سميح القاسم.. شعر النضال ج2   
الثلاثاء 1429/12/26 هـ - الموافق 23/12/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:22 (مكة المكرمة)، 13:22 (غرينتش)

- الانتساب للحزب الشيوعي والعلاقة مع الدين
- آلام الوطن بين الطغاة والغزاة

- عن المقاومة والعلاقة مع عرفات وحافظ الأسد

- عن النضال والاعتقال والديمقراطية المفقودة

سامي كليب
سميح القاسم
سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة. وصف ضيفنا بالشاعر الفلسطيني قليل ففي شعره قصص كثيرة عن النضال والسجون والمعتقلات، ربما تشمل العالم بإنسانيتها وأبعادها الاجتماعية والسياسية بامتياز. وفي سيرته قصص كثيرة يرويها لنا الشاعر المقاوم سميح القاسم في هذه الحلقة الثانية والأخيرة معه في زيارة خاصة.

سميح القاسم: لست تابعا لا للنظام ولحكومة ولا لدولة ولا لقلم مخابرات ولا لوزارة ولا لمؤسسة، أنا حر، عشت حرا وسأموت حرا.

الانتساب للحزب الشيوعي
والعلاقة مع الدين

سامي كليب: الحرية ملح الشعراء فكيف إذا ما تعلق الأمر بتلك الحرية التي تنتزع انتزاعا من يد السجان؟ وسميح القاسم الشاعر العربي الفلسطيني عرف السجن مرارا وفي كل مرة بسبب أفكاره أو شعره وغالبا ما كان يقول ساخرا من عدوه إنهم يصادرونني ويعتقلون ديواني. فالنضال لم يقتصر في تجربة سميح القاسم على القصيدة وإنما امتد إلى العمل السياسي المباشر عبر الانضمام إلى الحزب الشيوعي.

سميح القاسم: ائتوني من العالم الرأسمالي برأس أنظف من رأس ماركس وسأستبدله فورا، ائتوني بقلب أشرف من قلب إنجلز وسأستبدله فورا. لست ماركسيا ولست إنجلزيا ولست لينينيا ولكنني قادر على التمييز بين الغث والسمين، بين النظيف والقذر، بين الشريف والحقير، قادر على التمييز. النظام الرأسمالي لم ينتج حتى الآن إلا جرائم أميركا من كوريا حتى العراق وأفغانستان. لم تقدم الرأسمالية بديلا أفضل من الاشتراكية العلمية، تفضل.

سامي كليب: وقل ما شئت عن النظام الرأسمالي وعن السياسة الأميركية حاليا، ستكون مقصرا. على كل حال في هذا الكتاب في الجزء السادس من الأعمال الكاملة وأعتقد أنها ليست كاملة، في مقال عن ماركس "العقدة والحل" تشرح لماذا أصبحت ماركسيا في مرحلة معينة، تقول "كان أمرا طبيعيا للغاية أن طالبا فلسطينيا في مدرسة ثانوية نصراوية يعتبر نفسه مشروعا حقيقيا لشاعر طليعي وسياسي ثائر.." -هيك كنت تعتبر نفسك؟

سميح القاسم: إيه.

سامي كليب: ".. يتلقف بلهفة صارمة كل ما يبدو له هاما وضروريا من أجل تحديد مساره الشخصي في تيار العمل النضالي لصالح قضيته وضد أعداء شعبه ووطنه، في أواسط الخمسينيات كنت أنا ذلك الطالب أو واحدا من هؤلاء الطلاب آنذاك، لم أقرأ رأس المال، أتيح لي أن أقرأ تلخيصا للكتاب بدا لي معقدا آنذاك وبقدر ما أذكر أن مفكرا باسم الدكتور مصطفى هيكل هو الذي وضع ذلك التلخيص". يعني تأثرت أيضا من خلال القراءة وليس من الجو العام يعني؟

سميح القاسم: طبعا، طبعا.

سامي كليب: في كتبك، في الواقع وددت أن أتوقف عند هذه المسألة، ربما بالنسبة لمن يقول بأن إسرائيل فيها ديمقراطية كبيرة..

سميح القاسم (مقاطعا): اسمح لي بالمناسبة، أيضا الإطار الوحيد المناهض للصهيونية المتاح لنا، لنا نحن العرب الفلسطينيين الذين بقينا تحت الحكم الإسرائيلي كان الحزب الشيوعي، الأحزاب الأخرى أحزاب صهيونية أو أحزاب عربية مرتبطة بأحزاب صهيونية، وكان هذا هو الإطار الثوري الوحيد الذي تستطيع فيه أن تمارس عروبتك وثوريتك بدون أن تلام.

سامي كليب: اليسار الشيوعي أو الاشتراكي أو الماركسي لم يكن ترفا في تجربة سميح القاسم وإنما كان إحدى الوسائل الكثيرة التي لجأ إليها عبر تاريخه النضالي لرفع ظلم المحتل وهو إذ انضم إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي بعد نكسة 67 ويحمل الجنسية الإسرائيلية قسرا إلا أن الشيوعية لم تؤثر على إيمانه وإسلامه وعروبته بل لعلها رسختها في مكان ما. وها هو حتى اليوم يتساءل في شعره عن مغزى الحياة ومآل الموت، فهل للعمر دور؟

سميح القاسم: لا، الأمر ليس كثيرا أن تكون ابن 25 أو 25 و 20، ليس كثيرا، ليست قضية عمر هي قضية تجربة وتأمل أيضا، التجربة والتأمل. من واجب الإنسان ومن طبيعة الإنسان من وقت لآخر أن يتأمل ما فيه وما حوله.

سامي كليب: بالتأمل صرت أقرب إلى الله؟

سميح القاسم (مقاطعا): أنا لست إنسانا متدينا، أنا علماني مؤمن، كيف؟ بعض التكفيريين يزعمون أن العلمانية تعني الكفر بالله، وهذا تزوير وليس هناك ما يسمى العَلمانية بل هي العِلمانية من العلم وهي الإرادة أن ننظم حياتنا بالقوانين العلمية الحديثة، الاقتصاد يدار بعلم الاقتصاد الحديث..

سامي كليب (مقاطعا): وهناك تفسير دارج أنه فصل الدين عن الدولة وما إلى ذلك..

أنا مع فصل الدين عن الدولة، ولكن هذا لا يلغي احترامي للعقائد الدينية
سميح القاسم:
هو فصل الدين عن الدولة بدون شك، ولا يمكن تنظيم حركة السير بالأدعية وبالغيبيات، أنا مع فصل الدين عن الدولة لكن هذا لا يلغي احترامي للعقائد الدينية، لا يلغي صداقة شخصية بين -أسميها صداقة شخصية- مع الأنبياء والرسل والقديسين وأولياء الله الصالحين، تربطني علاقات شخصية حميمة جدا، هم أحبتي وأصدقائي وأساتذتي..

سامي كليب (مقاطعا): تلجأ إليهم في حالة الخوف مثلا في حالات المرارة في حالات الفرح؟

سميح القاسم: نعم، نعم وألتقيهم، ألتقيهم، قصائد علاقتي بالسيد المسيح وبمريم العذراء وبالنبي العربي محمد بن عبد الله وبالنبي شعيب عليه السلام وبأبي ذر الغفاري وبرموز دينية كثيرة لدي علاقة حميمة وشخصية موجودة في شعري في قصائدي، لقاء مع النبي تحت زيتونة، أعرف الزيتونة سآخذك إليها ذات يوم، تحت هذه الزيتونة قابلت الرسول عليه الصلاة والسلام وهناك قابلت النبي شعيب وهناك قابلت السيد المسيح، هذا يجسد حالة وجدانية خاصة لا أريد مقارنتها بالصوفية، أعتقد أنها أعمق غورا وأكثر إنسانية حتى من الصوفية، نعم.

سامي كليب: تقول مثلا في بعض ما تكتب ليس هناك أكثر أصولية مني في الإسلام.

سميح القاسم: نعم، نعم، أرفض تسمية المتزمتين والإرهابيين والتكفيريين بأنهم أصوليون وسلفيون، أبدا، أرفض ذلك رفضا قاطعا، ليس هناك من هو أكثر أصولية مني ولا من هو أكثر سلفية مني والتاريخ بيننا والحياة بيننا والثقافة بيننا، هم ليسوا أصوليين، الأصولي يجب أن يحترم الأصول أن يسير بما سارت عليه هذه الأصول، حين يقول نبي، ليس منا من دعا إلى عصبية، وحين يقول رسول، الناس سواسية كأسنان المشط..

سامي كليب: لا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى..

سميح القاسم: لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أحمر إلا بالتقوى. هذا الكلام أنا أجسده، لا يجسده تكفيريون وإرهابيون وأشخاص مجبولون بالكراهية بالتعصب الأحمق والأعمى وبإثارة العداوات كما يحدث الآن مثلا في العراق، سمعتم صيحتي إلى العراق

عراق يا عراق

ما اللغة الفجيعة؟

ما سنة وشيعة؟

وأنت يا عراق أمانة الأعناق

في الأعناق في الأعناق

عراق يا عراق

آلام الوطن بين الطغاة والغزاة


سامي كليب: العراق له مكان كبير في قصائد سميح القاسم، كيف لا وهو الذي يرى جزءا من تاريخ فلسطين ينسحب على واقع بلاد الرافدين حتى ولو أنه لم يتوان مرة في انتقاد الرئيس الراحل صدام حسين.

سميح القاسم: ليس نقدا لاذعا، ليس نقدا لاذعا أبدا، ليس نقدا لاذعا، هو نقد لاذع ليس لصدام حسين هو نقد لاذع للنظام العربي منذ انهيار الخلافة العباسية.

سامي كليب: بالبيت 49 تقريبا..

سميح القاسم (مقاطعا): لا يعنيني الشخص، مرة أخرى لا يعنيني هذا الشخص أو ذاك..

سامي كليب (مقاطعا): عمن تقول

"جز الرقاب فلم يشبع هوايته

جز النواصي وتعليق بأعواد

واستصغر الخلق معتدا بسطوته

لم يخلق الله أنظاري وأندادي"

هذا كل النظام العربي ولا..؟

سميح القاسم (مقاطعا): نعم، نعم، هو وهو نسخة عن نظام سائد، يعني لا أجدد لك شيئا ولا تجدد لي شيئا بالقول إن النظام العربي هو نظام طاغوت وكأن العرب حكم عليهم أن يكونوا مخيرين بين أمرين إما الطغاة أو الغزاة! إما الطغاة أو الغزاة! أنا أرفض هذه المعادلة أرفض هذا الخيار، الأمة العربية لا تريد الطغاة ولا تريد الغزاة..

سامي كليب (مقاطعا): ولكن حين أعدم مثلا..

سميح القاسم (متابعا): الشعب العراقي لا يريد نظام صدام حسين ولا يريد نظام جورج بوش، هو يستحق الشعب العراقي هذا الشعب المثقف الرائع الشجاع المبدع يستحق حياة محترمة دون طاغوت ودون استعمار، دون طغاة ودون غزاة.

سامي كليب: عال، ولكن حين أعدم مثلا صدام حسين شنقا ألم تتأثر شخصيا؟

سميح القاسم: طبعا تأثرت وليس فقط، ليس مهما الشعور الشخصي..

سامي كليب (مقاطعا): حتى عند شاعر؟

سميح القاسم (متابعا): نعم بقدر ما كان مهما الحالة التي نشأت، اغتيال صدام حسين بهذا الشكل حول الحالة التاريخية من حالة شعب يحاكم طاغية إلى حالة طائفة تتنتقم من طائفة، هذه هي الحالة التي نشأت، لماذا يجب أن يعدم صبيحة عيد؟ لماذا يجب أن يعدم بهذا الشكل المزري أمام التلفزيون؟

سامي كليب: على ذكر الطائفة، لك موقف واضح مما تسميه بالمد الفارسي والخطر الفارسي، رغم أنك ذهبت إلى إيران ويحفظون قصائدك هناك.

سميح القاسم: نعم، يجب أن نكرس حالة وضوح في الوعي العربي، الوطن العربي واحد، لدينا عدة احتلالات ثغرات خروقات، الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، الاحتلال التركي في لواء اسكندرون والشريط الحدودي من اسكندرون حتى العراق، الاحتلال الإيراني لعربستان الأهواز والحكم السيطرة على ملايين العرب وممارسة ترانسفير الآن، نقل عرب من الأرض العربية تحت الحكم الإيراني واستبدالهم بمواطنين فرس، ولدينا احتلال إسباني في سبتة ومليلة في شمال المغرب، لا يعقل أن نتحدث عن الاحتلال الإسرائيلي ونتجاهل الاحتلالات الأخرى..

سامي كليب: نكمل على أريتيريا وجزر حنيش واليمن..

سميح القاسم: أنا مع رؤية متكاملة ومتجانسة وواحدة وواضحة..

سامي كليب (مقاطعا): ولكن ثمة من يقول لك..

سميح القاسم (متابعا): كل الأرض العربية يجب أن تحرر.

سامي كليب: طيب، اسمح لي..

سميح القاسم (متابعا): ولواء اسكندرون سيحرر وفلسطين ستحرر وسبتة ومليلة ستحرر وعربستان ستحرر، إذاً لماذا يعني هذا الاستغراب هذا الاستنكاف حين يبدي أحدنا مخاوفه من مشروع إمبراطوري فارسي أو تركي أو إسباني أو إثيوبي؟

سامي كليب: ثمة من سيقول لك إنه مثلا حزب الله في لبنان انتصر على إسرائيل ولم يكن قادرا على الانتصار لولا الدعم المباشر من إيران وإن إسرائيل نفسها تخاف اليوم من هذا النووي الإيراني إذا توفر يوما ما، وإنه صار في حالة من توازن الرعب، إذاً إيران باتت عاملا إيجابيا وليس سلبيا.

لا أريد لأمتي أن تكون تحت رحمة أي مشروع إمبراطوري أميركي أو فارسي أو صهيوني أو إسباني أو تركي، بل أريدها أن تحكم نفسها بنفسها
سميح القاسم:
أنا كنت أتمنى أن تخاف إسرائيل من ميزان رعب مع مصر أو مع السعودية أو مع لبنان، من حقي أيضا أن أرى ما بعد المستقبل القريب، من حقي أن أبحث عن صورة ما بعد المستقبل القريب، لا أريد أن يحكم وطني وأمتي لا إسرائيلي ولا تركي ولا فارسي ولا إسباني ولا أميركي، أريد لهذه الأمة أن تحكم نفسها بنفسها وأن تكون لها ديمقراطيتها غير مستوردة من أوباش جورج وبش، لا، لا أريد لأمتي أن تكون تحت رحمة أي مشروع إمبراطوري آخر لا أميركي ولا فارسي ولا صهيوني ولا تركي ولا إسباني، إذاً لا تناقض بين إعجابي بأول حرب تبادلية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي أول حرب تبادلية هي الحرب مع لبنان مع حزب الله، لا أقول فقط مع حزب الله، مع لبنان لأن كل الشعب اللبناني وقف مع حزب الله ووقف مع المقاومة وقفة رجل واحد..

سامي كليب (مقاطعا): في الفترة الأولى، بالثانية في ناس وقفوا ضده.

سميح القاسم: كل الشعب اللبناني، لا، والآن كل الشعب اللبناني مع المقاومة مع حزب الله، كل الشعب اللبناني..

سامي كليب: إن شاء الله.

سميح القاسم: كله، بدون توسل ودعاء، نحن نعرف أهلنا في لبنان، إذا كانت هناك مماحكات سياسية طموحات فردية لدى هذا السياسي أو ذاك السياسي هذا لا يعنينا كما قلت لبعض الشبان اللبنانيين صادفوني في قطر، فسألوني أنت مع 14 آذار ولا مع 8 آذار؟ قلت ببساطة أنا مع 22 آذار، أبو 14 على 8، أنا مع 22 آذار، أنا مع وحدة أهلي في لبنان. المذاهب لله والوطن للجميع، الدين لله والوطن للجميع.

سامي كليب: حين كان سميح القاسم ينتقد نظاما عربيا فإنما يفعل دفاعا عن حرية الكلمة أو شجبا لتخاذل وغالبا ما يقول إن الأمة العربية تواجه هزمة تسونامي معادية لثقافتنا وهويتنا العربيتين، ويقول إن بلادي ليست فلسطين ولا مصر ولا لبنان ولا العراق بل بلادي هي الأمة العربية كلها وإذا كانت قصيدة بغداد تستحث الهمم وتعتصر الألم في آن فإن بغداده كانت أيضا فراتا ورافدين يراها في عيني صديقه الشاعر والمفكر الكبير محمد مهدي الجواهري.

سميح القاسم: أخي وشيخي أبو الفرات محمد مهدي الجواهري، هناك شبه بين تجربة التعارف مع نجيب محفوظ ومعه لأنه أيضا كتبت له قطعة في سرديتي الأولى، ربما في العام 1964 أو 1963 من القرن الماضي وأقول له فيها "أنا جعفر في أرض أخرى"، جعفر هو أخوه الذي استشهد في مظاهرة الجسر في بغداد وحين التقينا بعد ذلك بسنوات طويلة في عام 1968 في صوفيا العاصمة البلغارية عانقني وهو يقول أهلا يا خوي يا جعفر..

سامي كليب: مكان أخيه الذي استشهد.

سميح القاسم: نعم، نعم. ونشأت صداقة ومساجلات شعرية، دعابات شعرية وأمسيات مشتركة.

سامي كليب: تذكر واحدة من هذه الدعابات الشعرية؟

سميح القاسم: هي منشورة في وسائل الإعلام..

سامي كليب: كله منشور بس بدنا نسمع بصوتك واحدة يعني.

سميح القاسم: هي طويلة، لكن أذكر ما هو أجمل منها، دعينا إلى مهرجان الطلبة العراقيين في أوروبا آنذاك كان المهرجان في مدينة روستوك الألمانية على بحر البلطيق ودعينا معا فالتقيته في براغ وكان معتلا مريضا، قال ماذا ستقرأ؟ قلت أنا مجهز لك مفاجأة، وماذا ستقرأ أنت؟ قال أنا أيضا لدي مفاجأة، أنا سأثبت للجمهور أن هذا الشعر الحديث الذي تسمونه شعرا حديثا ما له قيمة وسيزول وأنني المتنبي رغما عنكم وإلى آخره، واستحلفني أن أقرأ قصيدتي قبل المهرجان، قلت سأقرأ لكن ستبطل مفاجأتي، قال اقرأ وأجرك على الله، قرأت القصيدة أذكر منها بضعة أبيات..

سامي كليب: لبغداد كانت.

سميح القاسم: اسمها "شهداء الحب"، كان العراق غارقا في الصراعات الداخلية والمذابح والاضطرابات فكانت هذه القصيدة وأقول له فيها مما أذكر من أبياتها

صاد تكفيني فجد

نميت لأجواد ميامين

صاد وحفنة ري منك تكفيني فجد

نميت لأجواد ميامين

وليس بي ظمأ للدم

إن دمي كما علمت

لو استسقيت يرويني

لكن بي ظمأ للشمس

تجرعها غبر الجذاء

فتحييها وتحييني

يا دجلة الخير

صك السمع ما سردوا

فهل ركنت لأشتات السلاطين؟

يقال لحمك لو جس العدا ورم

وأنت تلقى إلى جب وتلقيني

يقال صار نخيل الشط مشنقة

للثائرين على عار الملايين

ماذا أقول؟

ماذا أقول إذا استنطقت عن وجعي

والجرح جرحي والسكين سكيني

ويوم يزحم وجه الموت ذاكرتي

أبكي عراقي أم أبكي فلسطيني؟

[فاصل إعلاني]

عن المقاومة والعلاقة مع عرفات وحافظ الأسد


سامي كليب: ما أشبه اليوم بالبارحة وما أشبه البارحة باليوم، يتكرر المشهد وتتكرر المأساة فيكتب سميح القاسم تارة شعرا وتارة في الصحافة محاولا أن يبقي الكلمة سلاحا ضد الزمن وربما ضد الوهن، وبين قصيدة ومقال تطل السياسة بواقعها المرير فتكثر اللقاءات في عمان والقاهرة كذلك الذي جمعه صدفة هنا في الأردن بالمسؤول الفلسطيني عزام الأحمد بينما كانت حركتا حماس وفتح لا تزالان متنافرتين متخاصمتين. وسميح القاسم بدا في خلال الفترة الماضية أقرب إلى حماس.

سميح القاسم: طبعا، طبعا، لأن الميدان مكشوف غير سري، ما بيصير مفاوضات وعناقات وجبات ومش عارف إيش وأسر تذبح في قطاع غزة، مش معقول، مش معقول!

سامي كليب: بس ذنب أبو مازن؟

سميح القاسم: مش مشهد لمرة واحدة..

سامي كليب: ذنب محمود عباس؟

سميح القاسم: لا، أنا ما قلت ذنب محمود عباس..

سامي كليب: دعوت السلطة للاستقالة.

سميح القاسم: يا سيدي لو المشهد لمرة واحدة منقول خطأ، خلل، المشهد يتكرر دائما، أصبح مشهدا مهينا، لا أريد هذا المشهد المهين وعمره ما يكون مفاوضات، نعم، إذا هذا مردود المفاوضات مذابح ومذابح ومذابح وإغلاق وتجويع وحصار، عمره ما يكون مفاوضات، شو؟ مفاوضات من أجل المفاوضات؟

سامي كليب: إذاً خيار حماس هو الحل؟

سميح القاسم: إذا كانت إسرائيل تصر فليكن خيار حماس هو الحل، إذا كانت إسرائيل تصر على رفض السلام فما هو الخيار إذاً؟ الاستسلام أو المقاومة، الاستسلام غير وارد بالحسبان فلتكن المقاومة، ما فيها يعني إشكالية.

سامي كليب: غصن الزيتون والمسدس.

سميح القاسم: يا شيخ.

سامي كليب: عندك صورة..

لم أتعلم النضال لا من ياسر عرفات ولا من أحمد ياسين ولا من فتح ولا من حماس، وهؤلاء يشرفهم أن يكونوا تلاميذي
سميح القاسم
(مقاطعا): معلش يعني بدكم تسمحوا لي شوي، تتواضعوا، تتواضعوا في الوطن العربي شوي تتواضعوا. لما سجنت لأول مرة ما كان حدا سامع بياسر عرفات ولا بأحمد ياسين ولا بفتح ولا بحماس، أنا ما تعلمت النضال لا من ياسر عرفات ولا من أحمد ياسين ولا من فتح ولا من حماس، بيتشرفوا إذا بيكونوا تلاميذي، أنا ما تعلمت منهم أنا سابق، إيه، أنا قبلهم في المعركة.

سامي كليب: طيب ليه منرفز؟ مين معترض عليك؟

سميح القاسم: منرفز أنه كأنه يعني أنا تابع لياسر عرفات ولا لأحمد ياسين، لا يا عمي، هدول أولادي في النضال أولادي آه طبعا.

سامي كليب: لا، بس في صورة جميلة لك مع ياسر عرفات ولها قصة حلوة كثير يعني..

سميح القاسم: طبعا.

سامي كليب: حين قلت له سنقومك بالقلم.

سميح القاسم: يا أخي، في هذه الصورة يعني كان احتفال تقديم جائزة فلسطين للإبداع الشعري لي ويقدمها ياسر عرفات شخصيا، فليكن، جنرال الشعر يقدم لجندي الشعر، لا بأس، وهو أخ وقائد وصديق عزيز جدا لكن في الفترة نفسها كان هناك حديث عن الفساد، كثر الفساد وكثر الحديث عن الفساد، فمن قبيل التنبيه في كلمتي كلمة الشكر طبعا قلت والله يا أبا عمر لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بأقلامنا، مستفيدا من الموقف التاريخي مع عمر، عمر قال قوموني بسيوفكم. فأبو عمار لا يريد أن يكون أقل من عمر، دعا حارسه الشخصي محمد الداية، يا محمد جيب المسدس. وسائل الإعلام اعتقدت أن الرئيس يريد أن يطلق النار على الشاعر..

سامي كليب: وحضرتك لم تعتقد ولا للحظة؟

سميح القاسم: ولا للحظة خالجني، قلت أبو عمار مقبل على لعبة معينة ليسحب البساط من تحتي، وإذا بمحمد يحضر المسدس، أبو عمار يقترب مني على المنبر يقول ده مسدسي، قومني بالمسدس ده إذا أخطأت يا سميح. قلت.. الجمهور صفق له طبعا، وأنا يعني لا أقبل لأحد أن يسحب البساط من تحت رجلي، قلت يا أبو عمار هذا المسدس لمواجهة الاحتلال، أنت أواجهك بقلمي. وعاد الجمهور يصفق لي مرة أخرى.

سامي كليب: أن يصفق الجمهور لسميح القاسم فليس في الأمر عجب ولكن بعض الأمكنة في تاريخ الشاعر الفلسطيني كانت تدعو ناقديه لطرح بعض الأسئلة، فهذا ما حصل مثلا حين ذهب للقاء الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بعد أن كان قد وجه إليه انتقادات سياسية مؤلمة جدا.

سميح القاسم: الرئيس حافظ الأسد في البداية حين وقعت أحداث تل الزعتر كان لي موقف غاضب وكتبت نصا فيه إساءة، بعد فترة..

سامي كليب: فينا نقول عنوانه ولا خلص ننساه؟

سميح القاسم: لا، لا..

سامي كليب: طيب، بلاه.

سميح القاسم: بعد فترة اتصل بي أحد رجال الإعلام السوريين الكبار، اتصل من باريس وقال السيد الرئيس يريد أن يراك، حقيقة فوجئت بالرسالة..

سامي كليب (مقاطعا): وخفت..

سميح القاسم: لا، لا أبدا، أبدا لم أخف أبدا رغم أن أسرتي، الأسرة خافت أنه سيصيبك ما أصاب..

سامي كليب: الإمام موسى الصدر.

سميح القاسم: الإمام موسى الصدر، قلت أنا لست الإمام موسى الصدر..

سامي كليب (مقاطعا): فقط كي لا نخلط، بليبيا يعني، أو ربما بإيطاليا، مش عارف.

سميح القاسم (متابعا): نعم، وقلت أنا لست الإمام موسى الصدر والرئيس حافظ الأسد ليس قيصر روما.. مرتاح الآن؟ أنت مرتاح الآن..

سامي كليب: آه طبعا.

سميح القاسم: والرئيس الأسد ليس قيصر روما، وذهبت ومن البداية كان الحديث صريحا وواضحا وجميلا، قلت أنا أعلم أنك تعلم لكنك قد لا تعلم أنني أعلم أنك تعلم، ونشأت صداقة سريعة..

سامي كليب: ولم يسألك عن القصائد؟

سميح القاسم: لا، لا تحدثنا طبعا وشرح موقفه وموقف سوريا وكان الكثير مما قاله قابلا للقناعة ويعني استشهد بأشخاص أحياء وسألتهم وكانوا من أنصار قوله رغم أنهم كانوا مخاصمين له سياسيا.

سامي كليب: وكان من قارئي شعرك؟

سميح القاسم: نعم، وقالها بصراحة، قال أشك في أن هناك ضابطا في الجيش السوري لا يحفظ شيئا من شعرك. وقالها بصراحة وأنا أعتز بذلك، قال رغم الغمامة -والتي أشرت لها في قصيدة رثائه- لم نتوقف عن تعليم شعرك في مدارس سوريا من الابتدائية حتى الجامعة.

سامي كليب: وفي هذه القصيدة طبعا وصفته بأسد العروبة..

سميح القاسم: نعم.

سامي كليب: كنت مقتنعا فعلا بسياساته يعني؟

سميح القاسم: نعم، نعم، لا أكتب شيئا لست مقتنعا به ولو لم أكن مقتنعا لما ثبتها في ديواني الجديد في مجموعتي الجديدة. نعم العروبة أيضا أصبحت كأنها موضة قديمة في الوعي السائد الآن الوعي المترهل والوضيع والمؤسف، كأن العروبة وشعارات الوحدة والحرية والاشتراكية والعروبة والقومية كأنها ألفاظ تعود إلى قاموس قديم غير مستعمل، كأنها وصفة دواء انتهت صلاحيته. أبدا.

سامي كليب: قلت فيما قلت عنه في هذه القصيدة الجميلة في الرثاء رثاء حافظ الأسد

يا من فتحت على الوضوح بصيرة

شرفاتها المعلوم والمجهول

مثواك في قلب التراب وقلبنا

هذا التراب ووعده المأمول

لا دمع نسكبه عليك وإنه

دم أمة حول الضريح يسيل

سميح القاسم: نعم، ليس وقت بكاء، أمة يسيل دمها حول الضريح وما زال يسيل دم هذه الأمة حول أضرحتنا جميعا ولا أحد يحرك ساكنا. هذا الرجل قال لا لأميركا قال لا لإسرائيل قال لا واضحة وجريئة ولذلك يستحق منا كلمة عرفان.

سامي كليب: قال لا أيضا في مرحلة معينة لياسر عرفات.

سميح القاسم: ليست خطيئة أن تقول لا لياسر عرفات في مرحلة معينة.

سامي كليب: أنت قلتها..

سميح القاسم: هو صديقي رحمة الله عليه وفي مراحل معينة قلت له لا أيضا.

عن النضال والاعتقال والديمقراطية المفقودة

سامي كليب: يروي سميح القاسم أنه عندما انقضت العصابات الصهيونية على أرضه وأهله كان لا يزال في السادسة من عمره وراح مع أهله يجمعون ما خف حمله بغية الرحيل فاستوقفهم شيخ كبير يمسك بمفتاح منزله وبحفنة من تراب وقال لهم، لن يستطيع أحد أن يزحزحنا من فوق أرضنا ويخرجنا من ديارنا ولو أراد لنا الله البقاء سنحيا بين ربوعها ولو متنا سنموت فوقها. هي الأرض إذاً بقيت حاضرة في شعر سميح القاسم والنضال نبراسا والصمود شمسا في الصدور وهو لم يتوان في قيادة أول تمرد ضد تجنيد أبناء طائفته الدرزية في الجيش الإسرائيلي فكان نصيبه الاعتقال مرات عديدة.

عدد المتطوعين بأجهزة الأمن الإسرائيلي أكبر بكثير من عدد الملزمين بقانون، وهناك فتيات عربيات مجندات في الجيش الإسرائيلي
سميح القاسم:
حين شكلت تنظيم الشبان الدروز الأحرار في عام 1958 لمقاومة مؤامرة التجنيد وهي مبنية على سياسة فرق تسد وتمزيق شعب إلى طوائف، كان إجراء طبيعيا، الآن في هذه الأيام -وأقولها بأسف شديد- ليس لتبرئة طائفة أو إدانة أخرى، ليست لدي أية قيم طائفية بما هو سائد الآن في الوطن العربي من محيطه إلى خليجه، أنا بريء من هذا الفيروس. لكن في الآونة الأخيرة هناك ظاهرة تطوع، أشاعوا أن الخدمة في الجيش تساعد الشبان على تحسين حياتهم البعض صدقوهم لغياب وعي قومي ديني ثقافي إلى آخره، اليوم تعداد المتطوعين أكبر بكثير من تعداد الملزمين بقانون..

سامي كليب: من كل الطوائف.

سميح القاسم: نعم من كل الطوائف، هناك فتيات عربيات متجندات في الجيش الإسرائيلي، لا يعقل إذاً إذا كان هناك إنسان وطني وعروبي نظيف فعلا يجب أن يدعو إلى مؤتمر لمنع المواطنين العرب من خدمة أجهزة الأمن الإسرائيلي، حصر هذه المشكلة في طائفة أو في عشيرة أو في عائلة يؤدي إلى عكسه..

سامي كليب (مقاطعا): ولكن وليد جنبلاط..

سميح القاسم (متابعا): يؤدي إلى تنمية المشاعر الطائفية المرضية في أوساط مريضة أخرى.

سامي كليب: طيب وليد جنبلاط من منطلق عروبي طرح المسألة.

سميح القاسم: نعم لكن أعتقد أن هناك عناصر وقوى وأشخاص غير شرفاء وغير أنقياء وغير عروبيين وغير قوميين دفعوا وليد جنبلاط بهذا الاتجاه دون علمه، وقد قلت له هذا الكلام بصراحة، التقينا في عمان وقلت له هذا الكلام، تفضل اعقد مؤتمرا لمنع العرب من خدمة أجهزة الأمن الإسرائيلية تشارك في هذا المؤتمر مع حسن نصر الله ومع إميل لحود ومع بشار الأسد ومع عمرو موسى، تفضلوا.

سامي كليب: قبل؟

سميح القاسم: قبل المبدأ، قلت له تفضلوا اعقدوا مؤتمرا قوميا لمحاربة خدمة مواطنين عرب في أجهزة الأمن الإسرائيلي.

سامي كليب: اعتقلت لهذا السبب في التاريخ أستاذ سميح القاسم، طبعا اعتقلت مرات عديدة وكتبت من المعتقل كلاما جميلا ومؤثرا في الواقع، من هذا الكلام مثلا "أرى من زنزانتي الصغيرة زنزانتك الكبيرة" تحكي للمحتل، وأيضا يعني قصيدة جميلة جدا ربما تحضرني الآن العديد من القصائد في الواقع وما أكثرها حول غرفة التحقيق والتعذيب وما إلى ذلك، لكن هل تعذبت يعني هل عذبوك هل ضربوك هل أهانوك؟

سميح القاسم: التعذيب الروحي..

سامي كليب: وليس جسديا؟

سميح القاسم: والنفسي أشد من التعذيب الجسدي، التعذيب الجسدي بسجنك، منعك من رؤية الشمس لأيام، إلقاء الطعام لك كما يلقى لكلب، منعك من الماء متى يشاء السجان، هذه الأمور بسيطة. التعذيب النفسي مثلا كأن يسمعوك أصوات ناس تحت التعذيب لكن يعني في إحدى الاعتقالات أسمعوني كانوا يسمعونني صوت شاب يصرخ في زنزانة مجاورة واكتشفت أن -لدي وقت ومجال للتأمل- اكتشفت أن الصوت يتكرر فتوصلت إلى قناعة أنهم سجلوا هذا الصوت على مسجل ويكررون بثه لأسمعه ليلا نهارا..

سامي كليب (مقاطعا): هذا في الاعتقال الأول عام 1957؟

سميح القاسم: في أحدها، لا، في أحد الاعتقالات.

سامي كليب: أول اعتقال شو كان سببه؟ لأنه كان قبل القصائد يعني 1957 وأول مجموعة صدرت 1958 تقريبا.

سميح القاسم: 1958. لمنعي من الاشتراك في مهرجان شعر في بلدة اسمها كفرياسيف، لمنعي من المشاركة في المهرجان اعتقلت لليلة واحدة حتى ينتهي المهرجان.

سامي كليب: كتبت من داخل زنزانتك..

سميح القاسم:

من كوة زنزانتي الصغرى

أبصر زنزانتك الكبرى

سامي كليب: "وأبصر أشجارا تبتسم لي"..

سميح القاسم:

أبصر أشجارا تبسم لي

وسطوحا يملؤها أهلي

سامي كليب: "من داخل زنزانتي الصغرى أبصر زنزانتك الكبرى".

سميح القاسم: نعم.

سامي كليب: قلت هذا.

سميح القاسم: نعم لأنه حول الوطن إلى سجن له، أنا سجين في زنزانتي وهو سجين في وطني. هذه قصيدة من نصف قرن عمرها نصف قرن.

سامي كليب:

"لا بد أن يزورني النهار

وينحني السجان في انبهار"

طبعا الكلام واضح أنه كان نصف قرن لأنه كان بعده الأسلوب ليس أسلوب اليوم..

سميح القاسم: البدايات نعم.

سامي كليب: نعم ولكن الجميل بالأمر أنه دائما كان هذا الأمل بأن كل هذا سينتهي، حتى في عز المعركة في عز الخوف والقلق.

سميح القاسم: نعم، طبعا.

سامي كليب: ولا تزال حتى اليوم؟

سميح القاسم: طبعا، ليس فقط لأننا على حق بل لأننا نؤمن بوجود الله بالعدل المطلق العدل الإلهي ولأننا نؤمن بإنسانية الإنسان.

سامي كليب: لم يغادر سميح القاسم أرض أهله والأجداد، بقي في فلسطين وعلى غرار من بقي تحمل الكثير من صلافة المحتل وغطرسته وقمعه، ولأنه بقي فقد عرف المجتمع الإسرائيلي من داخله ولأنه عرفه راح يفند ادعاءات السياسيين لا بل والمثقفين الإسرائيليين حول تلك الديمقراطية الوهم، وحين يبتسم ساخرا فوق الألم يقول إنهم يصادرونني ويعتقلون ديواني.

سميح القاسم: غياب الديمقراطية الحقيقية في الدولة العبرية في الكيان الصهيوني لا يعني أن الديمقراطية تسيل من أطراف أصابعنا في الوطن العربي من محيطنا إلى خليجنا، فلذلك اللهم لا شماتة، لنخرج الخشبة من عيوننا قبل النظر إلى القذى في عين النظام الصهيوني البشع..

سامي كليب (مقاطعا):.. لكثرة ما تكسرت النصال على النصال يعني.

سميح القاسم: نعم، هذه نقطة الانطلاق، ثانيا من سنوات كثيرة أعتقد زارتني المرحومة الشاعرة فدوى طوقان في الراما، كانت أسرتي تحبها كثيرا وكانت تأتي من وقت لآخر لقضاء بضعة أيام بين أهلها في الراما..

سامي كليب: من لا يحبها فدوى طوقان، رحمها الله.

سميح القاسم: نعم، ففي أحد الأيام كانت صدرت لي مجموعة جديدة فقالت فدوى سبحان الله في إسرائيل وبيسمحوا لك تطلع ديوان من هذا النوع، في العالم العربي ما نستطيع! قلت يا أختي يا فدوى هذا هو الفخ الديمقراطي الإسرائيلي، هم يسمحون لي بأن أقف وأن أهاجم رئيس الحكومة ورئيس الدولة والدولة لكن وفق هذه الديمقراطية ووفق قوانينها أيضا يستطيعون مصادرة الأرض التي أقف عليها..

سامي كليب: وأكتب منها شعرا.

سميح القاسم: وأهاجمهم منها. وهذا ما يحدث، هذا ما يحدث. هي ديمقراطية انتقائية بدون شك هي ديمقراطية فصلت لليهود، نحن نستغل بعض الثغرات القانونية للدفاع عن مصالحنا وعن وجودنا.

سامي كليب: ولكن لك وجهة نظر أيضا يعني حتى من الإسرائيليين الذين يدافعون عنكم ضد (العرب) تقول إنه في تبرئة ذمة يعني.

اليهودي الذي يدافع عن قضيتي بصدق أشرف من مليون عربي عميل وخائن ومتاجر بالقضية
سميح القاسم:
بعضهم فعلا لتبرئة ذمة لكن بعضهم أيضا في رأيي وأقول ذلك، اليهودي الذي يدافع عن قضيتي بصدق هو في نظري أشرف من مليون عربي عميل وجاسوس وخائن ومتاجر بالقضية.

سامي كليب: عمرك اليوم سبعون عاما، إن شاء الله العمر الطويل بعده، إنتاج غزير إن شاء الله ولكن قرأت لك كلمة فيها الكثير من المرارة، تقول لو جاءني اليوم ملاك الموت -أو اللي بتسميه يعني- سوف أذهب دون أن أندم على شيء ولن أنظر إلى الوراء.

سميح القاسم: لا، طبعا، طبعا يعني أنا أؤمن بأن لكل أجل كتابا يعني وأن العمر ينتهي، ما من إنسان مخلد. السؤال هو كيف يموت الإنسان؟ أعتقد أنني أستطيع الآن أن أموت قرير العين. ببساطة بذلت ما أستطيع، بذت ما أستطيع، إذا بقي شيء من العمر فسأحاول إضافة معينة إلى بذل طويل نسبيا..

سامي كليب (مقاطعا): ولكنني فهمت منك..

سميح القاسم (متابعا): ولكن إذا حضر الموت لن أخشاه طبعا.

سامي كليب: ولكنني فهمت منك..

سميح القاسم: إذا لم يحضر فعلى راحته لا أستعجله لكن إذا حضر فلن أخاف منه بصراحة.

سامي كليب: ولكني فهمت منك أنه إذا حضر الموت لا سمح الله فأنت أيضا لن تنظر إلى الوراء وكأنك كنت أيضا تشعر بشيء من المرارة من هذه الأمة العربية جمعاء.

سميح القاسم: بدون شك، نعم، نعم، لا أستطيع أن أتخيل وضعا أكثر انحطاطا للأمة العربية.

سامي كليب: رافقت سميح القاسم إلى فندقه في العاصمة الأردنية وكان يستعد للعودة إلى أرضه إلى فلسطين، تمنيت له رحلة مريحة رغم الحواجز وقلت له كما نقول لكل من يأتي من تلك الأرض المناضلة، عسى أن نلتقي يوما ما هناك، وسمعت نبضات شعره وقلبه تعم المكان تقول للعرب ربما هذه المرة تقدموا، تقدموا.

سميح القاسم:

تقدموا براجمات حقدكم وناقلات جندكم

وشردوا وهدموا وهددوا ويتموا

كل سماء فوقكم جهنم

وكل أرض تحتكم جهنم

تقدموا

لن تسحقوا أعماقنا

لن تكسروا أشواقنا

نحن القضاء المبرم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة