حليمة فريتخ.. قصة نضال وتمرّد   
الأربعاء 1429/2/6 هـ - الموافق 13/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:22 (مكة المكرمة)، 12:22 (غرينتش)

- الشرارة الأولى
- تحقيق تحت الضرب
- في السجن طفلة كبرت
- متمردة رغم الخسائر
- الروح تبقى فلا ندم

 سامي كليب
 حليمة فريتخ
سامي كليب:
مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة. لا أدري من أين أبدأ هذه الحلقة، فضيفتنا سجنت وهي في السادسة عشرة من العمر وشقيقها استشهد في المعتقل وشقيقاها الآخران سجنا أيضا أحدهما بالمؤبد، أما الوالدان فقد توفيا هماً على مصير الأولاد، إنها المناضلة والسجينة الفلسطينية السابقة حليمة فريتخ.

حليمة فريتخ: أنا اسمي حليمة فريتخ، انسجنت عند الاحتلال الصهيوني ست سنوات في سجن تلمود، وإخواني خضر سجن 11عاما وأخوي محمود استشهد بعد أن أمضى تسع سنوات في السجن من حكم عشرين سنة، وأخوي سليمان حكم مؤبد وأمي وأبوي الله يرحمهم توفوا بجلطة، وبيتنا تم نسفه من الاحتلال الصهيوني بانتفاضة 1987، ورغم كل المعاناة وكل اللي صار أنا بحب الحياة، بتطلع إلى الحياة....

الشرارة الأولى

سامي كليب: حليمة فريتخ تحب الحياة ولكن الحياة الشريفة النبيلة، تحب الحياة ولأجلها تعرضت لكل المآسي وناضلت وهي في ربيع العمر، كان والدها بائع خضار وحياتها هادئة ولكن كيف للهناء أن يستقر في بلد يقتل فيه المحتل حتى زهر الرمان وغصن الزيتون؟ كانت حياتها هنيئة حتى رأت بأم العين وهي في السادسة عشر ربيعا، رأت شقيقها خضر يعذب على أيدي المحتل.

حليمة فريتخ: أنا تفاجأت لما في يوم من الأيام كنت نازلة على المدرسة وكانوا جايبينه الجيش على المنطقة..

سامي كليب(مقاطعا): كانوا جايبينه، كان معتقل يعني؟

حليمة فريتخ: آه، كان معتقل، يعني خلال فترة التحقيق وأنا شفته بمنظر، أنا كنت نازلة على المدرسة، وشفته بمنظر..

سامي كليب(مقاطعا): وين شفتيه؟

حليمة فريتخ: بالمنطقة اللي هي اسمها رأس العين في جبل الطور، في نابلس..

سامي كليب(مقاطعا): بس كيف بالشارع؟

حليمة فريتخ: كانوا الجيش والمخابرات جايبينه على الجبل، وكان معاه بداية تحقيق، فكان شكله أخوي أن يده كان اللحم شوي ممزق، فهم لما أخذوه بلشوا معه التحقيق مباشرة ومحاولين إنهم.. يعني بدل ما يقطبوا اللحم، قاطعينها من الكف، هي هذه حكم تعتبر.. هم بيقولوا عنا إحنا شغل انتقام، الاحتلال هو أصلا وأساسا معناه الانتقام من الناس، من الإنسان على الأرض. فأنا لما قربت عليه ورغم أن الجيش حاول يبعدني بس أنا ضليت مصرة على أن أشوفه، فشفته من بعيد ولاحظت أن يده قصيرة ومجبصنة كلها، في جبصينه وما في برجله إشي، حافي، والقميص، الفانيلة البيضة التحتانية بتشر دم، دم، دم ما في لون أبيض فيها، والبنطلون كله دم، وشفته هيك يعني مش أخوي خضر اللي بالنسبة لإلي يعني الجهم، اللي ملان، اللي.. كان كثير كثير تعبان من التعذيب وضعيف كثير كثير يعني كدت أشك أن هو أخوي..

سامي كليب(مقاطعا): بس فقط دعيني أشير سيدة حليمة أنه كان عمرك آنذاك 16 سنة تقريبا، لما شفتيه بهالشكل يعني جربت تقتربي منه وتحكي؟

حليمة فريتخ: أنا جربت أحكي، بس أنا ناديته، بس مش ذاكرة إذا أنا حسيت بالصوت اللي طلع مني، بس هو كمان صار يدافش في الجيش ويحاول يقرب مني شوي إنه..بس حكى لي وقتها إنه بتحكي لأمك تجيبك على الزيارة معها، إنه منحكي وبشوفك وبتشوفيني.

سامي كليب: شافك هو؟

حليمة فريتخ: آه، وأخذتني أمي على الزيارة، بس بعدها كان تصير كوابيس كثير عندي بالحلم، بالليل يعني..

سامي كليب(مقاطعا): شو كان سبب اعتقاله؟

حليمة فريتخ: كان سبب اعتقاله أنه نازل عملية عسكرية، وانمسك.

سامي كليب: قبل تنفيذ العملية؟

حليمة فريتخ: إيه قبل تنفيذ العملية.

سامي كليب: طيب بعدها بفترة قصيرة كنت بدأت تعرفين شو يعني قنبلة المولوتوف وتركيب قنابل المولوتوف وعلى ما يبدو ذهبت إلى مركز عسكري إسرائيلي لعملية شو؟ انتحارية كانت ولا لإلقاء قنابل؟

حليمة فريتخ: لا هي مش عملية انتحارية، هي يعني بين قوسين إنه..

سامي كليب(مقاطعا): أو خلينا نسميها استشهادية أفضل.

"
الصورة التي رأيت فيها أخي خضر فهمت منها أن هذا هو الاحتلال وهذه هي صورته والاحتلال بيده يقضي على الشعب الفلسطيني
"
حليمة فريتخ:
ولا استشهادية، القصة إنه زي ما بدي أقول لك بالضبط،أن الصورة اللي شفت فيها أخوي خضر، فهمت أن القضية الفلسطينية يعني حتى لو بشكل بسيط فهمتها، أن هذا هو الاحتلال وهذه هي صورته وبمعنى إنه فعلا بده يقضي على الشعب الفلسطيني، هذه الأساليب الحاقدة، احتلال هذا، يعني بنفس الوقت هو اللي بيحفر قبره بيده الاحتلال، لما أنا بشوف جريمة بحق الإنسان، بحق أخوي اللي هو أقرب الناس لي أكيد وضع طبيعي أنا بدي أفهم، معناه أنا لازم أقاوم الاحتلال..

سامي كليب: ولكي تقاوم الاحتلال تعلمت الصبية حليمة فريتخ وهي في السادسة عشرة من العمر كيفية تصنيع قنابل المولوتوف اليدوية على غرار الكثير من أبناء جيلها، حملت صورة شقيقها خضر في الذاكرة والقلب، صنعت منها عزيمة لا تلين وذهبت إلى مقر عسكري إسرائيلي محاولة الانتقام لأخيها والانتقام دون أن تدري لشعب كامل رازح تحت الاحتلال، ذهبت دون أن يكون خلفها أي حزب أو تنظيم.

حليمة فريتخ: رحت على مركز للتجمع بوسط مدينة نابلس، يعني قريب من الدوار اللي هو يتجمع فيه كل الجيش هذا، متى قررت أنا هذا الحكي؟ بعد ما شفت صورة أخوي خضر أمامي يعني بالتشنيع اللي في التعذيب..

سامي كليب(مقاطعا): قررت لوحدك، ما أخبرت أحد يعني؟

حليمة فريتخ: قررت لحالي إني بدي أريح رأسي وأروح أضرب على التجمع بتاعهم.

سامي كليب: حتى لو كنت رح تستشهدي؟

حليمة فريتخ: إيه ما كنت بفكر بشيء، ما كنتش قطعا، يعني للصدق، ما كنت أفكر بشيء.

سامي كليب: هو أخوك خضر الأصغر؟

حليمة فريتخ: أخوي خضر لا مش الأصغر، هو بيجي الثالث، رقم ثلاثة يعني. فالصورة اللي أنا شفته فيها عملت عندي القصة كلها.

سامي كليب: ودخلت إلى المركز العسكري؟

حليمة فريتخ: دخلت، وما عارفة أنا كيف ألفت من رأسي إني حكيت لهم أنني بدي أعمل هوية، بدي أطلع أشتغل في إسرائيل، كيف طلعت برأسي ما بعرف، يعني واضح أن ردة الفعل كانت عندي كثير قوية.

سامي كليب: ويعني وكانت الإجراءات الأمنية أقل، يعني كان واحد ممكن يدخل على مركز عسكري إسرائيلي ربما بأسهل من اليوم؟

حليمة فريتخ: آه، بأسلوب إنه أنا بدي أعمل هوية، أنا بدي هالشغلة بدي كذا..

سامي كليب(مقاطعا): كنت حاطة قنبلة المولوتوف بشنطة المدرسة؟

حليمة فريتخ: آه، وحطيت الكتب بغرفة الآذنة قبل ما أطلع من المدرسة، وحطيت العبوة في الشنطة ودخلت على الساحة، قال لي الجندي، بس بتذكر كثير كثير كان في جيش، ملان ملان كان، قال لي إيش بدك؟ قلت له بدي أعمل هوية، بدي هوية علشان أطلع أشتغل بإسرائيل..

سامي كليب: ما كنت خايفة؟

حليمة فريتخ: ما كنت حاسة بشيء، أنا بحكي لك الصراحة، يعني أنا مش حاسة بشيء قطعا، واضح إنه يعني الصورة اللي أنا شفت فيها أخوي خضر خلص، يعني  عملت عندي شيء..

سامي كليب(مقاطعا): حتى بوجود الجنود ومائة جندي وكذا؟

حليمة فريتخ: آه، آه، ضربتها على باب المكتب، دخلت جوا، كان في ضابط وضابطة، بس هم ما حكوا شيء في المحكمة إذا في شيء حريق وكذا وأنا ما شفت، هلق وهو بيحكي معي الجندي كان بمسافة يعني نقول ربع متر، وهو بيحكي معي أنا مش مركزة عليه، فتحت الشنطة وخبطتها على الجوا، اللي قاعدين ضابطات وضباط يعني، جيت بدي أهرب من السور، كنت أنا مدققة بالسور قبل ما أدخل إنه أذا أنا بقدر أنط عنه، فحاولت نزلت رجلي، رجل ضلت طالعة ورجل نازلة، بعديها أنا ما صحيت..

سامي كليب(مقاطعا): وما شفت إذا انفجرت المولوتوف؟

حليمة فريتخ: لا لا ولا شيء، بعديها أنا ما صحيت، يعني من وين إجوا هالقد الجيش وشو عملوا فيي كله ضرب ضرب، زي يعني شوي هيك زي كأني بين خيال وحقيقة.


تحقيق تحت الضرب

سامي كليب: الخيال ولد تحت الضرب ليخفف ربما من وطأة الألم، ولكن الحقيقة سرعان ما محت الخيال تاركة ربيع العمر لسياط جلاد تفنن في ترويع فتاة ذنبها أنها لم تقبل ما تعرض له أشقاؤها، نقلوها من مكان العملية إلى مكان عمليات التحقيق  لتبدأ مأساة جديدة.

حليمة فريتخ: لما وصلوني لمحل التحقيق نزلوني بالساحة وجاء جندي علقني بالعمود، عمود الكهرباء وضل يضرب بوجهي بوجهي وعلى رأسي بوجهي وعلى رأسي وبوجهي وعلى رأسي كثير كثير يعني لدرجة إنه أنا خلص فقدت الوعي، أنا صحيت وهو واقف زي الشبح فوقي وأنا على الأرض بالساحة، بعدين لما شافني كأنني فتحت أو بحاول أفتح أخذني شحط على الغرف جوا على غرف التحقيق، وأنا طبعا..

سامي كليب(مقاطعا): وكانوا يسألونك أسئلة بنفس الوقت؟

حليمة فريتخ: لا بس ضرب، كان يعني على أساس إرهاق كثير كثير خلص إنه كثير ضرب، يعني تحديدا على رأسي وعلى وجهي على رأسي وعلى وجهي، وبعدين لما..

سامي كليب(مقاطعا): كنت شاعرة إنه ممكن تموتي من الضرب، يعني خفت لدرجة كبيرة؟

حليمة فريتخ: أنت قادر تصدق إني أنا ما كنت حاسة بشي..يعني بدون مبالغة.

سامي كليب: بصدق، عزيمتك كبيرة.

حليمة فريتخ(متابعة): لا عن جد، يعني خلص أنا على فجأة شفت الصورة بتاعة الاحتلال أنا فهمتها من أخوي خضر  وشكله والتعذيب اللي كان فيه والموت اللي هو فيه يعني فبطلت أركز، يعني صرت خلص مش قادره أفسر أي إشي أكثر من هيك.

سامي كليب: فهمت إنه بالتحقيق كمان جاءك ضابط مقطوع الإصبعين، شو قصته؟

حليمة فريتخ: أنا لما دخلوني على غرفة التحقيق، أول واحد دخل، أول شيء جاءت مجندة وقفوها على البوابة، على الباب بتاع الغرفة، وبتعلك علكة بطريقة مبتذلة وراحت دقيقة رجعت بتقصقص بزر، بتفصفص بزر، بتطلع فيي بطريقة كثير حاقدة كثير كثير وتحقير، يعني بطريقة تحقير، طبعا أنا ما بتهزني هذه الشغلات لأنه خلص أنا فاهمة إنه هي عدو، يعني زي ما عملوا بأخوي خضر، رح يعملوا بكل الشعب الفلسطيني..

سامي كليب(مقاطعا):  بس الغريب إنه فقط بذكر دائما إنه كل الذي تعرضت له، والتفكير أن هذا عدو، إنه أنت عم تعملي عمل كبير، كان عمرك 16 سنة، يعني عادة الولد بيخاف.

حليمة فريتخ: بطلت أشعر، يعني الصراحة بطلت أحس بمشاعري، إنه ما لي أنا؟ شو اللي عم يصير فيي؟ يعني إيش عم بعمل؟ وصورة أخوي خضر  أفتح عيني أغمض عيني خلص الصورة زي المطبوعة في عيوني وفي دماغي، سيطرت علي. دخلت غرفة التحقيق، هم محققين اللي حققوا معي، أول واحد جاء بأسلوب تخويف لي، وهو فعلا إصبعينه مقطوعين، فأول ما دخل أنا كنت واقفة طبعا بالغرفة، مسكني وضل يضرب فيي يضرب فيي وأنا مش صاحية، يعني مش عارفة شو هو اللي بيوجعني شو هو اللي بعقلي، بعدين راح قعد على الكرسي وأنا مش قادرة أقوم يعني فضليتني قاعدة على الأرض، فجاء لعندي عملي هيك بكفة يده، بيحكي لي شايفة هدول الإصبعين مقطوعين هدول من المخربين من لبنان. فأنا بتطلع على أيده وبلش فيي ضرب، يعني هو الأسلوب الوحيد اللي استعملوه معي هو الضرب المبرح..

سامي كليب: وبدأت مرحلة الأسئلة طبعا.

حليمة فريتخ: آه الأسئلة، إنه أنت ليش عملت هيك ومين اللي بعتك وبدك تحكي التنظيم اللي وراك ولا أنا بقتلك ما بتروحي من هون، ما بتطلعي من هون. فأنا بالحقيقية ما عندي تنظيم، لا نظمني تنظيم ولا حدا روضني للتنظيم، كيف بدي أعترف بشيء أنا مش موجود عندي يعني، بقول له شو هو التنظيم اللي بتحكي فيه أنت، أي تنظيم؟ أنا لحالي عملت هيك. هلق هو متفاجئ ولا هذا هو أسلوبه ولا مش مصدق إني أنا يعني بضحك عليه وبكذب عليه، بده تنظيم إنه مين هذا التنظيم؟ قلت له إنتم عملتم بأخوي هيك هيك هيك وأنا شفته هيك هيك وأنا عملت هيك هيك.

سامي كليب: طبعا ما بيصدقوا يعني؟

حليمة فريتخ: آه، إنه أنتوا بمعنى يعني صورتكم أنا فهمتها.

سامي كليب: فهمت الصورة، ولكنها لم تفهم سر التناوب بالقمع والضرب على سنواتها الستة عشرة، بقيت حليمة فريتخ قيد التحقيق والتعذيب حوالي الشهرين ولكن العذاب كان يهون أمام صورة شقيقها خضر، الذي كما تلاحظون لا يزال حتى اليوم يتردد كاللازمة في كلامها بين جملة وأخرى، وخضر لم يكن الوحيد الذي تعرض للتعذيب أمام عينيها وإنما أيضا شقيقها محمود الذي استشهد في السجن ووالدها الذي تمت إهانته بالضرب أمام العائلة وشقيقان آخران سجنا قبلها وبعدها.

حليمة فريتخ: أخوي محمود كانوا جايبينه برضه على البيت، إجا بده يقرب عليه أبوي، كانوا حاطين له الحديد بيديه من وراء، وكانوا ماسكينه بقوة من الجهتين المخابرات والجيش اللي جاؤوا معه..

سامي كليب(مقاطعا): شو السبب جايبينه على البيت؟

حليمة فريتخ: كان في معلومات، في شيء معلومات، إنه في شيء في الأرض وكانوا بدهم ينسفوا البيت، هو في النهاية انتسف البيت، فاللي صار إنه نحن جينا بدنا نمسكه ونبوسه وهيك نحكي معه وهذا، فالجيش أول شيء قرب عليه أبوي، حطوا أبوي وضربوه، يعني ضربوه ضربوه، مش مزحة يعني كف ولا كفين ولا، نزلوا فيه ضرب قدامنا كلنا، يعني شوف الواحد وهو صغير كيف بيتأثر بكل شي، شو أنا بالنسبة لي أبوي كان قدوتي، الأب والأم والأخ وهذا.. إنه كيف يعني بهذه الطريقة يعني  الإهانة والـ.. إنهم بيدوسوا على الإنسان، ما بيعرفوش لا الإنسان ولا الإنسانية  هم اسمهم معهم احتلال يعني، زي ما جاء لازم يزول الاحتلال..

سامي كليب: وبعدين بيسألوا ليش بيصير عليهم عمليات يعني.

حليمة فريتخ(متابعة): ما في سلام بوجود الاحتلال، فيومها كمان هي صور كلها بتخزن، كلها صور بتخزن، فأنا كمان لحقتهم وأخوي سليمان كمان لحقهم..

سامي كليب(مقاطعا): بعد ما راحوا من البيت صار في حكي مع الوالد؟

حليمة فريتخ: أبوي آه، كان متأثر على فكرة على أخوي ونحن كلنا كنا متأثرين.

سامي كليب: طيب بعد العملية حضرتك اعتقلت وطبعا حصل تحقيق وتعذيب لفترة طويلة وبعدين حصلت محاكمة، كان المفترض أنك تسجني لفترة طويلة، وفهمت أنه خلال المحكمة..

حليمة فريتخ: آه وأكثر من محامي حطوا لي.

سامي كليب: أربع محامين تقريبا، وفهمت أن أحد المحامين من آل المصري من العائلات المعروفة في نابلس، نصحك أن تطلبي الرحمة، شو عملت؟

حليمة فريتخ: إيه أجا قرب علي وقال لي لازم تطلبي الرحمة، لأنهم طلبوا لك عشر سنين، فبلشت فيه سب يعني مسبات مسبات..

سامي كليب(مقاطعا): داخل المحكمة؟

حليمة فريتخ: آه، أنت حقير أنت جاسوس أنت جاي تطلب مني، أنا بطلب من هدول الرحمة! وقدامهم وفاعت المحكمة. أنا بطلب رحمة! أنا اللي عملوه في إخوتي واللي عملوه في أخوي والصورة الشنعة بتاعتهم، هؤلاء لازم ينتهوا من حياتنا يعني أنا أروح، أنا أجي، أنا مش ندمانة على اللي عملته حتى لو حكموني يومتها عشرين سنة ما كنتش سائلة، بس إنه أنا يعني طلعت شيء من داخلي إنه ما قدرت أشوف هذا التشنيع اللي فينا من الجيش ومن المخابرات ومن الاحتلال اللي جاي بينكل فينا وبشوه فينا وبقطع فينا، والتعذيب مش سهل.

سامي كليب: فضلت السجن على طلب الرحمة؟

حليمة فريتخ: آه، طبعا قلت له أنا مستحيل لو بموت أنا ما بطلب رحمة، مين هم هؤلاء حتى أطلب منهم الرحمة؟! هم اللي اعتدوا، هم اللي بيرتكبوا الجرائم، أنا ما ارتكبت جريمة.

سامي كليب: كان المفترض يصدر حكم بشي خمس عشرة أو ست عشرة سنة، خفف إلى الست سنوات.

حليمة فريتخ: للستة نزل آه، كان وليد الفاهوم محامي وعبد عسلي من القدس والمصري وفي كمان واحد جاء كمان حضر أكثر من جلسة.

سامي كليب: يعني طبعا أخذوا بعين الاعتبار أنك فتاة صغيرة وشفت كمان عائلتك شو صار فيها، لحسن الحظ أنه ست سنوات مش أكثر.


[فاصل إعلاني]

 في السجن طفلة كبرت

سامي كليب: مرحلة السجن طبعا ككل مراحل السجن فيها نضال وفيها صمود وفيها يأس وفيها عذاب وفيها كل البشاعة الإنسانية اللي يتصورها الإنسان، وفهمت أنه حتى داخل السجن كنت من الذين أو اللواتي يرفضن أي عمل لصالح الاحتلال، بتفضلي تبقي داخل السجن على أن تخرجي وتعملي في أعمال ربما تصب في صالحهم فيما بعد؟

حليمة فريتخ: داخل السجن؟

سامي كليب: نعم، لما كانوا بيطلبوا منكم أن..

حليمة فريتخ(مقاطعة): آه، طبعا، طبعا، كان القانون عندهم أن المحكوم لازم يشتغل علشان يطلع للساحة يعني..

سامي كليب(مقاطعا): أي نوع من الأشغال؟

حليمة فريتخ: كان في عدة.. في الحقل، شغل الحقل، في شغل الجلي بالمطبخ، المكشات اللي قد الكنب، والطناجر الكبيرة بتاعة المطاعم يعني، وكان في شغل ظروف، ظروف ورق كبار حجم كبير بينحط فيهم الخضار، وكان في شغلة اللي بيقولوا له الأباجور التريس اللي بينفتح وبيتسكر وفي كان زرار الكهرباء، فأنا طلعت للشغل، بس أنا المشكلة إنه أنا أكثر واحدة كنت مشكلة، إنه أنا ما بشتغل هيك شغل، يعني حتى بالحقل، الحقل مش شغل منتج، بس أنا ما كنت أعشّبه، يعني يعطوني الشوكة وماكنت أعشبه، أضلني قاعدة وأحكي مع البنات من الشبابيك اللي ما بيكونوا يشتغلوا يعني اللي بيكونوا موقوفين، بيكونوا جايين جديد وهيك، فأنا كنت دائما أرفض، هلق كنت أنزل على الشغل بس إيش أعمل مثلا باليوم نفرد أعمال ثلاث، أربع وحدات ما أطلع من محل الشغل، وكمان آخذ اللي بينتجوه صاحباتي، أخذه، زرار الكهرباء أخذهم كلهم أجمعهم عندي وبعدين أدخل على الحمام اللي في المصنع وأكبهم كلياتهم وأضل أدير مي وأدير مي وأقضي وقتي بالحمام، علشان أضلني منزلتهم، التريس كنت أشحطه، أقحطه تقحيط، وكنت أطعجه أكسره تكسير بإيدي التريس، يعني في كثير كانوا يسألوني وين اللي اشتغلناه أقول لهم ما بعرف، شو بيعرفني أنا وينه.

سامي كليب: بعدين عرفت إنه طبعا أنت وصغيرة في البيت كنت تلعبين اللي بتسموها الزحليطة..

حليمة فريتخ: مين اللي معطيك كل هالمعلومات!

سامي كليب: والماء والصابون، حاولت أن تقومي بالشيء نفسه داخل السجن وعوقبت على ذلك؟

حليمة فريتخ: آه، عوقبت، كان يوم سبت وممنوع قال الصوت يطلع والضجة، فيعني المجندات بتحلم يعني إنو أنا ألتزم في إنه شو ما في ضجة وما في.. طيب نحن بسجن وبزنازين وبعذاب يعني إيش إنه.. شوف أنا بحس حالي متمردة دائما على الغضب وعلى القهر وعلى، يعني عندي استعداد أن لا أتنازل عن شحطة يعني من قناعاتي أو أنا شو اللي بشوفه..

سامي كليب(مقاطعا): وخصوصا اللي عاش مثلك يعني، طبيعي أن يصل إلى هذه الدرجة من التمرد.

حليمة فريتخ(متابعة): فصرت أقيم ماء بالسطل من الحنفية جوا بالغرفة من الحمام بالطرقة وأكب الغرفة، عبيتها ماء و صرت أتزحلط على الأرض من الباب بتاع الغرفة لجهة التخوت، عاد هي كلها مسافة يعني بعيد عن هالمطرح، لا يشبه يعني، كلياتها مسافة من الكنب هذا لهون، فيها ست تخوت كل تختين فوق بعض، وفيها الخزانة الخشب ملزقة بالحيطة ما إلها مساحة..

سامي كليب: وطبعا كنت بعمر المراهقة يعني بدك تلعبي.

حليمة فريتخ: آه، فكنت بدي، خلص يعني هي في رأسي هي اللعبة دائما يعني أمي كانت تقول لي خلصي خلصي عشان يعني بدنا ننظف الأرض.

سامي كليب: كانت حليمة فريتخ  تلعب داخل السجن محفوفة ببراءة العمر وكان والداها ينطفئان شيئا فشيئا في منزلهما حيث معظم العائلة داخل السجن. كانت السجينات السابقات لها، وبينهن مثلا المناضلتان تيريز هلسة وروضة بصير يحاولن احتضانها ولكن السجان كان بالمرصاد، وجاءتها أمها بعد حين تشد على يديها وتغالب الدمعة كما تفعل هي اليوم في حديثها عن تلك الذكرى، ذكرى لقاء الوالدين.

حليمة فريتخ: آه، بتذكر يعني إنه.. بحبهم كثير يعني..

سامي كليب: كانت بتشجعك ولا كانت خايفة عليك؟

حليمة فريتخ: لا لا بالعكس كانوا يعني دائما يقولون لي ديري بالك على حالك وعلى صحتك وأنت قوية وأنه بيجي الفرج وبتطلعي وكل الناس بتحبك.

سامي كليب: كنت بتشعري أنك عملت شيء خطأ بحق الأهل ولا لا، لازم يفتخروا بهالشي؟

حليمة فريتخ: لا مش خطأ، أنا بالعكس كمان علشانهم يعني، أن هذه المعاناة متى ستنتهي يعني متى هذا الاحتلال سينتهي؟ متى الإنسان، إحنا الفلسطينيين، يعني أنا كفلسطينية متى سأعيش الحياة؟ يعني إحنا نناضل مش لإننا إرهابيين ولا إحنا أمراض نفسية كما تدعي إسرائيل وتقنع كل العالم، وكل العالم بيقتنع في إسرائيل، وبالأكذوبات بتاعة إسرائيل، إنه إحنا بالعكس..

سامي كليب(مقاطعا): بس تتذكري شو حكيت للوالدة، شو قلت لها؟ يعني مثلا حاولت أن تشجعيها؟ خصوصا الست عشرة سنة.

حليمة فريتخ: آه أول زيارة كانت كثير حلوة إني شفتهم وصعبة كثير كانت.

سامي كليب: شو الصعب كان فيها؟

حليمة فريتخ: الصعب إنه ما بدي أمي تتعب، ما بدي أبوي يتعب.


متمردة رغم الخسائر

سامي كليب: سعت المناضلة الفلسطينية والسجينة السابقة حليمة فريتخ للتغلب على حياة السجن، تمردت كثيرا وحاولت أن تتعلم كما يفعل السجناء حينما يغلق عليهم الباب الحديدي، لكنها منعت من التعليم بسبب التمرد وعدم الانصياع للسجانين، لم تلن أمام جور الجلادين، لم تتنازل، وكيف يمكنها أن تتنازل وهي التي كل أشقائها في السجن بين جريح ومريض ومحكوم بالمؤبد.

حليمة فريتخ: أنا أكثر واحده قضيت يعني تقريبا نص حكمي رايحة جاي على الزنازين..

سامي كليب(مقاطعا): الزنازين اللي هي غرف انفرادية للي بيتمردوا يعني؟

حليمة فريتخ: آه، عقاب، إذا ما بتلتزم..

سامي كليب(مقاطعا): شو شروطها، أصعب من السجن العادي؟

حليمة فريتخ: الزنزانة يعني زي قبر، يعني وعزل للإنسان لا بيسمع صوت ولا بيحكي مع أحد، ولا أي شيء من احتياجاته بتكون معه غير اللي بس كان لابسهم، يعني البلوز والبنطلون، بين أربع حيطان يعني المساحة ثماني بلاطات بثماني بلاطات، الأجرين على الحمام، الحمام طبعا بيطلع منه أشكال وألوان، عفوا خزق الحمام، بيطلع جرادين بيطلع أبو بريص بيطلع سحالي بيطلع.. فكنت ألعب أنا وأبو بريص في الزنزانة، يلحقني وألحقه، فالزنزانة بتخلي الإنسان معزول عن أي إشي في الدنيا موجود، يعني الحياة اللي مش طبيعية بالمرة..

سامي كليب(مقاطعا): كم كانت تستمر فترة الرمي في الزنزانة تقريبا؟

"
كنت أرفض أي قرار أو أمر يأتي من السجانين فنحن نناضل داخل السجن ضمن مطالب وإضرابات عن الطعام, وكنا نضرب لأسبوعين ولثلاثة عن الطعام
"
حليمة فريتخ:
أنا أحكي لك الصراحة أنا كنت مشكلجية كثير، وكنت أرفض كل شيء، بصطدم أنا والمجندات، ضرب، مرة دخلت رأس ضابطة الأمن بالحنفية. أنا بعتقد أن هذا وضع طبيعي في الحياة اللي مش طبيعية، إنه هذا احتلال وبيحاول يقضي عليك ويقضي على إنسانيتك ويقضي على حياتك يشعرك أنك أنت ما بتسوى ولا شيء، فهذا التحدي، هذه النقمة اللي بتحسها، التمرد اللي بتحسه، بتحس أنك أنت بتحافظ على وجودك على كرامتك على إنسانيتك على عقليتك، إنه أنا لا مش هيك زي ما هم بيعاملوني، فأنا كنت أي قرار أي أمر أي شيء كنت أرفضه، يعني طبعا إحنا نناضل داخل السجن ضمن مطالب وإضرابات عن الطعام, وكنا نوصل لأسبوعين ولثلاثة نضرب عن الطعام..

سامي كليب(مقاطعا): طيب الغريب واللافت والمأساوي بالإضرابات عن الطعام، وأنا، اسمحي لي أنا كنت أود أن أجنبك كل هذه الأسئلة لأنه يكفيك ما عانيت حتى اليوم، ولكن لا بد من شرح ما حصل داخل السجن في أحد الإضرابات عن الطعام تأتيك مجندة وتقول لك إن شقيقك المسجون المعتقل أيضا محمود بصدد الموت، شو اللي حصل؟

حليمة فريتخ: آه، نحن كنا مضربين عن الطعام وقتها وكان إلنا مخلصين أسبوع ومبلشين بالأسبوع الثاني، يعني نحن عبارة عن جسم بس محطوط على التخت مش أكثر، فأنا يادوب إني قدرت أستوعب بتقول لي إنه أخوك في هذا السجن هون في الرملة مريض بيموت، هيك بتقول لي، بقلها مين أخوي، بتقول لي أخوك هون في مستشفى الرملة مريض بموت..

سامي كليب(مقاطعا): كان صار لك خمس سنوات مش شايفتيه؟

حليمة فريتخ: آه، قلت هي شو بتخبص قاعدة، شو بتحكي هاي جاي تستفزني ولا جاي.. المهم باختصار يعني قالت لي قومي علشان كنا في إضراب وأنها بدها تفتح علي الغرفة، قلت لها لا تفتحي الغرفة في إضراب ما بدي تفتحي الغرفة، المهم أنا على فجأة سمعت أصوات البنات بينادوا علي من الغرف، إنه لا حليمة قومي وروحي يعني ما يكون إنه خلوها تفتح الغرفة واطلعي وروحي شوفي محمود، هو بمستشفى الرملة وتعبان. أخوي محمود كنت أحبه كثيرا وأخوي خضر كمان كثير كلهم كنت أحبهم، بس أخوي محمود يعني تعذب، أنا تفاجأت أنه أنا بفكره مريض عادي، أنا لما دخلت الغرفة اللي بدهم يورجوني إياه فيها، كان المسؤول تاع السجن وهناك المستشفى كان واقف بانتظاري بس علشان يصدمني بيحكي لي كم سنة أنت ما شفتي أخوك؟ قلت له خمس سنين أنا ما شفتوش أنا جاي لزيارته وبتجيبوا أخوي علشان أشوفه وأزوره وأرجع للسجن للرملة يعني أرجع. ولا هو بيحكي لي أخوك بيموت..

سامي كليب: هيك.

حليمة فريتخ: هيك يعني بيتلذذ بيحكي لي ياها، قال لي أخوك أنت من خمس سنين بيموت. قلت له اسمع أنا جاي هون علشان أشوف أخوي وأرجع محل ما كنت، فأتفاجأ وأنا واقفة، ما قعدت أنا، وأتفاجأ إنه في عربة بتجي من دخلة القسم بتاع المرضى المساجين، بتجي عندي هيك بتلف وبيوقفوها قدامي..

سامي كليب: الكرسي للمقعدين.

حليمة فريتخ: الكرسي آه، فأنا بتطلع فيه وبتطلع هو فينه، هو فورا عرفني..

سامي كليب: أنت ما عرفتيه؟

حليمة فريتخ: أنا لا بتطلع فيه إنه هو محمود ولا مش محمود، محمود بس هو يعني مش شكل محمود، يعني المرض ناخره نخر، يعني ما أنت بتعرف في السجن في حبة أكامول..

سامي كليب: مهدئ يعني.

حليمة فريتخ: بيقول لك خذها، [زي ماشي يش] في العبري، يعني هذا الموجود إذا مش معجبك لكل الأمراض بتدق رأسك بالحيط، ما في علاج..

سامي كليب: هذه صورة محمود فريتخ حين كان في عز صحته، كان شابا واعدا بالكثير، طموحا محبا للحياة لا شك، وهذه صورته حين نخره المرض داخل السجن أصيب بسرطان في القدم، تمدد إلى كامل الجسد، كان المرض يتمدد في الجسد النحيل وسرطان الاحتلال والمستوطنات يتمدد في جسد فلسطين. وها هي حليمة فريتخ شقيقته تحتفظ ببعض أشيائه التي صنعها في السجن رسمة لبيت وأحلام نابلس وصورة وبعض المنحوتات الصغيرة، قال السجانون لحليمة إن شقيقك يموت فكان اللقاء الأخير بينهما قبيل الوفاة أو الاستشهاد.

حليمة فريتخ: أنا حكيت معه هي دقيقة يعني بس، وأنا واقفة هو دخل اتطلع علي عرفني على طول، وأنا واقفة بتطلع فيه عرفته أنا، بس محمود يعني جميل جدا أخوي محمود، وصحته، وكثير كثير المرض ناخره نخر يعني ما في علاج داخل السجون.

سامي كليب: تتذكري شو حكيت معه؟

حليمة فريتخ: آه، وأنا واقفة لما وصلت العربة عندي يعني اللي هو قاعد فيها، أنا هيك عبطته وهو متألم كثير، عبطته هيك وحطيت راسي هيك يعني وجهي على وجه وبعدين قال لي ديري بالك على صحتك وأنت إن شاء الله بتروحي، ديري بالك على صحتك وأنا بحبك كثير، وقلت له لا أنا وياك محطوط اسمنا بالتبادل 85 إنه رح نروح، بس هو استشهد بشهر أربعة وأنا روحت بشهر خمسة.

سامي كليب: بالخمسة وثمانين؟

حليمة فريتخ: آه. يعني شوف الفرق..

سامي كليب: يعني استشهد قبل خروجه من السجن بفترة بسيطة؟

حليمة فريتخ: آه. بعدين أعطاني، أعطاني هي، ما في إشي بالسجن يعطيني ياه، أعطاني هي الجلدة اللي هي الشيء الوحيد الممكن، يعني بدو يعطيني شيء، قال لي خذي هذه مني ذكرى، ما في شيء في السجن، فأعطاني هي وقال لي ديري بالك على صحتك وهيك.

سامي كليب: شو عملت بعدها؟

حليمة فريتخ: أنت يمكن بتلاحظ بالصورة قديش كان هون أخوي محمود قديش حلو، شوف الصورة وهو مريض وكيف طلعوه من السجن!

سامي كليب: الله يرحمه.

حليمة فريتخ: الله يرحم كل شهدائنا.

سامي كليب: بقي محمود جثة في السجن، صار شهيدا وشاهدا على القمع، كتبت حليمة لأهلها من السجن تحاول تخفيف الألم الذي كان يعتصرها بقدر ما يعتصرهم رغم التعالي والعض على الجرح.

حليمة فريتخ: وإني على يقين تام بأنكم كما عهدتكم بقوتكم الحديدية ومعنوياتكم الفولاذية وخاصة الآن وبعد استشهاد الأخ العزيز محمود، أدرك تماما بأنكم تزدادون قوة وصلابة أكثر وأكثر وتزدادون إيمانا بالإنسانية وتمسكا أكبر وأكبر، أحبائي إن استشهاد محمود لن يزيدنا إلا تشبثا بما نصبوا إليه ولن يزيدنا إلا شرفا أعظم ولكن محمود ليس لنا وحدنا بل هناك الكثير الكثير من الناس الذين من أمثاله، يحبونه ويعزونه كحبنا له ومعزتنا له تماما، ويتألمون عليه، فالإنسان الحقيقي وأينما وجد وكان فإن فقدانه يؤلم لأن ذلك خسارة لشعبنا عامة، وليس لنا لوحدنا إننا وكافة الناس الحقيقيين ندرك في نفس الوقت بأن مسيرة العذاب هذه لا بد منها ولا بد من متطلباتها وأرواحنا ستبقى الثمن الرخيص لأجل الإنسانية والحرية التي هي من حق كل إنسان أن يعيشها وينعم بها.


الروح تبقى فلا ندم

سامي كليب:  أفرج عن حليمة فريتخ عام 1986 ولكن الانتفاضة الأولى اندلعت بعد أقل من عام على الإفراج، وبما أن النضال يجر النضال والنصال ما عادت تتكسر سوى على النصال فقد كان مصير حليمة وبعض أفراد عائلتها الانضواء تحت لواء الانتفاضة، فانتقم المحتل مجددا بسجن الشقيق وتدمير منزل الأهل ومات الأهل غما وحزنا.

حليمة فريتخ: نسف البيت. أخوي سليمان اللي حكيت لك عنه لما طلع من السجنة الأولى، أجت الانتفاضة فردينا رجعنا من جديد نشتغل يعني فانسجن على شغلة كثير ثقيلة..

سامي كليب: وحكم بالمؤبد.

حليمة فريتخ: انحكم مؤبد وانتسفوا البيوت، يعني بيتنا وبيت مجموعته.

سامي كليب: كنتم في البيت لما نسف؟

حليمة فريتخ: آه طبعا كنا في البيت، أنا كنت يومها مش بالبيت، بس طلعت.. طبعا بسرعة الخبر، شو، إنه تفجروا بيوت في نابلس والاحتلال وكذا وهيك، يعني أن الدنيا قايمة في نابلس، فلما انتسف البيت نحن بصراحة قلنا طيب حجر يعني سواء أن .. بس أن أخوي رجع مؤبد، آه وبرضه شوف سنوات الاعتقال الطويلة تؤثر كثير على صحة الإنسان، في مرات بتكون صعب أنك تعوضها بسهولة، خاصة لما تحديدا لما الواحد بيدخل صغير وكيف تكوينة جسمه والغذاء، نحن يعني شو اللي كنا ناكله في السجن، طيب أنا مرة، أنا بالنسبة للأكل بتذكر إنه في أشياء كنت من كثر ما أحس الظلم فيها، مثلا البيضة لونها زي النيلي، أزرق، أزرق، عندهم يوم السبت..

سامي كليب: فاسدة يعني؟

حليمة فريتخ: آه، وريحتها طالعة..

سامي كليب(مقاطعا): تعرضت لأمراض؟

حليمة فريتخ: آه، أنا ما كنت.. مرة، أكثر من مرة يعني يجيبوا الخبز يابس يابس يابس، مرة أنا حملت المقاش هذا بتاع الخبز اللي حاطينه في غرفة الأكل اللي بده يتوزع، كبسته للمجندة، كبست فيه المجندة في رأسها، إنه إيش إحنا بني آدمين، إحنا بشر، إنتوا الحيوانات يعني في، في .. الإنسان يعني أدنى حد، يعني إنه لازم يكون محترم..

سامي كليب(مقاطعا): طيب ست حليمة فريتخ، طبعا نحن نشاهد عبر التلفزات مرات أن الاحتلال يقتلع شجرة زيتون أو ينسف منزلا، أي شخص يشاهد هذه المناظر يتأثر حتى العمق حتى بداخل دمه، فكيف شخص بيته ينسف أمامه، يعني الذي ولد فيه وترعرع وكذا، وبتصور أنه كان بالنسبة لكم كأولاد ربما أخف وطأة على الأهل، الوالد، الوالدة مثلا كيف تصرفا أثناء ذلك؟

حليمة فريتخ: أمي وأبوي تقريبا هم كانوا بيموتوا موت بطيء من كل الأحداث يعني اللي تتوالى وخاصة أنه صعب واحد كان بالسجن يرد يرجع يعني على السجن، فأمي وأبوي القهر والضرب اللي كانوا بالانتفاضة، يعني أنا أغلب وقتي برات البيت كنت وإخواني أغلب الوقت، فصفى بالنهاية أمي وأبوي كانوا ياكلوا ضرب كثير من الجيش، يعني أقل كلمة وين بنتك اللي كذا كذا، وين جوزها وين هي، شو بتعمل في جامعة النجاح، شو بتعمل في كلية الفاروق، شو بتعمل في كذا، فحقيقي حقيقي أمي وأبوي الله يرحمهم يعني من المعاناة، يعني من أول ما نشأنا ونحن صغار وربونا طلعنا يعني غلّبناهم بس هذا حق يعني بالنهاية ما بندم عليه..

سامي كليب: ما بتندمي فعلا؟

حليمة فريتخ: ندم لا، ندم ولا بحياتي ما بندم لأنني لم أعمل شيء غلط لأندم. وبالنهاية يعني الله يرحمهم، يعني خلص، يعني هم قضوها بالشهر أربع أسابيع كل أسبوع زيارة سجن وسنين طويلة من العمر، يعني أنا بتذكر أبوه للسعيد العتبة إجته الجلطة بالباص وهو راجع من السجن وما لحق يوصل البيت، مات في إحدى الزيارات، يعني أبوي وأمي من المعاناة خلص.. قصر عمرهم كيف بيقولوها....

سامي كليب: توفي الوالدان هما وحزنا على شقيق استشهد في السجن وآخرين كانوا خلف القضبان وعلى حليمة نفسها التي خرجت من المعتقلات بجسد واهن يناقض تلك الصورة للفتاة النضرة التي لا تزال تحتفظ بها حتى اليوم، نخرت الأمراض جسدها هي الأخرى ولا تزال غير قادرة على العلاج نظرا لضيق الحال.

حليمة فريتخ: صح، وأنا كمان أيام المدرسة كانت هوايتي دائما الرياضة، أحضر مباريات على صعيد كبير، مسابقات وقفز وفولي وتنس، بس السجن أثر كثير كثير كثير على صحتي أولا لأنهم كثير ركزوا على الضرب على رأسي، فأنا لما طلعت من السجن كان دائما رأسي يوجعني لدرجة إنه ما تقدر رقبتي تحمله، يعني أحس إنه ينزل مني رأسي، فبعد ما طلعت من السجن ما بعرف كيف عن طريق المنظمة سافرت على الأردن عند اللي كان يعالج أبو عمار فعمل لي تخطيط، حكى لي إن الشعيرات هي الدم اللي هون تمدد وتقلص، بيصير فيها تمدد وتقلص، وفي شريان العصب الثامن الدم ما بيوصل له، وهلق أنا إلي فترة بتعالج بس الأدوية حكي فاضي والعلاج حكي فاضي..

سامي كليب(مقاطعا): فهمت أنه عندك فقر دم كمان؟

حليمة فريتخ: آه، كمان طلعت عندي فقر دم كثير، وعملت أنا أربع، خمس عمليات لما طلعت من السجن..

سامي كليب(مقاطعا): بس في إمكانية للعلاج ولا؟

حليمة فريتخ: هو في إمكانية للعلاج بس المشكلة عنا إحنا هون أن العلاج ما بيعالج، يعني بصفي الواحد إنه بده يضل يأخذ كورسات دواء دواء دواء، بالنهاية كمان معدتي..

سامي كليب(مقاطعا): لازم عمليات وفيها تكاليف.

حليمة فريتخ: معدتي آه، صار بدها يعني أنك تقدر تتحمل الدوا والأدوية.

سامي كليب: تزوجت حليمة فريتخ بعد الإفراج عنها، ولكن زوجها كان ملاحقا من قبل الاحتلال، نجح في الهرب ولكن الزواج انتهى لأن خيار هذه المناضلة والسجينة السابقة كان بين الحفاظ على الهوية أو الزواج. المحتل كان اتهمها بالاشتراك في عمليات أخرى خلال الانتفاضة وحين لم يثبت عليها شيئا أعطاها هوية خضراء تفرض بموجبها الإقامة الجبرية وتمنع من التحرك، وحين خيرها المحتل بين الرحيل عن أرض الأهل والأجداد نهائيا للحاق بالزوج أو التخلي عن السفر وعن الحب والزواج قررت الحفاظ على الهوية والأرض.

حليمة فريتخ: كانت قصة طويلة أنه هو مطارد وهو بالنهاية هرب وأنا ضليت هون..

سامي كليب: هرب خارج فلسطين؟

حليمة فريتخ: آه، وشوف ما أسوأ الظروف يعني نسف البيت مع جلطة أبوي، مع أنا إقامة جبرية مع أخوي..

سامي كليب: استشهد داخل السجن.

حليمة فريتخ: أخوي اللي انتسف علشانه البيت صار مطارد، شو بدي أقول لك يعني، هذه كلياتها، الدماغ يعني.. وهو هرب، كانوا يتمكنوا من الهرب، الأنفاق هلق اللي سلمتها الجواسيس وغير الجواسيس لإسرائيل انكشفت كلها هذه الأنفاق اللي كانوا يهربوا منها المطاردين للخارج. وأحكي لك الصراحة أنا يعني كان قسرا علي أن أتركه لأن إسرائيل وافقت لي على السفر عن طريق لائيت سامل محامية يهودية بالقدس الغربية، هذه المحامية نحن نثق فيها يعني كانت تشتغل لقضايانا في السجون كمان وهيك، جابت لي رد إنه أنت بتقدري، إسرائيل موافقة إنك تسافري بس بشرط بتسلمي هويتك مقابل إبعاد. وهي خلص أنا بالنسبة لي أنا أنهيت الموضوع، إنه مستحيل أنا أعملها، فضلينا على أمل إنه في بكرة عملية سلام قالوا لنا، في سلام وفي عملية سلام ورح تترتب الأمور وهيك، وصار الواحد متفائل إنه أنا وإياه في يوم من الأيام رح نلتقي، طلع أن هذه اتفاقية مش سلام، اتفاقية نكبة ثالثة ولا رابعة للقضية الفلسطينية، ما فيش في اتفاقيات مقدسة عند إسرائيل ولا إلتزام عند إسرائيل..

سامي كليب(مقاطعا):  وبالنهاية تخليت عن الزواج؟

حليمة فريتخ(متابعة): فكل هذه الخسارات للجحيم مش مشكلة يعني فهمت، بس أن الإنسان يعني يضل على طبيعته وحقيقته ما يتحول لأي شيء آخر، يعني هذا احتلال وقلنا آه ولا لا، بس أنه الإنسان ما ينكسر.

سامي كليب: لم تنكسر، رأسها بقي شامخا رغم المصائب التي حلت بها وبالعائلة، رأسها يشمخ فيما رؤوس عربية كثيرة قررت أن تختبئ كالنعامة في الرمال، رأس حليمة فريتخ شامخ ولكن المرض يحاول أن يحنيه أو يذيبه شيئا فشيئا وهي غير قادرة على العلاج بسبب ضيق الحال، وحين سألتها في ختام الحديث هل تعرف لماذا ناضلت؟ قالت: لأني أحب الحياة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة