غسان سلهب.. لبنان بين الهُوية والحاضر   
الاثنين 1427/4/16 هـ - الموافق 15/5/2006 م (آخر تحديث) الساعة 10:39 (مكة المكرمة)، 7:39 (غرينتش)

- أشباح بيروت.. بيروت التي لا يعرفها أحد
- السينما غير التقليدية والرهان على الزمن

[تعليق صوتي]


سينمائي لبناني، أفريقي المولد والنشأة الأولى، باريسي التكوين، بيروتي الهوى، هو غسان سلهب أحد أبرز سينمائيي العِقد الأخير الشاهد على نهاية مرحلة وبداية أخرى تاريخيا وجغرافيا وسينمائيا أيضا، أسس مع مجموعة من المخرجين اللبنانيين لانطلاقة سينمائية جديدة منذ منتصف التسعينيات مشتغلا على عناوين الحرب والذاكرة والهُوية والماضي والحاضر في فيلمين روائيين منجَزين وثالث في طريقه إلى الاكتمال.

أشباح بيروت.. بيروت التي لا يعرفها أحد

[تعليق صوتي]

من بيروت دخل السينما الروائية بفيلمه الأول أشباح بيروت وفي السينما حكى بيروت أخرى لا تشبه صورتها المعتادة في السينما، إنها حكاية طويلة ومستمرة مع السينما وفيها.

غسان سلهب – مخرج سينمائي - لبنان: السنغال وإفريقيا علمتني، مش أنه علمتني، أعطتني علاقة.. خلينا نقول خاصة مع الوقت مع الزمن ومع المكان، علمتني أشوف بدون.. كمان أحكم على اللي عم بأشوف.

[مشهد من فيلم أشباح بيروت]

غسان سلهب: أمَا بيقولوا إنه الطفولة هايدي أهم شيء بالحياة بأفتكر يمكن معهم حق لأنه بأفلامي فيه ها البطء، العين لازم تعرف تتعامل مع الوقت مش تسابق الوقت هايدي العلاقة إذا بدنا نقولها بطريقة كثير (Simple) هادي علمتني أتعامل مع الوقت، أنه الوقت كيف ما كان أسرع مني شو المشكلة، مش أنه أسرع مني ما له صراع إنفاقي اللي برأسنا له صراع.

[تعليق صوتي]

في داكار بالسنغال بدأت الحكاية حيث اختبر الطفل تجربة الصالة المعتمة والأفلام الأكبر من الحياة في غياب جهاز التليفزيون الذي لم يكن قد دخل الحياة هناك بعد وفي بيروت وباريس اكتملت فصولها.

غسان سلهب: مجيئي على بيروت مرحلة كثير مهمة بحياتي لأنه أنه مش عم نحكي عن شيء مهم أنه ولد عمره 12، 13 سنة بيترك بلد بيروح على بلد، هذا مش شيء هيِّن يعني، أخذوني من مكان وكبُّوني مكان ثاني مش أنه عم بأرجع على البلد عم بآجي على المدينة ثاني وحسيت حالي غريب بها المدينة ما حسيت حالي أنه أنا.. أنه هايدي بلدي، سوق السينما كان المكان، الصالة قصدي كان المكان وأنا عم بأحس حالي ها اللي عم بأقوله يمكن من بين هيك المزايدة بس على المضبوط هيك كان المكان أحس حالي بمكاني، حاسس حالي مش أنه بالبيت (hope) مثل ما بيقولوا بالإنجليزي.

[تعليق صوتي]

في الثانية عشرة شاهد غسان سلهب لورانس العرب فسحره واختبر للمرة الأولى قوة السينما وتأثيرها.

غسان سلهب: رُحت على باريس جددت البكالوريا آخر سنة يعني، رُحت على باريس لأقدم بكالوريا، بعد البكالوريا بأرجع بأقول يعني مثل قصة السينما لأنه ما كان عندي ها الطموح ما بعد فيه كثير شباب وهم صغار بدهم يكونوا شيء أو شيء، أنا ما كان أبداً كنت أشرد، قضيت حياتي عم بأشرد فترة طويلة لأنه أنا كان طموحي كان بطل كرة قدم مش شيء ثاني يعني، قضيت وقتي تركت دروس قضيت وقتي أشتغل على استقبال أوتيلات، على البارات مش مثل ما بيقولوا نحن العرب بارات يعني قهاوي على.. حتى على الثلج اشتغلت بين مطاعم باريس وكل شيء وباقي الأوقات أروح أشوف أفلام وهون كانت توضحت أكثر وأكثر علاقتي مع السينما وهناك أكثر وأكثر صرت أحب بشكل كثير قوي طرق سينمائية لمخرجين أكثر من غيرهم.

[مشهد من فيلم أرض مجهولة]

[تعليق صوتي]

ولكن أفلامه شقت طريقها الخاص بعيداً من السحر والكلاسيكية والسرد، أفلام تبني زمنها الخاص وتُعمِّر صورها بتساؤل مستمر حول الصورة بما يعتقد سلهب أنه جوهر عمل السينمائي.

غسان سلهب: هو السحر راح من زمان يعني.. يعني إنه بصراحة مش معناته لعكس السحر بس ما بأعرف ليه عندي سحر مع السينما من زمان؟ بس أكيد ها اللي قعد سنين يشوف أفلام وبعدين صار هو يعمل أفلام أو يجرب يعمل أفلام ما بأعتز بكل هيك بس أكيد تغيرت كلياً العلاقة مع الصورة.

[مشهد من فيلم أشباح بيروت]

غسان سلهب: هلا فينا نقول لأن أنا عشت بداكار ببيروت بباريس وبين بيروت وباريس وعندي ها الثقافة أفريقية عربية أوروبية ويمكن هذا جابني لها الطريقة كيف بأعمَّر أفلامي بالطريقة خلينا نقول منا على قد خط مستمر من مثل ما بيقولوا بداية نصف ونهاية، واحد يفكر إنه أنا عم بأشتغل بطريقة كثير فكرية، أكيد بأفكر كثير وهذا بس بذات الوقت فيه شيء كثير بأحسه وكثير بأتكل عليه لأني بأحسه وأهم من الباقي التفكير بييجي بعدين ما بييجي قبل عندي، بس أنا ما عندي رسالة كمان.. يعني للأسف ما عندي رسالة للأسف لأن بأعرف كثير ناس بدهم رسالة للسينما بس أنا ما عندي رسالة.

[مشهد من فيلم أشباح بيروت]

غسان سلهب: السينمائي هو الشخص ها اللي علاقته مع الصورة هي بالسؤال المستمر مش الصورة استعمال أنا بألاقي إنه فيه كثير مخرجين بيستعملوا الصورة، للأسف الصورة صارت شيء استعمالي يعني إنه الناس بتستعمل الصورة، أنا لي الصورة مش استعمال، هي فينا نقول الهدف.


[فاصل إعلاني]

السينما غير التقليدية والرهان على الزمن

[تعليق صوتي]

لم ينقطع سلهب عن بيروت برغم سنوات الحرب الطويلة وإقامته شبة الدائمة في باريس، في العام 1996 عاد ليصور فيلمه الروائي الأول أشباح بيروت ملتقطاً آخر ما تبقى من مشاهد الحرب في المباني والشوارع وفي الناس أولاً وأخيراً، إنها حكاية خليل العائد إلى بيروت بعد اختفاء دام سنوات اعتقده عارفوه خلالها ميتاً، خليل وبيروت سيان كلاهما عائد من الموت، كلاهما يبحث عن هُوية جديدة، كلاهما يحاول مد الروابط من جديد مع الآخر، يصعب وصف علاقة بيروت بأفلام المخرج فهي المدينة الحاضرة مثل روح أو شيء غير محسوس حتى عندما تغيب ملامحها المعروفة السائدة، فالسينما بالنسبة إلى المخرج ليست إعادة تجسيد للواقع بل هي تعبير عن العلاقات الإنسانية المُركبة وعن الغموض الذي يكتنف الحياة، لذلك لا نعثر على بيروت ملموسة في أفلامه فهي في الفيلم الأول شبح وفي الفيلم الثاني أرض مجهولة.

"
بيروت ملهمتي في أفلامي لأنني لا أتكلم عن حجر بل عن مدينتي المميزة
"
غسان سلهب: أنا بأعتبر إنه بيروت هي الشخص الأساسي من أفلامي يعني قلب.. مش الشخص الأساسي هو قلب أفلامي لأنه أنا عم بأحكي عن بيروت ما بأحكي عن حجر بس.

[مشهد من فيلم أشباح بيروت]

غسان سلهب: إنه هنا المدينة ما أنها ثابتة ما أنها خلاص هاي، راح تقولوا لي إنه كل المدينة بتتحرك بس مش كل المدن قد بيروت لأنه هاي المدينة بألاقي إنه تشبه كثير الإنسان، مشكلتها إنه عم بتروح أسرع من إحساسه للإنسان ومن تغيراته لأنه كثير سريعة، إنه حسيت حداكِ أنا شاهد.. شاهد لمدينة عم أجرب شوف كيف عم بأشوف بيروت بدون حكم بدون ما أحكم عليها، خلي المُشاهد هو من وراء أنا كشاهد مخرج يركِّب ها اللي بده يركِّب أنا ما ناوي أبدا.. كله كيف لازم يشوف شو رأيه وشو رأيي هذا صار حوار بينه هو والفيلم، هاي دي صار الجسر ها اللي بيتعمر ها اللي بينوجد بينه هو قصدي كمشاهد والفيلم.

[تعليق صوتي]

هكذا راكمت أفلامه صورة مختلفة لبيروت وعلاقة خاصة بالناس والأمكنة فهي بابتعادها من القصة التقليدية والشخصيات الأبطال سلبت المشاهد مفاتيح تواصل معتادة مع الفيلم فتركت عنده انطباعا بالغربة حينا ربما يتقصده المخرج وأحيانا تهمة بتوجهها إلى الغرب.

غسان سلهب: صار لهم إنه هذا أوروبي معناتها إنه مفزلك بالطريقة الثانية، قلت لهم أنا مفزلك إذا بدهم هيك أنا ما إني ناوي أقول أنا بأعمل سينما شعبي أنتم ما عم تفهموا عليّ مش مهم تفهموا أو ما تفهموا، بالأخير راح أكون يمكن شوي باين عليه إنه شايف حالي بس مني شايف حالي أبدا بس بالأخير واحد بده يروح كمان صوب الفيلم مش بس الفيلم بده ييجي صوبه، يعني هو مش ساندويتش يعني حتى الساندويتش بتروح بتشتريه، صار كل لبناني كل مرة فيه فيلم جديد لبناني خاصة إذا الفيلم ما عنده هدف بس يسليه مثل ما بيقولوا بيصير إنه بده يشوفوه كي يمثلهم إنه هذا ليه ما عم بيشوف الحرب مثل ما أنا شفته ليه ما عم بيشوف بيروت مثل أنا ما شفتها؟ ليه ما بأعرف شو، طيب خي هذه نظرتي يعني ياريت ناس فيها تشوف إنه هايدي نظرة وهو يتعرف على نظرة ويتحاور معها، الناس بتفتكر عم بأعمل لجمهور برَّه ما بأضحك أنا، مرة بيقولوا لي منا بره منتظرين شيء ثاني ما أنهم منتظرين سينما تبعي، منتظرين إنه أعمل لهم فيلم شو بأعرف فولكلوري يعني ها الشيء أنا صراحة بعد هلا ما أني فهمان كيف بعض الناس تفتكر إن السينما هي الصورة عن الآخر، لا السينما مش صورة عن الآخر عفوا، السينما تساعدنا على ها الشغلة شو هو الآخر بس مش صورة عن الآخر.

[تعليق صوتي]

في فيلمه الثاني أرض مجهولة الذي صوره عام 2002 عاد إلى بيروت بعد مرور زمن على إعلان وقف الحرب كأنما ليرصد ماذا حلّ بها وبناسها، كلها يرصدها الفيلم من خلال مجموعة شخصيات في عقد الثلاثينيات ولكنها ثريا الدليل السياحي هي التي تتقاطع الشخصيات الأخرى عندها بينما تتقاطع هي كثيرا مع بيروت.

غسان سلهب: تارى أنكونيت ما فيه خيط.. ما بقى فيه خيط ما بقى فيه حتى ها الحلم إنه خيط، فيه خطوط بس كل هيك حبوا بعض، قمر بتحسوا عم يجربوا يقربوه على بعض مثل ما بيقولوا البراريل كمان.. عفوا ما بأعرف أقولها بالعربي بيبقوا حبوا بعض ما بيقربوا على بعض، لتارى أنكونيت أنا وعم بأكتب كان واضح لي إنه الدور هي اسمها ثريا بالفيلم بس ما عايزة حد بيسميها حتى كان واضح لي هذا إنه ها الشخصية راح تكون كارول عبود الشيء هال بيزمط بين أيدين الممثل بين أيدين المخرج هلا أنا إلِي بيعطي شيء أكثر، أبعد بيفتح الفيلم على شيء ما فكرت فيه، عشان هيك التحضير كتير مهم لي مش إنه بأكتب بآخذ ممثل إنه بنعمل شوية إعداد ما بنشتغل هيك أبدا وبأبدأ بأشوف ممثل ما بأحكي له على قد على المشاهد بنحكي مع بعض بيفتح على(ok) ثابت مش صدفة بس إنه شخص مثل كارول صديقة بأعرفها وهي بتعرف المشروع كتير قبل وخلتها تسألني كل شيء فيه أسئلة لأنه كتير ضروري الممثل لي ييجي خاصة الأدوار الأساسية يعني.. ييجي على وقت التصوير عنده نوع من الثقة لأنه بالأخير هي إذا ما فيها ثقة يبقى لا معنى للفيلم.

كارول عبود - ممثلة: بأعتقد إنه بالنسبة لغسان ثريا هي تشبه بيروت وأنا جربت.. ما بتشبهها.

غسان سلهب: بنعمل نقاش..

كارول عبود: نعم بنعمل نقاش، هذا رأيي ما بأعرف ما بأشوفها رمز إنه لبيروت بس بتشبهها كتير خاصة إنه أنا بأعرف إنه غسان عم بيصور ببيروت مش لأنه هو بالصدفة هنا لأنه هو بده يصور هذا المحل هذه المدينة، بدِّي أقول لك ليش بتشبهها.

غسان سلهب: قولي.

كارول عبود: مجرد (كلمة بلغة أجنبية) اللي ماشي آخر(كلمة بلغة أجنبية) بفيلمك يا اللي ماشي يا اللي مضروبة..

غسان سلهب: مضبوط.

كارول عبود: وماشية وما بأعرف وين ماشية وهايدا أنا بالنسبة لي أنا هيك بأشوف بيروت.

غسان سلهب: عنيدة مثل بيروت.

كارول عبود: إذا بدك إيه.

[مشهد من فيلم الأرض المجهولة]

[تعليق صوتي]

تقول ثريا إنها تشبه بيروت، أي أنها المرأة المدينة في أرض مجهولة، ليس هي فقط بل كل شخصيات أفلامه تحمل شيئا من بيروت في تركيبتها.

[مشهد من فيلم أشباح بيروت]

[تعليق صوتي]

في دفتر يوميات يحمله دائما في جيبه يسجل غسان سلهب مشاهداته، يترك سجلا مفتوحا شاهدا علاقاته بالمدينة والناس، حين تمتلئ الصفحات يحين وقت الفيلم هكذا يقول، ثم يتيه في شوارع المدينة كأنه ما زال ذلك الطفل الغارق في عتمة صالة أمام الشاشة المضيئة، سوى أن الصالة أصبحت مدينة والشاشة حياة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة