مصطفى الفقي .. سياسة مصر الخارجية تجاه عملية السلام   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 5:42 (مكة المكرمة)، 2:42 (غرينتش)

مقدم الحلقة

حسين عبد الغني

ضيف الحلقة

مصطفى الفقي: وكيل لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب المصري

تاريخ الحلقة

21/02/2001

مصطفى الفقي
حسين عبد الغني
حسين عبد الغني:
لقاؤنا اليوم مع الدكتور مصطفى الفقي (وكيل لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان المصري)، وأحد المطلعين في مصر على دقائق المفاوضات مع إسرائيل وعلى حقائق موقف السياسة الخارجية المصرية من عملية السلام ومن العلاقة مع العالم العربي.
دكتور مصطفى الفقي.. أهلاً بك في هذا اللقاء مع قناة الجزيرة، ما هو الخطر
-دكتور مصطفى- الذي يمثله وصول (أرييل شارون) إلى السلطة في إسرائيل على الاستقرار في المنطقة، هل نتحدث عن خطر يتعلق بقتل عملية السلام، أم أننا نتجاوز ذلك للحديث عن خطر باندلاع حرب مرة أخرى في الشرق الأوسط؟

د. مصطفى الفقي:
طبعاً لا يجادل أحد في إن وصول شارون إلى موقع رئيس الوزراء في إسرائيل هو نبأ غير سار للعملية السلمية عموماً، ولكن لا يجب أن نقف عند هذه الحدود، أنا في رأيي إن وصول أرييل شارون إلى هذا الموقع هو تعرية حقيقية للأوضاع في إسرائيل، أنا أحب أن تحمل الأمور مسمياتها الحقيقية، أرييل شارون هو التعيبر الحقيقي عن إسرائيل حالياً بغير أقنعة أو رتوش، إن وصول رجل مثل (بيريز) مثلاً، لو كان هذا قد حدث فرضاً، فإنه كان سوف يمثل واجهة ليست دقيقة التعبير عن الشخصية الإسرائيلية في هذه المرحلة.
أرييل شارون انتخب انتخاباً حراً من أغلبية إسرائيلية ترى فيه الرجل المناسب لإدارة الصراع الإسرائيلي العربي في هذه المرحلة هذه رسالة موجهة إلى العالم، وإلى العرب وإلى الفلسطينيين، يجب أن نعيها جيداً وأن نتعامل معها شارون بتاريخه الطويل، وممارساته المعروفة شخص يحب التعامل معه بأسلوب يتوقف على الخطوات التي سوف يتخذها بعيداً عن تاريخه، إنما إذا مضى على نفس سياق تاريخه، فإنني أتوقع أن الأمور سوف تمضي ضد عملية السلام، وضد مصلحة المنطقة ككل.

حسين عبد الغني:
إذن أنت يا دكتور مصطفى ترى منطقاً لمن يرون أن غضبة العرب على شارون مرتبطة بتاريخه الأسود، الملطخ بالدماء، من أول مجازر الهجاناه، حتى (صبرا وشاتيلا) ولكن في السلطة ربما يكون الزعيم القوي الذي يصنع سلاماً مع الفلسطينيين، كما فعل مناحم بيجين مع السادات عام 79؟

د. مصطفى الفقي:
هناك نظرية ترى أن التفاوض مع المتشدد دائماً أفضل من التفاوض مع المعتدل، على اعتبار أن المتشدد بيجيب لك من الآخر، وحين تصل معه إلى اتفاق، فجهودك مش محتاجة إلى التكرار، أنت تأخذ القرار النهائي لأقصى التطرف الإسرائيلي، ولكن طبعاً يرد على هذا إن صانع السلام يجب أن يكون رجل صاحب رؤية واسعة، وهذا ما لا يبدو حتى الآن من تاريخ شارون، لأنه رؤيته دائماً كانت قصيرة المدى تقوم على عملية القهر والتخويف والإرهاب والقيام بعمليات ضد الشرعية وضد القانون، وبالتالي المسألة تتوقف على الخطوات القادمة لشارون، وإن لم أكن متفائلاً بدرجة كبيرة ولكني أيضاً ضد الاستغراق في التشاؤم لا يجب أن نستقبل شارون بطريقة مماثلة لتلك التي استقبلنا بها نتنياهو منذ 4 ، 5 سنوات.

حسين عبد الغني:
يعني ألا ترى أننا نشبه الأيتام على مائدة اللئام؟ يبدو أن هناك نوع من أنواع التبادل البندولي في الحكومات الإسرائيلية، حكومة الليكود، ثم حكومة العمل، يأتي نتنياهو فيقتل عملية السلام ثم يأتي باراك ولا يفعل شيئاً، يأتي شارون وفي الوقت هذا تضيع الحقوق العربية، ويتم تكريس الأمر الواقع، وبالتالي تصبح استعادة -مثلاً- القدس مسألة غاية في الصعوبة؟

د. مصطفى الفقي:
يجب فهم العقلية الإسرائيلية وعملية توزيع الأدوار التاريخية التي برع فيها الإسرائيليون، أنا لا أعتقد أنه يوجد في الإسرائيليين من هو يميل إلى جانب العرب أو يقف ضدهم، كلهم يقفون في مربع واحد بدرجات مختلفة، منهم من يبدي هذا صراحة، ومنهم من يبديه بشكل غير مباشر ولكن برع الإسرائيليون في توظيف عملية توزيع الأدوار لخدمة سياستهم الخارجية، وأيضاً برعوا في توظيف الديمقراطية الإسرائيلية لخدمة أهدافهم طويلة المدى.
ونحن على الجانب الآخر لم ننجح في شيء من هذا، يجب أن نعترف بذلك، بالعكس عندنا دائماً المتشدد يخوِّن المعتدل، والمعتدل لا يريد أن يتعامل مع المتشدد، بينما قضية توزيع الأدوار في كل تاريخ المشكلات الدولية هامة في عملية التفاوض، ولذلك فأنا لا أريد أن أقول أننا مثل الأيتام على مائدة اللئام، ولكن نحن في وضع صعب، وهذا أمر طبيعي، لأنه حين تصل إلى المراحل النهائية في أي تسوية معقدة لمشكلة كبرى استمرت لأكثر من نصف قرن في مواجهة حادة زي الصراع العربي -الإسرائيلي عليك أن تتصور ذلك.

حسين عبد الغني:
يعني ألا تخشى يا دكتور مصطفى أن يقوم هذا الرجل المنفلت المتطرف بتصعيد الأمور إلى حد شن حرب حقيقية ونقل المنطقة بأكملها إلى مربع المواجهة، هذا الرجل يتحدث لأول مرة منذ معاهدة السلام مع مصر عن ضرب السد العالي، هذا خطر حقيقي يجب أن تستعد له المنطقة ويستعد له المصريون.

د. مصطفى الفقي:
هذه تلويحات وعنتريات إسرائيلية معروفة، مصر والعرب الآن ليسوا مصر وعرب 67، ليست الأمور بهذه السهولة، مسألة المواجهة الشاملة في المنطقة، أو الحرب العسكرية النظامية أنا شخصياً أستبعدها، لسبب بسيط وهو أنه: ليس من صالح أي طرف الدخول في هذه المرحلة.

حسين عبد الغني:
مرة أخرى أسألك ألا يمكن أن يقوم هذا المنفلت صاحب مقامرة أو مغامرة لبنان بشن حرب على البنية التحتية لحزب الله أن يتحول إلى السوريين ويشن حرباً عليهم، وإذا كان هذا الحال فلماذا تبدو وكأنك مطمئن بأن هذا الرجل، رجل صبرا وشاتيلا لن يحول المنطقة إلى خط نار ومواجهة؟

د. مصطفى الفقي:
ليس هناك أي اطمئنان، لأنه لا يوجد ضمان لرجل مثل شارون، ومع ذلك فإن ردود الفعل سوف تكون قادرة على إعادته إلى حيث كان، الأمور ليست بهذه السهولة.

حسين عبد الغني:
يعني في هذا الصدد هل تتحدث عن ردود الفعل العربية أم عن ردود الفعل الأميركية التي يمكن أن تشكل كابحاً لسلوك شارون المتطرف؟

د. مصطفى الفقي:
لا نحن -لسوء الحظ- بصدد إدارة أميركية جديدة، وهذا يعطي شارون مساحة للحركة في الشهور القادمة، دون أن يجد منظومة منضبطة للتعامل في المنطقة، لأنه على ما يبدو الإدارة الأميركية لم تقرر بعد شكل السياسة التي سوف تتخذها في المنطقة، وعلى ما يبدو أنها تفكر في سياسة تقوم على قضية PACKAGE صفقة كاملة يدخل فيها الأوضاع في العراق والخليج مع الصراع العربي الإسرائيلي، لأنها إدارة لها عناية تاريخية بالأوضاع في العراق والمواجهة المعروفة في سنة 90، 91، وبالتالي ليست الضغوط الأميركية هي التي سوف توقف شارون، ولكن قدرة العرب على التقدم إيجابياً بمحاصرة إسرائيل بسياسة السلام وأيضاً بشكل تبدو فيه نغمة الحسم العربي وعودة وحدة الصف العربي، وأنا أرى إن عام 2000 حقق نجاحات كبيرة على هذا الطريق، وحدة الصف العربي ودورية القمة أصبحت رسالة لكل الأطراف وأولها إسرائيل أن العرب قادرون على التحرك جماعياً عند اللزوم، وهذه مسألة هامة جداً في مواجهة إسرائيل في هذه الظروف.

حسين عبد الغني:
في حديثك تقول لي كلام عن محاصرة العرب لإسرائيل بسياسة السلام، مع أن الحديث عن الحرب يأتي دائماً من الجانب الإسرائيلي، شارون هو الذي يتحدث عن ضرب السد العالي، رغم أن هناك أعلام وسفارات مفتوحة لإسرائيل في العالم العربي، السؤال هو: ما هو رد الفعل العربي تجاه إسرائيل الذي قد يردعها من أن تتحدث هذا الحديث؟

د. مصطفى الفقي:
موضوع ضرب السد العالي دي قصة تاريخية مضحكة تكررت من بعض غير المسؤولين وغير الفاهمين في إسرائيل، وأظن دي اللي رددها أحد معاوني شارون، إنما أنا أريد أن أذكرك بأنه التاريخ العربي كله حافل بالقدرة على المواجهة والتضحية، بدليل إن القضية لازالت حية، هل نجحت إسرائيل في تحقيق كل أهدافها؟ أنا أدعى أن هذا لم يحدث، ليست مسألة ابتلاع الأرض وقتياً، والأوضاع التي تراها الآن هي بالضرورة نجاح واستقرار لدولة آمنة نسميها دولة إسرائيل، إسرائيل لازالت (جيتو) في المنطقة، وضربت منطق التعايش مع الشعوب العربية، وحتى إمكانيات التعاون الإقليمي الذي كان يتحدثون عنه، إسرائيل هي التي تراجعت إلى الوراء في عملية عكسية لمصلحتها على ما أرى، لكن هذه.. هذا هو الفكر الانتحاري في تاريخ الشخصية اليهودية.

حسين عبد الغني:
يعني ألا تعتقد أن العملية التي بدأت بذهاب الرئيس السادات إلى القدس، ومروراً بأوسلو ووادي عربة قد انتهت وأننا قد نشهد مرحلة من أنواع المواجهة، مرحلة من أنواع الحروب الصغيرة أو الانتقامية من إسرائيل، وفي المقابل عمليات جهادية أو فدائية من الفلسطينيين أو بعض الجماعات الفلسطينية.

د. مصطفى الفقي:
لا أستطيع أن أذهب إلى المدى الذي يقول أن عملية السلام انتهت أو إنها ضربت أو إن المسيرة توقفت تماماً، إنما هي تعاني ضربات قوية؟ مسيرة السلام من الجانب الإسرائيلي، أنا أتصور أحياناً إن بداية من مظاهرة شارون التي كانت السبب المباشر وليست السبب الوحيد، السبب الوحيد كانت مجموعة الإحباطات المتتالية التي شعر بها الفلسطينيون من جراء تنصل إسرائيل عن تنفيذ ما التزمت به.
ومراوغتها في المفاوضات، وفشل كامب ديفيد2، كامب ديفيد2، إنما مظاهرته الاستعراضية كانت الحدث أو التوقيت المباشر لبداية انتفاضة الأقصى، أنا أزعم أن هذا الحدث كان مدبراً، وكان شارون والتطرف واليمين والاتجاهات الدينية يرون أن إسرائيل تمضي بسرعة نحو تسوية نهائية، وهم يعتقدون أن عامل الزمن يعطيهم وأن عامل الزمن يأخذ من العرب، ولذلك أنا أعتقد أن إسرائيل أرجأت قرار التسوية النهائية ربما لشهور قد تصل إلى سنوات، لأنهم رأوا أنهم سوف يعطون بشكل متعجل وإن لم يكن هذا كافياً للحد الأدنى من المطالب العربية إنما من وجهة نظر إسرائيل أن هذا الجزء الذي سوف يعطى لا توجد موافقة إجماعية عليه في الرأي العام الإسرائيلي وفي الأحزاب والقيادات الحاكمة، ولذلك أنا أعتقد إن اللي حصل دلوقتي تعطيل للمسيرة.

حسين عبد الغني:
يعني ألا تشعر بالقلق من أن كل ما تقوله ربما يصب فيما يردده البعض من أن السياسة الخارجية المصرية تحاول دائماً الإيحاء بأن العملية السلمية مستمرة، وأن العملية السلمية لم تمت، وإنها ربما -كما يقول البعض- لا تفعل ذلك سوى للضغط على الفلسطينيين لمجاراة الشروط الإسرائيلية والأميركية؟

د. مصطفى الفقي:
ليست هذا صحيحاً على الإطلاق، بالعكس لا تمارس مصر دبلوماسيةً وحكومةً وقيادة أدنى ضغط على الفلسطينيين، العكس صحيح، نحن نقوم بإيضاح الأمور بدليل أننا كنا محل انتقاد الإدارة الأميركية في مرحلة معينة، كان مطلوباً منا أن نوظف الدور المصري لخدمة الموقف الأميركي في كامب ديفيد2، ولم يحدث هذا، ولعلك متذكر الرسالة الغاضبة التي كتبها (توماس فريد مان) للرئيس مبارك، الصورة اليست هكذا أبداً، يعني أنا برضو ضد عملية التقسيم، عملية الـ CLASSIFICATION مش صحيح.

حسين عبد الغني:
هناك حديث مستمر على أن مصر تتمسك أو تتشبث حتى بهذا الدور، أنها تلعب دوراً في العملية السلمية من أجل الحفاظ على وضعها بأنها لاعب إقليمي حتى تستطيع أن تكون مستحقة للمعونات الأميركية السخية باستمرار.

د. مصطفى الفقي:
أن الدور المصري لا يتوقف على الصراع العربي الإسرائيلي وحده، الدور المصري بدأ قبل الصراع العربي الإسرائيلي بارز في قرنين وقبل ذلك، وسوف يستمر، من قال أن الدور المصري بدأ بقيام إسرائيل هي مصر ما كنتش رائدة ومؤثرة ومحورية في العشرينات والثلاثينات؟!! دا هذا القول يقصد به عزل مصر عن أمتها العربية.

حسين عبد الغني:
يعني دكتور مصطفى أحياناً تبدو لنا السياسة الخارجية المصرية وكأنها تخلط بين أن تكون مصر قوة معتدلة في الشرق الأوسط، وبين أن تتصرف لتسويق الأفكار الأميركية.

د. مصطفى الفقي:
ليس هذا صحيحاً، وليست المعونة أبداً ثمناً لدور مصري محوري مركزي في المنطقة، بدليل أن مصر تحتفظ بهامش اختلاف مع الإدارة الأميركية في عدد من القضايا، الصراع العربي الإسرائيلي، في موضوع لوكيربي، في موضوع السودان، في النظرة للعراق، مصر تتمسك بمواقفها ومبادئها كقوة إقليمية ولا تستجيب على الإطلاق بأي شكل من الأشكال لمحاولات جرها إلى مواقف تبتعد بها عن هذه المنطلقات الأساسية، مصر لديها ثوابت، وأراهن من يتحدث عن خروجها على هذه الثوابت، قد تعتمد بعض السياسات التي لا تبدو مفهومة في مرحلة معينة ثم تفهم فيما بعد، قد ترى مصر في مرحلة معينة أن لها أولويات قد لا توافق عليها دول في المنطقة.

حسين عبد الغني:
يعني هل يبدو يا دكتور مصطفى الخطأ أنه أحياناً الدبلوماسية المصرية تسكت عن التصريح أو عن تفسير بعض مواقفها مما يسمح بتأويلات مستمرة ولغط مستمر حول هذا الموقف؟ أم أنه يتعلق بجوهر هذه السياسة فعلاً؟

د. مصطفى الفقي:
أنا هأجيب لك من الآخر وأريحك خد مثال عقد قمة شرم الشيخ قبل القمة العربية وأنا سمعت أصوات عربية كثيرة كانت تتحدث بقلق عن ذلك، ماذا كانت تريد مصر؟ تريد مصر أن تأتي برئيس أكبر دولة في العالم إلى المنطقة، ومعه سكرتير عام الأمم المتحدة وسولانا من الاتحاد الأوروبي، والأردن ومصر وإسرائيل والفلسطينيون طبعاً، تريد أن تعيد الموقف إلى ما كان عليه من أجل التفكير الهادف، ومن أجل إيقاف نزيف الدم على الأرض الفلسطينية، مصر مش عايزة تقايض على الانتفاضة ولا تبيعها، بالعكس، مصر داعمة للانتفاضة الفلسطينية باعتبارها مقاومة للمحتل في أرض محتلة، بكل المعاني، إنما مصر كانت تريد أن تجنب المنطقة نتائج التصعيد، لم تنجح ربما النجاح المطلوب قمة شرم الشيخ، ولكن ماذا كانت أهداف مصر من وراء ذلك؟ أن تتقرب إلى الولايات المتحدة الأميركية؟! هذا غير صحيح.

حسين عبد الغني:
يعني أنت حتى كمواطن عربي هتشعر بالضيق من أن مصر باستمرار تستبعد خيار المواجهة العسكرية، حتى ولو للدفاع عن نفسها أو حتى للتأكيد بأن هذا أحد الخيارات الذي تستحقه أي دولة صاحبة سيادة يمكن أن تمارسه في حالة الضرورة؟

د. مصطفى الفقي:
أظن في الحديث الأخير للرئيس مبارك للتليفزيون الإسرائيلي قال بوضوح: إننا إذا كنا نتحدث عن السلام فإننا -بشكل غير مباشر- مستعدون لكل الاحتمالات التي لا نريدها ولا نتطلع إليها ولا نتمناها، إنما يعني مصر والعرب ليسوا جثة هامدة، مش كده وطول النهار هيقعد يتكلم معانا ويقول لك أنا أروح السد العالي وهأضرب جنوب لبنان وهأعمل غارة على دمشق وهأصفق له، غير صحيح، هذه أمة مستعدة للتضحية، خذ النموذج الفلسطيني، أنا منبهر ببسالة الفلسطينيين، الأطفال اللي بيقتلوا كل يوم والشباب، وإسرائيل بتختار صغار العمر والقيادات، خلاص بتعمل عملية إعدام منتظمة.

حسين عبد الغني:
هل تعتقد أنه عملياً صدرت توجيهات للقوات المسلحة في أن تكون على الأقل مستعدة في حالة تأهب لمواجهة مثل هذا الاحتمال؟

د. مصطفى الفقي:
لا، الذي أستطيع أن أقوله لك أن القوات المسلحة المصري تحتفل.. تحتفظ بكامل لياقتها في وقت السلم لتدافع عن السلم ومكتسباته وليس لها حالة استرخاء، وتضع دائماً في اعتبارها أنها قوة حامية للدولة وللمنطقة عند اللزوم، وهذا ليس أمراً موجهاً لأحد، ولا إشارة لدولة معينة، إنما مصر تعلمت من درس 67 أن القوات المسلحة المصرية يجب أن تكون عند مستوى ومكانة الدولة المصرية، وأعتقد إن الرئيس مبارك بتاريخ العسكري يدرك هذا تماماً وإن كان رجل سلام بالدرجة الأولى.

حسين عبد الغني:
في رأيك هل تكون القمة العربية في الشهر القادم في عَمَّان قمة مواجهة شارون كما كانت قمة القاهرة عام 96 قمة مواجهة لنتنياهو؟

د. مصطفى الفقي:
لا أريد لها ذلك، أريد لها أن تكون قمة مواجهة الموقف، ليس شارون هو المستجد الوحيد على الساحة، تدهور الموقف، التصعيد الإسرائيلي، الانتهاكات المستمرة، واستمرار الانتفاضة العربية، هو دي الأمور اللي جدت في الشهور الأخيرة، إنما يعني شارون جاء، وذهب باراك، ومن قبلهما نتنياهو، هذه رموز معروفة، ويجب أن نعترف من الآن، هذه هي إسرائيل بوجهها الحقيقي تطل علينا والفروق هي في الاساليب فقط، ليس معنى هذا أننا سعداء بوصول شارون إلى موقعه هذا، ولكن كان هذا أمراً متوقعاً وعلينا أن نتعامل معه بما يقدمه في الفترة القادمة.

حسين عبد الغني:
طب أنت تريدها قمة مواجهة الموقف، كيف تكون هذه المواجهة؟ يعني كسياسي واقعي ماذا تريد من هذه القمة أن تفعله في مواجهة متطرف مثل شارون؟

د. مصطفى الفقي:
أن تكون قمة إيجابية وليست قمة ردود فعل، أن يكون فيها زخم من الأفكار، نحن مستعدون لقبول دولة فلسطينية عاصمتها القدس، وأن يمتد الحوار لتـأكيد السيادة الفلسطينية على المقدسات وفي مقدمتها الحرم، نحن نرى أن الأرض التي اغتصبت في 67 تخضع للشرعية الدولية، وليس لمجرد قنوات التفاوض التي تريدها إسرائيل، كلما تقدمت لدعوة المجتمع الدولي وإدخال إسرائيل تحت مظلة الشرعية كلما كان هذا هو الطريق الأوفق للتسوية السلمية وهذا ما لا تريده إسرائيل، إسرائيل عايزة صفقات جانبية ونجحت في هذا في بعض المراحل، يجب أن نعترف.

حسين عبد الغني:
يعني إزاء تطرف الحاكم الذي يقود إسرائيل الآن، أليس من التحركات الإيجابية -التي أشرت إليها- أن يقوم العرب بإنهاء الأزمات المشتعلة في النظام الإقليمي العربي وعلى رأسها الأزمات المتبقية منذ حرب الخليج الثانية؟

د. مصطفى الفقي:
هذا هو بيت القصيد، أنا أعتقد أن أي انجاز على مستوى العلاقات العربية-العربية سوف يكون هو الدعامة الرئيسية لموقف عربي من الصراع العربي الإسرائيلي في هذه الظروف والرسالة القوية الوحيدة التي توجه لإسرائيل وللولايات المتحدة الأميركية وللعالم وأعتقد أن مصر ومعها دول عربية أخرى يعملون شيئاً على هذا الطريق ولكن بقيت على الأطراف أن تتفهم ذلك، يجب أن نخرج من إطار أحداث 1990م، لأنه ساعات نتقدم ثم يحدث تراجع، لأبد أن يعترف الكل بأن هناك خطأً وقع، وأنه لابد من الخروج من دائرته، وأن الحصار عن العراق يجب أن ينتهي وأن سيادة الكويت يجب أن تحترم، هذه مسلمات الانطلاق منها قد يعيد.. قد، لأنه ليس لدينا عصا سحرية لذلك الأوضاع العربية إلى صورة أفضل بكثير مما هي عليه الآن.

حسين عبد الغني:
يعني في هذا الصدد من ترى أنه أقل حماساً للمساعدة، هل هم العراقيين ببعض تصريحاتهم التي يراها البعض تعيد المسائل إلى المربع رقم واحد أم السعوديين والكويتيين الذي يرى البعض في الحقيقة أنهم تطرفوا في مسألة البقاء في مرارة الأزمة وفي خبرتها السلبية وربما حتى في العداء للعراق.

د. مصطفى الفقي:
العراق يحتاج إلى أسلوب جديد في خطابه السياسي، العراق دولة هامة ودولة عربية كبرى، وتراث في الحضارة العربية الإسلامية يستحيل تجاهله، والشعب العراقي شعب له دور تاريخي في المنطقة وتضحيات معروفة لا يجب أن نغمض العين عنها ويجب أن يتوقف الحصار عنه، خصوصاً أن سياسة الحصار هي تعذيب للشعوب لا يؤدي إلى أية نتائج، وأيضاً على الجانب العربي الآخر أن يكون هناك منطق الصفح والغفران لأنه الحياة هي أن تنسى وأن تغفر.

حسين عبد الغني:
يعني هل لمست -دكتور مصطفى- أن السعوديين والكويتيين قد تحسنوا في هذا الاتجاه في اتجاه منطق التسامح ومنطق طي هذه الصفحة؟

د. مصطفى الفقي:
أنا أعتقد أن هناك تغيير، يعني السعودية والكويت ودول الخليج ليست في نفس الخطوط التي كانت تقف عليها منذ عشر سنوات إنما يجب أن تكون هناك ضمانات تريح.. وأن يكون هناك إحساس بأننا نبدأ صفحة جديدة حقيقية، لا أن تكون مسألة تسوية سطحية للموقف العربي.

حسين عبد الغني:
يعني في الشهور الأولى التي ستنشغل فيها الإدارة الأميركية بترتيب أوضاعها وربما باستيعاب قضية الشرق الأوسط، ألا تخشى أن شارون الذي سيكون طليق اليد ومنفلتاً قد يقوم ببعض المغامرات في هذه المرحلة؟

د. مصطفى الفقي:
شوف شارون يدرك أن تحريك التطرف الإسرائيلي سوف يحرك التطرف العربي الفلسطيني ولن يقابل أي عمل منه بتوقف كامل من الجانب الآخر.
ثانياً: شارون لا يتمتع بأغلبية في الكنيست، وسوف يضطر إلى تشكيل حكومة قومية إن لم يكن قد فعل، وبالتالي المسألة ليست مطلقة اليد، شارون ليس حاكم العالم.

حسين عبد الغني:
لكن دكتور مصطفى كلنا نعرف أن حكومات الوحدة الوطنية باستمرار هي حكومات الحرب، هي الحكومات التي شنت معظم الاعتداءات والحروب على الشعوب العربية؟

د. مصطفى الفقي:
يعني لا أستطيع أن أقفز إلى هذا الاستنتاج، ولكن قد تكون الوحدة الوطنية هي حكومة القرارات القوية في اتجاه التسوية السلمية أيضاً، دعني آخذ الجانب الإيجابي خلاصة القول، هناك ما يدعو للقلق، ولكن الاستسلام لهذا القلق خطيئة عربية كبرى يجب أن تتصرف بصمود وبوضوح وبحزم عاقل دون انفعال لا مبرر له.

حسين عبد الغني:
دكتور مصطفى الفقي (وكيل لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشعب) شكراً جزيلاً لك على هذا اللقاء مع قناة الجزيرة.

د. مصطفى الفقي:
عفواً.

حسين عبد الغني:
أما أنتم مشاهدينا الأعزاء فنشكركم على حسن المتابعة، وإلى لقاء آخر، هذا حسين عبد الغني من القاهرة يحييكم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة