الازدواج السياسي الإيراني   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

رضا يوسفيان: نائب برلماني وعضو في مجلس الأمن القومي
أحمد المنيسي: مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

تاريخ الحلقة:

04/08/2002

- حقيقة الصراع بين المحافظين والإصلاحيين
- تأثير الصراع الداخلي على السياسة الخارجية الإيرانية

مالك التريكي: اشتداد الصراع في إيران بين المحافظين والإصلاحيين، تساؤلات حول مدى قابلية معادلة الازدواج السياسي الإيراني للاستمرار في ضوء تزايد تحديات الأوساط الدينية والقضائية لسلطتي الرئاسة والبرلمان.

أهلاً بكم، حتى الأسابيع الأخيرة كانت ازدواجية السياسة في إيران بين حكم مدني وحكم ديني ازدواجية محكومة بقانون التوازن غير المستقر، كما كانت ثنائية الاستقطاب بين تيار إصلاحي ذي سند انتخابي وبين تيار محافظ دي خطاب ثوري ثنائية مأزقية لا مخرج منها، بقيت على حالها حتى دخلت طاحونة الشيء المعتاد، إلا أن الفترة الأخيرة قد شهدت تسارعاً في التجاذبات بين الإصلاحيين والمحافظين حتى بدا كأن خيارات التعايش بين الجانبين قد تناقصت بحيث لم يبق من خيار إلا بين أمرين حددهما أحد أبرز الساسة الإصلاحيين على هذا النحو، إما الديكتاتورية أو الانتفاضة، وليس أدل على تكاثر أسباب الانتفاضة بمعنى رفض استمرار الوضع القائم من أن أعنف هجوم يُشن على النظام في الفترة الأخيرة لم يصدر عن الأوساط المتوقعة أي أوساط الإصلاحيين بل أنه صدر عن عالم دين هو (آية الله جلال الدين طاهري) الذي وجه قبل أكثر من 3 أسابيع رسالة مفتوحة أعلن فيها استقالته من إمامة الجمعة في مدينة أصفهان، وذلك احتجاجاً على الفساد والوضى، وعلى المحافظين الذين حملهم مسؤولية تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية الاجتماعية، وانتقد جلال الدين طاهري ما سماه ذبح الصحافة وسجن أصحابها، وذلك في إشارة إلى إغلاق أكثر من 20 صحيفة خلال العامين الماضيين، كما انتقد تقييد دور.. تقييد دور البرلمان –عفواً- وقمع الطلبة، ودعا إلى رفع الإقامة الجبرية عن الشيخ حسين علي منتظري (الخليفة المعزول للإمام الخوميني)، هذا عن الاعتبارات المرجحة لاحتمال الانتفاضة على الوضع القائم،

أما أحدث الأمثلة عن الاعتبارات المرجحة لاستتباب الديكتاتورية فإنه يتجلى في تفاصيل الأمور. فقد نددت صحيفة "جمهوري إسلامي" المحافظة قبل أيام.. قبل أيام قليلة بوزارة التعليم لمجرد أن الوزارة أعلنت اعتزامها السماح للفتيات بارتداء ثياب متنوعة الألوان داخل المدارس بدل العباءات السوداء، بعد أن ذكرت الوزارة أن العباءات السوداء تصيب الفتيات بتعقيدات نفسية من قبيل الكآبة وتعوق قدرتهن على ممارسة الرياضة، وقد رأت الصحيفة المحافظة في هذا القرار محاولة حسب قولها بزعزعة القيم الإسلامية ونشر ثقافة العري والسفور، وما كان يمثل هذا الحوادث أن تكون ذات مغزى لولا أنها تندرج في إطار الاحتقان السياسي والمؤسساتي الذي لا يزال يشتد بين هيئات الحكم المدني المنتخبة وهيئات الحكم الديني المعينة،

غسان بن جدو يرسم من طهران لوحة عامة لمظاهر هذا الاحتقان الذي يضع استمرار ازدواجية السلطة في إيران موضع السؤال.

حقيقة الصراع بين المحافظين والإصلاحيين

غسان بن جدو: كان هذا المشهد قبل عام بالضبط، مشهد يتكرر كل أربعة أعوام في إيران الجمهورية الإسلامية منذ الثورة، مرشد النظام الأعلى المسمى الولي الفقيه يثبت الرئيس المنتخب بالاقتراع الشعبي العام من منصبه بعد مصادقته الشرعية بالمعنى الديني على نتائج الانتخابات، البعض يرى في هذه المصادفة مجرد إجراء دستوري شكلي لأن النظام جمهوري والشعب هو الذي حدد خياره باختيار رئيسه، والبعض ينظر للإجراء بعين جوهرية على قاعدة أن إسلامية النظام الجمهوري يجسدها الولي الفقيه وهو صاحب القول الفصل في أية قضية، جدل في عمقه جانب الترف التنظيري وعانق لب الممارسة بل السياسة كلها في بعدها الشامل للحكم والسلطة.

طبعاً المسألة هنا لا ترتبط بالأشخاص، فما يتردد في العلن أن العلاقة بين المرشد علي خامئني والرئيس محمد خاتمي تبدو جيدة وإطارها قائم على التنسيق والتعاون والتفاهم على الأولويات الكبرى لا سيما وأن التحديات التي يفضل أركان المؤسسة وصفها بالمخاطر تعني النظام بل مستقبل النظام هيكليا لا سطحيا، المسألة ترتبط بهذا التجاذب.. لنقل الصراع بين المؤسسات والسلطات المنتخبة وتلك المعنية.

على مدى السنوات الماضية نجح الإصلاحيون في استحقاق دخول مراكز القرار من بوابة الرأي العام، إذ فازوا بالأغلبية المطلقة في الانتخابات البلدية ثم البرلمانية ناهيك عن الرئاسية بالتجديد لخاتمي بنسبة لامست الـ 80%، ومع ذلك بدت يد الإصلاحيين قصيرة أمام يد المحافظين الطولى في التأثير على مجريات الأمور، ويتهم الإصلاحيون المحافظين بأنهم يستخدمون نفوذهم في السلطة القضائية للتضييق على الحريات السياسية والإعلامية، وترهيب السياسيين وحتى مسؤولين في الحكومة، وبأنهم أي المحافظين يستخدمون المجلس الدستوري لتعويق مشاريع الغالبية الإصلاحية بالبرلمان، ويذهب إصلاحيون أبعد من ذلك باتمام المحافظين بأنهم أدخلوا مؤسسة الحرس الثوري النافذة في أتون الصراع السياسي الداخلي لصالحهم، وحجتهم في ذلك البيان الأخير للحرس الذي حمل بشدة على الإصلاحيين واصفاً بعضهم بالمنحرفين عن قيم الثورة ومحذراً بأنه سيضرب على يد كل من يتآمر عن دراية أو عن جهل على أسس الثورة والأمن القومي.

محسن أرمين (نائب إصلاحي): نحن ندعو بوضوح إلى ترشيح دولة المؤسسات والقانون، لكن المحافظين يريدون تسخير القانون لمصالحهم الحزبية، والأخطر استراتيجياً والأكثر خطأً هو حشر العسكري في هذا التنافس.

غسان بن جدو: لكن المحافظين لا يكتفون بنفي تهم استخدام مؤسسات يختار أعضاؤها بالتعيين الإحباط المشروع الإصلاحي، بل إنهم يشددون على أن الإصلاحيين أثبتوا على مدى السنوات الماضية عجزاً عن إدارة الأمور بكفاءة ومعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وبأنهم يفتقدون الخبرة في إدراك حقيقة التطورات الدولية.

أمير محببان (سياسي محافظ): مشكلة الإصلاحيين أنهم دائموا التباكي، فهل يريد هؤلاء الذين لم يظهروا كفاءة أن تترك لهم الساحة؟

غسان بن جدو: والمفارقة أن كلام بعض رموز التيار الإصلاحي يبدو وكأنه يقال قبل عام من مجيء خاتمي إلى سدة الرئاسة عام 97، وليس الآن بعد عام من ولاية خاتمي الرئاسية الثانية والأخيرة، فنجد أن محمد رضا خاتمي مثلاً (زعيم جبهة المشاركة الإسلامية، كبرى أحزاب الكيان الإصلاحي) يحذر من عودة الديكتاتورية ويندفع البعض منتقداً الرئيس خاتمي نفسه، هذا البعض غير مقتنع باستراتيجية خاتمي بالإصلاح المتدرج، وهو يطالبهم بجرأة أكثر وحتى بالصدام مع المتشددين إذا لزم الأمر، ولم يرَ آخرون حرجاً في الدعوة إلى انسحاب الإصلاحيين من الحكم، وهو ما ينظر إليه عقلاء على أنه دليل مراهقة سياسية، ولا شك أن الصراع السياسي بين أجنحة النظام الرئيسية مستمر، وسوف يبرز أكثر في الأفق المنظور حين تأتي استحقاقات انتخابية كلبلدية والبرلمانية وحتى الرئاسية، لكن ثبت حتى الآن أن كبار القوم الأساسيين في قيادة الدولة و الحكم يلتفون حول بعضهم البعض وحول نظامهم كلما بلغ التدافع الداخلي حافة الهاوية واشتدت الضغوط الخارجية.

مالك التريكي: إذن التطور الخطير في السياسة الإيرانية حسب أوساط الإصلاحيين هو أن المحافظين لم يعودوا يكتفون باستخدام السلطة القضائية لتحقيق أهدافهم السياسية وتعزيز مراكزهم وحتى اضطهاد خصومهم ولم يعودوا يكتفون باستخدام مجلس صيانة الدستور لإعاقة عمل البرلمان بل إنهم سجلوا سابقة خطيرة بإقحامهم الحرس الثوري أي المؤسسة العسكرية في المعترك السياسي، حيث وجه حرس الثورة تحذيرا للإصلاحيين اتهمهم فيه بتشجيع الروح الانقلابية والسعي إلى علمنة النظام.

ومعنا الآن من طهران لبحث قضية الصراع بين المؤسسات التي يسيطر عليها المحافظون والمؤسسات التي يسيطر عليها الإصلاحيون الدكتور رضا يوسفيان (النائب الإصلاحي عن شيراز وعضو مجلس الامن القومي والسياسة الخارجية).

دكتور يوسفيان، لقد سبق لكم أن قلتم أنه ليس من حق العسكريين التدخل في السياسة، حسب تقديركم لماذا خرجت المؤسسة العسكرية في هذا الوقت بالذات عن تقاليد الامتناع عن الخوض في السياسة في إيران؟

رضا يوسفيان: أنا أعتقد أن هذا يرجع إلى قضية مهمة يجب أن نتطرق إليها قبل هذا، وهو أن تيار في إيران كان يعتقد أن كل هذه النشاطات يجب أن تكون في داخل إطار الدستور والتيار الثاني كان.. لم يعتقد بهذا الشيء، ومع الأسف الظاهر يؤكد أن الظواهر الموجودة في المناطق المختلفة موجودة مثل إحدى هذه الظواهر هي إحدى البيانات التي أشرتم إليها وهي.. وهو البيان الذي أصدره حرس الثورة وخارج النطاق القانوني والقانون لا يرضى للحرس الثوري بالتدخل في الخلافات الموجودة بين التيارات السياسية بنفع أو لصالح أو ضد أي تيار كان، على أية حال نحن نشعر بأن هذا التدخل ونشر هذه التدخل ونشر هذه البيان.. نشر هذا البيان هو نتيجة ضغوط الإصلاحيين في السنوات الأخيرة التي كانت تتزايد يوماً بعد آخر، و الأمر الذي حمل التيار الآخر أن يتوسل إلى المؤسسات الأخرى لتتدخل في أمور غير قانونية أصلاً، ونرى أنها في عدة مكانات مختلفة مثل هذه القضية التي أشرتم إليها ونحن نعتقد أنها لم تكن قانونية وهي مكانات أخرى.

مالك التريكي: ألا يعني هذا، دكتور يوسفيان.. ألا يعني تدخل العسكري في السياسة أنه ليست هناك في إيران مؤسسات محايدة ليست هناك مؤسسات جمهورية تترفع عن خوض المعترك السياسي، بل إن كل المؤسسات إما تجنح نحو المحافظين أو نحو الإصلاحيين بحكم الازدواجية القائمة جوهرياً في طبيعة النظام الإيراني.

رضا يوسفيان: رئيس الجمهور يعني.

مالك التريكي: ما.. ما قصدته أن تدخل العسكر في.. في السياسة يعني أنه ليست هناك في إيران أي مؤسسة يمكن اعتبارها فوق السياسة، بل إن كلا التيارين إما المحافظين أو الإصلاحيين يتوسلون مختلف الوسائل حتى إدخال المؤسسات الجمهورية في المعترك السياسي، فليس هناك مؤسسات محايدة، ليست هناك مؤسسات جمهورية بالمعنى الحر في للجمهورية.

رضا يوسفيان: نعم، كلامنا هو هذا، يجب أن لا يتدخل العسكر في القضايا السياسية، خاصة في القضايا السياسية الداخلية البحتة بالتحديد في الاتجاهات التي يحددها النظام ويجب أن تتحرك في هذا الإطار فقط، ولا يجب أن تتدخل لصالح أو ضد أي تيار إما إصلاحي أو محافظ، لأن العسكريين لا يجوز لهم التدخل في السياسة، مثل بعض المؤسسات المجلس.. مجلس الشورى هو سياسي.. رئاسة الجمهورية سياسية، والرئاسة هي.. رئاسة الجمهورية منتخبة من قبل الشعب، و الرئيس منتخب من قبل الشعب.

مالك التريكي: دكتور يوسفيان، في السابع عشر من الشهري الماضي محمد رضا خاتمي (زعيم جبهة المشاركة، أكبر حزب إصلاحي في إيران) هدد بالاستقالة من البرلمان إذا استمرت المؤسسات التي يسيطر عليها المحافظون في إعاقة برامج الإصلاح وعمل البرلمان، وقال إنه لم يبق أمام الشعب الإيراني سوى أمرين إما الديكتاتورية أو الانتفاضة، هل تشاطره هذا التحليل؟

رضا يوسفيان: يجب أن أقول أن الخروج من الحكم يمكن أن يكون آخره فقره وآخر ورقة يلعبها التيار الإصلاحي، نحن نحاول اختيار وتجربة كل الطرق ونحاول تجربة كل هذه الأساليب وكل الأساليب الإصلاحية، فإذا ما توصلنا لأي نتيجة –لا سمح الله- نلجأ إلى تلك الطريقة وبعد ذلك قد يكون الوضع لم يكن أمام أي طريق أمامها، أن أعتقد أن إيران أمامها 3 طرق؟ إما أن توافق على استمرار الإصلاحات وتنفذها أو تتجه باتجاه الديكتاتورية وقمع آراء الشعوب، وهذه لم تكن عملية في إيران ولم تكن موفقة في إيران، وفي الطريقة الثالثة يجب أن يكون طريق الثورة الشعبية، وهذه الحركات الإصلاحية لا ترضى بها حالياً لأنها لا توفر مصالحهم.

مالك التريكي: لقد ذكر أن سبب تشدد القضاء في الأحكام التي أصدرها قبل أيام ضد أعضاء حركة تحرير إيران بزعامة (إبراهيم يزدي) هو الخوف لدى الأوساط المحافظة من أي تقارب أو حتى تحالف بين الأوساط الإصلاحية المقربة للرئيس خاتمي وبين هذه الحركة السياسية المحظورة، هل تعتقدون أن هذا التحليل يحظى بالمصداقية؟

رضا يوسفيان: بالنسبة.. عندما تكون الحركة الإصلاحية جزء من طيف وسيع من تيارات الشعب، فيمكن الاعتقاد أن طيفاً وسيعاً من أبناء الشعب هم من الإصلاحيين، وكل من يعتقد بأدنى الحريات للصحافة وللرأي وتوفير الحقوق المدنية للشعب، و يؤكدها طبيعة الحال هو سيكون ضمن الإصلاحيين وإصلاحي، وإذا كانت هذه الضغوط تتزايد يوما بعد آخر إذن هذه المجموعات والأحزاب تسعى لتوفير وتثبيت وتوثيق الحقوق المدنية المتصلة فيما بينها أكثر من قبل،

مالك التريكي: لقد أثار الكاتب (هاشم أغاجري) الذي يحاكم الآن في همذان قضية هامة أظن أنها تتصل بطبيعة النظام الإيراني عندما ارتكز إلى فكر الفيلسوف (علي شريعتي) في نقد تحجر بعض علماء الدين، ودعا إلى ضرورة إدخال عناصر الزمان والمكان أي التطور التاريخي في أصول الفقه لاستنباط فتاوى وأحكام تتماشى مع روح العصر وحاجيات الناس في هذا الزمان، ألا تعتقدون أن لب المشكلة في إيران هو أن النظام الديني أو المرجعية الدينية تبدو في بعض الأحيان منفصلة بعض الشيء عن الحاجيات الملموسة للمواطنين.

رضا يوسفيان: كلما قاله السيد (هاشم أغاجري) لم تكن كقضية جديدة وأطروحة جديدة حتى يتم إظهار ردود فعل ضدها، لكي نقول أنها هي آلية ليتمكن الإنسان منها في هذا الوقت، فالفتاوى يجب أن تحظى بظروف الزمان والمكان، وهذه الشروط هي مختلفة من ناحية المذاهب الإسلامية وتطبيق الدين في المجتمعات، إذن هذا البحث هو موجود بين العلماء أنفسهم، والكثير من العلماء.. من علماء الدين يعتقدون بإدخال الظروف الزمانية في الفتاوى، ولم يكن هذا كلام جديد، إذن ردود الفعل الذي واجتهاد هذه القضية استخدمت كورقة ضغط الإصلاحيين.

مالك التريكي: الدكتور رضا يوسفيان (النائب في البرلمان الإيراني) من طهران، شكراً جزيلا لك.

بعد الفاصل نظرة في ارتهان السياسة الخارجية الإيرانية للصراع الداخلي بين المحافظين والإصلاحيين.

[فاصل إعلاني]

تأثير الصراع الداخلي على السياسة الخارجية الإيرانية

مالك التريكي: لم يعد لدعاة الحوار مع الولايات المتحدة داخل إيران من سند يذكر إذ بعد أن صنفت الولايات المتحدة الأميركية إيران في محور الشر حذرت هيئة القضاء الإيرانية الصحف أن نشر معلومات لصالح التفاوض مع الولايات المتحدة يعد جريمة، أما خطاب الرئيس (بوش) الأخير الذي قال فيه إن إيران إذا ا نتهجت التطور والإصلاح فإنها لن تجد حليفاً أفضل من الولايات المتحدة، فقد أحدث هذا الخطاب عكس الأثر المطلوب حيث سهل على المحافظين تشديد الاتهام للإصلاحيين بأنهم متواطئون مع العدو الأجنبي.

معنا من القاهرة لبحث هذه القضية الدكتور أحمد المنيسي (منسق البرنامج العلمي للدراسات الخليجية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية) دكتور المنيسي بعد أن بدا كأن الرئيس الأميركي (جورج بوش) يتدخل في شؤون إيران قيل إن أوساط الإصلاحيين أعلنت أن أفضل ما يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة ليس إطلاق التصريحات خاصة في الأوقات غير المناسبة مثل هذه الأوقات، بل في إعادة العلاقات الدبلوماسية مع إيران، وفي تخفيف العقوبات الاقتصادية، هل تعتقدون إن هذا هو الإطار الواقعي مستقبلاً لتطبيع العلاقات الإيرانية الأميركية؟

أحمد المنيسي: في الحقيقة مسألة عودة العلاقات الأميركية الإيرانية بتبدو غاية في الصعوبة، لأننا.. لأنه الساحة الإيرانية حالياً غير مهيأة لتقبل عودة العلاقات مع الولايات المتحدة ويستوفي ذلك التيار المعتدل في الساحة الإيرانية والتيار المحافظ، للأسف التصريحات العدائية والسياسات العدائية من جانب الولايات المتحدة بتحبط أي محاولة للتقارب بين طهران وواشنطن، ومن ثم فإن الحديث عن عودة علاقات بين طهران وواشنطن في الحقيقة بيبدو حديث بعيد جداً الآن وبتتزايد صعوبة مسألة عودة العلاقات في الوقت الحالي بالنظر إلى إنه الولايات المتحدة في الحقيقة لا تقبل أن تتعامل مع إيران كدولة إقليمية لها طموحاتها المشروعة ولها نظامها السياسي المميز، هي باختصار لا تقبل التعامل مع الآخر في ظل التوجهات المتطرفة للإدارة الأميركية الحالية بزعامة الرئيس جورج بوش.

مالك التريكي: من الحقائق التي يذكرها الإيرانيون وخاصة الاصلاحيون منهم في معرض استهجانهم لتصنيف الإدارة الأميركية لإيران في محور الشر هو أن الولايات المتحدة لم تعثر على أي إيراني تقدر.. تستطيع أن تتهمه بالعضوية في منظمة القاعدة، ولم يكن بين منفذي هجمات الحادي عشر من سبتمبر أي إيراني، كما أن المفاعل الذري الإيراني يخضع للرقابة الدولية بصفة دورية، أليست هذه الاعتبارات من النوع الذي يدخل في العوامل المرجحة لتطبيع العلاقات أميركياً؟

أحمد المنيسي: في الحقيقة يعني هناك بتبدو الموضوع.. موضوع عودة العلاقات الإيرانية الأميركية حالياً يعني غير مطروح من قبل الإدارة الأميركية، لأن كما سبق أن قلت أن الإدارة الأميركية لا تريد أن تتعامل مع النظام الإيراني وتحترمه كقوة إقليمية لها طموحاتها المشروعة ولها نظامها السياسي المميز، ومن ثَمَّ فإن عدم وجود أي دلائل تشير إلى تورط إيران بشكل أو بآخر في أحداث 11 سبتمبر أو تهديد إيران للأمن الأميركي، كل هذا لا يشفع لأن تقوم علاقات بين طهران وواشنطن، المشكلة الحقيقية بتكمن في أن الإدارة الأميركية لا تريد أن تتعامل مع إيران كما هي الآن، المطلوب من إيران أميركياً أن تتخلى عن النموذج الإسلامي وتطبق ما تريده واشنطن حرفياً لكي تعود العلاقات الأميركية الإيرانية، وهذا أمر مستبعد جداً.

مالك التريكي: لقد ذكرنا مع الضيف السابق رضا يوسفيان (نائب البرلمان الإيراني) مسألة الازدواجية في الحكم بين السلطة الدينية والسلطة المدنية، هذه الازدواجية أصبحت تؤثر في السياسة الخارجية الإيرانية بشكل ملموس، مثلاً أصبح من المعروف الآن أن سياسية إيران الخارجية تجاه القضية الفلسطينية وتجاه لبنان وأفغانستان وأذربيجان ليست تحت السيطرة المباشرة لإدارة الرئيس خاتمي، بل أنها تحت السيطرة المباشرة لمكتب مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي، أليس هذا أمراً خطيراً في حد ذاته؟

أحمد المنيسي: في الحقيقة الإصلاحيين ومنذ وصلوا إلى السلطة عام 97 هناك تركيز كبير من جانبهم على السياسة الداخلية ومن هم فإن ملف السياسة الخارجية متروك للمحافظين، ولكن في الحقيقة يعني ليس هناك هذه الازدواجية.. ليست واضحة في السياسة الخارجية الإيرانية، لأن هناك نوع من التوافق بين التيارين المحافظ والمعتدل على القضايا الخارجية، باستثناء ملف العلاقات مع الولايات المتحدة.. فالإصلاحيين لهم موقف معتدل إلى حد ما أو كان لهم موقف معتدل، ولكن بعد التهديدات الأميركية لإيران أصبح الآن هناك تقارب ملموس بين المحافظين والمعتدلين بخصوص ملف العلاقات مع الولايات المتحدة، ومن ثم فإن هذه هي القضية فقط التي كانت محور خلاف بين المعتدلين والمحافظين، ومن ثم فإن مسألة تأثير الازدواجية في النظام السياسي الإيراني على السياسة الخارجية بتبدو محدودة وفقط في إطار معين ضيق خاص بالعلاقات مع الولايات المتحدة –كما سبق أن ذكرت- وهذه القضية أصبح هناك توافق الآن بصددها بين المعتدلين والمحافظين، أصبح المعتدلين الآن يقتنعون بأن ما فتئ يقول به المحافظون بخصوص أن بخصوص أن هناك قدر معتبر من التهديدات.. من الجدية في التهديدات الإيرانية، أصبح المعتدلون يؤمنون بهذا شأنهم في ذلك شأن المحافظين.

مالك التريكي: الاتحاد الأوروبي يتابع عن كثب تطورات أوضاع حقوق الإنسان والحريات العامة في.. في إيران خاصة أن هذه المسألة مدرجة كبند من بنود اتفاقية التعاون والتجارة التي سيتم التفاوض بشأنها في المستقبل، هل تعتقدون أن هذا العامل سيكون له دور في التأثير على –نوعا ما من.. من تحرير النظام السياسي، التحرير بمعنى.. بمعنى إحقاق مزيد من حقوق الإنسان داخل إيران مثلما حدث في تركيا مثلاً؟

أحمد المنيسي: لأ هو الحقيقة المقارنة بين النموذج الإيراني والنموذج التركي هي مقارنة ظالمة، لأنه هي تركيا في سبيلها للالتحاق بالاتحاد الأوروبي، بتبدو على استعداد لأن تفعل أشياء كثيرة، ولكن الوضع مختلف بالنسبة لإيران، ومن ثَمَّ فإن مسألة أن يقوم.. أن تقوم إيران بتحرير أو بإحداث انفراج ما في مجال حقوق الإنسان أكثر مما هو موجود حالياً بالفعل مسألة غير مستبعدة، ولن يكون في إمكان إيران أن تقوم بهذا خصيصاً لدفع علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي.

مالك التريكي: التحليل الشائع يقول أن هنالك ثلاثة مراكز قوى في إيران الآن، المحافظون المتشددون والمحافظون المعتدلون وفيهم فئة من علماء الدين ومن التجار والاصلاحيون، والمراهنون على التغيير يقولون إنه لابد أن يحدث انقسام داخل النخبة الحاكمة، يقوم المحافظون المعتدلون بموجبه بالتحالف مع الاصلاحيين، ويقولون أن هذه فرضية واردة، ما هو رأيكم؟

أحمد المنيسي: نعم في الحقيقة النتائج.. الآثار التي ترتبت على هزيمة المحافظين في الانتخابات البرلمانية الماضية وانتخابات الرئاسة فتحت المجال في معسكر المحافظين للقيام بنوع من عملية نقد الذات، وهناك الآن بالفعل تطورات ملموسة بتأخذ توجهات انفتاحية داخل معسكر المحافظين، وأعتقد أن السبيل الآن لإخراج النموذج الإيراني من عثرته بتتمثل في أن يلتحق المعسكر.. التيار المعتدل في المعسكر المحافظ بقرينه المعتدل في معسكر التيار الإصلاحي، لتشكيل التيار الوسط القادر وحده فقط على قيادة إيران، هذا التكتل الوسط بيدعمه في الحقيقة توافق بين ما يسمى بترويكا الحكم في إيران السيد خامنئي والرئيس خاتمي والرئيس السابق هاشمي رافسنجاني.

مالك التريكي: الدكتور أحمد المنيسي (الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية) من القاهرة، شكراً جزيلاً لك.

وبهذا تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة