الدراسات المستقبلية: طبيعتها وأدواتها   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

مقدم الحلقة

محمد كريشان

ضيف الحلقة

- محمد بريش، باحث في الدراسات المستقبلية

تاريخ الحلقة

10/07/2000


محمد بريش

محمد كريشان
محمد كريشان:

يتهم العرب أحيانا بأنهم ما زالوا أسرى للتاريخ، وبأن أسواره العالية تحول دون تطلعهم إلى الأمام، هذا التطلع إلى الأمام يفترض من بين ما يفترض وجود دراسات مستقبلية، فالدول الكبرى ذات النفوذ والطموح تعتمد على هذا النوع من الدراسات لتحديد سلم أولوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بل وكذلك الأمنية والدفاعية، وهو ما نفتقر إليه في الغالب في الدول العربية، سواء في المغرب أو في المشرق، ضيفنا هذا الأسبوع هو (محمد بريش) باحث في الدراسات المستقبلية.

(تقرير مسجل):

(محمد بريش)

- من مواليد (الصويرة) بالمغرب عام 52.

- تخصصه الرئيسي الهندسة المدنية، وتقلد عدة مناصب في قطاع الأشغال العامة بالمغرب.

- خبير في الدراسات المستقبلية والاستراتيجية.

- خبير لدى منظمة (الإسيسكو) ومنسق فريق الخبراء المكلف بصياغة استراتيجية الثقافة الإسلامية.

- مستشار أكاديمي بالمعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن.

- عضو لجنة الخبراء المكلفة من جانب المجموعة الأوروبية (برنامج فاست لدراسة مستقبل العالم العربي).

- عضو الجمعية الدولية للمستقبلية والمركز الإسلامي للدراسات المستقبلية بلندن.

- له العديد من الدراسات حول استشراف المستقبل في القضايا الفكرية والتربوية والثقافية المتعلقة بالعالم الإسلامي.

- رئيس تحرير مجلة (الهدى) الثقافية الفكرية الإسلامية التي تصدر في (فاس).

محمد كريشان:

سيد (محمد بريش) أهلا وسهلا.

محمد بريش:

أهلا وسهلا

محمد كريشان:

عندما نتحدث عن المستقبليات، ما هو بالضبط هذا؟ هل هو علم أولا؟ هل هو مجرد اختصاص أكاديمي؟ ما معني أن يكون المرء باحث في القضايا المستقبلية أو في المستقبليات؟

محمد بريش:

الدراسات المستقبلية فن وعلم، لكنها تحتاج إلى نوع من التحديد، نظرا لما قد يشوبها، لأن الناس تريد أن تهتم بالمستقبل، وتظن على أن الدراسات المستقبلية هي نوع من التخمين لما سيقع غدا، والاهتمام بما قد يقع في العشرين سنة القادمة أو الثلاثين سنة القادمة، نعم هذا جزء من الاهتمام، لكن انطلاقا من واقع يدرس، ومن تيارات غالبة تستكشف، فانطلاقا من هذا يبدأ الباحث المستقبلي في دراسة كيف يعالج الواقع المعاصر بناء على مآلات ممكنة، ومستقبلات تراد، فالقضية ليست اهتمام بما سيقع بعد 20 أو 30 سنة بقدر ماذا سيقع لو أننا اتخذنا القرار الفلاني، والفلاني بعد سنوات محدودة.

فإذن القرارات المزمع اتخاذها الآن هي التي تحدد شكل المستقبل، ويدرس المستقبل لدراسة المآلات، ودراسة المستقبلات الممكنة لاتخاذ القرار الآن، فكأنك تقود سيارة، وتنظر إلى الطريق الماثل أمامك، ليس للتمعن فيه، ومعرفة مختلف تفاصيله، ولكن ليتضح لك، هل هناك معوقات؟ هل هناك أشياء تعترضك؟ هل هناك منزلقات؟ وهذا يؤثر على حركتك الآلية، وتمكنك من (المقود) فورا، فأنت تنظر للقادم من الطريق لتعرف كيف تعالج فورا (سياقتك) وقيادتك للطريق الذي تريد أن تذهب إليه، فكذلك الأمر بالنسبة للدراسات المستقبلية، نعم هناك اهتمام أدبي بما سيأتي في الأزمنة القادمة، لكن هذا لا يدخل في مجالات الدراسات المستقبلية بالمفهوم العلمي الفني، ولهذا اهتمت بها الجهات صاحبة القرار الدولي، المقاولات الكبرى، الحكومات التي لديها برنامج تريد أن تنجزه في وقت مضبوط ومدروس، فظل دائما ظلت دائما الدراسات المستقبلية لصيقة بالدراسات الاستراتيجية، لصيقة بالتحليل التاريخي، يمكن كذلك أن تفيد ليست في الأزمنة القادمة، ولكن يمكن مثلا حينما ندرس القرن الثالث أو الرابع الميلادي أو الهجري، وننطلق من نقطة معينة، وندرس المستقبلات المفقودة، والمستقبلات التي كان يمكن أن يسير عليها التاريخ، والتي يمكن استخلاصها من عناصر التاريخ، لأن المستقبلي يلتقي مع المؤرخ في دراسة العناصر، لكن المؤرخ يهتم بصورة صار عليها مجرى التاريخ.

محمد كريشان:

ولكن هل هناك اختصاص معين؟ يعني عندما نتحدث عن المآلات، هناك مآلات اقتصادية، مآلات اجتماعية، مآلات فكرية أو سياسية، في هذه الحالة ربما يصبح المجال هو لخبير اقتصادي فقط أو خبير اجتماعي فقط، يعني هل المستقبلي أو الباحث في القضايا المستقبلية يختزل كل هذه القضايا الاقتصادية والاجتماعية والفكرية وغيرها؟

محمد بريش:

أبدا لا يمكن أن يختزل، الدراسات المستقبلية لا يمكن أن تقوم إلا من خلال فريق يضم عناصر مختلفة تضم اختصاصات، تضم حتى في التيارات الفكرية توجهات متعددة، حتى يمكن أن تؤخذ صور المستقبل الممكنة من عدة الشرف من جهة، وينظر إليها من مختلف الاتجاهات ثم تدرس مختلف العناصر، ما يسميه المستقبليين بالعناصر الفاعلة، العناصر الفاعلة تتعدد حسب أدوارها.. حسب نوعها، حسب موضوعها، فتحتاج إلى المهندس، تحتاج إلى الطبيب، تحتاج إلى الخبير الاجتماعي، تحتاج إلى الخبير الصحفي، تحتاج إلى صاحب الخبرة السياسية، وتحتاج إلى صاحب المنهجية في معالجة هذه القضايا، في دراسة مختلف التيارات الغالبة، في استخلاص ما هي العوامل الفاعلة الحقيقية، في استخلاص كيف تركب المستقبلات انطلاقا من هذه العوامل، كل هذا يحتاج إلى فريق ضخم يتحدد عدده حسب الموضوع المدروس، مثلا فأنت حينما تريد أن تدرس مثلا مستقبلات العالم الإسلامي فأنت تحتاج أولا على أن يمثل هذا العالم الإسلامي جغرافيا، وألا يأتي واحد من المغرب، أو واحد من المشرق، أو واحد من آسيا يتكلم عن مستقبل العالم الإسلامي، تحتاج كذلك إلى أصحاب الخبرة، سواء في النفط أو مختلف الثروات المعدنية، في الاقتصاد، في السياسة، في الثقافة، في الفنون الشعبية، في الديموغرافيا، فأنت تحتاج إلى فريق ضخم، حينما تريد أن تدرس مستقبل شركة، تريد أن تكون لها قنوات بيع ومكاتب موزعة في مناطق فأنت حسب الموضوع الذي تحدده وحسب العوامل الفاعلة فيه، يتحدد عدد المتخصصين وعدد المتداخلين.

محمد كريشان:

الامتداد الزمني للبحث المستقبلي، هل هو لعشرين سنة؟ ثلاثين سنة؟ أم الأمر يختلف من قضية إلى أخرى؟

محمد بريش:

يعني لو كنت في الستينات لكانت العشر سنوات كافية.. هو مدى وتيرة التغيير، والملاحظ في العشر سنوات الأخيرة أن وتيرة التغيير بدأت مدتها تتقلص، فلم يعد الناس يستطيعون أن يبرمجوا لخمس سنوات، لأن ما يقع في بداية السنة يكاد يخالف نهاية السنة، بل حتى التصميم لسنة واحدة مالية أو مبرمجة من طرف مقاولة أو حكومة أو هيئة يصعب تنفيذها نظرا لمختلف التغيرات والتقلبات التي أصبحت وتيرتها كبيرة جدا، فكان من الممكن لو كنت في بداية القرن أن تقول أنا أخطط للثلاثين سنة، ووتيرة التغيير تمضي بشكل بطيء جدا، والتغيرات يعني لا تكاد ترى، سواء على الصعيد التكنولوجي أو العلمي أو السياسي إلا بعد 5 سنوات أو 10 سنوات، وكان حينذاك يمكن للمدى أن يكون 20 سنة.. 30 سنة، أما حينما تكون في نهاية التسعينات وأنت على مشارف القرن الواحد والعشرين، والتقلبات والتغيرات تكاد تكون شهرية، ومعالجة واقع معين، معالجتك لا تكاد تدوم أكثر مما يدوم دواء معين، فهذه الأشياء جعلت المدى يختلف، ممكن يعني أن تكون لديك الأبعاد إلى 10 سنوات، 20 سنة، لكن في الخمس سنوات التي أمامك هي المستقبل الذي يمكن أن تخطط له، ثم في الدراسات المستقبلية الحاضر يسمى مستقبلا مشهودا، لأنك أنت لو أردت أن تغير وتوقف فقط القرارات التي اتخذت الآن في هذا الحاضر تحتاج إلى فترة زمنية، مثل المثل الذي ضربته بالسيارة، إذا أردت أن توقف حركتها فأنت تحتاج إلى مسافة معينة ووقت معين حتى يقف مدى القرارات التي سبق اتخاذها في وقت سابق، وفى مستقبل سابق، فإذن أنت حتى يمكن أن تحدث التغيير تحتاج على الأقل إلى فترة زمنية يزول منها ذلك المستقبل المشهود ليبدأ ذلك المستقبل المنشود الذي ترغب فيه وتوده.

محمد كريشان:

أشرت إلى اقتران علم المستقبليات أو اختصاص المستقبليات -تقريبا- بالقضايا الاستراتيجية والبحوث الاستراتيجية، ولكن هل هناك تاريخ معين لنشوء متميز لهذا الاختصاص بمنأى عن الدراسات الاستراتيجية؟ متى ربما يمكن أن نتحدث عن بدايات هذا الاختصاص؟

محمد بريش:

هذا الاختصاص تراه دائما عند الدول القوية ذات البعد الحضاري، البعد الثقافي، البعد العلمي، التي لها مشروع طموح تحب أن تنجزه، سواء على صعيد القطر أو على الصعيد الدولي، حينما تأخذ مثلا حضارتنا الإسلامية العربية تجد أنه لما كانت الدولة في قوتها كان ما يسمى باعتبار المآل داخلها سواء في الفتوى أو في الاهتمام، وتجده لصيقا بالتنظير الإستراتيجي، وتجد يعني بوادر لهذه المسألة، لما بدأ الأفول بدأ التخويف من المستقبل، لأنه حتى الاضمحلال الحضاري يولد نوع من القلق المستقبلي، لكن بشكل سلبي فتجد الخوف من المستقبل، والخوف من الغد، ويبدأ باب سد الذرائع، سواء في الفقه أو في غيره يفتح بشكل كبير، ومنعا وسدا لذريعة كذا نقوم بكذا، فأنت تجد دائما الاهتمام بالدراسات المستقبلية هو قرين بمدى التألق والانفتاح أو الاهتمام بالتألق الحضاري، الدراسات المستقبلية المعاصرة ظهرت خاصة بشكل ممنهج بعد الحرب العالمية الثانية، وفي دواليب مؤسسات أمريكية، المدرسة الفرنسية كذلك شاركت، وما زالت تعطي في هذا الجانب، لكن المدرسة الأمريكية كانت سباقة من خلال ما يسمى بخزنات الأفكار أو ما أسميه أنا بمقاولات تسويق الأفكار وصناعة القرار، والتي هي think tanks، تأخذ مثلا Rank Corporation التي بدأت تنظر لنوع من المستقبلية على أساس أن تخدم السياسة الخارجية، وأن تخدم هيمنة المقاولات العابرة للقارات التي كانت تريد أن تكون عندها إمكانيات معرفة ماذا يجري في العالم؟ ما هي إمكانيات الهيمنة؟ ما هي إمكانيات تسويق الأفكار؟ تسويق البضاعة؟ التأثير على الساسة؟

مثلا في عالمنا العربي الإسلامي بدأ الاهتمام بهذه الدراسات في الستينات، لكن لم تكن أو لم تبرز مشروعات كبيرة للاهتمام بمصير العالم العربي إلا بعد الثورة الإيرانية، وبعد سنة 79، وبدأ مركز دراسات الوحدة العربية بمشروع استشراف لمستقبل الوطن العربي بداية من بداية الثمانينات، وأنهاه في سنة 88..

محمد كريشان:

كان هو المبادر يعني؟

محمد بريش:

كان هو المبادر على أساس أنه يهتم بالوحدة العربية ومعوقاتها، ولديه سيناريو تفتيت العالم العربي الذي لاحظه ويلاحظ من عدة تيارات غالبة في الواقع المعاصر، وهو يريد أن ينظر إلى مشهد الوحدة العربية، وما هي المستقبلات الممكنة والشروط التي بدونها لا يستجيب هذا المستقبل لعمليات تداول الأيام وتبادلها بين مختلف الحضارات والدول؟ طبعا كان هناك كذلك المشروع الذي قام به منتدى العالم الثالث لصالح جامعة الأمم المتحدة وهي جامعة موجودة في (طوكيو) بدون طلاب، لكن جامعة دراسية، قام منتدى العالم الثالث في الشرق الأوسط بالقاهرة بدراسة مشروع سماه (مشروع المستقبلات البديلة)، وهو كذلك اهتم من ضمن ما اهتم ببعض القطاعات، منها الحركة التقدمية، منها الحركات الإسلامية، منها قضايا التنمية، مشروع (استشراف الوطن العربي) اهتم بدول المغرب العربي، بدول المشرق العربي، بدول الخليج العربي، بمحور المجتمع والدولة، بمحور العالم العربي وعلاقته بالقوى الكبرى، العالم العربي وعلاقته بالمحيط الجغرافي وخاصة إيران وتركيا، العالم العربي والتنمية، فإذن لأول مرة خرج مشروع متكامل، وبدأت تبرز بعض الخبرات، وبعض المنهجيات العربية، لكن بعد ذلك لا يوجد مثلا مشروع استشراف مستقبل العالم الإسلامي، رغم أن عندنا منظمات مثل منظمة العالم الإسلامي، والمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم، نعم هناك بعض الاهتمامات القطاعية في مجال الثقافة، في بعض المجالات، لكن ليس عندنا المشروع المتكامل مثل ما نجده مثلا عند الوحدة الأوروبية، أو المجموعة الأوروبية أو نجده عند الدول القوية.

محمد كريشان:

ولكن ربما هذا المشروع المتكامل مرتبط بشكل أساسي بطموح معين وبإمكانيات الهيمنة مثلما أشرت، يعني عندما تخطط الولايات المتحدة، أو عندما تخطط الاتحاد الأوروبي أو اليابان، لا شك بأن العملية مرتبطة أيضا بمنهج اقتصادي عالمي، وبمنهج محاولة استكشاف الأسواق، ومناطق النفوذ، بالنسبة للبلاد العربية -حتى الأمثلة التي ذكرتموها- هي أكثر تعالج أكثر قضايا اجتماعية، داخلية، علاقة القوى السياسية ببعضها، علاقة التيار الديني، علاقة بدول الجوار، هل هناك خصوصية معينة للدراسات المستقبلية في البلاد العربية؟ هي دراسات مستقبلية لكن لطرف مفعول به أكثر مما هو فاعل.

محمد بريش:

نعم.. هي الدراسات المستقبلية تحتاج إلى خبير، ومخبر، وصاحب قرار، المخبر في جمع المعلومات -مخبر ليس بمفهوم وزارات الداخلية عندنا في عالمنا العربي-، ولكن المخبر الذي يستطيع أن ينتقي المعلومات، ويتبين صحتها، ويقدمها على الأقل في شكل يمكن أن تستغل من طرف الخبير، الخبير المحلل يقدم هذه التحليلات لتقديم وسائط للتغيير وللإصلاح، وهذه تحتاج إلى رجل قرار له الثقة في ذلك الخبير، وله الثقة كذلك في ذلك المخبر، فوجود هذه الأصناف الثلاثة عند الدول صاحبة القوة، وصاحبة المشروع المستقبلي مثل اليابان، مثل الولايات المتحدة، مثل المجموعة الأوروبية تجد ينعكس مباشرة على وجود جمعيات وهيئات والمقاولات أو شركات للاهتمام المستقبلي والدراسة المستقبلية، لكن في عالمنا العربي لا تجد هذا الاهتمام، لأنه العلاقة بين صاحب القرار، والدارس المستقبلي غير متوفرة، الدراسات المستقبلية....

محمد كريشان:

لماذا غير متوفرة؟ يعني عنصر الثقة أساسا أو السياسي يعتقد أنه هو الأولى باستشراف المستقبل أكثر من هذا الأكاديمي الذي يريد أن يحشر نفسه ربما في اختصاصات الحاكم.. هل هذه الإشكالية مطروحة؟

محمد بريش:

عنصر الثقة موجود، لكن عنصر القوة كذلك مفقود، لأن القوي والقوة بمفهومها الاستراتيجي أربعة أنواع، أولا: أن تستطيع الفعل، ثانيا: أن تستطيع الامتناع عن الفعل، ثالثا: أن تستطيع أن تدفع غيرك للفعل، رابعا: أن تستطيع منع غيرك من الفعل، فإذا ما تجلت هذه القوة، ولو في بعدين استطعت أن يكون لديك مشروع مستقبلي، لأنه حينذاك حينما تكون تريد أن تمتنع عن الفعل فأنت لا بد أن تكون عارفا بردود الفعل، أن تكون عارفا بإمكانية استمرارك على هذا الموقف، تكون عارفا بمن يؤثر عليك ويدفعك لذلك، فكون السياسي ليست متوفرة لديه هذه العناصر من القوى، ولو كان لديه نوع من الزعامة السياسية، لكن ليس لديه تلك القوى إلا من خلال بعض المعلومات أو الجهات النافذة من خلال الهرم السلطوي، لكن مفهوم السلطة كشيء قائم على قوة معرفية يجعل المفكر القائد يلجأ إلى صاحب التفكير المستقبلي، نفس الشيء كذلك في أنظمتنا التعليمية، وخاصة الجامعية الدراسات المستقبلية غير موجودة، غير متوفرة، لا تدرس، لا تدرس أهميتها..

محمد كريش:

يمكن أن تكون اختصاص قائم الذات في الجامعات؟

محمد بريش:

طبعا يمكن أن تكون اختصاصا قائما بذاته يدرس، ويلقن لمن لهم مشروع بديل يريدون أن يغيروا واقعهم نحو مجتمع أفضل وأمتن، لكن حينما يغيب القصور المستقبلي، وتغيب الأرضية اللازمة بين الاقتصادي وبين صاحب الجامعة، ثم غياب النسيج الاقتصادي الضروري والاجتماعي لهذه الدراسات، فمثلا أنت لو أخذت مجرد المشاريع الوحدوية التي ظهرت في تاريخنا الحديث، وأردت أن تنظر مثلا للمغرب العربي تجد على أنه النسيج الاقتصادي الموجود لا يمكنك حتى من معالجة الواقع الحالي.. فكيف تعالج مستقبلا؟ لكن أنا أرى على أنه إذا ما وجد هذا الاهتمام في مؤسساتنا الجامعية على صعيد الأحزاب السياسية نفسها تفتقر إلى المؤسسات التي تقوم بالدراسات المستقبلية لصالحها، حينما نأخذ الولايات المتحدة، الولايات المتحدة لها مجموعة Brockens ,Rank Coration, يعني العديد من الحكومات الظل التي تفكر وتنظر وتقدم المستقبلات الكبيرة، تجد نفس الشيء عند الدول القوية مثل ألمانيا، مثل فرنسا، مثل بريطانيا، مثل الصين، مثل اليابان، اليابان خطط منذ زمان لتسعينياته، والآن يعالجها على ضوء الأزمات التي.. لكن أهدافه على الأقل موجودة، فالذي عنده تبني لنظرية الأهداف عادة ما يكون لديه فكر مستقبلي لتحقيق تلك الأهداف، يكون لديه تشخيص للواقع، لكي يستخلص نوع من الوعي بالعقبات التي سيجدها أمامه، كيف يوسع هذا المستطاع، بحيث المستطاع غدا يكون أوسع من المستطاع اليوم؟ يكون لديه معرفة بكيف يتخلى عن هدف لتحقيق هدف آخر؟ فعنده نظام أولوية، لكن الذي يتفاعل مع الكوارث، وله نظام كوارثي، وينتظر أن تحل الكارثة فيعالجها بمعالجة الأزمة، لا تنسيه تلك الكارثة إلا كارثة أخرى، وتصاغ له المستقبلات بدل أن يكون هو الصائغ لها والصانع لها.

محمد كريشان:

هل هذا هو وضعنا في البلاد العربية؟ هل…

محمد بريش:

يكاد وضعنا يكون هكذا يعني، تاريخنا يدل على هذا، يعني مثلا منذ حدثت حادثة اجتياح الكويت، عديد من الأشياء وقعت مع أنه كان من الممكن استشراف عديد من القضايا التي لها نفس التوقع، هذا النوع من التصرف أو على الأقل يعني إزالة بعض المطبات أو المنزلقات التي تؤدي إليه، ثم محاولة تجاوزه لمستقبلات يتم فيها إقبار هذا الموضوع كما فعلت أوروبا مع الحرب العالمية الثانية.

محمد كريشان:

هل كان مثلا ممكن لباحث في القضايا المستقبلية أن يتنبأ باجتياح عراقي ما للكويت؟

محمد بريش:

أبدا.. لا.. هو نوع من ادعاء الغيب، المستقبلي لا يدعي الغيب، كل مستقبلي يريد أن يؤرخ لمستقبل قادم هو يكثر من الإطناب، ويحاول أن يضفي العلم على ما يقوله.. لا.. يمكن لبعض التيارات الغالبة أن تقول: إنه من الممكن أن تقع أشياء يعني الخصام مثلا بين جار وجار محتمل، يعني سواء تعلق الأمر بهذا البلد أو ذاك، وأننا لتفريغ هذا الغضب بين الجيران في قوالب أخرى ممكن أن توجد، فدائما المتصور المستقبلي يضع أمامه بعض العوائق السياسية، منها أنه بعض الأطراف التي ترغب في تحقيق مصالحها قد تغذي الخلافات الثنائية بين بلدين أو مجموعة من البلدان وبلد، لكن بناء على ذلك هو يخطط كيف يمكن أن يفرغ هذه المستقبلات المتوحشة المفزعة؟ كيف يفرغها من طاقتها لكي يتولد عنها مستقبل آخر؟ وكيف يتم تجاوزها؟ وهنا يحتاج إلى فكر أهداف بدل فكر قوالب، أما أنه... لا أحد كان يمكن أن يتنبأ بسقوط الاتحاد السوفيتي، لا أحد كان يمكن أن يتنبأ بحادثة الكويت، ولا حتى الثورة الإيرانية، لكن هذه الأحداث تتم معالجتها واحتواؤها وتجاوزها، وتوظيف العناصر الجيدة منها من طرف من يعرف التشخيص، ومن يعرف التمكن من عجلة التاريخ ليقودها إلى المستقبلات التي هو ينشدها.

محمد كريشان:

يعني في البلاد العربية.. ما هي الجهة المخولة أكثر من غيرها أن يكون لها هذا الاهتمام الخاص بالدراسات المستقبلية؟ هل هي فقط الحكومات؟ الأحزاب مثلما أشرت قبل قليل؟ ما هي الجهة التي يفترض أن تكون الأكثر حماسة؟

محمد بريش:

أنا أرى على أنه أولا: نحن نحتاج على مستوى التنظير إلى صياغة فن مستقبلي له نوع من الاستجابة لخصوصياتنا ولواقعنا، فأول ما ينبغي أن يهتم بالدراسات المستقبلية هي المؤسسات الجامعية والمؤسسات العلمية، وأن يكون لدينا محللون على مستوى القدرة والكفاءة، بحيث يقدمون نوع من التصور المرغوب فيه، والممكن تسويقه إلى رجال القرار، وهذا يحتاج إلى حرية، ويحتاج إلى نقد، ويحتاج إلى إبداع، فالمجتمعات المكبوتة لا تستطيع لأنه فيها عادة ما تستعمل سد الذرائع السياسية الفقهية الفكرية، وتضخم نوع من المستقبل المخيف في وجه الطموحات والأحلام والتفكير بأنه من الممكن صياغة مستقبل، مثلا اليابان حينما بدأ يقوم ببعض الدراسات، وبدأت كتابات من نوع أن اليابان يستطيع قول لا، بدأ التخطيط لمستقبل يرى فيه اليابان أنه مستقل عن الهيمنة الأمريكية، ويمكن أن يصوغ مستقبلاته بشكل يضمن على الأقل نوع من الرضا لدى الشعب، طبعا الولايات المتحدة تحركت، لأن الصراع صراع مستقبلي، كذلك، كل يريد أن يحقق أمانيه، ويحقق طموحاته، وإذا لم يكن لديك نظام للمراجعة، ونظام للتعبئة لا تستطيع أن تكون من الفاعلين المستقبليين، ولهذا كانت الدراسات المستقبلية لصيقة بالدراسات الاستراتيجية، لأنه الدراسات الاستراتيجية ما هي؟ هي نوع من التخطيط، لكن في داخله له تلك القابلية بأن يعاود الطرح، ويعاود الترتيب إذا ما حصلت الهزيمة أو لم يحصل على الأهداف المتوخاة.. فإذن هنا يكون التفاعل ديناميكيا، وتكون المشاهد المستقبلية موضوعة أنك إذا لم تستطيع أن تحقق مشهدا محدد سلفا فعلى الأقل أن تحقق نوع من التمكن من أن تعود لذلك المستقبل المراد بعد فترة زمنية.. فعالمنا العربي ما زال في مؤسساته الجامعية، في مؤسساته صاحبة استصدار القرار لا يعتمد على التحاليل، ولهذا كلما يرتبط بالدراسات المستقبلية تجده ضعيفا، سواء في التحليل الاجتماعي، سواء في التمكن من معطيات حديثة، فأنت لو بحثت حتى على المعطيات الديموغرافية، تجدها يعني تنتمي إلى فترة تجاوزت 10 سنوات، وكل ما يمكن أن تحصل عليه هو نوع من التقريب والتغليب لإحصائيات سابقة، فتجد نفسك يعني أنك حينما تريد أن تدرس المستقبل لمنطقة ما أو لموضوع ما تفتقر إلى المادة، بيد أنك لو أردت أن تدرس مستقبل جهات متقدمة حضاريا تجد المادة الخام حديثة ومتوفرة بأشكال متعددة.

محمد كريشان:

لكن من يحاسب الباحث في القضايا المستقبلية، بإمكانكم مثلا أو بإمكان غيركم من الباحثين أن يقدم تصور معين حول -لنقل مثلا- مستقبل المغرب في علاقاته مع الاتحاد الأوروبي؟ أو مستقبل اتحاد دول المغرب العربي؟ أو مستقبل الخليج العرب بعد النفط؟ ولكن ربما هذه الدراسات ستنسى في خضم الأحداث، من هي الجهة التي مخولة حتى ولو أدبيا أن تعود لهذا الباحث وتقول له أنت أخطأت في هذا المؤشر، أو في هذا المؤشر؟

محمد بريش:

يعني أن يحاسب المستقبلي فلا أرى يعني ضرورة لذلك، لأن المستقبلي مثل الطبيب، فحينما يقوم بتشخيص مرض معين فهو يقدم وصفه للعلاج الفوري، أما كون ذلك المريض يتفاقم مرضه بعد ذلك أو يتوفى فما أظن أن هذا يفيد المستقبلي في شيء ولا أنه يفيد من يريد أن يحاسبه، إذا قلت لرجل إنك إذا ألقيت نفسك من علو شاهق ستموت.. فإذا ما سقط من ذلك العلو ومات أو انكسرت عظامه فلا تحتاج إلى أن تعطيه درسا في المستقبل ولا أنك مسؤول عن كونه ألقى بنفسه من علو شاهق، الدارس المستقبلي هو يدرس التيارات، ويكون عادة لصيقا بصاحب القرار، فيعطيه الاستشارة الضرورية في ذلك الظرف وذلك الوقت، أما كوني أنا أقول: إن مآلاتنا ستؤول إلى تعاسة، وندخل إلى تلك التعاسة من بابها الواسع، فلا أنا أستطيع أن أشيد بنفسي بأني كنت من خير المتنبئين، وهذا ليس فيه فائدة، ولا الآخر هو ممكن أن يحاسبني على أنني.. افرض أنني أخطأت افرض أنني قلت: إني أخطأت، المهم في الدراسات المستقبلية هو..، ولهذا تسمى (مستقبلات بديلة) وسماها الفرنسيون (Future possible) أو مستقبلات ممكنة..

محمد كريشان:

ليست أكيدة بالمعنى القاطع.

محمد بريش:

هو الأفضل للمستقبلي أن يكون مخطئا في بعض القضايا التي يضخمها، لكنه يمد صاحب القرار بنوع من الطمأنينة للقرارات التي يريدها، ويعطي نوع من الطمأنينة للمستثمر في أنه لا تضيع أمواله، والنظام المستقبلي هو إذا لم يكن فيه عملية المراجعة والمعاودة للطرح بناء على تغير وبناء على تقلبات فلا يمكن، يعني الجالس في مقعده يخطط لغد ويقول: إنه في العشر سنوات القادمة سيقع وسيقع وسيقع، يعني هذا نوع من الطرح الذي لا يفيد في المجال العلمي، ولهذا مثلا عديد من رؤانا التاريخية والفكرية مغلوطة، كثير من الأشياء مثلا بنيناها على وجود هيمنة أمريكية، على وجود هيمنة صهيونية، المستقبلي يمكنه أن يتصور بأن الولايات المتحدة غير موجودة إطلاقا، وإسرائيل ليست موجودة، ثم يكتشف على أنه العالم العربي لا يتحرك، ولا يمكن أن يتقدم بزوال هذين العنصرين أو المشجبين اللذان نعلق عليهما كثيرا من الأشياء، الرجل المستقبلي ممكن أن يذهب إلى التاريخ عندما يريد أن يستخلص مثلا -ولو على الصعيد الفقهي- أن يستخلص من نص ما قضية معينة فيمكن أن يتصور أن صاحب المذهب أو صاحب الفكر لم يكن موجودا ثم بعد ذلك يتصور ماذا يغيب بعدم وجود هذه الشخصية أو هذا المذهب أو هذا التيار؟ فتتضح له الخريطة الفكرية لهذا التيار، وما هي الأشياء التي نقصت؟ وما هي الأشياء التي كان يمكن أن يستدركها الإنسان بجهده وبعلمه بعد ذلك التاريخ لو لم توجد تلك الشخصية أو ذلك التيار، وهناك فعلا يصبح بالإمكان أن تدرس ما هي الأشياء الديناميكية بين مختلف العناصر الفاعلة؟

وهذا التمرين وحده كاف لكي يعطي لصاحب القرار نوع من التصور الذي يسمح له بالمغامرة، لأن صاحب القرار يحتاج إلى مجال للمغامرة، لأنه إذا أراد أن يأخذ كامل الثقة في أن قراره سينفذ كما يريد فهذا نوع من البلادة السياسية أو نوع من الأشياء التي لا يمكن أن تكون في مجال اتخاذ القرار، وفى نفس الوقت لا يمكن أن يظن على أنه قرار بمجرد ما سيخرج من يده سيصبح في إمكانه أن يرده.. لا.. سيصبح عديد من العناصر تتفاعل معه، عديد من الأشياء تتجاوب إما رفضا أو قبولا، فالدارس المستقبلي هو يقدم انطلاقا من واقع، من تشخيص من رغبات، من طموحات، من وسائل معينة، من دراسة للتيارات الغالبة إلى إعطاء نوع من الطمأنة، ونوع من التحديد، ونوع من التشخيص للغد، وليس تأريخا لأحداث الغد كيف ستكون، وكيف ستقع.

محمد كريشان:

يعني إذا أردنا أن نشخص الغد، ونعطي بعض المؤشرات سواء كانت مطمئنة أو مخيفة بالنسبة للبلاد العربية، مستقبل البلاد العربية، هل يمكن أن نسمح لأنفسنا بمثل هذا التعميم؟ هل هناك مؤشرات تعني كل الدول العربية؟ أم من الأفضل علميا أن يكون هناك تبويب وتقسيم للبلاد العربية؟ مثلا دول الخليج غير دول المغرب العربي غير دول الاحتكاك بإسرائيل؟

محمد بريش:

لا.. هو المحضن التاريخي يدفع إلى أن تُرى هذه الدول على أن لها الأرضية تشترك في التاريخ، تشترك في اللغة، تشترك في عديد من القضايا، لكن حينما تبدأ بعض العناصر الفاعلة الأخرى لا يمكن أن تقارن دول ذات الدخل المعتمد على النفط فقط مع دول فلاحية أو دول تفتقر لأدنى مقومات الاقتصاد المحلي، فأنت بالضرورة لا بد.. يعني حتى مشروع دراسات الوحدة العربية يعني قسّم العالم العربي إلى مغرب ومشرق وخليج، لكن في جانب المغرب العربي (موريتانيا) لم تحظ باهتمام كبير لافتقارها للمعطيات، ولافتقارها للخبير بالمنطقة، فأنت حتى يعني دراساتك المستقبلية لا بد أن يشوبها شيء من النقص، وإذا لم يتلها بعد سنوات قليلة مشروع آخر يعالجها، يقويها، ينميها.. فستكون مثل الدواء الذي تقتنيه مرة ثم يتجاوزه الزمن، فحظه أنه يسجل في التاريخ أنه أنجز، وأدبيات يمكن أن يرجع إليها، ويمكن أن تفيد باحثا مستقبليا قادما، أو تعطي نوعا من الرؤيا لاهتمامات الناس.

لكن إذا لم يكن هناك معالجة مستمرة لهذا الموضوع لا يمكن أن يخدم صاحب القرار، ولا يمكن أن يخدم حركة التغيير، الذي يقود قاطرة الركب الحضاري هو الذي يعرف الحاجة إلى الدراسات المستقبلية، هو الذي يحتاج إلى تلك الإضاءة من بعيد، وذلك الاستشراف من بعيد، حتى لا يفاجأ بالقرار وهو عن بعد، هذا الذي يقود -فعلا- يحتاج إلى النظر الواسع وإلى الضوء اللامع، أما الراقد في القطر [القطار] الحضاري المقاد فهذا لا شأن له بالدراسات المستقبلية ولا هي تهمه في شيء.

محمد كريشان:

سيد بريش، من بين الدراسات التي أشرفتم عليها دراسات للاتحاد الأوروبي حول المنطقة والعلاقة مع المغرب العربي... إلى آخره، هل هناك بعض المفارقة أن تكون أطراف أجنبية أكثر حرص على متابعة مستقبل المنطقة من بين الأطراف العربية الأخرى؟ يعني هل هناك فعلا هذا الاهتمام الغربي بمستقبلنا أكثر من اهتمامنا نحن كعرب بهذا المستقبل؟

محمد بريش:

هذه الدراسة التي أجريت لصالح المجموعة الأوروبية كان الدكتور والأستاذ (أبو سليمة المهدي المنجرة) -حفظه الله- هو الدافع لها، وكانت هناك مجموعة من الخبراء بما فيهم الأستاذ (إسماعيل صبري عبد الله) وأخونا (إبراهيم سعد الدين) وغيرهم و(خير الدين حسين) كانت هذه المجموعة تود أنه يكون هناك تمويل لدراسات مستقبلية للعالم العربي، وكان الاتفاق على أن تمول السوق الأوروبية جانبا، ونحن نجري نظريا الدراسات المستقبلية كما نحب ونريد، فكان طبعا أن نستجيب لبعض متطلبات هذه الجهة، وفى نفس الوقت أن نجري دراسة تفيد الباحث المستقبلي، وتفيد جمهوره، طبعا الملاحظ وهو أنه الراغب في امتلاك السوق، الراغب في تسويق أفكاره، الراغب في تسويق سلعه، يكون سباقا للدراسة المستقبلية لو أن مثلا عالمنا العربي أراد أن يوطد علاقاته مع إفريقيا لا بد أن يدرس الأوضاع في إفريقيا، لا بد أن يدرس تشخيص هذه الأوضاع، لا بد أن يقسمها إلى جهات، ممكن أن يستخلص نوع من المستقبلات الموحدة أو المتقاربة لها، لكن كونه يعني منغلق على ذاته، يواجه ويتفاعل بنظام الكوارث الذي ذكرنا، وغائب عنه نظام العمل بالأهداف فهو طبعا يكون مادة للدراسة بدل أن يكون هو الدارس للجهات الأخرى، فشيء طبيعي أن تهتم الولايات المتحدة بمستقبلات عالمنا العربي، أن تهتم كذلك الجهات الأوروبية بكيفية منافسة الولايات المتحدة على هذه المنطقة، وما هي الأماكن التي بدونها لا تستطيع هي أن تستمر، لأنه القضية في التعامل على الصعيد الدولي هو تدافع بين الحضارات وبين الدول.. كل يريد أن يحقق نوع من المستقبلات التي يرى فيها الضمان للبقاء، وبدونها يرى نفسه معرضا للهلاك أو الانزواء، فإذا ما أصبحت جهاتنا العربية تحس بأن من عوامل البقاء الاهتمام بمستقبلاتها.. تحريك مختلف آلياتها الفكرية والجامعية والعلمية حينذاك سيكون نوع من الاهتمام الذاتي بالمستقبل وبالدراسات المستقبلية، ستجد فعلا أنه لا يتحرك أحد إلا ولديه جهاز ونظام للبحث المستقبلي ومؤتمرات بدل أن تكون حول قضايا ليس من ورائها طائل، ستكون يعني مؤتمرات محددة العدد، محددة التكاليف ينكب فريق من الخبراء حول دراسة قضايا يمدون بها أصحاب القرار وأصحاب المعالجة، سواء تعلق الأمر بالاقتصاد، أو تعلق الأمر بالسياسة، أو تعلق الأمر بالحياة الثقافية أو التربوية أو غيرها، فنحن كثيرا ما تجد مثلا، أنا أرى أن الوزير في عالمنا العربي يعيش عنتا وتعبا، كونه مثلا يلج الوزارة، ويجد أنه عديد من القضايا يريد أن يتخذ فيها قرارا يفتقر فيها إلى الدراسات، الدراسات المستقبلية خاصة، لأنه يريد أن يتخذ قرارا يغير به واقعا، فهو يريد على الأقل أن ينظر ما هي القرارات التي يمكن أن تصيب، وما هي الأشياء التي فعلا تتجاوب مع الواقع الحالي، وما هي العوامل الفاعلة فيه التي يمكن أن تؤدي به إلى طور آخر يمكن معالجته لأنه قد يستعصي على المعالجة في شكل معين، ثم يمكن معالجته أو على الأقل تجزئته إلى ميادين، هذه كلها أنا أرى أن صاحب القرار أو المسؤول العربي يعني في عنت وفي ضنك من العيش ومن التدبير بغياب هذه الدراسات وبغياب الخبراء المتمكنين بمختلف التخصصات الذين يمكن أن يمدوه، حتى أجهزتنا الإدارية في عالمنا العربي، ولو تعلق الأمر بمؤسسات تعنى بالمستقبل مثل المؤسسات التي تعنى بالثقافة والفكر والعلم وصياغة التخطيط وغيره، تجدها يعني تفتقر إلى الخبراء، تجدها يعني تفتقر إلى النظرية، إلى المنهجية في معالجة هذه القضايا، وتجد عندها هرم وظيفي يبدأ من الرئيس وينتهي بأصغر المرؤوسين، يحاول أن يزكي ويطنب في الإشادة بما تقوم به هذه الجهات من أعمال، تجد مثلا مؤسسات عندنا عربية تهتم بمجلس وزراء الخارجية وبمجلس من يمولها أكثر مما تهتم بالخبراء الذين يمدونها بالمادة العلمية الضرورية لكي تنجز ما أنجزت، نفس الشيء قد تجد مؤسسة للنفط الجهاز الإداري فيها أهم وأكبر من المهتمين والمتخصصين في النفط تجد جهاز كبير يهتم بالفوسفات.. الإدارة فيه أهم من الذين يعني يهتمون بهذه المادة، فالجانب الإداري بالشكل الهرمي الموجود يطغى حتى على صاحب التخصص الذي من أجله قامت هذه المؤسسات، فهذا -فعلا- مربك ومعطل للعمل المستقبلي، ويجعل التصور المستقبلي دائما يوجد بأيدي آخرين بدل أن يكون موجودا بأيدي الفاعلين، نفس الشيء دمقرطة المجتمع وإشراك الشعب في التصور والرؤى وصياغة المراد هذه هي الضرورية والأساسية، وهذا يحتاج كما قلت إلى حرية ونقد وإبداع حتى يمكن للمجتمع ككل أن يلزم سواء المحلل أو الخبير أو صاحب القرار يلزمه على الأقل بالاستجابة لتلك الرؤى والنظريات، مثلا السوق الأوروبية التي ذكرت، واهتمامها بالعالم العربي، هي تقوم على حلم بعدما عاشت مصيرا واحدا في مستقبل ماض هو الحرب، فهي على الأقل تقول: إنه بتجنب الحرب لا بد من الوحدة، هذه الوحدة لا تنتهي لأنه في كل مرة ينضم إلى هذه المجموعة دول، لكن بدون هذا الحلم، بدون الإيمان بإمكانياته لا مجال إلا للحرب، فشبح الحرب ومصير التفتت هو الذي يدفع إلى التمسك بالوحدة، ويدفع إلى مستقبل آخر، عملية ترغيب وترهيب، ترهيب من ذلك المستقبل الذي عشنا إحدى فصوله السابقة بالترغيب في مستقبل ليس فيه من أثر ولا من عوامل تدفع لذلك المستقبل الثالث، فهذا فعلا يدفع رجال القرار إلى أن يهتموا، والدول الأوروبية ترى على أنه هي كمجموعة يمكن أن تستهلك ما تستهلك، لكن تحتاج في إطار العمل الدولي إلى نوع من المواقع، ولهذا كان اهتمامها بالعالم العربي، وإجراء دراسات مستقبلية حتى يمكن أن تستفيد وتقدم على المغامرة أو مجازفة فيها نوع من اليقين أو حظ من اليقين للحصول على مصالح ومكاسب.

محمد كريشان:

ويبدو أيضا أنها في كل منطقة تركز على قضية محورية، مثلا لا يمكن القيام بدراسات حول مستقبل دول الخليج العربية دون أن يكون النفط هو المحور الرئيسي، بالنسبة لدول المشرق قضية السلام مع إسرائيل والتسوية، بالنسبة للمغرب العربي قضية العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، وأحيانا قضية الأصولية والحركات الإسلامية في المغرب العربي.. يعني ما هي برأيك أبرز النقاط غير التقليدية (إن شئنا) بين قوسين التي لا بد لكل باحث في القضايا المستقبلية في الدول العربية أن يسلط عليها الضوء أكثر من غيرها؟

محمد بريش:

هو الباحث المستقبلي حينما يقوم بالتشخيص يظهر له عدد من العوامل الفاعلة، وهذه العوامل الفاعلة منها عوامل قاتلة يعني هو لا بد أن يعرف من يصنع القرار؟ كيف يصنع القرار؟ من الأشياء التي قام بها مشروع المستقبلات العربية البديلة؟ كيف يصنع القرار في الوطن العربي؟ واعتمادا على قرار تأميم قناة السويس مثلا كأحد القرارات التي كان فيها نوع من الاستقلال العربي، يعني كيف يصنع القرار العربي؟ كيف يتم تمرير هذه القرارات؟ كيف تتجاوب الشعوب مع هذه القرارات؟ من يقوم بتغذية الآليات الفكرية؟ هذه كلها حينما يدرسها الباحث المستقبلي يجد أنها تختلف من مكان إلى مكان، في الخليج العربي تجد أن النفط حاضر، حاضر على الصعيد السياسي، حاضر على الصعيد الثقافي، حاضر كمورد من الموارد بدونه مستقبلات أخرى تنشأ، ولا بد من التفكير فيها كذلك، ومن هنا جاءت دراسات حول انتهاء أو نضوب حقول الغاز، وحقول البترول، فطبعا الذي لا يدرس هذه الإمكانيات، ولا يهتم بهذه العوامل يصعب عليه أن يعرف كيف يصوغ المستقبلات، فمن منطقة إلى منطقة تجد أن العوامل الفاعلة تختلف، لكن هناك عوامل مشتركة، نحن مثلا في السلطة وعلاقاتها مع الشعب كادت البلدان العربية أن تتشابه، إعمالها للديمقراطية، فتحها للحريات، تعاملها بحرية مع الآخرين، ومع الأفكار، السماح بانتقاد الحكام، هذا كله تجده في متابعة الصحافة، في متابعة الأندية الفكرية، في متابعة المواضيع التي تأتي في خطب الساسة والقادة ورؤساء الأحزاب والهيئات والمنظمات ذات الفعل السياسي، تجد كذلك وجود البنية الاقتصادية، فما زلنا مثلا: لو بعت بضاعة في تونس، وأردت أن تستخلص مالها من المغرب تحتاج إلى المرور بقنوات بنكية غير العربية، وهذا يدل على أنه الشبكة الاقتصادية غير متوفرة بشكل يسمح -فعلا- بنوع من الوحدة أو بنوع من المستقبل المشترك، مع أننا نعيش قضايا مصيرية مشتركة، والأليق بنا والأحسن بنا أن يكون لدينا نوع من التنسيق.. فالدول الأوروبية حينما بدأت تهتم بمستقبلها ومستقبل محيطها عرفت ما هي الأشياء التي يمكن أن يكون.. يعني أنت حينما تقوم بالتشخيص وبصياغة المستقبلات الممكنة تعرف ما هي الأولويات.

محمد كريشان:

سيد محمد بريش.. شكرا جزيلا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة