المقاطعة العربية للبضائع الإسرائيلية والأميركية   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)
مقدم الحلقة: مالك التريكي
ضيوف الحلقة: - عبد الرحمن السحيباني: الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية بجامعة الدول العربية
- الأستاذ/ كمال حمدان: خبير اقتصادي
تاريخ الحلقة: 12/05/2002


- الحملات الشعبية العربية لمقاطعة البضائع الإسرائيلية والأميركية

- حملات المجتمع المدني الأوروبي لمقاطعة السلع الإسرائيلية

عبد الرحمن السحيباني
كمال حمدان

الحملات الشعبية العربية لمقاطعة البضائع الإسرائيلية والأميركية

مالك التريكي: حملات المقاطعة الشعبية للمنتحبات الأميركية والشركات التي

تتعامل مع إسرائيل تدخل مرحلة التخطيط والتنسيق بعقد أول مؤتمر شعبي عربي يضم جميع لجان المقاطعة ومقاومة التطبيع.. تساؤلات حول دلالات المقاطعة وجدواها بين تفعيل البعد السياسي في السلوك الاستهلاكي وبين القيود التي يفرضها النظام الاقتصادي العالمي على استقرارية القرار الوطني.

أهلاً بكم. الدول الديمقراطية لا تخوض حروباً ضد بعضها البعض، هذا ما تقوله قاعدة قديمة في العلاقات الدولية، أما أحدث قاعدة في هذا المجال فهي تلك التي ابتدعها الصحفي الأميركية المبشر بفضائل العولمة (توماس فريد مان) في كتاب بعنوان "لاكسس والزيتونة" وتقول هذه القاعدة بأنه لم يحدث أن نشبت حرب أو حتى مناوشة عسكرية بين بلدين يوجد في كل منهما مطاعم ماكدونالدز للوجبات السريعة، أي أن الدول التي يستتب بينها السلام في يومنا هذا هي تلك التي تأخذ بأسلوب الحياة الاستهلاكي الأميركي، ولهذا فقد كان من بين عناوين المقالات التي استعرضت كتاب "لاكسس والزيتونة عنوان يقال أو يطلب حسب الصيغة الشائعة في كل الوجبات السريعة هامبورجر كبير وشرائح بطاطا مقلية وسلام عالمي للاستهلاك خارج المحل من فضلك، ولا يعرف إن كانت النخب السياسية العربية التي تأخذ هذا الصحفي الأميركي مأخذ الجد تعتد أيضاً بمثل هذه التخريجات الطريفة التي يطلع بها من حين لآخر على الناس، إلى أن الأهم أن الجماهير العربية قد أوضحت موقفها من الهامبورجر وبقية السلع الأميركية منذ أن بدأت قبل عدة أشهر في المساهمة في حركات شعبية عفوية لمقاطعة السلع الأميركية والشركات التي تتعامل مع إسرائيل. وقد بلغ من زحم حملات المقاطعة الشعبية للمنتجات الأميركية أن الجمعيات المدنية التي تنظمها تعقد يومي الاثنين والثلاثاء الثالث عشر والرابع عشر من هذا الشهر في دبي مؤتمراً شعبياً عربياً للمقاطعة، وذلك في أول عمل مشترك بين لجان المقاطعة العربية ومقاومة التطبيع، وقد انطلقت حملات المقاطعة منذ أشهر في دول مثل لبنان والأردن والسعودية والإمارات والبحرين، إلا أن الحملة الشعبية في مصر قد بدأت منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر عام 2000 وبلغت ذروتها في الأسابيع الأخيرة، مثلما تبين سوزان حرفي في هذا التقرير من القاهرة.

تقرير/ سوزان حرفي: قاطعوا البضائع الإسرائيلية والأميركية دعوة توارث خلف الستار منذ توقيع اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل، وجاءت انتفاضة الأقصى لتدفع بها وتمنحها دور البطولة على مسرح التحرك الشعبي الرافض لسياسة شارون وحكومته، واللافت للنظر أن دعوة المقاطعة جاءت بقرار شعبي من قبل طلاب المدارس والجامعات الذين ولدوا بعد انحصار المد القومي لصالح دعاوي السلام، ومع محاولات عالمية لدمج إسرائيل في المنطقة عبر أشكال مختلفة لكن ذلك لم يحل دون تنبيه للمقاطعة كسلاح في حرب اقتصادية تعوضهم عن حرب لا يملكون اتخاذ قرارها.

فتاة مصرية: إحنا بنشوف اخوتنا في فلسطين بدل ما بيروحوا المدرسة ويلعبوا بيتقتلوا وإحنا مش قادرين نحارب معاهم، فمش عارفين نعمل أيه، كل الخطوة اللي إحنا عملناها إن إحنا حاولنا نقاطع البضائع الأميركية والإسرائيلية.

شباب مصري: لازماً العرب يقطعوا البترول وكلهم مع بعض، لو قلنا مقاطعة يبقى كله يعمل مقاطعة مع بعض، مفيش دولة تعمل ودولة تانية تقول مش هأقطع.

سوزان حرفي: وسجلت المقاطعة أولى نجاحاتها بتراجع أرباح مطاعم الوجبات السريعة بنسبة 35% خلال هذا العام، الأمر الذي جعل النخب السياسية تسير في ركب الشارع المصري فشكلت في نوفمبر 2000 لجنة للمقاطعة هدفها تنظيم الحملات وتحديد السلع التي يجب مقاطعتها، خاصة بعد أن استغل البعض موجة العداء الشعبي ضد كل ما هو إسرائيلي وأميركي للقضاء على منافسيهم إمتلاء الساحة المصرية بالإعلانات والإعلانات المضادة.

أمين اسنكدر (المنسق العام للجنة المصرية للمقاطعة): لا أميل أبداً إلى إعطاء بدائل، لأن بتشوبها دعاية، بتشوبها مصالح خاصة، وبيبقى فيا شبهات في حقيقة الأمر، وأنا أنأى بنفسي عن هذا الكلام، وأنأى باللجنة المصرية للمقاطعة عن هذا الكلام، والبدائل كثيرة ومتعددة يمكن الحالة الوحيدة التي قبلت فيها طرح بدائل هي حالة الأدوية.

سوزان الحرفي: على الرغم من أن الغضب الشعبي ضد الاجتياح الإسرائيلي اعاد الزخم لدعوى مقاطعة البضائع الإسرائيلية والأميركية، وأضعف حجج المعارضين لها، إلا أن بعضهم مازال يشدد على أن ضرر المقاطعة أكبر من نفعها.

وجاء تحطيم أحد فروع مطاعم ماكدونالدز في مظاهرات الغضب ليرفع صوت الرافضين للمقاطعة، لأنها تضر برؤوس أمال مصرية بالإضافة العدم جدواها مع قلة حجم صادرات أميركا للمنطقة والتي تقدر في المتوسط بـ 2.5% من حجم صادراتها للخارج.

د. وحيد عبد المجيد (عضو اللجنة العليا لحزب الوفد): هذه دعوى كسولة ودعوى فيها جهل، دعوة المقاطعة لأ معظم من يدعون إليها من الكسالى الجاهلين، كسالى لا يريدون أن يبذلوا جهد أو يعلموا أي شيء أو يدرسوا الموضوع، وجاهلين لأنهم لا يعرفون شيء عن الاقتصاد العالمي ولا عن الاقتصاد الأميركي، ولا عن أي اقتصاد في الحقيقة، ويلقون خطباً فارغة ويوحون إلى الناس بأنه مقاطعة سندوتش هامبورجر ستهد الاقتصاد الأميركي.

سوزان حرفي: وعلى الرغم من الصعوبات التي تواجه المقاطعة في ظل نظام اقتصادي عالمي تتداخل فيه دول عدة إلا أن لجان المقاطعة حددت سبع سلع تضمنت الوجبات السريعة والمياه الغازية ومساحيق غسيل وشرائح البطاطا المقلية، والشيكولاته والسجائر الأميركية لمقاطعتها.

وفاء المصري (عضو اللجنة المصري للمقاطعة): أنا لما أطالب من أصحاب محلات المطاعم الأميركية إنهم يتخلوا عن رمز العلامة الأميركية ويحولها إلى رمز عربي ده في حد ذاته نجاح لسياسة المقاطعة، إن أنا لما أطالبه إن هو يكف عن استيراد السلع الوسيطة ويستخدم سلع مصرية ده نجاح للاقتصاد المصري.

سوزان الحرفي: وتبلغ الاستثمارات الأميركية في مصر مليارين و17 مليون دولار، أي ما يعادل 12% من استثماراتها بالشرق الأوسط ويتركز معظمها في مجالي البترول والغاز الطبيعي، كما تستورد مصر في أميركا ما قيمته 3 مليارات و18 مليون دولار سنوياً من سلع رأسمالية ووسيطة، وهو الأمر الذي يصعب من نجاح المقاطعة إلا بخطة على مدى أطول.

صلاح عبد الكريم (جمعية مصري للثقافة والحوار): ويجب عليَّ أن أفعله بذكاء، أن أنوع مصاردي، ألا أقع فريسة للاحتكار، ألا أقع فريسة لأن يكون مصدري واحد وإلا فلن يكون قراري حراً.

سوزان الحرفي: ولا يراهن الدعوان للمقاطعة على مردودها الآني على القرار الأميركي، لكنهم يأملون في دورها المعنوي لحشد وتعبئة أجيال جديدة ضد إسرائيل.

مالك التريكي: الداعون للمقاطعة لا يراهنون إذن على مردودها الفوري، بل يراهنون على تأثيرها التراكمي في المدى البعيد، أي أنهم يؤمنون بوجوب توظيف عامل الزمن، ومن المعروف أن لجامعة الدول العربية مكتباً للمقاطعة يعمل منذ أكثر من نصف قرن، ومعنا الآن لبحث قضية المقاطعة (الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية) في جامعة الدول العربية السيد عبد الرحمن السحيباني. سيد عبد الرحمن السحيباني موقف جامعة الدول العربية من مقاطعة السلع الإسرائيلية معروف، ولكن هل تؤيد جامعة الدول العربية.. هل تؤيد الجامعة الحملات العشبية المتنامية الآن لمقاطعة السلع الأميركية؟

عبد الرحمن السحيباني: يعني كل شيء واضح بالنسبة للمواقف في الجامعة العربية والقرارات التي صدرت على المستوى الرسمي، يعني معروفة، ومعلنة للجميع، هذا من الناحية الرسمية، لكن من الناحية العملية يبقى أنه هناك اجتماعات تعقد، لكن هناك لسه فجوة في المعلومات ونقص فني في ما يتعلق بالمقاطعة بالنسبة للشركات أو السلع.

مالك التريكي: يعي ما هو الموقف؟ ما هو الموقف الرسمي؟

عبد الرحمن السحيباني: الموقف الرسمي طبعاً هو مقاطعة البضائع الإسرائيلية، والمؤكد هو المقاطعة من الدرجة الأولى، لأنه هذا هو.

مالك التريكي: لكن ماذا عن السلع الأميركية؟ ماذا عن السلع الأميركية؟

عبد الرحمن السحيباني: السلع الأميركية طبعاً هو عندما تتحدث عن الرسمي ليس هناك شيء رسمي بالنسبة للسلع الأميركية، وهناك مثل ما استمعنا قبل قليل هناك حملات شعبية وأحياناً حركة أو تحرك عفوي من الناس منبعه الغضب أصلاً وفعلاً في كثير من الحالات يعني هي مقاطعة لاسم علامة أميركية أكثر منها مقاطعة للمادة نفسها.

مالك التريكي: هل نفهم من ذلك أن كون بعض الشركات الأميركية تعطي امتياز لشركات محلية تعمل.. ليس لها من الأميركية إلا الاسم هو السبب في عدم اتخاذ جامعة الدول العربية موقفاً في هذا الشأن؟

عبد الرحمن السحيباني: هو أعتقد السبب العملي طبعاً لا يزال هناك نقص التحليل الفني، لأنه مثل ما تعرف الآن بالذات في العولمة، والعولمة في الإنتاج بالتحديد جعلت من الصعب جداً وأحياناً من المتعذر تحديد هوية السلع، لأنه هناك بضائع بالتأكيد تصل إلى الدول العربية داخلها منتجات إسرائيلية، يعني عندما طبعاً التجارة العربية لدول المنطقة أو الدول الأفريقية الإسرائيلية الصادرات محدودة جداً، لكن عندما نطالع بيانات الصادرات الإسرائيلية نجد هناك صادرات مؤثرة إلى هونج كونج إلى تيوان وإلى تايلاند، وإلى حتى ماليزيا التي لا تستورد قبل 4 سنوات، يعني العام الماضي وصلت الصادرات الإسرائيلية إلى ماليزيا، طبعاً هناك خدعة السلام اللي فتحت التجارة حوالي 750 مليون دولار، هذه معظم أشياء صغيرة وتدخل وسط منتجات وسوفت وير وهناك أيضاً الماس، هذه هي مما يجعل من الصعب جداً في ظل العولمة تحديد هوية البضائع هل هي أميركية أو حتى إسرائيلية؟ لإصرار على مقاطعتك بالذات بعد الأحداث الأخيرة والعنف.

مالك التريكي: لو أخذنا.. سيد عبد الرحمن السحيباني.

عبد الرحمن السحيباني: تفضل.

مالك التريكي: لو أخذنا الأمر المحدد الذي يعمل من أجله مكتب المقاطعة التابع للجامعة العربية منذ عام 51، توقف عن العمل ثمانية أعوام بعد مؤتمر مدريد عام 91، ثم عاد للاجتماع أخيراً عقد مؤتمرين في نوفمبر الماضي و.. والشهر الماضي، لكن هنالك دول عربية لم تحضر بسبب ارتباطها بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل، الأدهى من ذلك أن إسرائيل نشرت بعض البيانات تقول: إن لها علاقات تجارية مع 7 دول عربية، وإن هذه التجارة قد تنامت خلال الانتفاضة، منذ بدء انتفاضة الأقصى، أليس هذا جديراً بالتحقيق من جانب جامعة الدول العربية؟

عبد الرحمن السحيباني: لدينا بالجامعة العربية طبعاً المعلومات وقنوات المعلومات الرسمية التي تزود بها الدول والمعلومات الإحصائية التي تنشرها الدول العربية تؤخذ من منابعها، من مصادرها، ليس لدينا سوى من دولتين عربتين أن هناك ورادات من إسرائيل وصادرات إليها.

مالك التريكي: لقد دعى الأمير طلال بن عبد العزيز أخيراً إلى اتخاذ موقف سياسي هو يشجع ما نقوم به الحملات الشعبية على المستوى الاقتصادي، لكنه قال: إن هنالك ضرورة لموقف سياسي تمثل في أضعف الإيمان أي مثلاً استدعاء السفراء العرب من واشنطن للتشاور، هل هذا أمر يمكن أن تنظر فيه الدول العربية؟

عبد الرحمن سحيباني: بالنسبة ما.. الموقف الرسمي الذي اتحدث منه، أنا مسؤول عن الملف الاقتصادي في الجامعة العربية، والتحليل الذي نقوم به هو تحليل فني وتحليل ما هو الممكن وما هو غير الممكن، وما هو المنطقي وما هو غير المنطقي وما هو غير المنطقي، وأيضاً البدائل لمقاطعة السلع المباشرة هذه، هل هناك بدائل؟ هذه نقوم بتحليلها، أما من ناحية القرار السياسي فلا.. فلست في موقع ممكن أن أجيب عليه أو حتى أخمن بالنسبة لماذا يمكن أن يكون باتجاه الدول العربية؟

مالك التريكي: في ظل انقسام موقف الدول العربية بين دول ليس لها علاقات رسمية وأخرى تقول: إن الارتباط بالاقتصاد العالمي يجعل.. يجعل حتى مقاطعة البضائع الإسرائيلية صعباً. كيف تقيمون نتائج المؤتمر الأخير لمكتب المقاطعة في دمشق؟

عبد الرحمن السحيباني: هو كان هذا هي النقطة التوقف بالنسبة للشركات وعدم إصدار أي قرار بالنسبة لمقاطعة شركات معينة، هو لأنه في رأي الحضور الموجودين إنه من الظلم أحياناً تعطي نتائج عكسية عندما تقاطع لمجرد أن تكون على سبيل المثال شركة أميركية، نحن نعرف الآن الاتجاه بالذات على المستوى الشعبي في أميركا، وعلى مستوى كثير من المستثمرين ورجال الأعمال هناك هو موقف مؤيد للقضية العربية، موقف يعني حتى الاستطلاع اللي تم قبل ثلاثة أسابيع تقريباً في أميركا كان هناك أكثر من 60% ينادون بقطع المعونات أو يطالبون بقطع المعونة الأميركية لإسرائيل، كل هذا التوجه وهذا الشعور القوي بالأخلاقيات وبالمبادئ الأخلاقية، لأنه كانت معلومات محجوبة، الآن تغير الوضع، يعني بالسبعينات كان ممكن أن نتحدث ونقول كلام من منطلق أنه الوضع في أميركا وعلى المستوى الشعبي في أميركا إنه كان فيه جهل، أو المعلومات محجوبة، الآن بحكم تقدم وسائل الإعلام أصبح ما كان محجوب الأميركان على إطلاع، ومع القضية العربية. السواد الأعظم مع القضية العربية، لكن طبعاً لا يقاتلون حتى الموت لتحقيق مصلحة من هذا النوع، لأنه تهمهم أيضاً حياتهم و الضرائب وما إليه هناك.

مالك التريكي: السيد عبد الرحمن السحيباني (الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية في جامعة الدول العربية)، شكراً جزيلاً لك.

الحملات الشعبية المناهضة لإسرائيل في الدول الأوروبية تتسع نطاقاً من الدعوة الأولية لمقاطعة صادرات المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وغزة والجولان إلى المطالبة الحالية بمقاطعة جميع المنتجات والسلع الإسرائيلية، فهل من الممكن أن تتضافر الحملات الشعبية في أوروبا، مع الحملات الشعبية في البلاد العربية فتعرف إسرائيل في مدى قد لا يكون بعيداً مصير نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقياً؟

[فاصل إعلاني]

حملات المجتمع المدني الأوروبي لمقاطعة السلع الإسرائيلية

مالك التريكي: عندما تحدى بعض المدنيين الأوروبيين والأميركيين حصار مقر الرئاسة الفلسطينية وحصار كنيسة المهد وسخروا أنفسهم دروعاً بشرية تدرأ الشر عن المحاصرين فإنهم لم يكونوا يمثلون مجرد حالات فردية من حالات الشهامة ونُصرة المظلوم، بل إنهم كانوا يواصلون بشكل مشهود العمل التضامني المؤسسي الذي تقوم به منذ أكثر من عامين منظمات المجتمع المدني الغربي في إطار بعثات تُسمى البعثات المدنية من أجل حماية الشعب الفلسطيني، وقد قامت هذه المنظمات غير الحكومية بدور فعال في تبصير الرأي العام بحقائق الأمور في فلسطين، ولولا ضغط الرأي العام لما صوت البرلمان الأوروبي قبل شهر بالموافقة على مشروع قرار يتعلق بتعليق، بل بتعليق اتفاق الشراكة الاقتصادية الأوروبي الإسرائيلي الموقع عام 95، والذي تحصل إسرائيل بموجبه على معاملة تجارية تفضيلية تشمل إعفاء صادراتها من الرسوم الجمركية، هذا ولو أن الحكومات لم تأخذ برأي البرلمان، ورغم أن المفوضية الأوربية اعترضت مراراً على تزييف إسرائيل لشهادات منشأ منتجات المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة بعد أن تبين أن هذه المنتجات تستفيد بشكل غير قانوني من الإعفاءات الجمركية التي تستفيد منها الصادرات القادمة من إسرائيل فإن هذا التحايل الإسرائيلي لم يُصبح قضية سياسية إلا بعد أن تحركت منظمات المجتمع المدني الأوروبي في حملات توعية للرأي العام، بل إن هذه الحملات توسعت في الأسابيع الأخيرة لتصل إلى حد الدعوة إلى مقاطعة جميع السلع الإسرائيلية لحمل إسرائيل على إنهاء الاحتلال، وقد أخذت هذه الحملات بُعداً لافتاً للأنظار في بريطانيا مثلما يوضح ناصر البدري في هذا التقرير من لندن.

تقرير/ ناصر البدري: تشهد حملة مقاطعة المؤسسات والشركات البريطانية التي تتعامل وتبيع البضائع الإسرائيلية المنتجة في المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان تشهد هذه الحملة تصعيداً كبيراً هذه الأيام خاصة في ظل الاتهامات التي وجهتها عدد من المنظمات الأوروبية الدولية لإسرائيل باقتراف جرائم حرب في مخيم جنين ورام الله وغيرها من المدن الفلسطينية، منظموا الحملة سيروا حافلة خاصة تجوب شوارع العاصمة البريطانية لندن تحمل عليها شعارات تدعو إلى مقاطعة المحال التجارية والمؤسسات التي تبيع البضائع الإسرائيلية.

مشارك في حملة المقاطعة: الاحتلال الإسرائيلي احتلال رهيب ومتواصل، أعتقد أن الشيء الوحيد الفعال هو الضغط الخارجي، لذلك ندعم مقاطعة البضائع الإسرائيلية وعلينا الضغط المباشر على الإسرائيليين.

ناصر البدري: وتستهدف حملة المقاطعة عدداً من كبرى المحال والمؤسسات التجارية في بريطانيا والتي من أهمها محل (......) التي تبيع عدداً من المنتجات النسيجية والغذائية، محل شركة Marks and Spencer منتجات مؤسستي East Logger وloyal لمواد التجميل والعطورات، منتجات شركتي Danon، ونستله الغذائية والتي من أشهرها قهوة نيسكافيه وبسكويت جاكوبز، شركة (جونسون آند جونسون) الأميركية للمنتجات الصحية ولوازم رعاية الأطفال، شركة كوكا كولا للمشروبات، مؤسسة ولت ديزني ومنتجات كمبلي كلارك والتي من بينها حفاضات (هوجيز)، ألبسة المؤسستي ريفر أيلند وجفلوند الألبسة والمنتجات النسيجية، ثم شركة دلتا ومقاهي استاربك بعض مؤيدي الحملة يشيرون إلى أن جهودهم كللت بنجاح قبل بضعة أشهر عندما أقدمت محلات (....) على سحب البضائع الإسرائيلية المنتجة في المستوطنات لعدة أسابيع رغم أنها تراجعت عن قرارها ذلك بعد ضغوط إسرائيلية شديدة، لذلك فإن البعض يبقى غير مقتنع بجدوى مثل هذه الحملات خاصة في ظل النفوذ القوي والفعال الذي تحظى به إسرائيل داخل المؤسسات السياسية والاقتصادية البريطانية وبين رجال الأعمال وسطوتها المتنفذة على وسائل الإعلام، علاوة على ذلك فإن تلك الشركات والمحال المستهدفة هي أصلاً ملك ليهود لم يتورع بعضهم في التعبير عن تأييده المادي والمعنوي لإسرائيل على مرأى ومسمع من العالم أجمع.

دايان لالقلي (لجنة التضامن مع فلسطين): العديد من المحال التجارية في بريطانيا تبيع منتجات الإسرائيلية منتجة في المستوطنات ونحن نسعى من خلال هذه الحملة إلى توعية الشارع البريطاني لمقاطعتها والتأثير بشكل مباشر في الاقتصاد الإسرائيلي.

ناصر البدري: فشركة (ماركس آند سبنسر) تدعم إسرائيل تجارياً كل سنة بأكثر من 500 مليون دولار أميركي، (الجزيرة) طلبت لقاءً مع مدير ماركس آند سبنسر غير أن الشركة أرسلت بدلاً عن ذلك بياناً أهم ما جاء فيه هو أن شركة ماركس آند سبنسر لا تفاضل في تعاملاتها التجارية بين الدول، وأن بيع بضائع المستوطنات على أنها إنتاج إسرائيلي لا يخالف قوانين التجارة البريطانية أو الأوروبية.

يشكك البعض في قدرة هذه الحملات على التأثير في الشارع العام، غير أن آخرين يشيرون إلى أن مثل هذه الحملات تحديداً أسهمت في الإطاحة بنظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، وهذه هي المهمة التي وضعتها البروفيسيره هيلاري روز وزوجها على عاتقهما إذ يقودا حملة في صفوف الأكاديميين الأوروبيين لوقف كل أشكال التعاون العلمي بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي مستحضرين الأثر الإيجابي الذي تركته حملة مقاطعة مماثلة على نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا خلال السبعينيات.

.........: شعرنا بالعار لعجز حكومتنا عن القيام بشيء إيجابي، فكأكاديميين لدينا أصدقاء كثيرون، كتبنا إليهم لمقاطعة التعاون العلمي مع إسرائيل فاستجابوا لنا، وجندوا زملاءهم لنفس الغرض.

ناصر البدري: واستطاعت جهود هذين الزوجين أن تثمر أكثر من 800 توقيع من قِبَل أساتذة وباحثين من مختلف أنحاء القارة الأوروبية فيما يعتبرهم البعض جبهة جديدة في حرب مقاطعة أي تعاون مع إسرائيل.

مالك التريكي: إذن يبدو أن المقاطعة أصبح لها وجهان، وجه عربي ووجه أوروبي، ولهذا فإن السؤال الآن يتعلق بمعرفة أي من المسعيين هو أكثر واقعية ونجاعة، المسعى الشعبي الأوروبي لمقاطعة السلع الإسرائيلية، أم المسعى الشعبي العربي لمقاطعة السلع الأميركية، معنا الآن من بيروت لبحث قضية حدود المقاطعة وعوائقها الخبير الاقتصادي الأستاذ كمال حمدان.

أستاذ كمال حمدان، المبادلات التجارية بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي تبلغ 60% من المبادلات التجارية الإسرائيلية فهي مهمة جداً بالنسبة لإسرائيل، ألا يعني ذلك أن المقاطعة الشعبية الأوروبية للسلع الإسرائيلية لو توسعت هي في البداية لو توسعت يمكن أن تكون أكثر نجاعة من المقاطعة الشعبية العربية للسلع الأميركية؟

كمال حمدان: ربما في إطار تبلور حركة شعبية أوروبية مقاطعة للسلع الإسرائيلية ربما هناك نجاحات وتقدم خصوصاً بما يتعلق بنظم المعلومات التي تم جمعها حول حجم وتفاصيل التبادل الأوروبي الإسرائيلي، وما رأيناه للتو يعكس تقدماً معيناً في هذه الحملة، ولكن أياً كان شأن الحملة الأوروبية لا أعتقد أن المجال متاح للمفاضلة بينها وبين الحملة العربية الشعبية والرسمية التي ينبغي أن تبقى ذات أولوية بالنسبة لنا، وفي رأيي أن ينبغي.. أنه ينبغي الإقرار بداية أن هناك تقصير سياسي وتقني من قِبَل حكوماتنا العربية –وبما في ذلك طبعاً مكتب مقاطعة إسرائيل- بالنسبة لهذه المسألة، إذا بنرجع إلى الماضي قليلاً نرى أن هذا الموضوع لا يُطرح إلا كردة فعل على أحداث ليس هناك قرار سياسي أو تصور استراتيجي لجعل موضوع المقاطعة سواءً للبضائع الإسرائيلية أو للبضائع، أو على الأقل يعني التهيؤ لاستعمال المقاطعة ضد البضائع الأميركية لا يبرز هذا الاهتمام كخيار استراتيجي أو كجزء من خياراتنا الاستراتيجية في مواجهة تحديات لا نزال منذ نحو 100 عام نواجهها، فيما يتصل بالموضوع الصراع العربي الإسرائيلي، أنا مع تأييدي ودعمي المطلق لما جرى في لبنان ومصر والأردن وعدد من دول الخليج وغيرها من الدول من حملات عفوية لا أرى أن الأفق كبير جداً وبالتحديد لا أرى إن هذا يشكل بديل عن فتح ملف هذا الموضوع على أعلى مستوى وتحضير ما يسمح بنقل مجرد ردود فعل كما يجري حالياً، وكما جرى في فترات سابقة الانتقال من مجرد ردود الفعل إلى جعل هذه المقاربة جزء من خيار استراتيجي يقوم أساساً.

مالك التريكي: ما هي أستاذ حمدان.. أستاذ حمدان ما هي آفاق.. آفاق اتخاذ مثل هذا الخيار الاستراتيجي، خاصة كنت قد سألت قبلك الأمين العام للشؤون الاقتصادية في جامعة الدول العربية عن هذه المسألة أن إسرائيل نشرت معطيات تشير إلى أن 7 دول عربية لها علاقات تجارية معها، وأن المبادلات التجارية معها قد تنامت، تزايدت خلال الأشهر الأخيرة منذ بداية الانتفاضة، ما معنى.. ما معنى المقاطعة الاقتصادية الشعبية في هذا.. في هذا الإطار؟

كمال حمدان: أنا في تقديري أنه ينبغي بذل الجهود لمعرفة تفاصيل هذه المبادلات سواءً تمت.. تمت مباشرة أو عن طريق أطراف ثالثة، وفي اعتقادي أن ما يجري إلى الآن يطال فقط حركة السلع، أنا في تقديري الموضوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام، هناك استيرادنا للسلع، هناك استيرادنا للخدمات، وهناك موضوع النفط، باختصار ما أراه ممكن كخيار استراتيجي بالنسبة لتجارة السلع، بالنسبة لاستيرادنا للسلع هو أن نتوصل إلى أولويات لأن حركة التبادل وتنوعها وشمولها مئات بل آلاف الأصناف قد يجعلنا نصطدم بعراقيل كثيرة إذا لم يكن لدينا أولويات، والأولويات أرى أن تتحدد بحسب 5 مؤشرات:

أولاً: الوزن النسبي للبنود الأساسية للسلع التي نستوردها من.. من الولايات المتحدة.

ثانياً: أهم الشركات في كل بند من البنود الرئيسية للمستوردات.

ثالثاً: درجة تعاطي هذه الشركات وتعاملها مع إسرائيل كشريك تجاري، سواءً مباشرة أو عبر أطراف ثالثة.

رابعاً: مدى تأثير هذه الأنشطة المعنية بتلك المستوردات على نشاط القطاع الاقتصادي في بلداننا.

وخامساً: مدى توفر بدائل لكل من البنود التفصيلية التي حددناها، أعتقد أن أي..

مالك التريكي[مقاطعاً]: بالنسبة للنقطة الثالثة أستاذ حمدان، لأن الوقت أدركنا، بالنسبة للنقطة الثالثة درجة تعامل الشركات مع إسرائيل مجلة (الأوكونومست) في العدد قبل الأخير أشارت إلى أن الدول العربية ربما لا تستعمل سلاح النفط لأنه ذو حدين، لكن في يدها ورقة ضغط هي حرمان الشركات الأميركية من العقود خاصة أنه هنالك عقوداً تبلغ.. تبلغ قيمتها 25 مليار دولار الآن في التنقيب عن النفط، هل هذا وارد؟

كمال حمدان: طبيعي أنا أشملها في النقطة الثالثة، لا نضع أولويات بحسب تدرج الشركات الأميركية وتورطها في التعامل مع إسرائيل نأخذ.. نقوم بتحضير موقف من جانبنا تجاه هذه الشركات، المسألة الثانية الأساسية هي موضوع الخدمات هي تخفي على معظم الناس، نستورد خدمات مصرفية، نستورد خدمات تأمين، نستورد خدمات أسواق مالية، نستورد خدمات مكاتب تدقيق محاسبي، نستورد خدمات نقل وطيران، نستورد خدمات سياحية، نستورد نظم معلومات، أليست هناك بدائل خارج الولايات المتحدة؟ أنا لا أقول بوقف فوري لكل تعاملاتنا على هذا الصعيد.

مالك التريكي[مقاطعاً]: أستاذ حمدان، لقد أدركنا الوقت وخاصة أن هذه الخدمات هي سلع غير منظورة ومن الصعب التعامل معها، شكراً جزيلاً لك أستاذ كمال حمدان، وبهذا سيداتي سادتي تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة