلود الصالحي: هذا واحد كولونيل صديق.. أكبر صديق عندي، هذا بعد حرب.. هذا في حرب الأميركان، هذا بيت هوشيمين كله قصب..

سامي كليب: يبدو أنك بتحبه جدا لهوشيمين؟

ميلود الصالحي: أنا أحبه بكل صراحة لماذا؟ لأن شفت الرجل هذا الإنسانية أكثر من كل شيء..

سامي كليب: وخصوصا أنه عندك صورة كبيرة له..

ميلود الصالحي: آه طبعا..

سامي كليب: إلى جانب صورة محمد الخامس والملك الحاكم..

"
صديقي الكونيل هوشيمين قال
لي إحنا شيوعيين وأنتم مسلمين فكل واحد يخوض دينه، ولكن عندنا
دين واحد مشترك هو الكفاح ضد الاستعمار
"
ميلود الصالحي: آه طبعا لأن هو قال لنا إحنا شيوعيين أنتم مسلمين فكل واحد يخوض دينه، إحنا دينا الشيوعية أنتم دينكم الإسلام لكن عندنا دين واحد مشترك ما هو؟ الكفاح ضد الاستعمار، فأنا تفكرت أن في القرآن {لكم دينكم ولي ديني}..

سامي كليب: وهنا هيويشمين يتغدى مع أحد الجنود..

ميلود الصالحي: هنا يتغذى واحد الحارس بتاعه في الحدود ديال الصين تلقيه مكتوب على.. هذا الضو ديال فيتنام..

سامي كليب: العملة الفيتنامية..

ميلود الصالحي: العملة الفيتنامية نعم، هذه خمسة آلاف ضو.

سامي كليب: حين تشاهد هذه الصور الآن تحن إلى فيتنام؟

ميلود الصالحي: آه طبعا.

سامي كليب: لازالت تحب البلد؟

ميلود الصالحي: لا.. صحيح لأنهم ناس طيبين أنا لا علاقة لي بالسياسة أبدا..

سامي كليب: وتشتاق للعودة إلى هناك؟

ميلود الصالحي: آه طبعا لكن حتى الوزير.. رئيس الحكومة الفيتنامي جاي يزور المغرب قبل العلاقة الدبلوماسية ماكنش عندنا علاقة دبلوماسية وعملت تجارة وكل شيء فرحب بيّ يعني..

سامي كليب: للعودة إلى هناك؟

ميلود الصالحي: آه طبعا.

سامي كليب: وهذه الصورة؟

ميلود الصالحي: هذه هي بنت.. هذه أعطتها لي عام..

سامي كليب: سنة 1964..

ميلود الصالحي: 1964 أيوه 1964 صح هذه اللي كانت سقَّطت طائرة..

سامي كليب: سقَّطت طائرة؟

ميلود الصالحي: سقَّطت طائرة نعم.

سامي كليب: كيف؟

ميلود الصالحي: هي.. لأنه في كل القرية فيه شباب وحدهم سبعين.. ثمانين عام تسعين عام وحدهم بالأسلحة والبنات والشباب..

سامي كليب: بس كيف سقَّطت الطائرة؟

ميلود الصالحي: ضربوها (F15)، هذا في الصين، هذا استعراض عسكري ديال الجيش الفيتنامي..

سامي كليب: في التواريخ المحددة لعملك في صفوف الجيش الفرنسي في فيتنام حصلت حادثة معينة هي التي جعلتك تنقلب إذا صح التعبير على الجيش الفرنسي وتلتحق بالمقاومة الفيتنامية وهي وقوعك على رسم كاريكاتيري للسلطان محمد الخامس في جريدة، ما الذي حصل؟ وهل كان فعلا صدمة بالنسبة لك الأمر؟

ميلود الصالحي: هو كان قبطان فرنساوي وأنا كنت المترجم بتاعه، الجريدة هذه والله حتى للآن أتذكر اسمها ولكني لم أجدها..

سامي كليب: جريدة فرنسية..

ميلود الصالحي: فرنسية طبعا، نادني واحد وستين واحد وستين كان مش.. هناك ما ينادوش العسكري باسمه لكن برقمه، قال لي واحد وستين؟ قلت له نعم..

سامي كليب: يعني أنت رقمك واحد وستين؟

ميلود الصالحي: نعم أربعة عشر وصفر وواحد وستين، قال لي تعال شوف، فهذه الصورة أول صورة كبيرة في الجريدة أول صفحة فيها محمد الخامس كاريكاتير عملوا وجهه بالذباب والماء ينزل من فمه ومن نيفه فأنا استغربت قلت ماذا حصل؟ قال لي ده خلاص وهذا إلى آخره، شفت أنا هذا أخذته من عنده فقال لي ليه وجهك أحمر كده ليه؟ قلت له طبعا أشوف المسخرة هذه وما يكونش وجهي أحمر طبعا يعني..

سامي كليب: هذا ملِكك طبعا.

ميلود الصالحي: هذا هو رمز البلاد.. بلادي هو طيب.. المهم خلاص..

سامي كليب: هنا ينبغي فقط التذكير بمسألة أساسية في الواقع في تاريخ المملكة أنه المغاربة حتى اليوم يعتبرون فعلا السلطان آنذاك محمد الخامس الذي أصبح ملكا جد الملك الحالي أن هو الرمز الأساسي ليس فقط للمملكة ولكن أيضا للمقاومة المغربية.

ميلود الصالحي: للمقاومة صحيح لأنه حتى هو أنفاه الاستعمار ووصل للمدام كساكر حتى الفلوس..

سامي كليب: ما كان عنده..

ميلود الصالحي: ما كان عنده بشيء يدخلوا ولاده المدرسة..

سامي كليب: وأنت لما وقعت الصورة الكاريكاتيرية للملك محمد الخامس بين يديك كان موجود هو منفي أساسا في مدغشقر.

ميلود الصالحي: آه.. أيوه ولكن دايما هما تابعين.. دايما يطيحوا به.. دايما يحقروه، فشفت هذه يعني بكل صراحة في العشاء ما تعشتش ما أكلت العشاء لا.. رحت على الفيتناميين.. خلاص بديت كان أعمل علاقات شوية قلت له قول لي أجيني الصراحة، أنا فهمت الآن أن فرنسا تضربنا وتضربكم قال لي ليه؟ قلت له شوف الملك بتاعنا أنفته فرنسا..

سامي كليب: هذا الشخص الفيتنامي اللي كنت عم تحدثه مين هو يعني؟

ميلود الصالحي: هما أثنى عشر واحد..

سامي كليب: بس مين هما أسرى كانوا؟

ميلود الصالحي: آه أسرى طبعا.. أسرى فيتناميين..

سامي كليب: وكان لكم الحق بالحديث معهم؟

ميلود الصالحي: لا هما معانا يعني مش سجن.. لا معانا هكا في الخلاء كده، هما مهامهم يأخذوا لنا الذخيرة يرفعوها على أكتافهم أو أسلحة ثقيلة أو أشياء كده، فقلت له شوف قل لي بصراحة هل يمكن أن ألتحق بالصفوف الفيتنامية؟ قال لي لا مش ممكن لا..

سامي كليب: هو خاف طبعا منك؟

ميلود الصالحي: لا ما خاف ولا شيء هو يريد يجرَّبني يأخذ تجربة مني، قال لي لا أنت كويس هنا تأكل كثير وإحنا ما عندناش الأكل هذا.. وهذا، قلت له شوف أنا ما يهمني أكل لكن الصدمة اللي نزلت لي أن ملكي خرجوه من المغرب وأنتم هنا تقريبا مثلنا إحنا، فتكلموا بيناتهم بالفيتنامية أنا مأعرفش..

سامي كليب: كنت بعدها لم تتعلم اللغة؟

ميلود الصالحي: لا.. طيب قال لي فكر.. تندم من بعد قلت له لا مأندمش خلاص، يومين من بعد قال لي صحيح أنك تريد أن تذهب؟ نعم، هل الخوف من الموت؟ قلت له لا ليس خوفا من الموت بل لهدف، قال لي طيب ولما يمسكوك الفرنساوين قلت له أنا يقتلوني طبعا، قال لي لا ما تخفش لا يمسكك أي واحد، ففعلا كل الأسلحة اللي كان تم جمعتها.. كل الأسلحة ليس كل.. حوالي تقريبا عشرين أو خمسة وعشرين رشاش.. حوالي عشرة أو اثنا عشر مسدسا والذخيرة هما اثنا عشر واحد خضنا، فأنا اللي كنت في النوبة اللي يقابل المساجين..

سامي كليب: وتكلمت مع رفاقك المغاربة؟

ميولد الصالحي: لا.. لا..

سامي كليب: فقط للفيتناميين.

ميولد الصالحي: لا يمكن أبدا لا أثق في أي واحد، ثم قال لي بسم الله رحنا والله ما رحناش مائتين متر دخلنا القرية يا أخي كلهم فيتناميين..

سامي كليب: كلهم مقاومين.

ميولد الصالحي: كله لا يكذب عليك واحد يقول لك الفيتنام فيهم واحد كده.. كده لا..

سامي كليب: بعد عملية الهروب يعني وصلتم إلى هذه القرية لا شك أنه أهل القرية من المقاومين شكُّوا فيكم؟

ميولد الصالحي: لا.. لا أبدا.

سامي كليب: كيف؟

ميولد الصالحي: كيف؟ لأنه ها الناس هادول هما ضباط فيتناميين يعرفوا بعضهم البعض طبعا..

سامي كليب: طيب أنت هربت طبعا مع الضباط وصلتم إلى القرية وهوجمتم من قبل الفرنسيين، المقاومة الفيتنامية لم تشك أنك قد تكون مرسلا من الجيش الفرنسي أو جاسوسا معين أو كذا؟

ميولد الصالحي: هذه سألوني حتى الفرنسيين لما إجوا عملوا معايا ريبورتاج هنا وقلت لهم ومازلت بأقول لك أنت أن الفيتناميين لا يشكوا أبدا في مغربي أو جزائري أو تونسي لماذا؟ لأنه عارف أن إحنا ليست لنا ثقافة أهلية وشعوبنا هي تحت الاستعمار فهذا دارسينه الفيتناميين أكيد لكن لما يهرب فرنسي أو إسباني أو من جنسية أخرى فهذا متبوع..

سامي كليب: طيب والجيش الفرنسي حين كان يلقي القبض على مقاوم فيتنامي هل كانوا يمارسون عمليات تعذيب أو قتل أو تصفية؟

ميولد الصالحي: كثير جدا.

سامي كليب: أمامك كانت تحصل أمور؟

ميولد الصالحي: لا حصلت مرة واحدة اللي كنت معاهم في الجيش.. مع الفرنسيين..

سامي كليب: شو حصل؟

ميولد الصالحي: فيه واحد جت أخبار أنه ضابط كبير في المقاومة الفيتنامية ولم يقر بشيء أبدا..

سامي كليب: خلال التحقيق لم يقر بشيء؟

ميولد الصالحي: نعم ووياه مترجم فيتنامي فجابوا سكين بسيط شرطوا له اللحام بتاعه وشرطوه وبعد ما شرطوه عندهم النمل في الزجاج..

سامي كليب: النمل؟

ميولد الصالحي: النمل الأحمر ودهنوه شي سكر أو ما أعرفش بالضبط عسل أو سكر ويطلقوه عليه وهو يعضه لا شيء منه لا شيء.. لا شيء حتى....

سامي كليب: مات؟

ميولد الصالحي: مات.. ولكن مرة ثانية فأخذوا.. شافوا فيتناميين في خندق ودار لهم المترجم قال لهم أخرجوا من الخندق، قالوا له لا.. عاش هوشيمين وهما يقولوا هكذا..

سامي كليب: عاش هوشيمين وهمَّا في الخندق؟

ميولد الصالحي: نعم وهما في الخندق نعم..

سامي كليب: أمام الجيش الفرنسي..

ميولد الصالحي: طبعا عاش هوشيمين، خرجوا خلاص فأخذوا قنبلة يدوية وكسروها عليهم عاش هوشيمين.. عاش هوشيمين إلى حتى تقطع الصوت نهائيا فلما خرجوا هم طرف.. طرف من اللحم فهنا أنا الحقيقة شفت ها الناس يعني مصممين أنهم يحرروا بلادهم...


مدرس الفيتناميين

سامي كليب: اللافت في تاريخ المغربي ميلود الصالحي الذي خدم في الجيش الفرنسي أثناء احتلال فيتنام أو الهند الصينية آنذاك والذي انضم لاحقا إلى الثوار الفيتناميين هو أنه غالبا ما كان يترجم للسجناء ففي البداية ترجم للسجناء الفيتناميين عند الجيش الفرنسي ثم ترجم للمعتقلين المغاربة عند المقاومة الفيتنامية ثم راح يُدرس العربية لأبناء المسؤولين الفيتناميين وهنا تحسن وضعه الاقتصادي.

ميولد الصالحي: هنا أول حاجة بدأت اللغة الفيتنامية أكتب بالنهار وما فيش ورق آخذ الورق ديال ..

سامي كليب: الموز.

ميولد الصالحي: الموز وأحيانا أخذ الجوز الهندي.

سامي كليب: الجوز الهندي.

ميولد الصالحي: الجوز الهندي وأكتب فيه ومن حد كان الكولونيل اللي مسؤول على المركز قد صداقة بيني وبينه كثير وعجبته وأعجبني كده..

سامي كليب: هو فيتنامي؟

ميولد الصالحي: آه طبعا فيتنامي..

سامي كليب: كنت تحاول الحديث معه بالفيتنامية لتتعلم منه.

ميولد الصالحي: بالفرنسية.

سامي كليب: الفرنسية.

ميولد الصالحي: الفرنسية، لكن زوجتي كانت في هانوي.. زوجته كانت مخبرة.. تجيب الأخبار للمقاومة وتخوض أي حاجة وتجيب له سجائر وتجيب له كذا وهو كان بيعطيني سجائر إلى آخره فبقيت أدرس اللغة الفرنسية.. الفيتنامية، هذا في تعلم اللغة الفيتنامية، قال لي طيب فشفت شيء غريب في اللغة الفيتنامية هو أنه ما عندهمش النحو.. ما عندهمش، لا مثل ما عندنا أكلنا.. أكلتم إلى آخره لا، عندهم طريقة أخرى فجيتني سهلة بدأت مدة ثلاثة أشهر بكل صراحة ممكن أتكلم ولكن ليس بالعمق.. عميق لكن ممكن نتفاهم ممكن..

سامي كليب: والآن أولادك يتكلمون اللغة الفيتنامية؟

ميولد الصالحي: نعم.. نعم..

سامي كليب: أنت تتقنها تماما؟

ميولد الصالحي: آه طبعا.

سامي كليب: وتتحدث مع زوجتك باللغة الفيتنامية؟

ميولد الصالحي: الفيتنامية وكل شيء..

سامي كليب: وهي تعلمت العربية؟

ميولد الصالحي: طبعا تتكلم العربية؟

سامي كليب: وأسلمت؟

ميولد الصالحي: ما هي مسلمة طبعا.

سامي كليب: وتصلي؟

ميولد الصالحي: تصلي نعم صحيح حتى بناتي يُصلون.. أولادي يصلون.

سامي كليب: انتقلت من الجيش الفرنسي إلى صفوف المقاومة ماذا فعلت مع المقاومة؟

ميولد الصالحي: رحت المركز ديال المساجين الفرنسيين يعني الجيش الفرنسي.. مغاربة جزائريين رجعت مترجم.. بدأت أترجم، يأتي كولونيل فيتنامي.. همَّا ليس عندهم الرثتبات لكن بالأوراق وترجمت ما هو الاستعمار؟ ما هو الإقطاعي الذي يأخذ الأراضي؟ ما هو.. ما هو إلى آخره..

سامي كليب: تترجم للمغاربة؟

ميولد الصالحي: أترجم طبعا للمغاربة.

سامي كليب: من الفرنسية إلى العربية.

ميولد الصالحي: إلى العربية ولكن أحيانا أرجع من الفيتنامية إلى العربية مباشرة باللهجة الدارجة المغربية..

سامي كليب: وآنذاك بدأتم بتوزيع المنشورات على من بقي في الجيش الفرنسي؟

ميولد الصالحي: لا بعدين، شوي شافوني الفيتناميين نشيط في العمل بتاعي إلى آخره اختاروني، قالوا لي أنت عندك مهمة تروح فيها، اجمع أمتعتك، أمتعتي إيه؟ سروال قميص عادي رحنا، مهمتي أكتب المناشير.

سامي كليب: تكتب المناشير.

ميولد الصالحي: نعم والمناشير يوزعوهم الفيتناميين على المراكز كلها ديال الجيش.

سامي كليب: الفرنسي؟

ميولد الصالحي: الفرنسي وقبل ما يخرج بالتمشيط الجيش الفرنسي فالفيتناميين عندهم أخبار أي طريق سيمروا بها لأنه كان جواسيس يوصلوا لنا الأخبار فيروحوا ينشروا ها المناشير هذه..

سامي كليب: والمناشير كانت تدعو طبعا سنحاول أن نجد منشورا..

ميولد الصالحي: لا يوجد هنا..

سامي كليب: كانت تحاول أن تدعو الجنود المغاربة الذين لا يزالون في الجيش الفرنسي لمغادرته..

ميولد الصالحي: لمغادرته سواء ييجوا عندنا للفيتناميين فيسيروا لفيتنام أو يروحوا للجزائر أو تونس أو المغرب يدافعوا عن بلدهم.

سامي كليب: طيب انتصروا الفيتناميين بالحرب ليه ما عدتم لبلادكم لماذا لم تعد.. لم تعد حضرتك؟

"
بعد انتصار الفيتاميين واستقلال المغرب كنا نطالب بالرجوع ولكن الفيتناميين قالوا ليس لنا علاقات دبلوماسية مع المغرب
"
ميولد الصالحي: لأن ليش آنذاك فيه مطالب كثيرة، كنا نطالب دائما نرجع لبلادنا بعد استقلال المغرب لكن الفيتناميين قالوا إحنا أولا ما عندناش علاقة دبلوماسية مع المغرب، ثانيا كسبنا الحكومة الفيتنامية ما جاوبتناش..

سامي كليب: الحكومة المغربية.

ميولد الصالحي: أينعم ما جاوبتناش خلاص، طيب الناس زهقت خلاص كان من طلبها أن يرجعوا لفرنسا.. مصيبة..

سامي كليب: كان ممكن يُعدم بفرنسا يعني.

ميولد الصالحي: طالبوا.. خاضوا المعركة وهما بالسجن السجن المحلي بتاعنا خاص بنا إحنا، يسري الخبر بالسجن.. ما هو شيوعي طبعا لأنه جابوا لنا مشاكل مع السكان.. مع السكان الفيتناميين ففيه من طلب وفعلا رجعوا لفرنسا..

سامي كليب: ولم يحاكَموا رغم أنهم هربوا من الجيش الفرنسي..

ميولد الصالحي: لا راحوا ولكن ليس للإعدام، أربع سنوات للواحد سنتين كذا وبعدين خلاص يرحلوهم للمغرب..

سامي كليب: بس أنت حوكمت بالإعدام..

ميولد الصالحي: أنا حوكمت غيابيا..

سامي كليب: طيب حين وصلت إلى المغرب طبعا في.. حين كنت تقيم أو تقاتل في فيتنام أو تعمل في الجيش أو في المقاومة فيما بعد كنت تظن أنك ربما لن تعود وأنك ستموت هناك أو تُقتل، حين عدت إلى المغرب ماذا فعلت أول شيء حين نزلت من الطائرة؟

ميولد الصالحي: من الطائرة أول حاجة قبَّلت التراب اللي في المطار وكل الجيش اللي كان مستقبلني كانوا يستغربوا قالوا أنت أحمق ولا إيه؟ قلت لهم لا أنا مش أحمق لأنه لو كنتم في مكاني كنتم تعملوا نفس الطريقة.

سامي كليب: وشفت الأهل للمرة الأولى؟ رأيتهم؟

ميولد الصالحي: لا قعدنا حوالي خمسة أيام ضيوف في المطار العسكري الجوي وبعدين كل.. السلطة المحلية أخذت كل واحد للإقليم بتاعه.

سامي كليب: في كل تلك المدة التي أمضيتها بين فيتنام والصين وقبلها في ألمانيا لم تر أهلك؟

ميولد الصالحي: لا أبدا.. لأول مرة.

سامي كليب: بعد كم سنة يعني؟

ميولد الصالحي: كنت كذا وعشرين سنة.. يعني ما عشرين سنة لا..

سامي كليب: أكثر من عشرين سنة..

ميولد الصالحي: نعم.

سامي كليب: كيف كان اللقاء؟

ميولد الصالحي: حار جدا والبكاء لأنهم كانوا دفنوني خلاص.. قرؤوا الفاتحة مات إلى آخره رحمه الله لكن بعد ما الحكومة خبَّرتهم قالوا لهم أسبوعين والدكم سيعود.

سامي كليب: ماذا علمتك تجربة فيتنام؟

ميولد الصالحي: الصبر.. الصبر واعتماد الإنسان في الحياة على نفسه أولا هذه أشياء يعني فيتنام.. مستهلكة في فيتنام كلها، الصبر وأن يوم البؤس سيمضي ويأتي يوم سعادة.

سامي كليب: ميلود الصالحي ذو التاريخ العسكري الخطير في الجيش الفرنسي والتاريخ النضالي الأخطر في صفوف المقاومة الفيتنامية لم يجد في كل غربته أفضل من أرض بلاده المغربية الطيبة التي عاد إليها مع رفاقه من جبهات القتال وتزوج العديد منهم نساءً فيتناميات يعشن اليوم في المغرب مع أزواجهن وعلى الأرض التي منحهم إياها الملك الراحل حسن الثاني، أما هو ميولد الصالحي الذي دعانا إلى مزرعته حيث يعمل فيها بعض أبنائه الأحد عشر فإنه صار يمارس مهنة الطب عبر الوخز بالإبر التي تعلمها أيضا في فيتنام وعرف كيف يحول غبار التاريخ إلى زهور في ذاكرته اليافعة.


جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة