علي المزروعي.. العلاقات العربية الأفريقية   
الخميس 30/5/1426 هـ - الموافق 7/7/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:30 (مكة المكرمة)، 10:30 (غرينتش)

- العلاقات العربية الأفريقية بين الإسلام والاستعمار
- أسباب الاهتمام الأميركي بأفريقيا

- طبيعة النفوذ الإسرائيلي في أفريقيا

غسان أبو حسين: أعزاءنا المشاهدين أهلا وسهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج لقاء اليوم، ضيفنا هو البروفيسور علي المزروعي المفكر الإفريقي من كينيا ومدير معهد الدراسات الثقافية العالمية بجامعة بنغهامتون بنيويورك ومؤلف أكثر من عشرين كتاب في السياسات الإفريقية والعولمة وعلاقات الشمال بالجنوب أهلا وسهلا بكم بروفيسور.

علي المزروعي - مفكر إفريقي من كينيا ومدير معهد الدراسات الثقافية العالمية بجامعة بنغهامتون بنيويورك: (Thank you).

العلاقات العربية الأفريقية
بين الإسلام والاستعمار

غسان أبو حسين: بروفيسور علي الناظر للخط التاريخ العام لتطور العلاقات العربية الإفريقية لعله يتوقف عند محطتين رئيسيتين، هما الإسلام والاستعمار، تُرى إلى أي مدى يمكن الاعتماد على مثل هذين العاملين التاريخيين في صياغة مستقبل العلاقة بين الطرفين؟

علي المزروعي: في الحقيقة التاريخ هو جزء من الحاضر، لقد أطلقت على هذا التعبير مصطلح مثلث التراث الإفريقي حيث تلتقي ثلاث حضارات ليست تاريخية فقط بل ومعاصرة كذلك وهي الحضارة الإفريقية كحضارة طبيعية أصيلة تأثرت بالعلاقة مع الحضارة الإسلامية وتأثرت ثالثا بالحضارة الغربية، لذا فالحياة الإفريقية تأثرت بالحضارات الثلاث، أما الجزء الخاص بالإسلام فلا يزال موجودا في إفريقيا والسؤال هنا كيف يمكن للعرب أن يكونوا شركاء مهمين لإفريقيا؟ عموما فإن العالم الغربي الذي جاء بالحضارة الثالثة عبر الاستعمار بقي متغلغلا في مناحٍ مختلفة من الحياة في إفريقيا، أما العرب فقد بقوا متقلبين ففي بعض الأحيان تغلغلوا في إفريقيا وفي بعض الأحيان ظلوا على مسافة والكثيرون منا كإفريقيين يشعرون بأن على العرب أن يكونوا أكثر تفاؤلا بحيث يتأكدوا أن تأثير الإسلام والقيم العربية في إفريقيا ليس حياديا عبر تنافسها مع قوى خارجية. لقد اندمجت إفريقيا والعالم العربي عموما عبر القرون الماضية لتصبحان منطقة واحدة وبعد أن بدأتا مختلفتين تماما ففي حين كنا بالكاد نجد عربا يعيشون في إفريقيا إبان القرن السابع الميلادي فإن العرب الذين يعيشون في إفريقيا اليوم هم أكثر من بقية العرب في العالم العربي، كما أن المتحدثين بالعربية وهم جزء أساسي من إفريقيا أضحوا يمثلون عددا كبيرا من القارة، أمر آخر أشير إليه هنا هو أن اللغات الإفريقية تأثرت كثيرا باللغة العربية حتى في الحالات التي يكون المتحدثون فيها غير مسلمين ولذا فإن تأثير اللغة العربية يتجاوز الانتماء الديني ولذا فمن المهم على العرب والأفارقة أن يأخذوا في حسبانهم أنه سواء أردنا باختيارنا أم لا فإن هناك منطقتين العالم العربي والقارة الإفريقية تندمجان باضطراد طراد وإذا ما نظرت إليهما عبر الزمن فإنها مسألة غير قابلة لتجاوزها أو تجنبها أردنا ذلك أم لا ولذلك علينا أن نُسهل المسألة ونجعلهما قابلتين لتكونا كيانا موحدا.

غسان أبو حسين: كيف يمكن لإفريقيا أن تستفيد من الثقافة العربية الإسلامية مع الاحتفاظ بهويتها؟

"
الأفارقة الآن أكثر حذرا تجاه ما يُهدد هويتهم الخاصة لذا ربما هناك مسؤولية لوضع حدود لعملية التماثل الثقافي
"
علي المزروعي: سؤال مهم ذلك الذي أثرته، ما هي حدود ذلك التقارب مع مظاهر الثقافة العربية عبر الوقت؟ لقد أصبح الأفارقة الآن أكثر حذرا تجاه ما يُهدد هويتهم الخاصة لذا ربما هناك مسؤولية لوضع حدود لعملية التماثل الثقافي. في الماضي كان الانتساب للعرب يُعتبر أمرا جيد وأضرب لك على سبيل المثال إحدى المفردات في لغتي وهي (كلمة بلغة اجنبية) وتعني الحضارة، لكن جذور الكلمة مبنية على معنى أن تصبح على غرار العرب، في ذلك الوقت كان هناك عناية للدفع نحو إيجاد معايير خاصة للتثاقف مع الحضارة العربية لكن الإفريقيين أضحوا أكثر ثقة بأنفسهم ولذا فسيكون هناك تمييز من قِبلهم للعلاقة مع الثقافة العربية من جهة وتأثير الغرب من جهة أخرى وآمل أن يقوموا بها بطريقة متوازنة في نهاية الأمر.

غسان أبو حسين: ولكن لماذا يذوب الأفارقة في المجتمعات العربية والإسلامية في الوقت الذي يبقى العرب المقيمون في إفريقيا محتفظين بهويتهم؟

علي المزروعي: حسناً، معظم الأفارقة الذين أصبحوا جزء من العالم العربي بدؤوا ذلك من موقع أدنى ولذلك حينما ذهبوا إلى العالم العربي قاموا بذلك طواعية وليس كجزء من تاريخ العبودية وحينما تزاوجوا مع العرب فإن النظام لدى العرب يقضي باعتبار الأطفال عربا إذا كان الأب عربيا حتى لو كانت الأم إفريقية أو صينية أو أوروبية أو حتى يابانية ومن ثَم فإن الإفريقيين الذين هم جزء من العالم العربي أصبحوا مستعربين لأن هناك دوافع قوية للتعريف بهويتهم العربية، أما العرب في إفريقيا فإن غالبا ما جاؤوا باعتبارهم فاتحين ولم يأتوا أساسا على أنهم من مرتبة أدنى وذلك منذ القرن السابع الميلادي حينما بدأ الفتح العربي لشمال إفريقيا واتسع فيه وعلى طول وادي النيل، هذا الوضع خلق دوافع لدى العديد من العرب بل وغير العرب للإدعاء بأنهم عرب لأن من شأن هذا أن يُقدمهم مع صف النخبة لهذه المجتمعات. أخيرا حتى في شمال إفريقيا حيث معظم السكان من العرب فإنه منذ القرن العشرين أراد قسم من السكان التعريف بأنفسهم وفق كلتا الهويتين وأصبحت العروبة مرتبطة بالهوية الإفريقية خصوصا في أيام الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الذي عزز العلاقات مع إفريقيا وبدأ بإرساء العلاقات وهي التي الآن ليست قوية كما كانت في عهده إبان الخمسينات والستينات ورغم ذلك لا يزال العديد من المصريين يُعرِّفون أنفسهم بهويتهم الإفريقية وكذلك العديد من الجزائريين والليبيين حيث فضّل الزعيم الليبي معمر القذافي على سبيل المثال لفترة ما أن يكون إفريقيا أكثر من كونه عربيا.

غسان أبو حسين: بالنظر لما يحدث في دارفور اليوم والتي هي جزء من القارة الإفريقية يتبادر لنا هنا سؤال مهم، تُرى لماذا لا نجد ذلك الاهتمام العربي المطلوب تجاه هذه القضية مثلما نجده في قضايا أخرى كالعراق مثلا؟ هل تشعرون بثمة عنصرية في العالم العربي تجاه التعامل مع قضاياكم؟

علي المزروعي: في الحقيقة إن السؤال الثاني حول ما إذا كان هناك مستوى من العنصرية في الثقافة العربية والتي تكون نشطة أو موجودة أحيانا بالفعل منفصل عن قضايا على غرار دارفور، صحيح أن مثل هذا المستوى الذي نتحدث عنه ليس شكلا من أشكال العنصرية الموجودة في العنصرية الأوروبية، كما أنه ليس شكلا من أشكال الاندفاعية التي يُقدِم فيها الجمهور على إعدام شخص دون محاكمة فقط بسبب إقدامه على استعداء الشرف أو العزة العربية، كما أنها ليست كتجربة الولايات المتحدة أو حتى نظام التمييز العنصري في جنوب إفريقيا، لكن هناك شكلا من أشكال العنصرية نوعا ما في الثقافة العربية، أما ما يخص سلوك العرب في التعامل مع أزمة دارفور فلا أظن أنه مبني على أساس عنصري وإنما لأن العرب منشغلون في الأجزاء غير الإفريقية مثل منطقة الشرق الأوسط ويعود ذلك في جزء منه لأن القوى الأوروبية أكثر تدخلا هناك، كما أن العرب من جهة أخرى يشعرون بالغضب أكثر عندما تستخدم الولايات المتحدة القوة المفرطة تجاه دولة عربية، أضف إلى ذلك النزاع الفلسطيني الإسرائيلي في قلب الشرق الأوسط الذي يزيد من غضب وانتقام العرب تجاه قضايا مرتبطة بذلك الجزء في العالم العربي. في الوقت ذاته فإن كثيرا من أجزاء العالم العربي في إفريقيا ليس لديها مشاكل التدخل الأجنبي المعقدة مثل التدخل الغربي المباشر والقوة العسكرية المستخدمة ضد دولة كالعراق حيث لا يمكن موازاتها بما حدث للسودان أو ليبيا اللتان ضُربتا في وقتا سابق. في الماضي كانت مصر تمثل نقطة ضعف أمام القوى الغربية لكنها أصبحت اليوم حليفا للولايات المتحدة وبالتالي فهي لم تعد مصر التي كنا نتظاهر من أجلها، حينما كنا طلابا إبان حرب السويس عام 1956 كنا نتظاهر في الجامعات وفي الـ (Hyde Park) في بريطانيا دفاعا عن جمال عبد الناصر هذه مصر الماضي التي كانت في مواجهة مع الغرب أما الآن فمن غير المحتمل أن تشاهد طلابا في إنجلترا يتظاهرون دعما للرئيس حسني مبارك.

غسان أبو حسين: أعزائي المشاهدين فاصل قصير ونعود إليكم فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

أسباب الاهتمام الأميركي بأفريقيا

غسان أبو حسين: أعزائي المشاهدين نعود إليكم من جديد، بروفيسور علي المزروعي منذ عهد إدارة الرئيس الأميركي بيل كلينتون هناك اهتمام واضح وغير عادي بالقارة الإفريقية، برأيك ما هو التفسير لمثل هذا الاهتمام وهل ثمة خوف لدى الولايات المتحدة من أن تصبح القارة الإفريقية بمثابة حديقة خلفية لتسلل متشددين أو متطرفين يهددون المصالح الأميركية في تلك القارة أم أن الأمر متعلق بالموارد الطبيعية؟

"
اهتمامات أميركا في أفريقيا تنحصر في المصادر النفطية فهي تحسبها بشكل علني من أن الكثير من هذا النفط سيكون ذا قيمة عالية إذا ما أصاب الشرق الأوسط حريق كبير واحتاجت إلى مصادر بديلة
"
علي المزروعي: بالتأكيد هذا أحد الأسباب فالولايات المتحدة تشعر أن الشرق الأوسط سيوسع من مشكلاته وينشرها إلى شرق إفريقيا، كما تشعر أن العديد من المشكلات الناجمة عن المواجهة بينها، الولايات المتحدة وبين السياسيين العرب المعارضين سوف تُترجم إلى أفعال سياسية في شرق إفريقيا لذا هناك أمر ليس بالضرورة أن يكون دائما عسكريا ولكن بالتأكيد مرتبط به بمعنى الدفاع، فهناك مناورات تقوم بها الولايات المتحدة في شرق إفريقيا وتكتمل بوجود القواعد الأميركية في جيبوتي وبتواجد أميركي على مستوى أقل في كل دولة تقريبا من شرق إفريقيا، بل إن هناك جدلا حول أن لدى الولايات المتحدة تواجد عسكري من نوع ما في غالبية الدول الإفريقية الأعضاء في الاتحاد الأفريقي. وبرأيي فإن الكثير من ذلك له علاقة بضمان أمن الولايات المتحدة بعيدا عن أراضيها بحيث يمكن أن تبدأ تلك العملية من إفريقيا ومن ثم التأكد عمليا من منع أي من عناصر من تنظيم القاعدة أو أي منظمات على شاكلتها في بقية دول العالم ولهذه السياسة تبعات في شرق إفريقيا فقد أنجزنا تقدما في الدمقرطة وهذه الحرب على الإرهاب من شأنها أن تُفقد هذا التقدم زخما، فعلى سبيل المثال تعتبر كينيا الآن مجتمعا أكثر انفتاحا مقارنة بعشرين عاما مضت، لكن هذا الانفتاح يمكن أن ينتهي قريبا بسبب المطالب المفروضة على الكينيين للمشاركة في الحرب على الإرهاب حيث يمكن أن يُلقى الكيني في السجن بسبب الاشتباه بصلته بمجموعات إرهابية، لذا هذا بالتأكيد تفسير صحيح لما طرحته في سؤالك. أود أن أضيف نقطتين حول المصالح الأميركية في إفريقيا، الأولى أعتقد أن الولايات المتحدة بوجود مصادر نفطية في إفريقيا ومن ثم التأكد من أنه في حال عدم الاستقرار في إنتاج النفط في الشرق الأوسط فإن هناك مصادر للنفط في أجزاء من إفريقيا السوداء وليس بالضرورة شرق إفريقيا وهو ما تم اكتشافه فعلا، فالولايات المتحدة تحسبها بشكل علني من أن الكثير من هذا النفط سيكون ذا قيمة عالية فيما إذا ما أصاب الشرق الأوسط حريق كبير واحتاجت لمصادر بديلة. والنقطة الثانية لاهتمامات الولايات المتحدة في إفريقيا هي فيروس (HIV) وهو مرض الإيدز وينبع القلق من أن الإيدز سيصبح همّا عالميا طالما أن إفريقيا هي أسوأ المصابين به حاليا ولذا فإنك إذا لم تحارب الإيدز في إفريقيا فسينتشر ليصل إلى جميع أنحاء العالم الغربي. ومن هنا صدر قرار إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش بتخصيص خمسة عشر مليار دولار لمحاربة الإيدز.

غسان أبو حسين: ولكن كيف ترى توجه الرأي العالم الإفريقي تجاه الولايات المتحدة؟

علي المزروعي: حسننا إنها معضلة مُعتاد عليها بين العديد من جيل الشباب الإفريقيين المفتونين بالثقافة الأميركية والموسيقى الأميركية والموضة الأميركية والجيل الكبير من الإفريقيين الذين باتوا متضايقين من ممارسات القوة الأميركية، فهناك إدراك متنام بأن هذه إمبراطورية جديدة من نوع مختلف غالبا فلم يشهد التاريخ إن كانت الدولة الأولى متقدمة وعلى مسافة بعيدة من القوة الثانية عسكريا فالإنفاق الأميركي على الجانب العسكري يماثل ما تنفقه مجمل الدول العشر التي تليها في هذا المجال. لم يحدث أبدا أن كانت مثل هذه الفجوة الكبيرة بين القوة الأولى في العالم والقوة الثانية مهما أردت تعريف القوة الثانية من حيث المقاييس العسكرية أو التكنولوجية أو حتى مقاييس الاستقرار، لذا فهذه إمبراطورية تحكُّم جديدة وليست إمبراطورية احتلال ولذا فالولايات المتحدة يمكن أن تقول إن علمها لا يرفرف على بقعة معينة ومن ثم تدعي أن ليس لها مسؤوليات سيادية إذا ما قُتل العديد من الناس في بغداد أو مقديشو حيث لا يُرفرف علمها هناك، الفرق بينها وبين الإمبريالية الأوروبية هو أن الممارسات الأخيرة مباشرة لمسألة السيادة، فهناك حدود لمستويات العنف الذي يتم تحت علمها دون محاسبة في برلماناتها في أوروبا بينما الأمر يختلف في الولايات المتحدة، حيث أعيش منذ مدة طويلة، فالكونغرس لا يغضب لحجم العنف في بغداد. لذا فالأفارقة يدركون أن هذه إمبراطورية من شكل جديد من التحكم حيث لا تشعر بأنك مستعمَر ضمن هذه اللعبة التي تقتضي بعدم إشعارك كأنك محتل، كل ما يريدونه هو التحكم لا يريدون عَلَمهم وما يرتبط به من مسؤوليات ومحاسبة حيث يمكن أن يقع الكثير من سوء الاستغلال دون توجيه اللوم مباشرة للولايات المتحدة، هناك إدراك متنام بين الأفارقة أن هذا هو ما يحدث.

غسان أبو حسين: برأيك لا تتدخل الولايات المتحدة لفرض الديمقراطية في القارة الإفريقية كما تفعل مع الدول العربية؟

علي المزروعي: هذا سؤال مهم، فأحد أسباب اهتمام الإدارة الأميركية الحالية اقتناعها بأن أحد أسباب استهداف الإرهاب للولايات المتحدة هو أن معظم الدول العربية غير ديمقراطية وأن الأنظمة تقوم بتصرفات وسلوكيات ضد القيم الديمقراطية ويتصل ذلك أن الكثير من المناضلين السياسيين من الديمقراطيين العرب غاضبون من حكوماتهم بسبب شعورهم بتضييق حكوماتهم لحرياتهم خصوصا حرية التعبير واعتقادهم أن الولايات المتحدة دعمت في الماضي الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي ولذا تشعر الولايات المتحدة الآن أن عليها أن تدعم القوى الديمقراطية في الشرق الأوسط بدلا من أن تقف إلى جانب تلك الأنظمة. وأقول هنا إن الكثير من تلك الادعاءات هي مردودة على الولايات المتحدة فهي مازالت تدعم الأنظمة التي تريدها وليس القوى الديمقراطية لأنها إذا ما فعلت ذلك فستجد أن الانتخابات الحرة في العالم العربي ستُنتج حكومات معادية لأميركا وإذا لم يعلموا ذلك فسيُدركون ذلك عاجلا إذا حرروا العالم العربي لأن العرب لديهم ما يكفي من الغضب المباح تجاه الولايات المتحدة. الاعتقاد السائد لدى الغرب أن الفقر ليس السبب في عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، لكن نقص الديمقراطية هي السبب في ذلك، لكن في حالة إفريقيا لا يركز الغرب كثيرا على نقص الديمقراطية كسبب لعدم الاستقرار بل على الفقر حيث يأتي الخطر منه من وجهة نظرهم وتصبح الأرض خصبة لتفريخ مقاتلين معادين للغرب.


طبيعة النفوذ الإسرائيلي في أفريقيا

غسان أبو حسين: بروفيسور المزروعي كثير من الحروب والنزاعات التي تجري داخل القارة الإفريقية كثير ما يشار إلى الدور والنفوذ الإسرائيلي في مثل هذه النزاعات، تُرى ما هي حقيقة هذا الدور أو النفوذ أم أن الأمر لا يعدو مجرد كونه تضخيما لمثل هذا الدور؟

"
الإسرائيليون لا يزالون متغلغلين في أفريقيا، لقد كانوا أكثر تغلغلا إبان الحرب الباردة حيث كانت هناك سيطرة إسرائيلية أكثر وتنافس أكبر مع العالم العربي على الروح الأفريقية
"
علي المزروعي: الإسرائيليون لا يزالون متغلغلين في إفريقيا لقد كانوا أكثر تغلغلا إبان الحرب الباردة حيث كانت هناك سيطرة إسرائيلية أكثر وتنافس أكبر مع العالم العربي على الروح الإفريقية، ففي حين يظهر العرب غير منافسين ويبدون كما لو أنهم يَدَعون إفريقيا تنهار فإن الإسرائيليين لا يزالون مهتمين ويشاركون وليس مطلوبا منهم أن يماثلوا الجهود العربية الماضية. العرب حينما كانوا في مواجهة مع إسرائيل وكانوا خائفين من حصول إسرائيل على دعم في منظمة الأمم المتحدة تظاهروا من أجل الأصوات الإفريقية حيث كان عليهم أن يتأكدوا أن الدول الإفريقية التي صوتت في المنظمة الدولية لجانب إسرائيل دول غير مهمة بينما تراجع اهتمام العرب هذه الأيام للحصول على دعم الأفارقة، عموما حاز العرب على انتصارات أكبر في المنافسة للحصول على دعم الروح الإفريقية خلال تلك الحقبة، لكن الآن باتت الدوافع أقل فالعرب أنفسهم أصبحوا أقل عدائية تجاه دولة إسرائيل على الرغم من حقيقة أن الإسرائيليين يقومون بفظاعات وأعمال وحشية ضد الفلسطينيين أكثر مما مضى وليس هناك دولة عربية جاهزة لتشن حرب وهو ما كان ممكن حدوثه في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي حيث كانت إسرائيل تحسب في تلك الأيام الحساب مخافة قيامها بتصرف ما قد يُشعل حربا مع دولة عربية ستكون مُكلفة رغم أنها ستنتصر فيها. أما الآن فإسرائيل تقول إنها تستطيع أن تفعل ما تشاء بالفلسطينيين حيث لن تجرؤ أي دولة عربية على أي شيء وإذا كان هناك من رد فعل فسيكون من الاتحاد الأوروبي وربما من بقية دول العالم النامي. عموما لا أظن أن العديد من هذه الأحداث التي ساهمت فيها المنظمات السرية الإسرائيلية قد تورط فيها الكثير من الإسرائيليين، لا أعتقد إن التغلغل الإسرائيلي كبير كما كان، فقط أشير هنا إلى مؤهل واحد لهم، الإسرائيليون شعب ذكي جدا ولا يتراجع. لقد عشت في أوغندا التي كانت يوما ما مخترقة من قبل الإسرائيليين، كانوا أقوياء جدا في أوغندا خصوصا في عهد الرئيس سعيدي أمين حيث كنت لا أزال أقيم هناك، كانوا أقوى قوة أجنبية بل أقوى من بريطانيا العظمى في تلك السنوات، لذا هم يستطيعون اختراق المجتمعات الإفريقية ويستطيعون استخدام وسائل لا تقتصر فقط على المال ففي حين يمكن للعرب أن يجاروا في مسألة المال بسبب ثروة النفط فإن الإسرائيليين لديهم الذكاء والمهارات ودعم الغرب لاستمالة الحكومات الإفريقية. إفريقيا تمثل أرضا خصبة من عشرات الدول التي يمكن أن تُحسب ضمن دائرة أصدقاء الدولة اليهودية ولذا فإسرائيل تريد التأكد من أن هؤلاء هم أصدقاء وسيبقون كذلك وأنها لن تكون معزولة.

غسان أبو حسين: شكرا بروفيسور المزروعي، في نهاية هذا اللقاء نشكر لكم حسن انتباهكم كما نشكر ضيفنا البروفيسور علي المزروعي وهذا غسان أبو حسين يحييكم من جوهانسبرج على اللقاء بكم في حلقة أخرى وضيف جديد، (Thank you very much)

علي المزروعي: (Thank you, I really appreciate..).

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة