إسرائيل وتشويه صورة الفلسطينيين   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

محمد كريشان

ضيوف الحلقة:

يحيى يخلف: المجلس الأعلى للتربية والثقافة – رام الله
إلياس خوري: روائي وناقد لبناني– بيروت

تاريخ الحلقة:

01/12/2002

- ملامح المقاومة الفلسطينية لمحاولات تشويه الإعلام الصهيوني لصورة الفلسطيني
- دور المثقفين العرب في معركة الوجود الفلسطيني

محمد كريشان: من أكذوبة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض إلى تنميط الفلسطيني في صورة الإرهابي تساؤلات حول وسائل وأهداف اختزال الفلسطيني في صورتي الانتحاري اليائس أو السياسي الفاشل.

السلام عليكم. عندما كانت الحركة الصهيونية تؤصل لحق اليهود في الأرض الفلسطينية بترويج الأكذوبة المعروفة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" إنما كانت في الواقع تنفذ جريمة خطيرة تستهدف وجود الشعب الفلسطيني نفسه على أرضه، وعبر عقود طويلة من النضال المشحون آلاماً وآمالاً لم يثبت الشعب الفلسطيني وجوده المادي التاريخي فحسب، بل تمكن أيضاً من تجسيد وجود إبداعي باهر في الداخل والخارج في مختلف الفضاءات الثقافية المعاصرة في الشعر والرواية والفكر والرسم والسينما وغيرها، برز فيها أبطال في قامات محمود درويش وإدوارد سعيد وغيرهما كُثر، غير أن هذه الصورة المشرقة للفلسطيني في ثرائها وتنوعها وإنسانيتها كثيراً ما تم تجاهلها وتشويهها وطمسها بهدف تقزيم الفلسطيني واختزاله خاصة في صورة الإرهابي، لخلع الصفة البشرية عنه وتبرير الممارسات الصهيونية التي يمكنها أن تغتاله جسدياً كما تغتاله ثقافياً، فهو مجرداً من عناصر هويته الإنسانية كائن غير جدير بالحياة، زياد بركات يرصد بعض ملامح المقاومة الثقافية الفلسطينية لمحاولات الاختزال من طرف الآلة الإعلامية الصهيونية المتكاتفة مع الآلة الحربية المدمرة.

ملامح المقاومة الفلسطينية لمحاولات تشويه الإعلام الصهيوني لصورة الفلسطيني

تقرير/ زياد بركات: قبل نحو قرن من وصول (أرئيل شارون) بدباباته وطائراته إلى رام الله كان الخطاب الصهيوني ولا يزال قائماً على نفي الوجود الفلسطيني لا من أرض فلسطين التاريخية وحسب، بل ومن التاريخ أيضاً، وتمثل ذلك في نزع أي صفة إنسانية أو إبداعية رفيعة عن الفلسطينيين، غير أن هذا الخطاب الإقصائي لم يستطع زحزحة الشعب الفلسطيني قيد أنملة عن بؤرة الإبداع الإنساني، وكان لافتاً أن آلة الحرب الإسرائيلية العملاقة استهدفت خلال حملة السور الواقي مركز خليل السكاكيني، حيث مكتب الشاعر محمود درويش باعتباره هدفاً عسكرياً لدولة مدججة بالسلاح حتى أسنانها، هل تنتصر الدولة على الشاعر؟ هذا السؤال أجابت عليه بالنفي زيارة نادرة لوفد من الكُتاب العالميين إلى فلسطين قُبيل الاجتياح الكبير بأيام قليلة، فزيارة الوفد الذي ضم رئيس البرلمان العالمي للكتاب (راسل بانكس) والحائزين على جائزة نوبل للآداب (وول سرونكيا) و(خوسيه سمراجو) إضافة إلى كُتَّاب آخرين كانت دليلاً حياً على ما تتمتع به القضية الفلسطينية من مكانة رفيعة في الضمير العالمي.

غسان زقطان (شاعر فلسطيني ورئيس تحرير مجلة الشعراء): هذا الحضور أنا في تصوري شكل اختراقاً مهماً للمشهد الفلسطيني اختراق إنساني في منطقة يكاد يكون حضور.. الحضور الإسرائيلي فيها قوي، وقد جاء.. و.. وهذه المفارقة في غياب نشاط المثقفين العرب إذا كان لي أن أقول ذلك، أنه في غياب دور المؤسسة الثقافية العربية والفلسطينية أيضاً، علينا أن نتحدث عن الشجاعة التي تحلَّى بها هؤلاء المبدعين العالميين خلال تصريحاتهم التي أدلوا فيها للصحافة الفلسطينية والعربية والعالمية والإسرائيلية أيضاً، خوسيه سراماجو البرتغالي الشجاع الذي تحدث عن وقارن بين ما يحدث على الأرض الفلسطينية الآن وكشاهد عيان وبين ما حدث في (أوشخِدِسك) المعتقل النازي في بولندا والذي لم يتراجع عن هذا التصريح.

زياد بركات: الحضور الإبداعي الفلسطيني أكثر من ضروري لمواجهة الجهود الإسرائيلية لاختزالهم في صورة نمطية تسهل عملية إفنائهم، فهم إما استشهاديون لا يلقون بالاً للحياة نفسها أو مجرد زعماء سياسيين لا يفقهون شيئاً سوى إدارة صراع دموي هم وأتباعهم ضحاياه بامتياز، صورة الاستشهادي طردت صورة المبدع باستمرار، الاستشهادي غيَّب الشعب الفلسطيني نفسه ولم يكن للفلسطينيين من ذنب في ذلك، فالمصيدة الإسرائيلية كانت أكبر منه باستمرار، ولذلك يرى محمود درويش عن حق أن المجتمع الإسرائيلي لم ينضج بعد لقبول صورة الفلسطيني الإنسان والمبدع، فمن شأن ذلك تدمير الصورة النمطية التي رسمتها الأيديولوجيا الصهيونية للفلسطيني وهي صورة تسوغ للإسرائيليين ما يرتكبونه من قتل وعمليات إبادة منظمة، غير أن الوجود الفلسطيني كان أكبر من أي مساعي إسرائيلية محمومة لإلغائه.

وجاء حصول المخرج الفلسطيني إيليا سليمان على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان كان الأخير عن فيلمه "يدٍ إلهية" ليدحض جهود إسرائيل على مدار العقود الماضية لاقتلاع الفلسطينيين من التاريخ والذاكرة الإنسانية، فسليمان وميشيل خليفة وغيرهما من سينمائيين فلسطينيين هم أيضاً أحفاد الأخوين إبراهيم وبدر لاما الذين انتجا أول فيلم عربي يرى النور في الإسكندرية عام 1927.

وكما في السينما فإن ما حققه مفكر مثل إدوارد سعيد من حضور ثقافي لافت في العالم إضافة إلى مساهمات روائيين كبار مثل إيميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا وغسان كنفاني أو نقاد مثل إحسان عباس جعل هؤلاء وغيرهم في دائرة الاستهداف الإسرائيلي، فالانفجار الذي أودى بحياة كنفاني في بيروت قبل ثلاثين عاماً كان اللغة الوحيدة لدولة قدمت نفسها للعالم باعتبارها واحة حقوق الإنسان في الصحراء العربية في مقابل لغة الإبداع التي يواصل الفلسطينيون الحديث بها مع أنفسهم والعالم، رغم كل ما حاق بهم من دمار وموت.

محمد كريشان: إذن في سياق عملية اختزال الفلسطيني هذه لم يتم تغييب الشعب الفلسطيني ثقافياً فحسب، بل كثيراً ما غُيِّبت أيضاً قضيته المأساوية من الضمير العالمي عموماً والخطاب الثقافي بشكل خاص، غير أن يقظة الضمير الأخيرة التي يقودها مثقفون إنسانيون لم تثبط عزائمهم حتى الآلة الإعلامية الصهيونية الضخمة التي تتهمهم فوراً بمعاداة السامية تسهم حتماً في تغيير الصورة النمطية المشوهة.

لمناقشة بعض ملامح هذه القضية من الداخل معنا من رام الله (الروائي الفلسطيني، رئيس المجلس الأعلى للتربية والثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية) السيد يحيى يخلف، سيد يخلف، في البداية هل هناك حيفٌ ما يلحق بالصورة الفلسطينية اليوم؟

يحيى يخلف: مساء الخير أخي محمد بالبداية.

محمد كريشان: مساء الخير.

يحيى يخلف: أكيد هناك.. هناك تشويه لصورة الفلسطيني والعربي، نجد جذور هذه المحاولات في الدعاية الصهيونية، وفي الأدب العبري، وفي مناهج التعليم، ولا ننسى أيضاً أنه الصهيونية وظَّفت الثقافة توظيفاً لخدمة المؤسسة العسكرية، ويمكن القول إنه الكاتب أو المثقف الإسرائيلي يضبط خطواته على خطوات هذه المؤسسة العسكرية الحاكمة، ومع ذلك نقول إنه على الرغم من ذلك.. على الرغم من كل هذا العمل الدعائي إلا إنه عدالة القضية الفلسطينية من خلال النضال الفلسطيني وصلت إلى عمق الرأي العام العالمي، وبأعتقد إنه كل المحاولات التي جرت من أجل تشويه هذه الصورة، بالمقابل نجد إنه أيضاً هناك رقعة واسعة يقف عليها -كما ذكرتم في التقرير- العديد من المفكرين، من أولئك الذين يمتلكون الضمير والخُلُق وبُعد النظر والحكمة، الذين يقفون مع نضال الشعب الفلسطيني، وأذكر فعلاً هنا كلمة لـ (سراماجو) أثناء زيارته لرام الله عندما قال يجب أن تقرع الأجراس في هذا العالم لتعلن بقوة إنه الاحتلال.. من أجل رحيل الاحتلال الإسرائيلي، وأن كل مواطن في هذا العالم بيته محتل هو فلسطيني، بالتالي يعني..

محمد كريشان [مقاطعاً]: نعم ولكن.. ولكن عفواً سيد.. سيد يخلف يعني، طالما هناك إقرار بأن الصورة تتعرض لبعض التشويه أو التحريف هل هي فقط مسؤولية إسرائيلية أم أيضاً الجانب الفلسطيني عن وعي أو عن غير وعي إنما يسهم أيضاً بدور أو بآخر؟

يحيى يخلف: هي في الواقع ليست صورة فقط الفلسطيني، يعني نحن نشهد هذه الأيام لا تنسى إنه هناك يعني في الولايات المتحدة الأميركية هناك حملة يُسعِّرها عدد من المفكرين الذين يبشرون بثقافة القوة وصدام الحضارات، والذين يتحدثون عن نهاية التاريخ وما بعد نهاية التاريخ، ويتحدثون بشكل عام عن فلسفة القوة التي تستند إليها.. أو يستند إليها المجمع الصناعي والحربي في الولايات المتحدة، الذي يمثله الرئيس بوش، والذي يخوض حرب العولمة تحت شعار محاربة الإرهاب، وفي هذا الإطار نرى التشويه يلحق بصورة العربي والمسلم بشكل عام، وليس فقط الفلسطيني، وبالتالي إذا كان...

محمد كريشان [مقاطعاً]: ولكن عفواً، يعني حتى.. يعني عفواً، حتى قبل أن نصل إلى.. إلى هذه النقطة من.. من المرحلة السياسية الحالية، يعني هل يمكن القول بأن صورة الفلسطيني بدأت في الانكفاء على الأقل على الصعيد الثقافي منذ اتفاقات أوسلو، ودخول القضية في متاهات الجزئيات والتفاصيل التفاوضية، ومعها تراجعت كل التعبئة الدولية التي كانت تتمتع بها القضية، هل هذا الكلام كلام منصف ودقيق؟

يحيى يخلف: يعني ليس.. إلى حد الواقع ليس دقيقاً هذا الكلام، لأنني أعتقد إنه القضية الفلسطينية وجدت في كل المحطات هذا الدعم في أوساط الرأي العام العالمي، ولكن ربما يكون هناك تقصير يعني ذاتي أيضاً من قبل المؤسسة الفلسطينية أو المؤسسة العربية في الدفاع عن الصورة وعن الثقافة في مواقع عديدة من العالم، يعني مثلاً...

محمد كريشان [مقاطعاً]: هل هذا التقصير مثلاً.. هل هذا التقصير مثلاً تتحمل مسؤوليته بعض الشيء، مؤسسات منظمة التحرير وقد ضمرت شيئاً ما مع دخول التسوية و.. وتركز الأضواء كلها على الداخل، كانت هناك مجلات تصدر، كانت هناك فعاليات ربما كانت أكثر.. أكثر نشاطاً.

يحيى يخلف: يعني.. يعني هو الإبداع -أخي محمد- هو جهد فردي بالأساس، وفي هذا المجال لا أعتقد إنه هناك تقصير، المثقف الفلسطيني المبدع استطاع أن يقدم التزامه انطلاقاً من مواقعه التقدمية العديد من الإبداعات في مختلف مجالات الآداب والفنون، أما بالنسبة للمؤسسة الرسمية الفلسطينية والعربية فأنا بأعتقد إنه هناك تقصير بالتأكيد.

الثقافة بشكل عام مهمشة، سواء في النظام العربي، أو في النظام الفلسطيني، لا تُعطى الثقافة القدر الكافي من الاهتمام، وأنا حضرت بعض مؤتمرات وزراء الثقافة العرب، ووجدت إنه الثقافة مهمشة لأنه أقل ميزانية في ميزانيات الوزارات العربية هي الميزانيات المخصصة للثقافة في معظم بلدان الوطن العربي، و.. ونحن...

محمد كريشان: ولكن.. ولكن سيد.. ولكن سيد يحيى يخلف، يعني ارتباط الثقافي والسياسي ارتباط معروف، هل الصورة الآن التي تريد أن تُظْهر الفلسطيني كإنسان إرهابي وانتحاري مدمر، لا يحترم لا حياته ولا حياة المدنيين، هكذا تصور الآلة الإعلامية، هل انعكس ذلك على صورة الفلسطيني كإنسان بشكل عام، بكل الأبعاد الثقافية والحضارية وغيرها؟

يحيى يخلف: يعني هناك محاولات طبعاً، هناك أوساط من الرأي العام العالمي التي.. الموجهة من قبل الآلة الدعائية الأميركية والإسرائيلية تحاول تشويه هذه الصورة، ولكن بالمقابل هناك أوساط من الرأي العام العالمي تتفهم النضال الفلسطيني وتقف بقوة إلى جانب الشعب الفلسطيني، صحيح إنه بعض يعني العمليات التي تمس بالمدنيين تؤثر سلباً في الرأي العام العالمي، ولكن بشكل عام هناك تفهم للجوهر الإنساني للقضية الفلسطينية، ولدوافع هذا الإنسان في الصمود والمقاومة، وفي محاولات البحث عن آفاق بالخروج وللبحث عن نزعة التحرر الوطني...

محمد كريشان [مقاطعاً]: هل.. هل هناك.. يعني عفواً يعني هل هناك بعض هذا التفهم داخل أوساط ثقافية يهودية أيضاً داخل إسرائيل أو خارجها؟ هل هناك بعض الشيء؟

يحيى يخلف: يعني نحن لا نراهن كثيراً على تفهم مثل هذه الأوساط، ويمكن أن نقول أن هناك بعض القوى اليسارية أوغير اليسارية، لكن بالأساس يجب أن نبذل نحن جهداً ذاتياً، يجب أن تتحمل المؤسسة الرسمية مسؤولية دعاية الإبداع ومحاولة إيصال الصوت الفلسطيني الإبداعي إلى الرأي العام من خلال الترجمة، من خلال عمل ندوات، من خلال إقامة مراكز ثقافية، من خلال توثيق العلاقة والحوار مع الآخر، لدينا مثلاً العديد من المنابر، هناك معهد العالم العربي في باريس، هناك أصدقاء للقضية الفلسطينية في مختلف المواقع، أنا شخصياً في العام الماضي شاركت في عدة ندوات في ألمانيا، وقابلت الجمهور الألماني، ووجدت إنه الخطاب الثقافي يصل إلى المواطن الألماني من خلال الآداب والفنون أكثر مما تفعل الدعاية المباشرة أو الإعلام المباشر، يعني هناك هذا الموضوع طويل ويحتاج إلى.. إلى يعني الحديث الطويل عنه، ولكن نحن نريد أن نختصر ونقول: يجب أن تبذل جهود.. جهود وتتضافر جهود فلسطينية وعربية من أجل تصحيح الصورة، صورة الفلسطيني وصورة العربي، ومن أجل أيضاً الدفاع عن الثقافة العربية في أوساط الرأي العام العالمي من خلال وسائل التقنيات الجديدة والحديثة، يعني صورة الحضارة العربية والإنسانية والإسلامية يجب.. يجب أن تقدم من خلال شبكة الإنترنت، ومن خلال وسائل التقنية والأطراف، وغير ذلك، يعني يجب أن نجد وسائل عصرية لمخاطبة الرأي العام العالمي.

محمد كريشان: نعم، سيد يحيى يخلف (رئيس المجلس الأعلى للتربية والثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية) شكراً جزيلاً لك.

آلة الدعاية الصهيونية لمسخ مقوِّمات الإنسان الفلسطيني لم تكن أقل شراسة من دبابات ومجنزرات التدمير الإسرائيلي، لكنها كمثيلاتها العسكرية لقيت وتلقى مقاومة باسلة من شعب لا يكف عن الإبداع والعطاء.

بعد الفاصل: تساؤلات عن الإسهام الفلسطيني في مقاومة محاولات التشويه والتقزيم ودور المثقفين العرب في معركة الوجود الفلسطيني المتكامل.

[فاصل إعلاني]

دور المثقفين العرب في معركة الوجود الفلسطيني

محمد كريشان: إذن تتحمل الصهيونية دعاية وقمعاً الشطر الأكبر من المسؤولية عن مأساة الشعب الفلسطيني في مختلف تجلياتها، لكن المؤسسات الفلسطينية نفسها تتحمل قسطاً من المسؤولية عما يبدو قصوراً، بل وأحياناً تقصيراً، ومع ذلك يظل الفلسطيني يقاوم ويبدع ويعلن عن إنسانيته بكبرياء، الشاعر الفلسطيني (مدير بيت الشعر في رام الله) المتوكل طه يشرح أكثر.

المتوكل طه (شاعر فلسطيني - مدير بيت الشعر في رام الله): الإبداع الفلسطيني -بصورة عامة- هو الجذر الذي تنهض عليه كل الثورات والنتوءات المقاومة منذ قرن لغاية الآن، وبالتالي ثمة علاقة جدلية تأثر وتأثير ما بين هذه الانتفاضات وما بين إجراءات الاحتلال التي تسعى إلى اجتثاثها وتفريغها من مضمونها وهذا من ناحية، من ناحية ثانية الانتفاضة الفلسطينية استطاعت رغم كل عوامل الموت والشلل التي تفرضها قوات الاحتلال الإسرائيلي أن تُبقي استطالاتها وأذرعها ممتدة إلى حدٍ ما، وحاضرة وموجودة وقائمة رغم أن عوامل الحصار المتواصل الذي مازال مفروضاً على كل الأرض الفلسطينية ألقى بظلاله الثقيلة على الحضور الثقافي الفلسطيني من ناحية، من ناحية ثانية هناك عملية تَطَامُن من المؤسسة الثقافية الفلسطينية ربما استمرأت هذا الوضع، وقبلت هذا الموات والشلل، وبالتالي لم تسعَ لوضع استراتيجية ثقافية قادرة على تأصيل حضور ثقافي أعلى وأكثر شمولية محلياً وعربياً وعالمياً.

للأسف الشديد 17 كتاباً فقط التي صدرت خلال الانتفاضة تناولت موضوعات الانتفاضة وموضوعات الثقافة، ولا أعني دواوين الشعر والروايات والقصص القصيرة والمسرحيات، وما إلى ذلك، وإذا نظرنا إلى هذا الكم يكون كم فاضح عملياً، وأيضاً هناك أسباب كثيرة أدت إلى ذلك منها قصور المؤسسة الثقافية الرسمية الفلسطينية، وهناك أسباب تتعلق بأن المثقفين الفلسطينيين أنفسهم مجروحون بغير مسألة، والمسألة الثالثة يعني نظرية الاستلاب الاحتلالي والتغريب الاحتلالي تواجهها نظرية التحدي الفلسطيني من خلال إصدار مجلة "الكارمل" ومجلتي "الشعراء"، وبعض المعارض هنا وهناك، ولكن كل هذا لا يكفي، عملياً المؤسسة الثقافية، الفلسطينية الرسمية تستطيع أن تعمل الأكثر والأكثر اتساعاً والأكثر نفاذاً وعمقاً.

دور المثقفين الغرب في معركة الوجود الفلسطيني.

محمد كريشان: إذاً للمؤسسة الفلسطينية مسؤولية لا يجب تجاهلها تجنباً.. تجنباً لاستمرارها أو تكرارها، كما أن للمؤسسات العربيةَ.. العربيةِ عفواً مسؤولياتها أيضاً، من بيروت معنا (الروائي والناقد اللبناني) إلياس خوري لمناقشة بعض جوانب هذه القضية من الخارج.

سيد خوري، طالما نكرر باستمرار بأن القضية الفلسطينية قضية عربية، أين يكمن الضمور الثقافي في.. في التضامن العربي مع هذه القضية في هذه المرحلة؟

إلياس خوري: الحقيقة بالأول بدي أسمح لنفسي أستغل وجودي على الشاشة لأحيي الإخوة بفلسطين وخصوصاً أحيي آلاف الأسرى بالمعتقلات الإسرائيلية، ولأنهم إن هم عم يكتبوا أهم.. أهم كتاب بالتاريخ العربي الحديث.

لنرجع لسؤالك أستاذ، أنا بأفتكر المسألة الأساسية إن الثقافة العربية تعاني ازدواجية مخيفة، من ناحية الثقافة الرسمية العربية تحب فلسطين لكنها من ناحية أخرى تكره الفلسطينيين تريد فلسطينيين ضحايا فقط، ولا تأخذ وجودهم كبشر وكناس وكتعبير إنساني وثقافي بشكل جدي، وهذا بنشوفه بالقمع المتواصل الذي يتعرض له الفلسطينيون في كل البلدان العربية، أنا عم بأحكيك من بيروت وأنت بتعرف إنه المخيمات الفلسطينية بلبنان شبه محاصرة، الفلسطينيين بلبنان مُحاصرين فعلياً؟ وبالتالي كل ها.. ها الخطاب وها الكلام عن حب فلسطين لا يُترجم بحب للفلسطينيين، فالنقطة الأولى إذا بدنا نحكي عن دور الثقافة العربية، أولاً لازم نعتبر الفلسطينيين شعب، نعتبر الفلسطينيين بشر، نعتبر الفلسطينيين لهم حقوق، ثم لازم نأخذ بعين الاعتبار إنه هذا الشعب له حق التعبير عن نفسه وله حق أن يكون حراً، مش شأن هيك أنا ما بأتفاجئ من الموقف الإسرائيلي الإسرائيليين من بداية الحركة الصهيونية (لجولدا مائير) لهلا لشارون إلى آخره إنه لا يعترفون بوجود شعب فلسطيني، المخيف إنه.. والمفاجئ إنه بالعالم العربي حتى الآن لا يوجد اعتراف حقيقي بوجود الفلسطينيين وبحقهم في هذا الوجود ودعمنا لإلهم أو الدعم الرسمي العربي لإلهم هو دعم كلامي وتليفزيوني ولا يفيد شيئاً.

محمد كريشان: سيد خوري، يعني هذا المخيف والمفاجئ -كما تقول- هل هو نتيجة التوجه الرسمي وبالتالي انعكس حتى على النخبة المثقفة أم تراه أزمة عامة رسمية وغير رسمية تشمل الجميع؟

إلياس خوري: لأ، فيه.. فيه شقين للسؤال حضرتك، الشق الأول هو الشق الرسمي، والشق الرسمي، السياسة الرسمية العربية واضحة بإبعاد.. برفض الفلسطينيين وبحصارهم.

والشق الثاني.. شق الثقافة العربية، أنا بأفتكر الثقافة العربية -كما تعلم- تعاني مشكلة كبرى هي مشكلة حرية التعبير، المثقف العربي ببلاده ممنوع من التعبير، المثقف العربي ببلاده ممنوع من التعبير أو تعبيره مقموع، وبالتالي قدرته على التضامن مع الشعب الفلسطيني بالعمق، يعني إذا بدي أتضامن أنا مع الشعب الفلسطيني من لبنان أو من مصر، أو من سوريا. ما بيعني إنه بدي أؤيد للشعب الفلسطيني، بيعني إنه أنا كمثقف لبناني أو سوري أو مصري أو.. أو أردني أو إلى آخره، لازم ببلدي أخلق جو أعبر عن.. عن حقائق تقدر فعلاً تساعد الفلسطينيين بمعرفتهم وهذا غير متوفر، الحكي الوحيد المسموح فيه بالعالم العربي، هو حكي عام، حكي خطابي، أما الحكي الفعلي كيف تدعم الانتفاضة الفلسطينية فهو حكي غائب كلياً بالعكس بدال ما يدعموا الانتفاضة الفلسطينية، كل الحكي نقد و.. وهجوم، وتشويه للنضال الفلسطيني..

محمد كريشان[مقاطعاً]: ولكن سيد خوري عفواً يعني ما الذي منع أن يتوجه بعض المثقفين العرب إلى الأراضي الفلسطينية للإعراب عن دعم، كما توجه غيرهم من الأجانب أين الإشكال هنا؟

إلياس خوري: أنا.. أنا ما بأعرف، اللي بأقدر أخبرك عني أنا يعني، عن لبنان. عن المثقفين بلبنان وسوريا، لأنه إحنا -بتعرف- وضعنا مشترك، نحنا.. نحنا ما فينا نروح على فلسطين، لأنه بالقانون ببلادنا ممنوع نروح، لأنه هايدا بيعتبر تطبيع وبالتالي مش بتطلع لفلسطين وترجع بلدك، من شان هيك ما رحنا على فلسطين، بس ما فيه شيء.. ما فيه شيء منعنا إنه نكتب وإنه نجرب وإنه نعتبر النضال من أجل فلسطين هو جزء من نضالنا من أجل الحرية والديمقراطية في العالم العربي، فلسطين إلها معنى وحيد في العالم العربي إنه تكون جزء من معركة النضال من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي.

محمد كريشان: ولكن هل.. هل انعكس هذا أيضاً حتى على عطاء المثقفين العرب تجاه الرأي العام العربي بشكل عام، يعني حتى إذا كان التضامن المباشر بهذا المعنى المفقود، ما الذي يمنع المثقفين من التوجه إلى الرأي العام العربي واستمرار دور التعبئة في المجال الفلسطيني، هل هناك تقصير في هذا المجال؟
إلياس خوري: لأ، معلش أنا.. عم تحكي عن شغلتين مختلفتين عن المثقفين والتعبئة نحن ما بنشتغل تعبئة المثقفين، نحن نشتغل أدب وفن وإبداع، وأنا بأفتكر..

محمد كريشان[مقاطعاً]: لأ، يعني عفواً يعني التعبئة ليس بالمعنى السياسي المباشر، بمعنى ترك القضية حية في ضمير الأمة بشكل عام، عبر.. عبر كل الإبداعات.

إلياس خوري: على.. على هذا.. على هذا المستوى أنا بأفتكر الثقافة العربية لم تتوقف يوماً عن المشاركة بعمق في القضية الفلسطينية كتير من المثقفين العرب ويمكن أنا واحد بيناتهم، حتى ببلدي الناس مفكرين إني فلسطيني من قدر ما كتبت عن فلسطين، حليم بركات ناس يفكروه فلسطين وهو سوري، و.. وأسماء كتيرة ارتبطت واشتغلت وناضلت وما تزال في الإبداع من أجل فلسطين، ولكن على مستوى يا اللي بتسميه تعبئة، مستوى التعبئة يحتاج إلى مؤسسات أخرى، مش إلى ثقافة، بالثقافة مهمتنا نحنا أو مهمة المثقف، إنه يقول الحقيقة، إنه يروح على عمق المشكلة الفلسطينية ويمكن.. يمكن بيفتكر.. بيفتكر مجموعة شعر مثل "حالة حصار" تبع محمود درويش اللي صدرت هلا بالانتفاضة أكثر تعبيراً عن صورة الفلسطيني الحقيقية، يعني صورة الإنسان بنضاله من أجل إنسانيته، لأنه الفلسطيني ما بيناضل من شان يموت، الفلسطيني عم يناضل من أجل الحياة ومن أجل الحرية، فما بتلاقيها هاي إلا بالأدب، أما بالإعلام وبالمؤسسات الرسمية، فالكلام يتراوح بين.. بين تشدد لفظي داعم وبالواقع قمع على الأرض أو بين تجاهل كامل.

محمد كريشان: نعم، سيد خوري، في النهاية هل هناك نوع من شعور عام بالخيبة لدى فئات واسعة من المثقفين انعكس حتى على مردودهم التضامني على هذا الصعيد، على أساس هناك خيبة عامة سياسية من الوضع العام جعلهم ينكفئون؟ هل هناك هذا البُعد أيضاً؟

إلياس خوري: أنا رأيي طبعاً بالعالم العربي.. العالم العربي يعيش اليوم لحظة كتير صعبة وخاصة في ظل (....) الحصار الداخلي والخارجي، تعرف بلادنا داخلياً محاصرة بالديكتاتورية وخارجياً محاصرة بالولايات المتحدة الأميركية، ولكن أنا بأفتكر.. أنا بأفتكر بالعمق إنه رغم كل هذا السواد، فيه نقطة مضيئة وحيدة يمكن في العالم العربي اليوم، هي نضال الشعب الفلسطيني وما إلنا حق نحنا كمثقفين أن نتخلى عن رؤية هذا الضوء، لأنه هذا الضوء هو يا اللي عم يعطينا إمكانية إنه نشوف إنه ما يجري الآن هو جزء من سياق تاريخي، المعركة من أجل فلسطين معركة تاريخية طويلة، الوهم إنه فلسطين تتحرر بأيام وبساعات أو بسنوات، هو وهم فلسطين هي المعركة الكبرى يا اللي بدها تحدد مصير العالم العربي.

محمد كريشان: نعم، سيد إلياس خوري (الكاتب اللبناني والروائي والناقد) شكراً جزيلاً لك، وبهذا نصل إلى نهاية هذه الحلقة من (قضايا الساعة). دمتم في رعاية الله. وإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة