قبول الأعمال الصالحة   
الثلاثاء 1430/5/25 هـ - الموافق 19/5/2009 م (آخر تحديث) الساعة 11:18 (مكة المكرمة)، 8:18 (غرينتش)

- الفرق بين الصحة والقبول وشروط ودلائل قبول العمل
- معاني الفسق والنفاق والإخلاص في العمل

- مفاهيم وأحكام تتعلق بالعمل الصالح والمؤمن المخلص


 عثمان عثمان
يوسف القرضاوي

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}[المائدة:27]، انشغل الفقيه كثيرا بصحة أداء العبادات وانشغل العالم الرباني بقبول الأعمال والقربات، فما العلاقة بين الصحة والقبول؟ وكيف نهتم لاجتماعهما؟ وما علامات قبول العمل الصالح؟ وما العلاقة بين الصحة والقبول؟ وما الحال التي يجب أن يكون عليها المؤمن في حله وترحاله بعد أداء الواجبات والطاعات؟ قبول الأعمال الصالحة موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحبا بك أخ عثمان.

عثمان عثمان: لعله قبل الدخول في محاور الحلقة لديكم كلمة.

يوسف القرضاوي: نعم. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد فأود أن أقول كلمة وأعتذر عما قلت في الحلقة الماضية للأخ الموريتاني الذي اتصل يقول إن هناك بعض العلماء من موريتانيا ولم تتحدث عنه، وقلت له أنا لا أتحدث إلا عمن أعرفه ولم أسمع منه حتى الأسماء التي قالها، ولكن حينما سألت بعض الأخوة الموريتانيين عرفت أن هناك عالمين كبيرين بالفعل قد لقيا ربهما في المدة القليلة الماضية أحدهما أعرفه جيدا وهو العالم العلامة الشيخ محمد سالم عبد الودود وقد عرفته حيث كان عضوا معي أو كنت عضوا معه في المجلس الفقهي لرابطة العالم الإسلامي وطالما التقينا في مكة المكرمة وكان أيضا هو عضوا معي في مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي في الأردن أو المجمع الملكي لبحوث الحضارة كما كان يسمى وقد عرفته فقيها مالكيا وأديبا وشاعرا ومربيا وكان يرأس المجلس الإسلامي الأعلى في موريتانيا وكان وزيرا وله مؤلفات وله فضل كبير، رحمه الله وتقبله في الصالحين. العالم الثاني هو الشيخ البوصيري وأخواننا الموريتانيون يسمونه البوصَيري، إذاً نقول البوصيري، البوصيري صاحب نهج البردة الشاعر المعروف ولم يسعدني القدر أن ألتقي بهذا العالم الكبير ولكن الأخوة الموريتانيين والشناقطة أجمعوا على أنه كان شيخ العلماء وكبير العلماء وتربى على يده الكثيرون ولم يكن من المقلدين ولا من المتعصبين بل كان رجلا واسع الأفق اختار ويرجح وله كتب وآثار تدل عليه، وهو أعتقد يعني شيخ أخونا الحبيب الفاضل الشيخ محمد حسن الددو وهو معنا عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وأعتقد أنه خاله فنعزيه ونعزي أخواننا الموريتانيين في عالميهما الكبيرين ونأسف، للأسف أنه لم تتحدث أي صحف أو أي أجهزة إعلام عن هذه العالمين في المشرق، وهذه يعني مشكلة نشكو منها من قديم، انقطاع ما بين المشرق والمغرب، رحم الله العالمين الكبيرين وجعل مثواهما الفردوس الأعلى وأرزاهما خيرا عما قدماه للعمل وللإسلام وللأمة.


الفرق بين الصحة والقبول وشروط ودلائل قبول العمل

عثمان عثمان: بارك الله فيكم مولانا، نعود إلى الحلقة، انشغل الفقيه بصحة العمل وانشغل العالم الرباني بقبول العمل، ما الفرق بين الصحة والقبول؟

يوسف القرضاوي: أولا الصحة شرط للقبول، يعني لا يقبل العمل عند الله إلا إذا كان صحيحا، هناك عنصران، عنصر ظاهري وهو الصحة، صحة الأركان والشروط والإجراءات وهناك عنصر باطني وهو الإخلاص والنية، فالصحة لا بد منها، يعني إنسان يريد أن تقبل صلاته مهما كان مخلصا إذا لم يؤد الصلاة بأركانها وشروطها، إذا صلى إلى غير القبلة، إذا صلى من غير وضوء، النبي عليه الصلاة والسلام قال عن أحد الناس يعذب في قبره أنه كان لا يستبرئ من بوله يعني لا يتحرى أن البول يعني يصيبه أو يتوضأ وهو لا يزال البول يتنقط منه، يتقطر، فلا بد.. النبي عليه الصلاة والسلام يقول "إن الله لا يقبل الصلاة من عبد أحدث حتى يتوضأ" إنما يقبله من غير.. دي الصحة، لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار -حائض يعني بالغ مش يعني حائض عليها الحيض، يعني امرأة بالغة- إذا كانت طفلة ممكن نقول لها صلي حتى ولو ليس على رأسها خمار إنما إذا بلغت وحاضت فلازم بالخمار، "لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول"، حديث مسلم، يعني لا يمكن أن تقبل صلاة بغير غسل ووضوء وطهارة الثوب والبدن والمكان، هذا معنى الصحة ولذلك سئل أبو علي الفضيل بن عياض عن قوله تعالى {..لِيَبْلُوَكُمْ أيَُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلَا..}[هود:7]،[الملك:2]، قالوا يا أبا علي، ما أحسن العمل؟ قال أحسن العمل أخلصه وأصوبه، إن الله لا يقبل العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا أو كان صوابا ولم يكن خالصا، إنما يقبله إذا كان خالصا صوابا وخلوصه أن يكون لله وصوابه أن يكون على السنة، ما معنى على السنة؟ يعني على المنهج الشرعي يعني مستوفيا لأركانه وشروطه، واحد يتصدق بصدقة من مال حرام، هنا لا تقبل لأنه ما تقولش أنا نيتي صالحة، لا، لا بد أن يكون المال الذي تتصدق به حلالا، ولذلك جاء في الحديث الصحيح "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا" و "إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين"، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يرفع يديه إلى السماء يقول يا رب يا رب ومأكله حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟ فلا بد من استيفاء صحة العمل أو العبادة أو العمل الذي يوجهه الإنسان إلى الله. ثم الركن الآخر وهو الركن الباطني الذي يغفل عنه الكثيرون ولا يهتمون به والذي أغفله الفقهاء بصفتهم الفقهية، إنما قد يكون الفقيه ربانيا أيضا والغزالي كان فقيها وكان رجلا ربانيا، ففي كتاب الإحياء اهتم بالأسرار الباطنة لكل عبادة، يأتي بشروطها التي تصح بها ثم يتكلم عن الأسرار الباطنة للصلاة للوضوء للصيام للحج للزكاة لكل هذه الأشياء.

عثمان عثمان: ولكن السؤال هل كل عمل صحيح مكتمل الأركان والشروط والواجبات يعتبر مقبولا عند الله عز وجل؟

يوسف القرضاوي: لا، ليس كل عمل يقبل بحذافيره، هناك شروط لقبول العمل.

عثمان عثمان: كيف نجمع ما بين الصحة والقبول؟

يوسف القرضاوي: المطلوب لكي يقبل  العمل أن تصح فيه النية وأن يكون خالصا لوجه الله عز وجل، الله لا يقبل العمل المشترك ولا القلب المشترك كما قال ابن عطاء الله، الله لا يقبل العمل المشترك ولا القلب، العمل المشترك لا يقبله والقلب المشترك لا يقبل عليه، المراؤون يوم القيامة الله تعالى يقول لهم اذهبوا فخذوا أجركم ممن عملتم له، أنا أغنى الشركاء عن الشرك، ما أحبش حد يشاركني في العمل الذي يقدم لي، فلازم يكون العمل خالصا لله، كله لله، هذا هو أول شيء بعد الشروط والصحة يعني. ثم أن لا يكون هناك مانع من الخارج يمنع العمل، مثلا النبي عليه الصلاة والسلام يقول "تعرض الأعمال على الله تعالى كل يوم اثنين ويوم خميس فيغفر الله تعالى لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا امرءا كانت بينه وبين أخيه شحناء" الأعمال اللي بتعرض يقبلها الله إلا امرءا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول انظروا هذين، يعني أمهلوا هذين حتى يصطلحا، أمهلوا هذين حتى يصطلحا، أمهلوا هذين حتى يصطلحا، لا تقبل أعمالهما عند الله. الحديث يقول "ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا" هؤلاء الثلاثة يقول رجل أم قوما وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط وأخوان متصارمان، متشاحنان، متعاديان، هذه لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا كناية عن عدم القبول. فهناك أحيانا تكون موانع خارجية، في موانع داخلية، عدم توافق النية، إنما الأعمال بالنية، إذا لم تتوفر النية الخالصة، معنى النية الخالصة أن يبتغي بالعمل وجه الله عز وجل، أن يتوافر فيه الإخلاص لله {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ..}[الأنعام:162، 163].

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور الأخت آمال الصالحي من باريس تسأل عن شروط قبول العمل الصالح وهذا ما ذكرتموه ولكن تسأل سؤالا آخر أو الجزء الآخر من السؤال كيف يعرف المسلم ما إذا كان عمله الصالح قد قبل أم رد عليه؟

يوسف القرضاوي: لا، لا يعرف، لا نعرف إلا في الآخرة وهذا هو الذي أقلق الصالحين، أحد الصالحين مرض مرض الموت فذهب بعض أصحابه وتلاميذه يزورونه وجدوه يبكي فقالوا له مالك تبكي يا أبا فلان؟ أنت اللذي فعلت كذا، أقمت الليل وأنت الذي تصدقت وأنت الذي حججت واعتمرت وأنت الذي طالما ذكرت الله وطالما سبحت وطالما أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وعلمت الناس وعملت، علام تبكي؟ فقال لهم وما يدريني أن شيئا مما فعلته قد قبل مني والله تعالى يقول {..إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} أنا أعرف من أين أنه قبل؟ والتقوى ها هنا، التقوى ليست يعني لحية طويلة أو عمامة مكورة أو لباسا قصيرا، لا ، التقوى في القلب، تقوى القلوب، فمن أين أعرف؟ إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم، فمن أين أعرف أن هذا قبل؟ ولذلك الأنبياء والصالحون نجد سيدنا إبراهيم وإسماعيل وهما يبنيان البيت يقولون {..رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[البقرة:127]، أم مريم ابنة عمران، امرأة عمران أمها، {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[آل عمران:35]، سيدنا إبراهيم يقول {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء}[إبراهيم:40]، فالأنبياء والصالحون كل همهم أنه ربنا يتقبل منهم، إنما من أين نعرف أن الله.. ولذلك الإنسان يجب أن يكون خائفا من هذا، ربما يكون في عمله يعني شائبة وهو يفتش عن نفسه دائما ويرجو من الله القبول ويسأله أن يقبل منه.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني كما جاء عن بعض السلف أنهم كانوا يقضون ستة أشهر بعد رمضان يدعون الله تعالى أن يتقبل صيام رمضان الفائت وستة أشهر الباقية يدعون الله عز وجل أن يبلغهم رمضان، هل على المسلم أن يعيش هاجس القبول، قبول العمل؟ وربما البعض يقول بأن هذا يصرفه عن أعمال كثيرة، أم أن هذا دعوة لكثرة العمل الصالح؟

يوسف القرضاوي: لا، هو دعوة لكثرة العمل من ناحية الكم ولإحسان العمل من ناحية الكيف، ليس المهم بالكم بقدر ما هو مهم الكيف، أن يكون العمل متقنا خالص النية وهذا هو المهم، وكان بعض السلف يقول طوبى لمن صحت له خطوة لا يريد بها إلا وجه الله وحده. لأنه دائما يقول لك في الإنسان بيعمل أعمالا يريد بها الناس وهو لا يدري، ربما لا يدري، لو فتش عن دخائل نفسه ووضع نفسه يعني تحت المجهر تماما يجد أنه في، نهيته فيها شوائب كثيرة، فيها الدنيا وفيها حب المحمدة وحب الشهرة وإلى آخره، فيظل المسلم دائما بين الخوف والرجاء، هذا هو المطلوب، هذا التوازن بين الخوف، يخاف أن لا يقبل منه، الفرق بين المؤمن والمنافق، المؤمن يعمل الصالحات ويخاف أن لا يقبل منه والمنافق يعمل السيئات ويطمع أن يغفر له، يقول أطمع أن يغفر لي. والقرآن يقول في وصف المؤمنين الذي يعني أولئك لهم الخيرات وهم لها سابقون يقول {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}[المؤمنون:60] يخافون من الرجوع إلى الله فيسألهم ويحاسبهم، النبي عليه الصلاة والسلام قالوا يا رسول الله هذا في الرجل يزني ويشرب الخمر ويرتكب المعاصي ويخاف من الرجوع إلى الله؟ قال لا، بل هذا في الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف أن يرجع إلى الله فلا يجد هذا العمل مقبولا، فهذا هو شأن المؤمنين دائما.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور ذكرتم يعني، طبعا على الإنسان أن يوازن ما بين الخوف والرجاء، ما بين الرغبة والرهبة، ذكرتم {..إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} ما دلالة حصر قبول الأعمال بالمتقين؟ وعن أي تقوى نتحدث هنا التي هي شرط لقبول العمل؟

يوسف القرضاوي: التقوى هي شيء واحد، التقوى أمر أساسه القلب يعني أساسه خشية الله عز وجل وهذه الخشية هي التي تؤدي إلى عمل الصالحات واجتناب السيئات، إذا خشي الإنسان ربه لم يقدم على عمل يغضب الله عز وجل ولم يفرط في عمل يرضي الله عز وجل فالقرآن يقول {..فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}[الحج:32]، فالتقوى أساسها والنبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى صدره وقال التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، التقوى. أعمال القلوب هي الأعمال المهمة وهي التي لا يهتم بها الناس، سيدنا إبراهيم عندما دعا ربه {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِين، وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ}[الشعراء:83، 84]، {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:87-89]، وأهل الجنة ربنا يقول {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ}[ق:33] فموضع نظر الله ليست الأجسام والأعمال الظاهرة، إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم، فهذه هي التي يجب أن يهتم الناس بها حتى تقبل أعمالهم.

عثمان عثمان: ذكرتم مولانا أن الإيمان شرط من شروط قبول العمل الصالح، ماذا عن غير المؤمنين، عن غير المسلمين الذين يقومون بأعمال خيرة تطال المجتمع بكامله، تفيد المجتمع الذي فيه المسلم وغير المسلم؟

يوسف القرضاوي: أولا شرط لقبول الأعمال عند الله هو الإيمان، وكلمة الإيمان يعني يجب أن نشرحها لأن بعض الناس يقول لك إن هؤلاء مؤمنون، لا يكون الإنسان مؤمنا إذا أرسل الله رسولا حتى يؤمن به، اليهود ليسوا مؤمنين بعد أن أرسل الله عيسى حتى يؤمنوا بعيسى، واليهود والنصارى لا يكونون مؤمنين بعد أن أرسل الله محمدا حتى يؤمنوا بمحمد لأن الإيمان بجميع الرسل،  {..لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ..}[البقرة:285]، من كذب رسولا واحدا كأنما كذب المرسلين ولذلك ربنا يقول {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ}[الشعراء:123]، هم كذبوا هودا فقط، وكذبوا صالح {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ}[الشعراء:176]، كذبوا شعيبا، فكيف سماهم الله أنهم كذبوا المرسلين؟ لأنه لا بد من الإيمان بالرسل جميعا، الإيمان بكل كتاب أنزل وبكل نبي أرسل، فمن كذب رسولا واحد بعد أن تبين له الهدى، هذا شرط، الله تعالى يقول {..وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً..}[الإسراء:15]، فإذا بعث الرسول يجب الإيمان به، ولكن إذا تبين لك الهدى وعرفت أنه على حق ولكنك آثرت الدنيا أو اتبعت الهوى أو اتبعت الحسد أو الكبر، في كثير من الناس كما قال الله تعالى {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ..}[البقرة:109]، وقال في شأن قوم {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً..}[النمل:14]، فأحيانا الكبر وأحيانا الحسد وأحيانا حب الدنيا وأحيانا التقليد الأعمى يجعل الإنسان يرفض الحق وهو يعلم أنه حق ويستمسك بالباطل وهو يعلم أنه باطل، فمن ترك الإيمان وهو يعلم أن هذا الرسول بعثه الله بآياته وبالبينات ولكنه كفر به فهو ليس بؤمن، فلا تقبل أعماله عند الله إلا بالإيمان، القرآن يقول على هؤلاء {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً}[الفرقان:23]، {مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ..}[إبراهيم:18] بعثرته يمينا وشمالا، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً..}[النور:39] فلا بد لقبول الأعمال من الإيمان بالله ورسالاته، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، هذه الخمس.

عثمان عثمان: يمكن في موضوع متصل فضيلة الدكتور يعني رب العالمين يقول {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ}[التوبة:53]، ما الفسق المانع من قبول العمل مطلقا؟ أسمع منكم الإجابة بعد أن نأخذ فاصلا قصيرا فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله تعالى بعد الفاصل.


[فاصل إعلاني]

معاني الفسق والنفاق والإخلاص في العمل

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان قبول الأعمال الصالحة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، فضيلة الدكتور ما الفسق الذي يحول دون قبول العمل؟

يوسف القرضاوي: الفسق المذكور في الآية الكريمة هو فسق النفاق، أن يظهر الإنسان الإيمان ويبطن الكفر وقد قال تعالى في سورة التوبة {..إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[التوبة:67]، وفي آية أخرى من هذه السورة يقول {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ}[التوبة،54]، يؤدون العبادة ظاهرا ولكن ليس لهم فيها رغبة ولا إقبال إنما الرياء والنفاق هو الذي دفعهم إلى أداء هذه العبادات ليظهروا أمام المسلمين بأنهم منهم وما هم منهم.

عثمان عثمان: الأخ مختار من فرنسا يسأل السؤال، "لدي إحساس بأنني منافق لعدم تأديتي لصلاة الفجر في وقتها" هل هذا الإحساس في محله؟

يوسف القرضاوي: بالعكس، دائما السلف يقولون لا يأمن النفاق إلا منافق ولا يخافه إلا مؤمن، وكان السلف يخافون أن يكونوا من المنافقين، حتى إن سيدنا عمر رضي الله عنه يقول لسيدنا حذيفة -وسيدنا حذيفة النبي عليه السلام خصه بمعرفة المنافقين، بيقول له فلان وفلان وفلان دول منافقين، هو الوحيد اللي كان يعرفهم- فسيدنا عمر يقول لحذيفة أسماني رسول الله؟ أأنا منهم؟ أنا واحد من المنافقين؟ يقول لا ولا أقول لأحد بعدك. فتصور أن عمر يخاف النفاق على نفسه. ويقول ابن أبي مليكة، أدركت عددا من الصحابة ومن التابعين ما منهم أحد يزعم أنه على إيمان جبريل وميكائيل وما منهم إلا من يخاف النفاق على نفسه. فالمؤمن دائما يخاف فهذا الإحساس إحساس صحي وهو من الخوف الذي ينبغي أن يصاحب المؤمن دائما والمؤمن ينشد الكمال.

عثمان عثمان: مولانا، نأخذ بعض المشاركات من السادة المشاهدين، الأخ مصطفى حامد من مصر، السلام عليكم أخ مصطفى، تفضل.... الأخ رضوان الخواجة من مصر، الأخ رضوان السلام عليكم، هل تسمعني أخ رضوان؟... الأخ أحمد هادي من الإمارات.

أحمد هادي/ الإمارات: السلام عليكم. أنا أقول للشيخ أحبك في الله.

يوسف القرضاوي: أحبك الذي أحببتنا من أجله، الله يبارك فيك.

عثمان عثمان: أخ أحمد حبذا لو تخفض صوت التلفاز قليلا.

أحمد هادي: حاضر. فضيلة الشيخ ما أحب الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى؟

عثمان عثمان: شكرا جزيلا أحمد هادي.  نعود إليكم فضيلة الدكتور، أحب الأعمال إلى الله عز وجل كثيرة وربما، يعني بإيجاز شديد.

يوسف القرضاوي:  يمكن أقرب ما نقوله في هذا، أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، لأن أيضا من علامات القبول استمرار الإنسان في الطاعة، كما قال السلف إن من علامة قبول الحسنة الحسنة بعدها ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها، الإنسان إذا كان موفقا دليله أن ربنا قبل صيام رمضان أنه بعد رمضان يستمر في الطاعة، إنما بعض الناس كأنما كان يعبد رمضان، فمن كان يعبد رمضان فإن رمضان قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، فالاستمرار هذا دليل على أن الله يحبه، أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.

عثمان عثمان: ربما هذا فيه إجابة أيضا على سؤال الأخ عماد أبو بشير من كييف يقول "شيخنا الفاضل ما هي لوازم قبول العمل التي لا بد لكل مسلم أن يقدمها لكل عمل؟ وما هي دلائل قبوله في الدنيا؟ الحسنة تأتي بالحسنة من بعدها من علامات..

يوسف القرضاوي (مقاطعا): من بعدها، نعم، {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى..}[مريم:76].

عثمان عثمان: تحدثتم فضيلة الدكتور أن من شروط قبول العمل أيضا الإخلاص، كيف يمكن أن نفصل بعض الشيء في هذا الموضوع؟

يوسف القرضاوي: الإخلاص هذا سر بين العبد وربه، قالوا لا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده. فالإخلاص هو تجريد النية لله بحيث يصفي الإنسان نفسه من كل شوائب الدنيا من حب الدنيا وحب الذات فلا يكون قصده إلا وجه الله عز وجل، هذا هو معنى الإخلاص وهذا يعني عزيز وصعب كما ذكرت أن بعض السلف يقول لك طوبى لمن صحت له خطوة يعرف أن دي لله وحده، فالإنسان عليه أن يخلص العمل لله ويبعد الشرك، كما روى سيدنا معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن اليسير من الرياء شرك، وإن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم يفتقدوا" ما نسميهم الجنود المجهولين، الشهرة والعملية دي يعني فتنة، ومظنة ضياع لكثير من الناس، فالناس المغمورون هؤلاء هم الذين يرجى أن يكونوا مقبولين عند الله عز وجل.

عثمان عثمان: نأخذ مزيدا من الاتصالات، الأخ محمد يونس من السعودية السلام عليكم أخي محمد.

محمد يونس/ السعودية: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حضرة الشيخ. الإسلام له وجه واحد هو الوجه المنير والوجه الحضاري، أما نحن كمسلمين لما نذهب إلى دولة إسلامية ونجد اختلافات في معاملتنا كمسلمين، يعني لما تبقى إنسانا كمسلم، الإسلام يأمر بالعفو لا نجد العفو، الإسلام يأمر بالإحسان لا نجد الإحسان، الإسلام يأمر بالمحبة لا نجد المحبة، نجد صورة غير الصورة التي نراها في الإسلام..

عثمان عثمان (مقاطعا): أخي محمد رجاء الوقت يضيق، أريد سؤالا في صلب الموضوع، هل عندك سؤال في هذا الموضوع؟ شكرا جزيلا. الأخ لمات أحمد من الكويت.

لمات أحمد/ الكويت: السلام عليكم ورحمة الله. أرجو الله تبارك وتعالى أن تكون أعمالنا خالصة لوجه الله الكريم. شيخنا ملاحظة طالب على شيخه نرجو أن تتقبلها في هذا الموضوع جزاك الله خيرا، في موضوع المشايخ في موريتانيا رحمة الله عليهم، في الأسابيع الماضية..


مفاهيم وأحكام تتعلق بالعمل الصالح والمؤمن المخلص

عثمان عثمان (مقاطعا): فضيلة الدكتور تحدث في الموضوع، شكرا جزيلا لك من الكويت. مولانا نعود إلى سؤال أحد الأخوة يقول "كيف أحافظ على التقوى طوال حياتي؟" التقوى التي هي شرط العمل.

يوسف القرضاوي: هذه تحتاج إلى جهاد، لكي يستمر الإنسان في التقوى الحقيقية هذه يحتاج إلى عزيمة وإلى فقه أيضا، أن يعرف ما هي التقوى وما هي مقومات التقوى وما هي شروط التقوى، ويحتاج إلى صحبة صالحة لا بد أن يصحب الصالحين، من تذكرك بالله رؤيته ويذكرك بالآخرة قوله ويذكرك بالصالحين عمله، فيبحث يعني البيئة التي تعينه على الخير، هذا شيء مهم يعني جدا.

عثمان عثمان: الأخ عبد الجليل من اليمن يقول "هناك أناس يحكمون على الآخرين بأن الله لن يتقبل أعمالهم بحجج كثيرة مثل التشكيك في نية الآخرين كأن يأتي ويقول فلان لا يبتغي بعمله وجه الله عز وجل، وكذلك يحكمون بأن الله لن يتقبل صلاة فلان لأنه يلبس بنطلونا أو يسبل ثيابه" هل نحكم على الناس بأن أعمالهم مقبولة أو غير مقبولة من ظاهرهم؟".

يوسف القرضاوي: لا، يعني لازم يكون له دليل شرعي، فممن يكون يستدل مثلا بحديث وربما يكون فهمه غير صائب في فهم الحديث، يعني حديث الإسبال هذا، هذا فيه كلام البعض بيأخذه على ظاهره والبعض بيقول من أسبل يعني كبرا وزهوا لأنه جاء في أحاديث أخرى يفسر هذا قد لا يريد فيه إلا المخيلة، الاختيال والتبختر، إنما واحد يعني لا يقصد هذا، لا يدخل فيه هذا الوعيد الضخم العظيم الهائل الذي جاء. وسيدنا أبو بكر كان قال يعني لما سمع النبي عليه الصلاة والسلام، إن من جر رداءه لم ينظر الله إليهم، قال له يا رسول الله إني لأتعهد إزاري فقال أنت لا تفعله رياء، إنما لا تفعله اختيالا، يعني غصب عنه يتدلى منه. فأحيانا بعض الناس يحكم على هذا من فهمه هو، إنما الذي يقول هذا اغترارا أنه هو الوحيد الذي يعمل الصالحات ويقبل هذا هو الذي جاء في بعض الأحاديث أن واحدا قال لا يغفر الله لفلان، فأوحى الله إلى نبي ذلك الزمان، إني غفرت لفلان هذا ولم أقبل أعمال ذلك الرجل الآخر. لا يجوز الإنسان.. ابن عطاء الله له حكمة جميلة هنا تقول ربما فتح الله لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول وربما قدر عليك المعصية فكانت سببا في الوصول "معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عجبا واستكبارا"، فهذا العمل النفسي، ممكن الإنسان يعمل العمل الصالح ويفسده بعد ذلك، يعني قد يكون عمله مخلصا إنما يفسده بعد أن أداه، كما قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُواْ لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِاْلمَنِّ وَالْأَذَى..}[البقرة:264]، يؤدي الصدقة ومؤديها جيدا إنما بعد ذلك يمن على الرجل، أنا تصدقت عليك أنا إديتك كذا أنا عملت كذا، أو يؤذيه بكلمة تجرح شعوره، هذا أبطل صدقته.

عثمان عثمان: هناك بعض الناس يقومون بأعمال صالحة ولكن بعد انتهائهم من هذا العمل الصالح وقد يكون كبيرا وجليلا يستصغره، هل يؤثر هذا في القبول؟

يوسف القرضاوي: هو اللي بيستصغر عمله؟

عثمان عثمان: نعم.

يوسف القرضاوي: هذا شأن المؤمن دائما يستصغر كل ما يقوم به، يجد أنه دائما مقصر، الشعور بالتقصير هو شأن الإنسان المؤمن والشعور بالتقصير هو الخطوة الأولى إلى طريق الكمال، لا يمكن أن يصل الإنسان إلى الكمال وهو يشعر أنه كامل، الكامل خلاص لا يقبل الزيادة، إنما شعوره بالنقص هو اللي يدفعه إلى طلب الكمال دائما ولذلك يعني هذا ليس أمرا مرضيا بل هو أمر صحي، أنه كلما قدم عملا يرى أن هناك ما هو أفضل منه. يعني لأنه دائما في العمل الحسن وفي العمل الأحسن، القرآن يقول {..فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ..}[الزمر:17، 18] في أداء الفرائض وفي بعد الفرائض السنن وفي بعد السنن النوافل، أن يصلي الضحى، في قيام الليل يعني وهكذا، في صيام رمضان، في ستة أيام بعد رمضان، في صيام الاثنين والخميس في أحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما، فدائما المؤمن يريد أن يطلب المعالي ولذلك الحديث يقول انظر إلى من هو أعلى منك في أمر الدين وانظر إلى من هو أدنى منك في أمر الدنيا، في أمر الدنيا ما تبصش للمليارديرات وتقول أنا عايز أبقى زيهم حتتعب كثير إنما شوف الناس اللي مش لاقية تأكل وربنا موسع عليكم، تشكر نعمة الله، في الدين لا، انظر دائما إلى من هو أعلى منك، والله ده فلان بيقوم بالليل وأنا يا دوب أصلى الصلاة في أوقاتها، مثل الأخ اللي بيرى نفسه يعني منافقا لأنه لا يصلي الفجر في المسجد أو كذا، فشأن المؤمن دائما أنه يستصغر عمله ويطلب ما هو أعلى دائما.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور هناك بعض الناس ربما لا يقدمون على فعل العمل الصالح خشية أن لا يقبل لأنهم يخشون أن يراؤوا الناس بأعمالهم، هذا هل هذا مقبول يعني ربما لا يذهب إلى المسجد حتى لا يقال إن فلان يذهب إلى المسجد بشكل دائم، لا يكثر من الصلاة حتى لا يقول الناس بأنه يكثر منها فيذهب عمله؟

يوسف القرضاوي: لا، هذا سوء فهم للدين، لأنه لا يجوز أن تترك العمل الصالح، بقى أنا أترك الصلاة في الجماعة حتى لا يقول الناس! ولذلك هو في، يعني علماء المسلمين قالوا الفرائض لا بد أن يجاهر الإنسان بها، النوافل أسرها، إنما الصلاة الفرض خلي الناس كلها تعرف أنك فرض، يشهدون لك بالإيمان، إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان، كيف يشهد الناس لفلان أنه رجل صالح؟ أنت شهداء الله في الأرض، النبي عليه الصلاة والسلام مروا عليه بجنازة فقال وجبت، وبعدين مرة أخرى فقال وجبت، فقال سيدنا عمر ما وجبت يا رسول الله؟ قال الأول أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنازة، والثاني أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض. كيف الناس تشهد بما يظهر من عمل الإنسان، فالفرائض، الزكاة لازم الناس تعرف أنه بيزكي إنما إذا كان له أشياء أخرى غير الزكاة دي يسر بها إنما الزكاة لازم الناس تعرف أنه بيؤدي زكاته حتى لا تتهمه بأنه مانع للزكاة فيستحق اللعنة من الناس والغضب من الله، لازم، فرق بين الأمرين.

عثمان عثمان: إذاً في الفرائض أن يجهر بها وفي النوافل ربما يسر بها إذا خشي على نفسه. فضيلة الدكتور الأخ عبد الله محمود من لبنان يسأل "من المعلوم أن الذبح لله تعالى من الطاعات والقربات التي يتقرب بها المسلم إلى الله عز وجل لكن هناك من يذبح بجانب مقام أو قبر لظنه أن هذا أقرب للقبول فهل هذا جائز؟".

يوسف القرضاوي: لا، هذا يعني الشرك الأصغر والعياذ بالله، وربما يعني لو بالغ الإنسان فيه وذبح لهذا الولي فقط أو لهذا القبر لدخل في الشرك الأكبر، بالعكس المفروض الإنسان يجعل ذبحه لله، {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}[الكوثر:2] يعني انحر لربك {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الأنعام:162]، النسك يعني الذبح، لا ينبغي أن يشرك بالله، وكان الناس في الجاهلية يذبحون لأصنامهم ولطواغيتهم، لهبل واللاة والعزة فجاء الإسلام وجعل الذبح لله وحده {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ ..}[الحج:37].

عثمان عثمان: الأخ عبد العظيم من مصر يسأل "هل يتقبل الله زكاتنا وصدقاتنا وأعمالنا المالية، مع أن رواتبنا بها مصادر من دخول محرمة، كالضرائب والرسوم على الخمور والسجائر وبها الكثير من التعاملات الربوية؟" قد يكون موظفا حكوميا.

يوسف القرضاوي: اللي بيأخذ من الحكومة الإثم على الحكومة وليست كل الضرائب محرمة، فبعض الناس يظن أن كل ضريبة محرمة، لا الضرائب مطلوبة لتستطيع الحكومة، خصوصا الحكومات التي ليس عندها دخل كبير من النفط أو من أملاك الدولة أو شيء من هذا لا بد أن تغطي نفقاتها بفرض الضرائب فإذا الضرائب أخذت من حلها ووضعت في محلها فهي مقبولة.

عثمان عثمان: نعم. أحد الأخوة المشاهدين يقول "ماذا يفعل الفرد ليكون طلبه للعمل خالصا ومتقبلا عند الله عز وجل؟".

يوسف القرضاوي: هو الإمام الغزالي يقول "طلبنا العلم لغير الله فأبا العلم أن يكون إلا لله"، يعني ودخل وأخوه المدرسة لأن المدرسة كانت بتطعم الطلاب وتؤكلهم وتقوم بكل طلباتهم فدخلوا المدرسة لهذا، وبعدين أصبح الغزالي حجة الإسلام، فيقول طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله. إذا استمر في طلب العلم وكان يعني عنده قابلية ربنا سبحانه وتعالى حيصحح نيته ويجعلها لله عز وجل، أن يشعر الإنسان بالافتقار إلى الله عز وجل وأن يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يصلح نيته وأن يرزقه الإخلاص ويسأل الله دائما القبول هذا هو الذي كان يشغل السلف الصالح دائما، أنه ينشغل هل يقبل عمله أو لا يقبل عمله، لا يغتر بنفسه أبدا، يعمل ما يعمل من الأعمال وهو يظن أن فيها خللا أو أن فيها نقصا ويحاول يسد هذا النقص بعمل آخر وهكذا، وهكذا يجعله يداوم على عمل الصالحات وشعوره بالخوف دائما هذا كما قلنا هو علامة صحة ولكن الخوف الممزوج بالرجاء، لا يبلغ به الخوف حتى يصل إلى اليأس من روح الله، فـ {..إِنَّهُ لَا يَيْئسُ مِنْ رَّوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}[يوسف:87]، ولا يبلغ به الرجاء حتى يصل به إلى درجة الأمن من مكر الله {..فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}[الأعراف:99]. سيدنا عمر يقول "لو نادى منادى يوم القيامة كل الناس في النار إلا واحدا لرجوت أن أكون ذلك الواحد، ولو نادى المنادي كل الناس في الجنة إلا واحدا لخفت أن أكون ذلك الواحد" فالتوازن بين الخوف والرجاء في كفة معتلة الميزان.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور ربما الوقت ضاق جدا، في ثوان قليلة ربما لا تتجاوز الثلاثين ثانية، هل هناك من علامات يلمسها المسلم بأن عمله قد رد عليه؟

يوسف القرضاوي: ليس هناك علامات قاطعة ولكن كما قلنا إذا كان عمل العمل ثم انقطع هذا دليل الخيبة هذا، واحد يعني يصوم رمضان ويصلي وبعد رمضان لا يفتح مصحفا يقرأ ولا يذهب إلى المسجد مرة ولا يقوم بعمل هذا دليل على أن عمله كان فيه دخل وغش.

عثمان عثمان: يعني علامة عقوبة السيئة السيئة بعدها. في ختام هذه الحلقة لا يسعنا إلا أن نشكر مولانا فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة