مستقبل رؤوس الأموال العربية في الدول الغربية   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

باتريك كلوسن: نائب مدير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى
د. جورج قرم: خبير اقتصادي ووزير المالية اللبناني سابقاً

تاريخ الحلقة:

29/08/2002

- الأعراض الاقتصادية لأزمة العلاقات السعودية الأميركية
- الرؤية الأميركية من قضية انسحاب الاستثمارات السعودية

- الشروط الاقتصادية والسياسية لعودة رؤوس الأموال العربية المهاجرة

مالك التريكي: في أعقاب تضارب الأنباء حول سحب الاستثمارات السعودية من الولايات المتحدة، تساؤلات حول مستقبل رؤوس الأموال العربية في الدول الغربية، وحول احتمالات توظيفها في خدمة التنمية الوطنية.

أهلاً بكم، قبل أسبوعين رفعت مئات من عائلات ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر دعوى قضائية ضد الحكومة السودانية، وعدد من الأطراف في السعودية تشمل مصارف ومنظمات خيرية إسلامية وعشرات من الأشخاص، من بينهم ثلاثة أمراء هم وزير الدفاع الأمير سلطان بن عبد العزيز، ورئيس الاستخبارات السابق الأمير تركي الفيصل، ورجل الأعمال الأمير محمد الفيصل، وتتضمن الدعوى اتهاماً لجميع هذه الأطراف بدعم حكومة طالبان، والمنظمات الإرهابية التي فرخت المجموعة التي نفذت هجمات نيويورك وواشنطن، وتطالب الدعوى بتعويضات تتجاوز ترليون دولار، أي ألف مليار دولار، وفور انتشار نبأ هذه الدعوى ذكرت الأوساط المالية أن من المرجح أن تنسحب عدد من الاستثمارات السعودية من السوق الأميركية، وبعد أقل من أسبوع من ذلك ذكرت صحيفة "الفاينانشيال تايمز" البريطانية أن المستثمرين السعوديين سحبوا من الولايات المتحدة استثمارات تتراوح بين مائة مليار ومائتي دولار، وذلك احتجاجاً على تزايد مشاعر العداء للسعودية في الولايات المتحدة، وتحسباً من قيام إدارة الرئيس (بوش) بتجميد هذه الأموال السعودية، ونقلت "الفاينانشيال تايمز" عن محللين القول إن حجم الاستثمارات السعودية في أميركا يتراوح بين أربعمائة مليار وستمائة مليار دولاراً، ولو أن مصادر أخرى تقدرها بسبعمائة وخمسين مليار دولار، ومنذئذٍ تضاربت الأنباء في هذا الشأن بين النفي و التأكيد، إلا أن الخلاف قد تركز في الأيام القليلة الماضية حول تقدير حجم الانسحاب السعودي من أسواق الاستثمار الأميركية، على أساس أن شواهد مختلفة تشير إلى وقوع سحوبات بصرف النظر عن درجتها، وإلى توقف تدفق الاستثمارات العربية الجديدة إلى أميركا.

هذه التطورات والأجواء السياسية العامة التي تحيط بها سواء فيما يتعلق بالحرب الأميركية الرسمية ضد ما يسمى بالإرهاب، أو بالحملة الأميركية غير الرسمية ضد السعودية، وهي حملةٌ قانونية وسياسية وإعلامية، كل هذه العوامل تؤدي بطبيعة الحال إلى طرح قضية مستقبل الأموال العربية في أميركا خاصة، وفي الدول الغربية عامة، ودور هذه الأموال في حالة عودتها إلى أوطانها دعم الأولويات التنموية للبلاد العربية، ودعم استقلالية القرار الوطني.

ثابت البرديسي يستعرض من واشنطن التطورات المتعلقة بقضية سحب الأموال السعودية من الولايات المتحدة.

الأعراض الاقتصادية لأزمة العلاقات السعودية الأميركية

ثابت البرديسي: أنباء سحب ما بين مائة إلى مائتي مليار دولار من مدخرات السعودية من الأسواق الأميركية أضافت المزيد من الاضطراب إلى علاقة تمر بأصعب مرحلة من أكثر من ستين عاماً، هي عمر علاقة السعودية بأميركا، ففضلاً عن اتهام الإعلام الأميركي للسعودية بتوفير بيئة ترعى الإرهاب، واتخاذ مواقف سياسية تعارض أهواء السياسة الأميركية أصبح الأمر متعلقاً بما يشبه الحرب الاقتصادية أيضاً على أميركا، ولو أن الخبراء يقللون من التأثير الفعلي المحتمل، فضلاً عن حجم الأموال المسحوبة.

د. طارق يوسف (أستاذ الاقتصاد – جامعة جورج تاون): المعلومات اللي قدمت في بداية التسعينات.. منتصف التسعينات تقول بأن كل الاستثمارارت العربية خارج البلدان العربية المودوعة في أميركا وأوروبا لا يتجاوز 600 بليون دولار، السعودية قد يكون ليها القسم الأعظم في هذه الاستثمارات العربية الخارجية، لكن الحقيقة لا ندري بالتحديد نسبة السعودية أو حتى مدى توزع هذه الأموال ما بين أميركا وأوروبا، إذا كان.. إذا افترضنا بأن هذا الرقم صحيح في حد ذاته 600 بليون دولار، لا يمثل أكثر من 5% من الاستثمارات الخارجية الموجودة في الولايات المتحدة.

ثابت البرديسي: المصادر الأميركية لم تورد تعليقات شافية على حجم أو ماهية أو حقيقة سحب الأموال السعودية، التي يبدو أنها تسارعت بعد رفع قضيةٍ ضد ثلاثة أمراء ومواطنين سعوديين لدفع ترليون دولار تعويضات لضحايا الحادي عشر من سبتمبر والأعراض الاقتصادية لأزمة العلاقات السعودية الأميركية قد لا تقتصر على موضوع سحب المدخرات، الذي يعزوه البعض لأسباب اقتصادية، منها ضياع الثقة، وأزمة الاقتصاد الأميركي نفسه بأكثر من كونها أسباباً سياسية، فبالإضافة لعمليات سحب الأموال تشير البيانات الرسمية إلى نقص الصادرات الأميركية إلى السعودية إلى أدنى مستوىً لها خلال اثني عشر عاماً، فقد بلغت واردات السعودية من المنتجات الأميركية حتى نهاية يونيو الماضي مليارين ومائتي ألف من الدولارات، بانخفاض بنسبة أكثر من 30% عن الفترة ذاتها من العام الماضي، ولعل السبب في هذا الانخفاض حملة المقاطعة الشعبية للبضائع الأميركية بسبب التأييد الأميركي الأعمى لإسرائيل في حملتها القمعية المستمرة ضد الفلسطينيين كما يشير معظم الخبراء.

ويرى المراقبون أن المحدد الأكبر في مدى قدرة الأموال السعودية على التأثير كورقة ضغط لمحاولة استعادة بعض التوازن في المواقف الأميركية سيعتمد على نسبة الأموال الحكومية مقارنة بالأموال الخاصة، التي يحتمل أن أصحابها من السعوديين سيحاولون إنقاذها في أسرع وقت.

الأمير الوليد بن طلال، وهو أحد كبار المستثمرين في الأسواق الأميركية أكد أن عمليات السحب لم تكن أبداً بضخامة ما قالته صحيفة "الفاينانشيال تايمز" اللندنية، وأنه سيحتفظ باستثماراته في الأسواق الأميركية هو وآخرون من أمراء الأسرة المالكة، وأنه يتحدث باسمهم في ذلك المجال، ولكن أين يمكن أن تذهب الأموال السعودية المسحوبة، البنك المركزي السعودي أكد أن عمليات السحب تمت لأسباب اقتصادية، لكن الخبراء متفقون على أن جزءاً ضئيلاً فقط من تلك الأموال ربما عاد إلى السعودية، البحث عن ملاذ آمن للأموال السعودية الهاربة من أميركا، أو التي يجب أن تهرب مخافة المصادرة أو التجميد، لا يعني بالضرورة عودتها إلى السعودية أو بعض الأسواق العربية المتعاطفة لاستثماراتها، وذلك لأن أجواء الاستثمار في تلك الدول ليست مهيأة، أو ليس آمنة لهذه الأموال، وهي الأسباب التي دفعت بها إلى الهرب غرباً منذ البداية.

معظم الأموال المسحوبة توجهت في الأغلب الأعم للأسواق الأوروبية، وربما يفسر ذلك ارتفاع سعر اليورو في الآونة الأخيرة مقابل الدولار الأميركي، وقد لا تجد هذه الأموال طريقها إلى الاستثمار في العالم العربي.

طارق يوسف: مع أن هناك في العالم العربي فرص للاستثمار بيكون ردها المالي.. الربحي أكثر من ما موجود عليه الآن في أميركا أو في كثير من البلدان الأخرى، إلا إن البيئة الأمنية، البيئة القضائية، البيئة الاستثمارية لا.. لم يتم حقيقةً بناءها.

ثابت البرديسي: ويرى المراقبون أن الدول العربية بمن فيها السعودية لا توفر تلك البيئة الملائمة للاستثمار الخارجي الذي يأتي أيضاً بأخطاره ومحاذيره من نوع ما أسقط الاقتصادات الآسيوية في هوة الانهيار لدى فرار تلك الاستثمارات الأجنبية عند أول أزمة.

[فاصل إعلاني]

الرؤية الأميركية من قضية انسحاب الاستثمارات السعودية

مالك التريكي: السحب لاستثمارات السعودية من الولايات المتحدة هو إذن عرضٌ من أعراض التوتر الذي لا يزال يتفاقم بين البلدين منذ عامٍ كامل، أي منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، فهل أن الأجواء السياسية العامة التي أصبحت سائدة في الولايات المتحدة، سواء فيما يتعلق بالحرب الرسمية ضد ما يسمى بالإرهاب، أو بالحملة غير الرسمية قانونياً وسياسياً وإعلامياً ضد السعودية، هل أن هذه الأجواء انتهت بتحويل أميركا بلد الليبرالية الاقتصادية إلى بلدٍ ينعدم فيه المناخ الاستثماري الجذاب؟

لبحث وجهة النظر الأميركية من قضية انسحاب الاستثمارات السعودية من الولايات المتحدة معنا من واشنطن الدكتور باترك كلوسن (نائب مدير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى) وهو اقتصادي سابق في صندوق النقد الدولي وفي البنك الدولي، ومحرر مجلة "ميدل إيست كورتلي (middle east curtly).

دكتور كلوسن هناك تضارب في الأنباء حول حجم الاستثمارات التي سحبها السعوديون من.. من أميركا، لكن هناك اتفاقاً أن الانسحاب قد تم، أو أن هذه السحوبات قد تمت، الآن هنالك جو سياسي في.. في أميركا يصفه العرب بأنه يتعلق نوعاً ما بمناهضة السعودية، هنالك حملة يعتقد أنها مناهضة للسعودية، هل ترون أن لهذه الظاهرة أي علاقة بهذه الحملة المناهضة للسعودية؟

باتريك كلوسن: إن سحب الأموال له علاقة أكثر بالمخاوف الأمنية التي ترافق أجواء ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، والتي جعلت الآن من الصعوبة بمكان للمستثمر السعودي في أن يسرع إلى سوق الولايات المتحدة ليستثمر أمواله، فمثلاً السعودي الذي يريد شراء قطعة عقار في الولايات المتحدة يضطر للانتظار أسابيع للحصول على الموافقات الرسمية، وربما يجعل هذا المستثمر يتجه نحو أسواق أخرى أوروبية وعربية بدلاً من الأسواق الأميركية، وهذا هو السبب غير.. غير المباشر الذي يؤثر في الجانب السياسي على الاستثمار.

مالك التريكي: إضافة إلى هذا السبب الذي ذكرته المصادر منذ أشهر، وهنالك حتى مصادر تقول إن السحوبات بدأت قبل حتى الحادي عشر من سبتمبر بسبب المنحنى الانكماشي في الاقتصاد الأميركي، هنالك سبب مباشر يتعلق مثلاً بالدعوى المدنية التي رُفعت أخيراً إلى محكمة في واشنطن تطالب السعوديين أو عدد من الأطراف السعودية بتعويضات تتجاوز ترليون دولار، ثم هنالك ذلك التقرير من (راند كوربويشن) rand corporation حول تجميد الودائع السعودية في أميركا، لابد أن لهذه الأمور علاقة بهذه السحوبات.

باتريك كلوسن: أشك أن الكثيرين من المستثمرين السعوديين ليسوا على اطلاع جيد بالنظام القضائي الأميركي، وربما يجعلهم هذا يخافون من مثل هذه القضايا التي رُفعت من حيث الأساس والضرورة لأسباب دعائية لأجل تلطيخ سمعة السعودية بدلاً من التفكير جيدة بالحصول على التعويضات المالية نفسها، ولكنني لو كنت مستثمراً سعودياً لشعرت بالخوف، وربما أقرر أن من الأفضل لي أن أستثمر، ولو بعضاً من ألوان.. أموالي في أوروبا بدلاً من الولايات المتحدة، وربما هذا سوف يؤثر سلباً في المستقبل أيضاً.

مالك التريكي: لقد ذكرتم أن مثل هذه الدعوى ربما يندرج في إطار المحاولات الرامية إلى تلطيخ سمعة السعودية، ما هي الجهات حسب تقديركم التي لها مصلحة في تلطيخ سمعة السعودية في أميركا؟

باتريك كلوسن: إن هناك البعض الذين يشعرون بمرارة حقاً تجاه ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر، وهم ينظرون في كل اتجاه يمكنهم النظر إليه بحثاً عن إجابة عن سؤال من كان المسؤول عن ذلك؟ هو إزاء موقفٍ من وجود الآلاف من ضحايا.. من عائلات الضحايا فليس من المستغرب أن عدداً صغيراً أو نسبة صغيرة منهم سوف يلقون باللائمة على السعودية من قبيل الخطأ، نعم كان هناك أفراد سعوديون ومواطنون سعوديون نفذوا هذه الهجمات الإرهابية، ولكن هذا أمر يختلف تماماً عن الحكومة السعودية.

مالك التريكي: الأمر لا يتعلق بالمستثمرين السعوديين فقط دكتور كلوسن، لأن المستثمرين العرب هم أيضاً.. العرب عموماً يحسون بمخاوف من الجو الجديد في.. في أميركا، ويمكن تلخيص هذه المخاوف في انعدام الثقة، سواءٌ من الناحية الاقتصادية، كأن أميركا لم تعد بلداً ليبرالياً، ومن الناحية السياسية أن هنالك نوعاً من المزاجية في استحداث كثير من القوانين، وحتى القرار (1373) الذي أصدره مجلس الأمن بضغط من أميركا، ويجبر كل الحكومات في جميع دول العالم على تجميد أرصدة أي جهة يشتبه في أن تكون لها علاقة بالإرهاب، أصبح يعتبر كأنه نوع من.. نوع من المزاجية القانونية التي تخيف كل المستثمرين.

باتريك كلوسن: أنا واثق من أن الكثيرين من المستثمرين في مختلف أنحاء منطقة الخليج العربي يشعرون بالخوف إزاء بعض الإجراءات والقوانين التي شرعتها الحكومة العربية.. الأميركية لمكافحة الإرهاب، ولكن هناك تعاون، بل حقيقة التعاون زاد فيما بين الحكومة السعودية والحكومة الأميركية، وبين الحكومة الأميركية وحكومات خليجية أخرى، مما يجعل إن تجميد أموال أناس أبرياء احتمالاً بعيداً، والمفارقة تبقى في أن كلما زادت قوة وشدة الإجراءات التي تتخذها حكومات الخليج ضد الإرهابيين في بلدانهم فإن الحكومة الأميركية سوف يقل احتمال تجميدها لأموال أناس أبرياء وعن طريق الخطأ.

مالك التريكي: طبعاً المصادر الأميركية الرسمية جميعها تؤكد أن العلاقات مع السعودية جيدة، وأن التعاون في مجال مكافحة الإرهاب يمضي على قدمٍ وساق، ولكن المصادر غير الرسمية هي تؤكد وجود.. وجود توتر، هنالك نقطة قانونية باعتباركم خبيراً اقتصادياً، إذا اتخذ قرار بتجميد أية أرصدة أجنبية، هل يتم استثمار هذه الأرصدة؟ هل يتم استخدامها أم تترك مجمدة بدون استخدام؟

باتريك كلوسن: بمقتضى النظام القضائي الأميركي لو كان للحكومة الأميركية أن تجمد أموالاً ما فإن المسؤولية تقع على عاتق الحكومة الأميركية لتأمين أن هذه الأموال يتم استثمارها بشكل حكيم، ويحافظ على قيامها، لكن لنكن نزيهين في ذلك، الحكومة الأميركية لا تقوم بعمل جيد، ولا يسعني لو كنت مستثمراً أن أرى ذلك يحدث لي، وبمرور الزمن، لأن ذلك سوف يؤثر على سمعتي، ومن يدري ماذا سوف يحدث للأموال المستثمرة.

مالك التريكي: إذن هل توافقون التحليل الذي نشرته مجلة.. مؤسسة (مورجن ستانلي) الذي تقول ليه إن أميركا قد تتورط في أزمة جيوبوليتيكية بعيدة الأمد، وأن هذا سيجعلها منطقة غير جذابة للاستثمارات، وأن منطقة اليورو هي التي ستصبح.. ستصبح الملاذ الآمن للاستثمارات الأجنبية؟

باتريك كلوسن: إلى درجة ما، ولكن عدد المستثمرين الخليجيين الذي يذهبون بعيداً عن المؤسسات الاستثمارية الأميركية، ويتجهون نحو المؤسسات الأوروبية، يجب أن نتذكر أن هذه المؤسسات الأوروبية نفسها تعود وتستثمر هذه الأموال داخل الولايات المتحدة، إذن بعبارة أخرى الأموال تعود إلى أميركا، وإلى المؤسسات الأميركية، إذن في نهاية المطاف هناك استثمارات تحصل داخل الولايات المتحدة، ولكن هذه المرة تأتي عبر أوروبا، وليس مباشرة من العالم العربي.

مالك التريكي: الدكتور باتريك كلوسن (نائب معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى) شكراً جزيلاً لك.

من الأمور الثابتة في الأدبيات السياسية العربية المطالبة بعودة رؤوس الأموال العربية المهاجرة، وبتوظيفها في خدمة التنمية الاقتصادية في البلاد العربية، وفي دعم استقلالية القرار الوطني.

بعد الفاصل نظرة في الشروط الاقتصادية والسياسية لعودة رؤوس الأموال العربية المهاجرة.

[فاصل إعلاني]

الشروط الاقتصادية والسياسية لعودة رؤوس الأموال العربية المهاجرة

مالك التريكي: في ظل تزايد إجراءات التقييد والتضييق ضد الأجانب، وخاصة ضد العرب والمسلمين في الولايات المتحدة، وفي ظل تفاقم الحملة الأميركية المناهضة للسعودية، والتي كانت أحدث حلقاتها الدعوى القضائية التي تطالب بتعويضات عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر تتجاوز قيمتها ألف مليار دولار، في ظل هذه التطورات تتجدد الدعوة الآن إلى إعادة التفكير في مستقبل رؤوس الأموال العربية في أميركا خاصة، والدول الغربية عامة، فهل إن عودة هذه الأموال لأوطانها مسألة عملية وقابلة للتحقيق؟ لبحث قضية الاستثمارات العربية في الخارج معنا من بيروت الدكتور جورج قرم (الخبير الاقتصادي، ووزير المالية اللبناني السابق).

دكتور جورج قرم، المصادر السعودية التي سارعت إلى نفي نبأ سحب استثمارات سعودية من أميركا حرصت على التنبيه إلى أن الاقتصاد السعودي، بل حتى الاقتصاد العربي ككل عاجز عن استيعاب مثل هذه الأموال الضخمة، ألا يمثل انعدام الأدوات الاستثمارية المتطورة عائقاً فعلياً ضد عودة هذه الأموال إلى أوطانها؟

د. جورج قرم: في الحقيقة لديَّ ملاحظتين في هذا الموضوع، في ملاحظة أولى حول التقريرين الذين سمعناهم، اللي أغفلوا إلى حدٍ ما الخلفية السياسية للحملة الحالية الأميركية ضد المملكة العربية السعودية، وأنا أعتقد إنه هذه الحملة بما فيها الدعوى.. الدعوى السخيفة ضد مواطنين وأفراد من العائلة المالكة السعودية هي تدخل في إطار الضغط على الحكومة السعودية من أجل تطويع الموقف السعودي، سواءً بالنسبة لقضية فلسطين، أو بالنسبة لقضية العراق، فمن المعروف جداً إنه اليوم المملكة أخذت مواقف جريئة سواءً بالنسبة لقضية فلسطين مع المبادرة السعودية، أو بالنسبة إلى ضرب العراق، فأنا أعتقد أن كل ما يجري حالياً في.. في هذه المواضيع المالية التي نناقشها يجب أن نضعها في الخلفية السياسية.

الملاحظة الثانية: هو أن هناك أداة مزعج جداً لم يتم ذكره، هو القرار الشهير لمجلس الأمن (1373) الذي اُتخذ بعد أحداث 11 أيلول، والتي تعطي للولايات المتحدة وكل الدول الغربية الكبرى وسائل قانونية جديدة لمراقبة ومراقبة وتطوير وتدقيق أي حركة في تحويل الأموال في العالم، بحجة مكافحة الإرهاب، وكان هناك تجميد لبعض حسابات الرعايا العرب، ومنهم رعايا سعوديين، بحجة تمويل الإرهاب تبين فيما بعد أنها نتجت عن التباس في الأسامي، وهناك حكومات أوروبية منها السويد بشكل خاص احتجت على حدية الوسائل المطبقة حالياً بفعل القرار (1373)، وأعتقد أننا كعرب يجب أن نعود إلى مناقشة هذا القرار الذي اليوم يلغي عملياً السرية المصرفية وحرية تنقل الأموال، فأي شخص يود أن يحول أموال، خاصة إذا كانت بالدولار يخضع إلى تدقيق ومراقبة من جهة المؤسسة التي يوضع فيها الأموال.

إمكانية العودة هذه الأموال إلى الوطن العربي قضية معقدة، أولاً هناك خوف مستمر من المستثمر العربي بالأوضاع الأمنية والسياسية في المنطقة العربية، وهذا الشيء خاص فينا، ربما لأنه نرى في أماكن أخرى من العالم، حيث الأوضاع الأمنية والسياسية غير مستقرة، مثل تايوان، مثل كوريا، مثل المناطق اللي فيها توترات أمنية أن رجال الأعمال بالرغم من الوضع k الأمني...

مالك التريكي[مقاطعاً]: دكتور قرم.. دكتور قرم

د. جورج قرم: نعم.

مالك التريكي: عفواً.. عفواً على المقاطعة دكتور قرم

د. جورج قرم: اتفضل.

مالك التريكي: لاختصار الموضوع هنالك ارتباط طبعاً بين الجانبين السياسي والاقتصادي، هل تقدرون أن في الإمكان القيام بالإصلاحات الاقتصادية اللازمة لجعل المناخ الاستثماري إيجابياً دون القيام بإصلاحات سياسية تتعلق بالحريات الأساسية؟

د. جورج قرم: لأ أنا.. أنا أعتقد إنه الموضوعين مترابطين إلى حدٍ ما، إنما أيضاً أود أن أذكر إنه ما في نموذج مطلق، يعني في دول كان فيها أنظمة سياسية لا تحترم الحريات العامة، وكانت تجلب الاستثمار. نحن كديمقراطيين بطبيعة الحال بنفضل إنه يكون في مناخ حرية سياسية وحاكمية صالحة وشفافية، إنما هذا مش شرط ضروري في كل الأحوال، أهم شيء في جلب الاستثمار هو وتيرة ونمط وأسلوب التنمية الاقتصادية في البلد، والدول العربية لسوء الحظ نحن نعلم إنه اقتصاداتها مهمشة في السياسة.. في الاقتصاد العالمي، وأن معدلات النمو منخفضة مقارنة مع معدلات نمو دول شرق آسيا مثلاً، والقطاع الخاص إلى حدٍ ما اعتاد على أن يعمل في أسواق محمية من الدول، وبدون منافسة كبيرة، هلا عندنا دول عربية ما تزال فيها الجو الاستثماري ناقص يعني، دول فيها إمكانيات استثمارية كبيرة، الجزائر، ليبيا مثلاً، صحيح إنه سوريا انفتحت إنما ما يزال درجة الانفتاح غير كافي، إنما هناك أسواق مثل مصر، مثل لبنان، مثل الأردن تجلب الرساميل، والمناخ الاستثماري مناخ جيد يعني، مناخ ليبرالي، ما فيه عراقيل، أو ما فيه بروقراطيات قاتلة.

مالك التريكي: الجانب الآخر من المعادلة، دكتور قرم.. الجانب الآخر من المعادلة، وأظن أن.. أن الجماعة واجب أن يقدموا لك كوب ماء هناك.

د. جورج قرم: نعم، صح.

مالك التريكي: الجانب الآخر من المعادلة هو.. الجانب الآخر من المعادلة.. شكراً أراهم قاموا بذلك. الجانب الآخر من المعادلة هو رأس المال.. رأس المال القاعدة المعروفة أنه جبان، دكتور قرم، هل يستطيع أن يكون جباناً ووطنياً في نفس الوقت؟

د. جورج قرم: لا.. لا أنا.. أنا.. أنا لا أسلم بهذه المقولة، يعني.. طبعاً فيه وضع متميز بالعالم العربي، نحن عندنا مواقف قومية، وعندنا نوع من الانفصام بين المواقف القومية والمواقف الوطنية اللي بنأخذها شخصياً، وبين الخوف من مزيد من الاستثمارات في الوطن العربي، وأعتقد إنه هذا يجب أن نعالجه، وهذا يعالج بسياسات اقتصادية أكثر حكمة في هذا الموضوع، فنحن نعلم على سبيل المثال إنه الاستثمار العربي.

مالك التريكي: دكتور.. دكتور قرم.

د. جورج قرم: نعم.

مالك التريكي: آسف.. آسف على المقاطعة مرة أخرى لأن الوقت أدركنا.

د. جورج قرم: اتفضل.. اتفضل.

مالك التريكي: هنالك نقطة مهمة، أنت سبق لك أن كتبت أن العالم العربي يجهل أبسط قواعد القومية الاقتصادية.

د. جورج قرم: صحيح.

مالك التريكي: ماذا.. ماذا تقصد لك؟

د. جورج قرم: نعم. أنا أقصد بذلك أننا لا نربط بين القومية الاقتصادية، والقومية السياسية، اليابان، وشرق آسيا، وألمانيا الذين أتوا متأخراً على.. على المنافسة الدولية، كانوا متأخرين جداً، وبعدين عملوا تقدم هائل بسرعة جداً، ربطوا بين القومية الاقتصادية والقومية السياسية، لأن الدولة التي لا تمتلك وسائل التقنيات الحديثة والتكنولوجيا، والتي لا تستثمر بكثافة لا يمكن أن تحمل الضغط السياسي الخارجي، وهذا تماماً وضع العالم العربي، نحن لا نتحمل أوضاع أمنية صعبة، أوضاع عسكرية صعبة، بالحروب العربية الإسرائيلية نرى أن الجيوش العربية.. لأن الخلفية الاقتصادية، القاعدة الاقتصادية غير ماكنة الجيوش العربية لا تتحمل محاربة أكثر من أيام معدودة أو أسابيع معدودة في أحسن الأحوال، فلذلك في العالم العربي يجب أن نعي بأن إذا لم نقرر بامتلاك التكنولوجيا، بأن الرأسمال ليس جبان بالضرورة، بل الرأسمال وطني، وبأن نجابه التحديات، الوضع الاستثماري بيجوز الصعب، البيروقراطيات، الفساد،...

مالك التريكي[مقاطعاً]: دكتور قرم.. دكتور قرم

د. جورج قرم: نعم.

مالك التريكي: عفواً، لقد أدركنا الوقت.

دكتور جورج قرم (الخبير الاقتصادي المرموق، ووزير المالية اللبناني السابق)، لك جزيل الشكر.

وبهذا سيداتي سادتي تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة