ملف أحلام الوحدة والاتحاد ج5   
الأربعاء 1429/5/3 هـ - الموافق 7/5/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:24 (مكة المكرمة)، 13:24 (غرينتش)

- صعود التيار الاستقلالي السوداني وسقوط الملكية المصرية
- الدور الأميركي في مباحثات قضية السودان

- ملف السودان بين أيدي قياديي ثورة يوليو

- إعلان قيام الجمهورية السودانية

 
 حيدر إبراهيم
بيتر وودورد
 سيد فليفل
ماثيو هيوز
دينيس روس

المعلق: آخر أحلام الوحدات التاريخية القديمة عاش حلمها طويلا في أذهان كثير من العامة، صدحت بها الحناجر في المسيرات والمظاهرات ونادى بها العديد من الساسة وظلت المفاوضات حولها تراوح مكانها بين شد وجذب من أطراف متناحرة على السلطة والثروة وأطماع أخرى.

ملف أحلام الوحدة والاتحاد

المعلق: كانت المفاوضات المصرية البريطانية حول المسألة السودانية قد أوقدت جذور الحركة السياسية السودانية بين الخريجين السودانيين الذين كانوا قد شكلوا ما يعرف باسم نادي الخريجين والذي قاد نحو إنشاء مؤتمر الخريجين في عام 1937 بأهداف سياسية لنشاط وطني أثمر عن ما يعرف بمذكرة الخريجين التي نادت بالاستقلال في عام 1942.

الجزء الخامس

وادي النيل... التاج المرفوض

صعود التيار الاستقلالي السوداني وسقوط الملكية المصرية

المعلق: كان أنصار المهدي والدولة المستقلة التي انتهت بهزيمتهم في موقعة كيرل الشهيرة في سبتمبر من عام 1898 قد تم لم شملهم من جديد تحت قيادة عبد الرحمن المهدي الذي سعى إلى التنسيق مع قادة مؤتمر الخريجين ورعاية نضالهم الوطني نحو الاستقلال، لكن جماعة الأشقاء التي سيطرت على مؤتمر الخريجين بعد انتخاباته التي جرت في نوفمبر من عام 1944 كانت تتأهب لإصدار قرار يحصر مطلب السودانيين القومي في الاتحاد مع مصر تحت التاج المصري.

حيدر إبراهيم/ رئيس مركز الدراسات السودانية: مؤتمر الخريجين ده هو أول كيان سياسي للسودان الحديثة يعني الخريجين من المدارس العليا، هو بدأ كنادي للخريجيين، سنة 1938 تحول نادي الخريجين إلى مؤتمر للخريجين، سنة 1942 قدموا مذكرة للحاكم العام أن مؤتمر الخريجين هو الذي يمثل الشعب السوداني.

محمد علي حلة/ أستاذ التاريخ العربي الحديث-القاهرة: أدركوا بأن بريطانيا لن تكون أمينة على السودان.

المعلق: على الجانب الآخر قام الحزب الاتحادي الوطني بزعامة السيد على المرغني بالمطالبة وقتها بالاتحاد مع مصر دون فرض التاج المصري على السودان، هكذا وفي مواجهة هذا التيار الاتحادي سعى الأنصار إلى تأسيس حزب الأمة ككيان يعبر عن الرأي السوداني الاستقلالي وقد تأسس الحزب على مبدأ "السودان للسودانيين" وسعى منذ قيامه عام 1945 إلى إسماع الصوت الاستقلالي في المنابر الدولية ولحكومتي الحكم الثنائي.

حيدر إبراهيم: سنة 1945 تكون أول حزب ممكن نقول عليه اللي هو حزب الأمة، مكون من الأنصار، كان في مجموعة الأشقاء هي مجموعة ما أخذت رسميا شكل الحزب ولكن كانت في الانتخابات تدخل وكأنها حزب.

المعلق: على الجانب الآخر وفي القطر الشمالي من التاج كانت المظاهرات قد استؤنفت في مصر مع بداية العام الدراسي واشتدت حدتها في كل من القاهرة والإسكندرية وهاجمت الأحزاب والمنظمات الشعبية حكومة صدقي واتفاقيته وحملته مسؤولية إراقة الدماء في الشوارع وأعلن سبعة من أعضاء وفد المفاوضة عن رفضهم له وأصدروا بيانا يعارض مشروع صدقي الخاص بالجلاء والدفاع والمسألة السودانية فتقدم الأخير باستقالته واختار القصر الملكي محمود باشا النقراشي كي يحل محله ولم يكن في وضع أفضل من وضع سلفه ولم يختلف عنه في سبل معالجته للموقف المتأزم، وعندما أدلى الحاكم العام للسودان بتصريحات تتماشى مع سياسة بيفن حول السودان اكتفى النقراشي بمهاجمة السياسة البريطانية وإطلاق التصريحات النارية وأشهرها قوله أمام مجلس النواب "حين أقول وحدة مصر والسودان تحت التاج المصري فأنا أقصد وحدة مستديمة".

بيتر وودورد/ أستاذ العلوم السياسية جامعة ريدينج: لم يكن هنا سياسي بريطاني واحد قادر على إنكار حق المطالبة بالسيادة الملكية على السودان، فاروق نفسه كان مصمما على أن يضم سيادة الملكية على السودان إلى أي اتفاق.

سيد فليفل/ مؤرخ وباحث في تاريخ العلاقات المصرية السودانية: النقراشي عرض في الأمم المتحدة قضية مصر مع بريطانيا ومسألة السودان.

محمد علي حلة: وده كان طبعا من الأخطاء التي وقع فيها الوفد المصري في مجلس الأمن.

المعلق: يوم السابع والعشرين من يناير عام 1947 أدلى آرنست بيفن وزير الدولة للشؤون الخارجية ببيان أمام البرلمان البريطاني أعلن فيه وقف المفاوضات وأسهم في تحديد الأسباب والملابسات حيث يقول "كنت قد أصررت على ضرورة تمكني من طمأنة الشعب البريطاني بأن حق تقرير المصير السوداني سيبقى قائما من دون مساس فرد صدقي باشا بأن الحق في الحرية مبدأ كوني وليس مادة من مواد المعاهدات. وهكذا تصورت أننا اتفقنا ولكن فور مغادرته لهذا البلد ظهرت تقارير لم ينفها المصريون بأن حكومة جلالته تعترف بوحدة مصر والسودان دون إشارة إلى حق تقرير المصير أي أن تطور السودان السياسي في أعين المصريين يجب أن يتوقف عند حد الحكم الذاتي تحت التاج المصري دون بلوغ الاستقلال، وثارت الاضطرابات في السودان فور وصول تلك التقارير إلى أهله، لكن الحاكم العام بفضل ما يتمتع به من ثقة ومصداقية هناك تمكن من السيطرة عليها وأقنع الجماعات المنادية بالاستقلال بإعادة التعاون مع أجهزة الحكومة بعد أن كانت قد أعلنت مقاطعتها".

محمد علي حلة: كان كله يؤكد أن بريطانيا بتضع العوائق ضد تقدم المصريين في السودان.

سيد فليفل: وتستخدم المفاوضات وأمد التفاوض وتغير الوزارة لكي تبدأ كل مرة التفاوض من جديد.

المعلق: في إطار تنفيذ السياسة البريطانية دعا الحاكم العام في السودان إلى ما أسماه بالمؤتمر الأول لإدارة السودان الذي انعقد في الثاني والعشرين من أبريل من عام 1946 دون مشاركة مصرية أو تمثيل للجنوب السوداني الذي كانت بريطانيا تخطط لفصله عن شماله وكانت المشاركة السودانية فيه حكومية حيث رفضت معظم الأحزاب ومؤتمر الخريجين المشاركة في أعماله.

محمد علي حلة: بعض الأحزاب التي تريد الوحدة مثل مؤتمر الخريجيين، حزب الأشقاء، حزب الاتحاديين كانوا يريدون الوحدة مع مصر.

سيد فليفل: والأحزاب الاستقلالية ويقودها حزب الأمة كانت تميل إلى بريطانيا.

حيدر إبراهيم: لكن التهمة أن حزب الأمة متعاون مع الإنجليز يعني بدت تهمة مستمرة دائما لحزب الأمة في.. هو لا يريد الاستقلال حقيقة للسودان.

بيتر وودورد: فرض على الجنوب آنذاك أن يكون جزء من البلاد وذلك وفقا لقرارات مؤتمر جوبا لكن لم تكن توجد لديه أحزاب سياسية قوية أو تمثيل سياسي يتمتع بالخبرة لذا لم يكن هناك من يستطيع أن يمثله أو يعبر عن قضاياه.

المعلق: رغم الاعتراض الرسمي المصري مضى الحاكم العام قدما في تشكيل الجميعة التشريعية والمجلس التنفيذي وعندما وجدت الحكومة المصرية نفسها أمام الأمر الواقع عادت تحاول وصل ما انقطع من محادثات مع بريطانيا حيث جرت مباحثات جديدة بين سير رونالد كامبل السفير البريطاني ووزير خارجية مصر أحمد محمد خشبة باشا استمرت من السادس إلى الثامن والعشرين من مايو من عام 1948 وانتهت إلى لا شيء، تمسكت مصر بأن يكون اشتراكها في تأهيل السودانيين لتولي شؤونهم على قدم المساواة مع الجانب البريطاني من حيث الصلاحيات والعدد، رفضت بريطانيا ومضت منفردة في تنفيذ إجراءاتها، استمرت الأحزاب والقوى السياسية في التحرك الذي رصده السفير البريطاني رونالد كامبل في بعض فقرات الوثيقة التي تقول "في رسالة للأمة المصرية بمناسبة عيد الأضحى كرر النحاس باشا اتهامه للحكومة بأنها تركت يد بريطانيا طليقة في السودان للعمل على فصله عن مصر، تزعم الرسالة فوق هذا أن حكومة السودان تفرض سياستها الدستورية بالقوة وأن السودانيين يناضلون ضدها دون مساعدة من مصر".

سيد فليفل: نلاحظ هنا موقف صدقي بعد التفاوض مع بيفن عاد ليقول بأنه جاء للمصريين بالسودان بينما النحاس يتهم حكومة صدقي بأنها تركت السودان لكي تعبث فيه الأيدي البريطانية حرة طليقة.

بيتر وودورد: نعم، لقد كان النحاس محقا، وبالتحديد يمكن القول إنه في عام 1948 نظمت بريطانيا أول انتخابات للجمعية التشريعية ونلاحظ أنه في المناطق التي كان الاتحاديون والموالون لمصر هم المسيطرين فيها تمت مقاطعة تامة للانتخابات.

حيدر إبراهيم: رفع إسماعيل الأزهري أنها يعني لازم نقاطعها وإن جاءت مبرأة من كل عيب، يعني ده كان الشعار أنه ما في أي نوع من المساومة في التعاون مع الجمعية التشريعية، لا بد من مقاطعتها.

المعلق: في نوفمبر من عام 1948 أعلنت الحكومة البريطانية من جانب واحد نتائج انتخابات الجمعية التشريعية التي هيمن عليها حزب الأمة في ظل ظروف من الفوضى والصدامات المستمرة بين قوات البوليس وجماهير الأحزاب المنادية بوحدة وادي النيل ومظاهرات مماثلة في القاهرة والاسكندرية احتجاجا على فصل بريطانيا لشطري وادي النيل، ولم تستطع الحكومة المصرية اتخاذ موقف حاسم وضاعف من أزمتها أحداث فلسطين وحرب العام 48 والنكبة وهزيمة الجيوش العربية ومعها الجيش المصري وزاد الشعور بالنقمة على بريطانيا وعلى الملك وفرضت الحكومة المصرية تمديد قانون الطوارئ وانتشرت التنظيمات السرية والدعوة إلى الكفاح المسلح، ومع بدايات عام 1950 جرت انتخابات في مصر فاز فيها الوفد بالأغلبية الساحقة، وفي خطاب العرش الأول لوزارته أعلن النحاس باشا أن حكومته لن تقصر في بذل أصدق الجهود وأمضاها ليتم الجلاء العاجل عن أرض الوادي بشطريه وتصان وحدته تحت التاج المصري من كل عبث أو اعتداء.

محمد علي حلة: سفراء بريطانيا في القاهرة ووزارة الخارجية البريطانية حريصة على أن لا تعطي أي نور أخضر يتيح لأي شخصية مصرية سواء الملك أو الأحزاب أو القصر أن تكون السيادة المصرية على السودان قائمة وذلك بحكم اتفاقية ثنائية في عام 1899.


الدور الأميركي في مباحثات قضية السودان

المعلق: يخبرنا الأرشيف الأميركي أنه في الثاني عشر من أبريل من عام 1950 تلقت الخارجية الأميركية من جيفرسون كافري سفيرها في القاهرة البرقية التي تقول "في حوار إذاعي مع راديو باريس ذكر النحاس باشا رئيس الوزراء أن مدى التعاون المصري مع إنجلترا ومع الديمقراطيات الغربية يعتمد على إذا ما كانت إنجلترا ستوافق على مطالب مصر إخلاء القوات البريطانية من مصر وإدماج السودان تحت التاج المصري، هذه التصريحات تظهر أن دعم مصر للغرب في الصراع الشرقي الغربي يعتمد على تجاوب إنجلترا مع مطالبها حول موضوع الجلاء ومسألة السودان وهذه الطريقة من التهديد لم تكن في أغلب الأحيان مستخدمة من قبل المسؤولين المصريين في تصريحاتهم العامة مع أنها ظهرت كثيرا في الصحف وقد يؤشر ذلك للموقف الذي ستتخذه الحكومة المصرية مع البريطانيين في بحث التنازلات التي يجب أن تقوم بها بريطانيا".

محمد علي حلة: ليس من أجل سواد عيون دول الشرق الأوسط ولكنه جاء في إطار أنها تريد أن تتبنى حاجة اسمها كده Containment Policy سياسة الاحتواء.

ماثيو هيوز/ أستاذ في السياسة البريطانية- لندن: تلك الفترة كانت للقوى الكبرى الجديدة لا التقليدية، بريطانيا كانت إمبراطورية زائلة لكنها ظلت تعمل إلى جانب الولايات المتحدة للإبقاء على النفوذ الغربي في المنطقة وإقصاء النفوذ السوفياتي.

دينيس روس/ المبعوث الخاص السابق للشرق الأوسط- واشنطن: لقد فكروا بأننا سننظر إلى كل النزاعات من منظور التنافس مع الاتحاد السوفياتي.

المعلق: كان العلاقات الأنجلو مصرية محل اهتمام أبداه الرئيس الأميركي هاري ترومان وهو ما تكشف عنه الوثيقة الأميركية التي تقول "المصريون يرغبون الآن في إحياء المحادثات السابقة حول قناة السويس والسودان ويرغبون في أن يخلي البريطانيون المنطقتين، من ناحية أخرى يعتقد البريطانيون أنه لا يوجد ما يدعو للعجلة وأن المشكلة هي اختيار اللحظة المناسبة للمفاوضات، أثناء محادثات عامة حول هذا الموضوع في العشرين من مارس بين ممثلين من سفارتنا بلندن ومكتب الخارجية البريطانية أراد البريطانيون أن نوضح للمصريين أنه لا فائدة من محاولة تحريض الولايات المتحدة ضد بريطانيا".

بيتر وودورد: آنذاك كانت الولايات المتحدة ما تزال تناصر بريطانيا ولم تنظر إليها كعائق.

ماثيو هيوز: بريطانيا الآن تلعب دورا تاليا لأميركا التي كانت قبل الحرب العالمية أقل تدخلا في المنطقة.

محمد علي حلة: هم حلفاء مهما بدا في الأفق هم حلفاء  ولكن بين الحليفين في تنافس من يحل محل من.

المعلق: يخبرنا الأرشيف الأميركي أن السياسة الأميركية كانت قد بدأت في التأثير  في أسلوب التفاوض أيضا، في العشرين من مايو من عام 1950 بعث جيفرسون كافري السفير الأميركي في القاهرة ببرقية مختصرة إلى واشنطن يبلغ فيها وزارة الخارجية بأنه انتهز فرصة أوضح فيها لكل من القائم بشؤون مجلس الوزراء الملكي ووزير الخارجية المصريين موقف الولايات المتحدة من الوضع القائم بين بريطانيا ومصر وأن القائم بأعمال المجلس ذكر أنه لا يوجد ما يمنع مصر من تقديم تنازلات في السويس إذا ما قدمت بريطانيا تنازلات في السودان.

باري روبن/ رئيس مركز البحوث للشؤون الدولية- واشنطن: هذا هو الموقف المصري يريد أن يخرج الجيش الإنجليزي، تذكروا حصل هذا قبل ناصر في أيام الملكية.

دينيس روس: إن القول أنه يمكننا مخاطبة احتياجات الطرفين فلم يكن من مصلحة المصريين عدم الاستقرار كما أن الوجود البريطاني قد يضمن الاستقرار والحفاظ على موقع إستراتيجي.

سيد فليفل: هذه المقاصة أو المقايضة قبل بها المصريون لأنه أصبح الطريق إلى خروج الإنجليز من قناة السويس شبه مستحيل.

المعلق: من بين ملفات الأرشيف الأميركي عثر فريق البحث على وثيقة تلخص الدور الذي لعبه ماك جين مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى من خلال جلسات حوار طويلة في القاهرة مع وزير الخارجية المصرية محمد صلاح الدين الذي بدأ حديثه إلى المسؤول الأميركي حول القواعد البريطانية في منطقة القناة وضرورة إخلائها ثم انتقل بالحديث إلى موضوع السودان على النحو التالي "كل ما تقدم يتعلق بمسألة الإخلاء ولكن لا يزال هناك قضية هامة أخرى وهي مسألة الوحدة بين مصر والسودان، نحن بالطبع ننظر للموضوعين على أنهما مرتبطان ببعضهما فموقفنا تجاه هذه المسألة والتي بالفعل قد شرحناها لسيادتكم هي أننا ومواطنينا السودانيين متفقون على أنه يجب على السودان أن يحصل على حكومته وبرلمانه في وحدته مع مصر ممثلا للتاج المصري في السياسة الخارجية والدفاع والمالية وغيرها من الأمور الأخرى التي وافق عليها المصريون ومواطنوهم السودانيون".

محمد علي حلة: بريطانيا وأميركا مطمئنة تماما بأن السودانيين عندما يستفتون في هذا الأمر سوف يكون هناك رأيان، رأي يؤيد وحدة وادي النيل ورأي يعارض وحدة وادي النيل.

باري روبن: في واشنطن لم يمثل السودان مشكلة بالنسبة للولايات المتحدة، اسمه السودان الإنجليزي المصري.

دينيس روس: هاري ترومان لم يكن مغرما بالإمبراطوريات كان يريدهم داخل حدودهم وأعتقد أن البريطانيين كانوا مصرين عل محاولة الإبقاء ليس فقط على قناة السويس ولكنهم أيضا يرونها آخر حلقة من حلقات الإمبراطورية.

المعلق: تثبت الوثائق أن الولايات المتحدة لم تكن ترى في التواجد العسكري البريطاني في مصر عملا عدوانيا وكانت ترى أن حل المسألة الأنجلو مصرية يكمن في الاتفاق بين الجانبين من خلال مشروع الدفاع المشترك عن المنطقة، ولم يخرج ما قاله ماك جين مساعد وزير الخارجية الأميركية لوزير الخارجية المصرية عن هذه الرؤية التي سبق وأعلنها وزير الخارجية الأميركية دين أشيسون. في الخامس عشر من يوليو من عام 1951 بعث السفير الأميركي إلى واشنطن برسالة نصها "لقد قلت للمصرين كثيرا إنه من الأفضل بقاء القوات البريطانية في منطقة قناة السويس وفي الوقت نفسه وفي العديد من المناسبات قد يستمع إلي بعض المصريين ذوي المناصب العليا حينما أنصحهم بالاعتدال أثناء مفاوضة السويس وبشكل خاص قبل حوالي شهر عندما هددوا بقطع المفاوضات مع البريطانيين لذلك من الضروري أن أستمر في الحفاظ على مثل هذا الوضع المستقل".

سيد فليفل: أرادت أن تحل قضية الانسحاب عن طريق معاهدة دفاعية جديدة لا يكون فيها البريطانيون قادرين على التدخل في الشأن المصري كثيرا ولكن تشارك بريطانيا في وجودها في مصر بقوة صغيرة الولايات المتحدة.

دينيس روس: الولايات المتحدة فكرت أنها بتقديمها شيئا للمصريين في السودان فهم يعطونهم مكسبا وفي المقابل سيحصل البريطانيون على المكسب في السويس.

المعلق: يذكر الباحث محمد عبد الحميد الحناوي أنه في الثلاثين من يوليو عام 1951 ألقى هيربرت ستانلي موريسون وزير خارجية بريطانيا ببيان أمام مجلس العموم في لندن كان بمثابة خاتمة لجولة المباحثات التي كانت جارية حيث دعا إلى وجوب التعاون بين الجانبين المصري والبريطاني في قضية الدفاع عن الشرق الأوسط وعدم اقتصار المفاوضات بينهما على مسألتي وحدة وادي النيل والجلاء وضرورة الفصل بين المسألتين، وفي السادس من الشهر التالي وبعد أن شهدت قاعة البرلمان المصري مناقشات حامية تؤكد حق مصر في السيطرة على أراضيها وتمسكها بتحقيق الجلاء ووحدة وادي النيل ألقى وزير الخارجية المصري ببيان يفند المزاعم البريطانية وطالب السودانيين بتوحيد صفوفهم وبجمع كلمتهم وبأن يقولوا للإنجليز اخرجوا أنتم أولا واتركونا والمصريين نتفق على ترتيب بيتنا في غيبة من الدخلاء الطامعين، وبعد استعراضه لنقاط الخلاف وتمسك الإنجليز بمعاهدة 1936 وادعائهم أن مصر لا تستطيع إلغاءها من جانب واحد قال إن الحكومة وعدت في خطاب العرش الأخير بإلغاء المعاهدة ولن يلقى خطاب العرش المقبل حتى تكون الحكومة قد وفت بوعدها وألغت المعاهدة وقد سارع السفير البريطاني رالف ستيفنسون في الثامن من أغسطس عام 1951 بطلب تحديد موعد مع النحاس باشا رئيس الوزراء بعد أن تلقى تعليمات من حكومته باستيضاح موقف الحكومة المصرية.

سيد فليفل: الاستقبال في السودان لم يكن جيدا لسبب بسيط وهو أن القرار في مصر لم يكن مقرونا بإجراءات قادرة على فرض واقع جديد في مصر والسودان.

المعلق: مرة أخرى دخلت الولايات المتحدة على الخط في إطار التنسيق والتقييم المشترك مع بريطانيا وفي الرابع من أكتوبر عام 1951 تقدم جيفرسون كافري السفير الأميركي في القاهرة بمشروع لتسوية الخلاف المصري البريطاني يقترح بقاء القوات البريطانية في منطقة القناة تحت قيادة مصرية وتوقيع اتفاق بين الجانبين يقضي بتشكيل قوات بأعداد متساوية من الدولتين للدفاع عن منطقة قناة السويس تكون مدته عشرة سنوات وتقوم خلالها القيادة الأميركية بتوفير احتياجات هذه القوات، وتقدم الولايات المتحدة مساعدات مالية وفنية للنهوض باقتصاد مصر.

سيد فليفل: نحن نريد أن تخرج الآن ونتفاوض من أجل أن تخرج الآن أو تخرج في غضون عدة سنوات قليلة فإذا بنا نفاجأ بالولايات المتحدة تبدو كوسيط غير نزيه.

بيتر وودورد: أصبح الأميركيون قلقين على الشرق الأوسط لا يستطيعون تركه في يد البريطانيين وسيتزايد هذا القلق لاحقا.

المعلق: بالفعل رفضت الحكومة المصرية هذا المشروع وفي الثامن من أكتوبر عام 1951 أعلن مصطفى النحاس إلغاء معاهدة عام 1936 واتفاقيتي الحكم الثنائي للسودان المعقودتين عام 1899 وفي الخامس عشر من الشهر نفسه صادق البرلمان على قرار الإلغاء.

سيد فليفل: النحاس كزعيم لحزب الأغلبية في مصر، صحيح أنه كان يعاني معاناة شديدة من فقدان الشعبية في هذه المرحلة لكنه كان يجسد الأماني الوطنية.

محمد علي حلة: وقال عبارة جميلة "أنا وقعت معاهدة 1936 لصالح مصر وألغيت معاهدة 1936 أيضا لصالح مصر".

بيتر وودورد: بريطانيا والولايات المتحدة لم تعترفا بالقرار الأحادي الجانب لإلغاء السيادة المشتركة وإلغاء معاهدة عام 1936 والقوات البريطانية لا تزال متمركزة في مصر، طبعا بعد ذلك كانت هناك هجمات إرهابية ضد القوات البريطانية في منطقة القناة وهو ما أدى إلى تدهور الوضع في القاهرة مع اشتعال الحرائق أو ما أطلق عليه السبت الأسود، كذلك اندلاع المظاهرات المعادية لبريطانيا ومع الوصول إلى هذه الطريق المسدودة ساهم ذلك في انهيار النظام السياسي في مصر.


[فاصل إعلاني]

ملف السودان بين أيدي قياديي ثورة يوليو

المعلق: في الخامس من أغسطس عام 1952 طلب جمال عبد الناصر ملفات مفاوضات الجلاء وعقد سلسلة اجتماعات مع المتخصصين في هذا الملف وكان من بينهم محمد صلاح الدين وفي النهاية كان واضحا بالنسبة لمجلس قيادة الثورة الجديدة أن جلاء القوات البريطانية عن مصر يزداد تعقيدا بسبب ارتباطه بمسألة الدفاع عن الشرق الأوسط وأن موضوع السودان هو النقطة الحساسة التي يتخذها الإنجليز وسيلة لعرقلة الجلاء وكان القرار هو إنعاش عملية المفاوضات وأن تكون البداية بالمسألة السودانية خاصة وأن مشكلة الوحدة تحت تاج واحد لم تعد قائمة بزوال التاج، هكذا أصبح الموقف بعد الثورة يقوم على أساس أن حل قضية السودان مقدمة ضرورية لحل قضية الجلاء وأن التباحث في مسألة الدفاع عن الشرق الأوسط لا يتم إلا بعد تسوية القضية بشقيها.

محمد علي حلة: ملفات السودان وضعت أمام قيادة الثورة، عبد الناصر ورفاقه وعلى رأسهم محمد نجيب طبعا الرئيس الظاهر على سطح الحياة السياسية آنذاك، ملف السودان كان عقبة أمام الضباط الأحرار فاختاروا الحل لهذه المسألة رئيس الجمهورية محمد نجيب ثم أحد الضباط الأحرار اللي هو صلاح سالم قبل قيام الثورة وبعد إلغاء حكومة الوفد لمعاهدة 1936 واتفاقيتي الحكم الثنائي للسودان كان مصطفى النحاس قد أودع مكتب مجلس النواب أربعة مراسيم لإصدار قوانين الإلغاء كان من بينها مرسوم صدر بموجبه القانون رقم 177 بمنح الحكم الذاتي للسودان في السابع عشر من أكتوبر عام 1951، وفي السادس عشر من نوفمبر أعلن وزير الخارجية المصري أمام الأمم المتحدة قبول مصر سحب قواتها وموظفيها من السودان، ودفعت هذه الإجراءات الحكومة البريطانية إلى العمل على تشكيل لجنة خاصة لصياغة قانون الحكم الذاتي في السودان وافقت عليه الجمعية التشريعية في الثالث والعشرين من أبريل عام 1952 وصدر في أكتوبر من العام نفسه وعليه لم تبدأ حكومة الثورة في مصر حل مشكلة السودان من فراغ.

محمد علي حلة: السودانيون استشعروا بأن إلغاء الملكية في مصر معناه أن الثورة دي ثورة ضد الملكية، ثورة ضد التاريخ، هكذا تصوروا يعني، فبالتالي ما الذي يضمن استمرار هذه الثورة واقتلاع ما أمامها وخاصة بأنه قام بها ضباط عسكريون.

حيدر إبراهيم: السودانيون كان بيحبوا محمد نجيب كشخصية لذلك ما تعاملوا مع الثورة المصرية أنه في تغير حصل والملك إلى آخره، كانوا بيتعاملوا مع محمد نجيب أن نصفه سوداني أو عايش في السودان فكان عندهم تعامل عاطفي واضح جدا تجاه محمد نجيب فاندفعوا في تأييد حركة الضباط الأحرار وما حصل في مصر.

المعلق: يقول الكاتب محمد حسنين هيكل في كتابه ملفات السويس "كان لوجود اللواء محمد نجيب على رأس الثورة المصرية بتاريخه الذي يجسد الوحدة المصرية السودانية أثره في تأييد جماهير السودان للثورة من جهة ونجاح الجهود المصرية في الدفع باتجاه تحقيق نجاح سريع للقضية السودانية بالتنسيق مع القوى السودانية" وفي الثاني من نوفمبر عام 1952 تقدمت مصر بمذكرة إلى الحكومة البريطانية لتحديد فترة ثلاث سنوات يتم خلالها تصفية الإدارة الثنائية تصفية فعلية وتحجيم سلطات الحاكم العام البريطاني والاستعداد لانتخاب جمعية تأسيسية تنسحب قبلها القوات البريطانية والمصرية، وادعت بريطانيا أن الأحزاب السودانية لم يؤخذ رأيها في المذكرة المصرية ومن هنا كانت مهمة الصاغ صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة الشهير إلى السودان حيث وقع مع قيادات الأحزاب السودانية اتفاق تأييد المذكرة المصرية.

محمد علي حلة: عندما تقدمت الحكومة المصرية أو الثورة المصرية بمسألة التفاهم حول السودان حجة بريطانيا إيه؟ أين رأي الأحزاب السودانية؟ لم يؤخذ رأي الأحزاب السودانية علما أن الثورة في بدايتها ألغت الأحزاب، فعندما تلغي الثورة المصرية الأحزاب في مصر فبالتالي لا بد أن يكون هناك دور على إلغاء الأحزاب في السودان، هي تريد أن تبين للأحزاب السودانية أن إلغاء الثورة الأحزاب في مصر هي مقدمة لإلغاء الأحزاب في السودان.

المعلق: كانت المباحثات المصرية البريطانية حول السودان قد بدأت في القاهرة في العشرين من نوفمبر عام 1952 وانتهت في فبراير عام 1953 وتم التمهيد لها باجتماع بين اللواء محمد نجيب والسفير البريطاني رالف ستيفرسون يوم الثاني والعشرين من أكتوبر عام 1952.

سيد فليفل: بريطانيا كانت تطالب بتنفيذ اتفاق الحكم الثنائي لسبب بسيط وهو أن الاتفاق يعني يتيح لها أن تكون موجودة في السودان وشريكا لمصر فيه، ولكن هي تدير إدارة شبه منفردة فإذا أرادت مصر أن تدير وأن تكون موجودة في السودان فبريطانيا ترفض، إذا أرادت مصر الجلاء فتقول لها بريطانيا اتركي السودان، من هنا هذه تعليلات السياسة البريطانية المستمرة وهذا الموقف يعني أنا في رأيي أن بريطانيا لم تكن تريد أن يستقل السودان، لأنها كانت تريد أن يبقى السودان أملا لمصر لكي تبقى هي موجودة في قناة السويس.

محمد علي حلة: بريطانيا حاولت كثيرا بأنها تنشط الأحزاب السودانية المعارضة لبقاء مصر في السودان أو لوحدة وادي النيل.

سيد فليفل: إذا كانت مصر قد قامت فيها ثورة تحررية تريد للمصريين أن يحكوا أنفسهم بأنفسهم وأن تتحرر مصر من السلطة الاستعمارية فلا يمكن أن تكون مصر هي نفسها قوة استعمارية في السودان ولا قوة متفاوضة مع بريطانيا ضد الشعب السوداني.

المعلق: يواصل هيكل في كتابه "تتابعت الحوادث في غير صالح بريطانيا واجتمعت كلمة الأحزاب السودانية تحت زعامة الحزب الاتحادي الوطني برئاسة إسماعيل الأزهري حول مبدأ حق تقرير المصير. ولقد فوجئت بريطانيا بموقف حزب الأمة وتوقيع زعيمه السيد عبد الرحمن المهدي على وثيقة التوفيق بين الأحزاب وطلب أنتوني إيدن وزير الخارجية البريطانية وقتها من الحاكم العام للسودان سير روبيرت هاو طلب تفسيرا للأسباب التي دعت السيد المهدي إلى اتخاذ هذا الموقف دون استشارة السفارة البريطانية وقد رد السيد المهدي أنه لم يكن ليتردد في توقيع وثيقة يتفق فيها الجميع على حق السودانيين في تقرير مصيرهم. مرة أخرى طالت المفاوضات وحاولت بريطانيا فصل جنوب السودان عن شماله في ترتيبات الحكم الذاتي ومرة أخرى توجه صلاح سالم إلى الجنوب والتقى بزعمائه وعاد إلى القاهرة بفهم أفضل واجه به السفير البريطاني في جلسة الثامن والعشرين من يناير عام 1953، رفض الجانب المصري ما أسمته بريطانيا بضمانات للجنوب يوقف بشأنها بروتوكول خاص، كما رفض مطالبتها بقاعدة بريطانية في السودان خشية إنشاء فرنسا لقاعدة مشابهة لخدمة خطوط مواصلتها مع مدغشقر، وفي الثاني عشر من فبراير انتهت جلسة المباحثات بتوقيع اتفاق إقامة الحكم الذاتي وممارسة السودانيين لحق تقرير المصير، ولم تكن الولايات المتحدة بعيدة عما كان يجري في المفاوضات حيث تذكر وثيقة السادس من يناير عام 1953 التالي "أثناء اجتماع الخامس من يناير ذكر وزير الخارجية أنه يعتقد أن على الولايات المتحدة الأميركية الآن الضغط على البريطانيين لكي يصلوا إلى اتفاق مع مصر حول السودان وقضايا قاعدة السويس وأنه لا يرى أي عائق يمنع وجود اتفاق في الوقت الحالي، كما قال إنه على أتم الاستعداد لكي يضمن أن جلاء البريطانيين على السويس يمكن أن يؤدي إلى انضمام مصر لاتفاقية دفاع عن الشرق الأوسط".

ماثيو هيوز: أصبحت بريطانيا قوة ثانوية بالنسبة للولايات المتحدة التي كانت قبل الحرب أقل اهتماما بالمنطقة.

دينيس روس: أرادت الولايات المتحدة أن يشعر المصريون بأننا نراعي احتياجياتهم ومصالحهم وهو ما أردنا أن يشعر به البريطانيون كذلك، ورغبتهم في الحفاظ على موقع ذي قيمة إستراتيجية هو شيء سوف تشاركها فيه الولايات المتحدة.

باري روبن: يمكن للقوات الغربية المجيء لحماية القناة من السوفيات، هذا ما تريده الولايات المتحدة، إنها لا تبالي بأي أمر آخر، إذا عارض المصريون هذا النوع من الصفقات فهو شيء جيد من وجهة النظر الأميركية.

المعلق: في الوقت نفسه تابع السفير الأميركي في القاهرة سير المفاوضات بين الجانبين البريطاني والمصري في إطار التفاهم الأميركي البريطاني، وفي الثاني عشر من يناير عام 1953 بعث جيفرسون كفري بالبرقية التالي إلى جون فوستر دالاس "سوف يقابل السفير البريطاني كل من الرئيس نجيب وفوزي وزير الخارجية عند ظهر اليوم لتقديم آخر مسودة بريطانية من الاتفاقية المقترحة بشأن السودان، السفارة البريطانية قامت بالكثير من الدعاية في صحف القاهرة هذا الصباح حول الاتفاقية الجديدة المزعومة بين صلاح سالم والأحزاب السياسية السودانية متضمنة حزب الاتحاد الوطني، حزب الجمهور الاشتراكي والحزب الوطني والتي تدعو لسحب القوات البريطانية والمصرية في غضون ثلاث سنوات وإعلان أن الحاكم العام ليس لديه أي صلاحيات خاصة للجنوب، السفارة البريطانية على المنوال نفسه تشعر بأن الرأي الرسمي في لندن سيتصلب عندما تصله الأخبار عن نشاطات صلاح سالم والمقصود زيارته إلى شمال وجنوب السودان، لقد حثثنا البريطانيين على عدم اتخاذ موقف، إما الموافقة أو الرفض ولاحظ أننا استعملنا أفضل مساعينا ليلة أمس لتطمين صلاح سالم والمسؤولين المصريين الآخرين، أتمنى أن يتبنى الجانب البريطاني موقفا هادئا وأن لا يمثل الاتفاق الأخير لصلاح سالم مع السياسيين السودانيين عقبة في حوارهم اليوم مع نجيب، والواقع أن ستيفنسون وبعد حديثه مع فوزي أمس كان لديه الانطباع بأن نقاط الاختلاف بين الحكومتين قد ضاقت بحيث قد يتوصل اليوم في مقابلته مع نجيب إلى الاتفاق النهائي".

دينيس روس: أميركا تؤمن بأن الإمبراطوريات والاستعمار هما أثر من الماضي لذا فأعتقد أنك ترين نوعا من الحيرة من جانب الولايات المتحدة، لم نرد إرغامهم آنذاك لكن أن نكون فقط على علم بالجهة التي ستسير فها بريطانيا.

المعلق: يذكر الباحث محمد الحناوي أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي إلا في الثاني عشر من فبراير عام 1953 وهو الاتفاق الذي نص على فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات يجري خلالها انتخاب جمعية تأسيسية لتقرير المصير، وينقل عن وينستون تشرتشل رئيس وزارء بريطانيا تساؤله عقب توقيع الاتفاق لماذا لم نعرض على السودانيين إلى جانب الوحدة مع مصر أو الاستقلال الانضمام إلى الكومنولث؟ وأن الحاكم العام للسودان رد بأنه استمزج رأي عدد من القادة السودانيين وعرف أنهم لا يرحبون بهذه الفكرة لكنهم على استعداد للتفكير فيها بعد الاستقلال ثم عقدت الخارجية البريطانية اجتماعا رأسه أنتوني إيدن أسفر عن اعتماد 30 ألف جنيه لإنشاء فرع للمجلس الثقافي البريطاني وترتيب زيارات لعدد من القادة السودانيين وعلى رأسهم السيد عبد الرحمن المهدي زعيم طائفة الأنصار وحزب الأمة والسيد علي المرغني زعيم طائفة الختمية والحزب الوطني الاتحادي لحضور الاحتفالات بتتويج الملكة إليزابيث ومنحهم نياشين بريطانية رفيعة المستوى، كما عملت بريطانيا على تقوية الإذاعات الموجهة للسودان.

سيد فليفل: كان لدى هذا الزعيم القديم، يعني رجل موجود في الساحة الإمبريالية البريطانية منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، كان لديه أمل أن يكون السودان عضوا في الكومنولث البريطاني ولكن السودانيين لم يكونوا ليخرجوا البريطانيين من الباب ليستقبلوهم من الشباك.

المعلق: بعد التوصل إلى اتفاق مصري بريطاني نهائي وفي الخامس والعشرين من مارس عام 1953 بعث السفير كفري إلى جون فوستر دالاس بتقرير يلخص الدور الأميركي حيث يتحدث كفري في البداية عن دوره في تخليص بريطانيا أكثر من مرة من مواقف صعبة ويقول إنه وعلى سبيل المثال قد تمكن مرتين من منع قطع العلاقات بين مصر وبريطانيا ومرة أخرى منع اعتقال أكثر من مائة بريطاني ومرة جديدة منع محاولة طرد ثلاثين ألف بريطاني من مصر، ويقول "أكد لي وزير الشؤون الخارجية المصرية ليلة أمس أن الحكومة المصرية مؤيدة للموقف الذي جاء في مذكرة اللواء نجيب بتاريخ العاشر من نوفمبر عام 1952 كأساس للمفاوضات، فإذا وافقت بريطانيا على مبدأ الجلاء سيكون هناك إمكانية استمرار مناقشات موازية حول مسألة الدفاع".

سيد فليفل: الثورة أيضا استعانت بالولايات المتحدة لتحريك الموقف البريطاني وأعطي أمل للولايات المتحدة وإن كان يعني من طرف خفي أننا نستطيع أن نبحث معكم بعد خروج الإنجليز مسألة الدفاع عن الشرق الأوسط.


إعلان قيام الجمهورية السودانية

المعلق: وفي السودان أجريت انتخابات الجمعية التأسيسية في الخامس والعشرين من نوفمبر عام 1953 وأسفرت عن فوز كاسح للاتحاديين بواحد وخمسين مقعدا ولم يحصل حزب الأمة سوى على اثنين وعشرين مقعدا رغم ذلك ومع نهاية الفترة الانتقالية أعلنت حكومة السودان قيام الجمهورية السودانية في التاسع عشر من نوفمبر عام 1955. وفي أول أيام العام التالي تم إنزال العلمين المصري والبريطاني ورفع العلم السوداني، ومع طي العلم المصري طويت الآمال التي ظلت تراود الحركة الوطنية المصرية لأكثر من نصف قرن بتحقيق وحدة وادي النيل ومن يومها والسائد هو أن ثورة الثالث والعشرين من يوليو المصرية أضاعت الحلم الجنوبي، أو أن ضياع هذا الحلم يكمن في إقالة محمد نجيب أول رئيس للجمهورية في مصر في أعقاب ما يعرف بأزمة مارس عام 1954 أو أن بعض الأسباب تكمن في سوء تصرفات صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة أثناء زياراته إلى السودان.

سيد فليفل: ذهاب صلاح سالم إلى المنطقة يعني فيه دلالة على أن مصر لم تدخر وسعا سواء بالرشى أو حتى أنه تبسط مع الجنوبيين وقام بالرقص عاريا مع الجنوبيين وزار القبائل المختلفة لكي يقول إنه نحن أبناء أفريقيا نستطيع أن ندير شؤوننا بغض النظر عن الاستعمار البريطاني ووجد شعبية في هذا ولكنه بعد ذلك بدأ يتدخل تدخلا يعني سافرا في شأن الأحزاب السودانية إلى حد يعني أدى إلى أن يفقد مصداقيته وأن يؤثر على الدور المصري في السودان، لا نقول إنه هو المسؤول عن ضياع السودان، لا، السودان كان يجب أن يستقل لأنه شعب يحب الاستقلال ليس لأن صلاح سالم ذهب فأخطأ.

حيدر إبراهيم: فكان بيفتكر أنه في الحاجات الساذجة دي من خلال المال ومن خلال التعامل مع.. يستطيع أن يكسب السودانيين، بالعكس أصبح صلاح سالم تجسيدا لأنه لو أصل المصريين زي صلاح سالم نحن ما عايزين وحدة معهم.

المعلق: يذكر الدكتور يونان لبيب رزق أنه كان قد تحدد الأول من مارس عام 1954 ميعادا لافتتاح البرلمان السوداني الجديد وقد دعي لحضوره محمد نجيب من الجانب المصري وسلوين لويد من الجانب البريطاني، قال اللواء نجيب "ما إن حطت الطائرة في الخرطوم حتى فوجئت بمظاهرة كبيرة تهتف في وجهي "لا مصري ولا بريطاني السودان للسودان" وتبع ذلك الاشتباكات بين البوليس والمتظاهرين والتي أسفرت عن سقوط ثلاثين قتيلا و117 من الجرحى".

سيد فليفل: أنقذته قوات الشرطة من أيدي المتظاهرين من حزب الأمة وبقية الأحزاب الاتحادية بمعنى آخر أن محمد نجيب كان موجودا في السودان وعومل بالبيض والطماطم وتخطفته الأيدي وكاد أن يفتك به، فأين إذاً القول بأن محمد نجيب كان سينقذ وحدة وادي النيل.

المعلق: يرى الدكتور يونان لبيب رزق أن ما حدث ظل يمثل الذروة المأسوية لتبدد حلم الوحدة وأن إسماعيل الأزهري أول رئيس لجمهورية السودان وعدد غير قليل من الاتحاديين قد استهوتهم خلال تلك الفترة أبهة الحكم ولم يجدوا ثمة ما يدعوهم إلى التمسك بالوحدة التي سوف يتحكم فيها آخرون من أبناء الشمال، بدأ هذه الاتجاه يتأكد مع مرور الوقت ففي أعقاب حادثة أول مارس بدأت تحركات إسماعيل الأزهري تعبر عن التخلي عن فكرة الوحدة فقد رفض هدية من الأسلحة الحديثة عرضتها عليه مصر، كما رفض إرسال ضباط سودانيين للتدريب في مصر ورفض أيضا اعتماد مصر لمبلغ كبير لتنفيذ مشروعات ثقافية واجتماعية وصحية في السودان وأكثر من ذلك فقد لبى دعوة للسفر إلى لندن في نوفمبر عام 1954 حيث استقبلته الملكة إليزابيث ووينستون تشرتشل رئيس الوزراء. بدا واضحا خلال النصف الثاني من عام 1955 أن مد الوحدة قد انحسر تماما من وجهة نظر حكومة الأزهري وشكل الحزب الوطني الاتحادي لجنة من أعضائه لوضع تقرير حول شكل الحكم المنتظر بعد فترة الانتقال، وقد أكد هذا التقرير والذي وافقت عليه الهيئة العليا للحزب على ضرورة التخلي عن مسألة الاتحاد مع مصر.

حيدر إبراهيم: الأزهري من 1955 بدأ يحس أن التيار الرافض للاتحاد مع مصر هو الأقوى والأزهري الرجل يمتلك قدر كبير من الدهاء السياسي فاعتبر أنه لو مشي في الاتجاه لمسألة الاتحاد مع مصر سيفقد كل شيء فلذلك هو أعلن الاستقلال من داخل البرلمان، سحب من حزب الأمة كرتا هاما جدا كان عند الأمة، مش عايزين الاستقلال؟ هذا هو الاستقلال.

بيتر وودورد: كانوا يلعبون للجانبين، الاتحاديون يلعبون مع المصريين والمناهضون لمصر يعملون مع البريطانيين، كانت حركة وطنية منقسمة كثيرا.

سيد فليفل: لم تكن مسألة استقلال السودان أن الثورة بعد السودان، ولكن أن السودان كان يمضي إلى الوجهة الطبيعية التي يجب أن يمضي إليها كل شعب وهي أن يكون مستقلا، أما البحث عن روابط مصر بالسودان وعلاقات مصر بالسودان والتعاون المصري السوداني والتكامل المصري السوداني فهذا يمكن أن ينشأ من بعد ذلك على أساس أننا بصدد كيانين متكافئين لا كيان يدير شؤون الكيان الآخر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة