المسلم في عالم الاقتصاد   
الثلاثاء 1431/2/4 هـ - الموافق 19/1/2010 م (آخر تحديث) الساعة 15:09 (مكة المكرمة)، 12:09 (غرينتش)

- أسباب وعوامل التخلف الاقتصادي للأمة العربية
- دور الإنسان والسلوك الفردي في التخلف الاقتصادي

- تأثير النمط الاستهلاكي والعوامل المؤثرة في التنمية

- نظرية الاقتصاد الإسلامي وسبل معالجة جوانب الخلل

عثمان عثمان
منذر قحف
عثمان عثمان:
مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة. نمط الحياة الحديثة أوجد احتياجات كثيرة دون وسائل كافية لتلبيتها، فهل حاجات اليوم حقيقية أم وهمية؟ وأين أصبحت قيم العمل والوقت والإنتاج؟ وهل تحول الإنسان إلى آلة وهو يصارع في سبيل البحث عن لقمة العيش؟ بل هل أصبح تأمين لقمة العيش الهدف الأسمى في الحياة؟ المسلم في عالم الاقتصاد موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع الدكتور منذر قحف أستاذ التمويل الإسلامي في كلية قطر للدراسات الإسلامية، مرحبا بكم دكتور.

منذر قحف: السلام عليكم. أهلا وسهلا.

أسباب وعوامل التخلف الاقتصادي للأمة العربية

عثمان عثمان: دكتور التخلف مشكلة معقدة وله جوانب متعددة أيضا، أحد جوانب هذه المشكلة مشكلة التخلف، التخلف الاقتصادي، أمتنا متهمة بهذا التخلف رغم كل ما تملك من إمكانات، هل هو القدر سوء التدبير غياب الرؤية أم ماذا؟

منذر قحف: الحقيقة هو مجموع من حالة ثقافية اقتصادية اجتماعية أولها يمكن وأهمها هو الجانب الثقافي في ذلك، الجانب الثقافي اللي قدرة الإنسان على تحويل الأفكار المجردة إلى أعمال وطموحات حقيقية قابلة للتطبيق والتنفيذ، هذا ينطبق على مسلك الإنسان في كل جوانب الحياة سواء كان هذا الجانب جانب النمو الاقتصادي اللي يتمثل بزيادة الثروة، إنتاج ثروة جديدة، أو كان الجانب الثقافي اللي يتمثل بتطوير أفكاره وتطوير أعماله الناتجة عن هذه الأفكار أو كان في الجانب الاجتماعي اللي يتمثل في قدرة الإنسان على التعاون مع الآخرين لخلق بيئة اجتماعية أفضل من السابق، هذه الجوانب كلها تتضافر مع بعضها الحقيقة ونلاحظ أن مركزها هو الإنسان، الإنسان مركزها بمعنى مش الإنسان المجرد المتقي لأن التقوى وحدها عامل مهم جدا ولكنها غير كافية، ينبغي أن يكون مع هذه التقوى تصور عملي لما يفعله من أجل تحسين بيئته الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بكل أطرافها، هذا التغيير يمكن أن نجد مثالا فيه وهو مثال طريف ومفيد، عبد الله بن مسعود لما يقول كنا لا نترك بضع الآيات التي تعلمناها حتى نعمل بها، فتعلمنا العلم والعمل معا، هذا المنطق منطق أننا ننطلق بطاقة عملية نطبق فيها أفكارنا هذا منطق نفتقده في مجتمعنا المعاصر إلى حدود بعيدة، بكل تأكيد أنا أقول إنه حصلت تغيرات خلال الخمسين سنة الأخيرة للمجتمع العربي بعض جوانبها نيرة جدا ووجد بيننا من عنده رؤية وعنده تفاعل مع أفكاره بحيث ينتج أعمالا حقيقية وينتج تغييرات حقيقية بكل جوانبها ولكن نحتاج إلى تعميق هذا المعنى وزيادة حتى نستطيع أن ننهض نهضة حقيقية اقتصادية وثقافية.

عثمان عثمان: إذاً لا نستطيع أن ننكر أن هناك تخلفا، البعض يحمل مسؤولية هذا التخلف إلى الحكومات وسياسة الحكومات الاقتصادية ربما والسياسية والاجتماعية إلى ما هنالك، ما مسؤولية الأفراد أيضا دكتور؟

منذر قحف: يعني الحقيقة أولا أنا أريد أن أقول إن الحكومات لا تأتي إلا من الأفراد لأن الذين يحكمون بصيغهم المتعددة هم أفراد أيضا، فهؤلاء الأفراد وما يصنعونه من أو يخلقونه من مؤسسات ونظم هي من ذلك المجتمع من طبيعته فلا بد من هذا التغيير، التغيير الإنسان سواء كان حاكما أو محكوما سواء كان جزء من منظومة حكومية فيها نظم وقوانين تنفذ تستخدم الوسائل القوى المباشرة أو غير المباشرة قوة السلاح أو قوة القانون من أجل تنفيذها أو كان جزء من منظومة اجتماعية هذا الإنسان هو الذي نحتاج إلى تغيير أفكاره من أجل أن يجعلها أفكارا فاعلة وليست أفكارا سلبية أو نظرية بحتة أو أفكارا جامدة وبالتالي الحقيقة المسؤولية هي مشتركة وهي تبدأ من تغيير الإنسان إلى تحميله أفكارا فاعلة قادرة على إحداث التغيير بالاتجاه الحسن.

عثمان عثمان: هذه الأفكار كيف يمكن إيصالها إلى المجتمع وتفعيلها مع الناس؟ طبعا هناك مسؤوليات معينة في مواقع معينة في مؤسسات ما يجب العمل عليها ربما لتغيير نمط التفكير عند الناس.

منذر قحف: يعني حصل مرة لما يتحدث ابن مسعود عن تعلمنا العلم والعمل معا، كان الرسول عليه الصلاة والسلام اللي يعلمهم فلما علمهم هذا بدؤوا بإحداث هذا التغيير العملي التطبيقي، الأمثلة من اللي يمكن أن نسميه role model النموذج الذي يحتذى في السلوك الإنسان هذا النموذج بالنسبة للصحابة الكرام مثله الرسول عليه الصلاة والسلام لأنه أعطاهم النموذج الحي كيف يتفاعلون مع البيئة المحيطة بهم بكل أشكالها المادية والاجتماعية، الآن نحن نحتاج إلى معنى الـ role model اللي ممكن نسميه بشكل آخر هو النموذج الحي الذي يحتذى والذي يؤثر على الإنسان المتفاعل معه، بمعنى عامل التماس المغير هذا العامل يمكن أن يكون الأسرة، الأبوي، يمكن أن يكون أستاذا مؤثرا في المدرسة، يمكن أن يكون شابا من شباب الحي مؤثرا في من حوله ممن هم من جيله أو أصغر منه، يمكن أن يكون إمام المسجد، نحن لم نعط عناية كافية لعناصر التماس هذه، عناصر التماس هي عناصر تستطيع أن تغير في الآخرين وتدفعهم نحو منهج عملي بدلا من أن يكون منهجا نظريا.

عثمان عثمان: ماذا عن دور المؤسسات التعليمية في هذا الجانب؟

منذر قحف: شوف، المؤسسات التعليمية بكل تأكيد لها دور كبير، هناك جانبان بالنسبة للتنمية بجوانبها الاقتصادية والاجتماعية، جانبان في مسألة التعليم، المؤسسة التعليمية الجانب الأول فيها هو ما الذي نعلمه للناس؟ لما نعلم الناس علوما نظرية ليس فيها معنى القدوة الحسنة المباشرة يكون التعليم جامدا الحقيقة وعند ذلك لا ننتج أناسا فاعلين، مقابل ذلك أن نعلم الناس التكنولوجيا فن ابتكار الأفكار وفن خلق المتغيرات التي تؤدي إلى توليد ثروة بالنسبة للجانب الاقتصادي وإلى توليد أفكار فاعلة بالنسبة للجانب الثقافي وإلى توريد علاقات مفيدة ومطورة بالنسبة إلى الجانب الاجتماعي، هذا النوع من التعليم يمكن أن يأتي إما من خلال رائد التعليم، من هو رائد التعليم؟ الحقيقة المعلم الأستاذ هو رائد التعليم، مهما كانت النظم المعلم يستطيع أن يحدث هذا التغيير في حيز كبير من تلامذه، هذه واحدة، المؤسسة التعليمية نفسها ينبغي أن تأخذ منحى آخر وهنا يأتي دور الحكومة في ذلك، منحى آخر هو منحى تنموي بدلا من أن يكون منحى تنظيريا بحتا.

دور الإنسان والسلوك الفردي في التخلف الاقتصادي

عثمان عثمان: نعم. دكتور البعض يتهم الاقتصاد الإسلامي بأنه انصرف إلى معالجة الخلل في الاستثمار الرأسمالي ولم يعط الجانب المطلوب أو الوقت المطلوب والمساحة المطلوبة لبناء الإنسان وتشييد فكر هذا الإنسان في مواجهة التحديات والمشكلات.

منذر قحف: يعني الكلام كأنه يكون عن البنوك الإسلامية، البنوك الإسلامية حقيقة الأمر هي خطوة كبيرة ورائدة في التغيير، نحن أحيانا لا نفهم البنوك الإسلامية على حقيقتها، إنما نشأت البنوك الإسلامية نتيجة تطور فكري حصل عند بعض العلماء وبعض أصحاب المال وهذا التطور الفكري جعلهم يتعاونون معا لإحداث صيغة جديدة مختلفة من التمويل لم تكن موجودة من قبل وهذه الصيغة بطبيعتها صيغة تنموية الحقيقة ينبغي ألا ننكر ذلك، هل يكفي ذلك على أنه نموذج التطوير الاقتصادي الإسلامي المطلوب؟ لا، هو جزء منه ولكنه ليس هو كل النموذج ولا هو أهم جزء بهذا النموذج، يعني النموذج الأهم، الجزء الأهم هو أن نغير الإنسان من واقعه الجامد غير الفعال إلى واقع آخر فعال منتج، هذا التغيير نسميه، يحتاج إلى تغيير فيما نسميه المؤسسات الذاتية، المؤسسات الذاتية تختلف عن القيم أو الأخلاق لأن المؤسسات الذاتية هي مؤسسات عملية تعني أن هذا الإنسان يتغير من إنسان يحمل قيما وأخلاق فقط إلى إنسان يطبق هذه القيم ويطبق هذه الأخلاق، لو أخذنا نموذج -الحقيقة نموذج جدا مهم- الرسول عليه الصلاة والسلام في فترة كان فيها من أكثر الفترات ألما، مات ابنه إبراهيم، وابنه إبراهيم يدفن وهو الذي بكى عليه، لم يبكي على غيره، لم نجد في الروايات أنه بكى على غيره، بكى على ابنه وهو يدفن وبتلك اللحظة يقول للدافن "إن الله يحب أحدكم إذا عملا عملا أن يتقنه".

عثمان عثمان: يعني هنا أسأل يعني أي إنسان صنع الواقع الاقتصادي اليوم هذا الإنسان الذي يعيش في مجتمعاتنا العربية والإسلامية؟

منذر قحف: يعني الحقيقة نحن تطورنا تطورا مهما اقتصاديا واجتماعيا، ينبغي ألا ننكر ذلك وهي حقيقة، خلال الخمسين سنة أو أكثر من الخمسين سنة الماضية حصلت تغيرات اجتماعية وثقافية واقتصادية في كل أنحاء العالم الإسلامي مهمة ولكن هذه التغيرات لم تأخذ كل مداها لأننا لم نستطع من خلال عناصر التماس التغييرية لم نستطع أن نعمم هذه التغيرات بحيث تشمل عددا كافيا من الناس ينهضون بمجتمعنا، يعني يقول البعض أحيانا إننا نحتاج إلى حوالي عشرين ألفا بالعالم العربي من الفاعلين لننهض بالعالم العربي، نحن هذا العدد لم نستطع أن نحصله لأننا لم نستطع أن نوجد عناصر التماس الكافية، عناصر التماس اللي هي إمام المسجد معلم المدرسة الصديق الأكبر الأخ الأكبر القريب الفاعل الأبوان الفاعلان مثل هؤلاء هم عناصر التماس اللي تحدث التغيير في الإنسان وبالتالي نجد فيما بيننا في عندنا ناس حقيقة الأمر يولدون ثروات وينتجون إنتاجا حقيقيا وهناك نماذج عديدة نحن نلاحظها في حياتنا الفردية وأحيانا نسمع عنها أيضا بالأخبار ولكن لم نستطع أن ننشئ العدد الكافي من هؤلاء لأننا لم نول عناصر التماس هذه التي تولد هذه الفاعليات لم نولها الاهتمام الكافي اللي هي فعلا الأبوان المعلم الصديق الكبير القريب أي إنسان يمكن أن يؤثر بالآخرين نحو تطبيق للقيم والأفكار وليس فقط أخذ وتبني قيم وأفكار.

عثمان عثمان: يبقى الإنسان هو القيمة الاقتصادية الأولى كما يقول البعض، ما دور سلوكيات الأفراد دكتور في التخلص من التخلف الاقتصادي؟

منذر قحف: حقيقة الأمر اللي يبدو لي أن أهم عامل في التخلص من التخلف أنه نحن نعيد النظر في سلوكنا كأفراد بحيث نستطيع أن ننتقل من عامل الاستهلاك فقط أو عامل التدين السلبي إلى عامل الإنتاج اللي يولد ثروة ويولد تغييرا اجتماعيا حقيقيا، هذا شيء نسميه المؤسسات الذاتية، المؤسسات الذاتية هي قيم وأفكار لدى الناس تطبيقية تحفزهم على التغيير وعلى إنتاج الثروة، هذه القيم الذاتية المؤسسات الذاتية هي التي تولد المؤسسات الخارجية لأنه إذا نظرنا إلى واقع الأمر من أين تأتي النظم والمؤسسات والقوانين والعلاقات العامة بين الناس؟ تأتي من هؤلاء الأفراد هم الذين يصنعون هذه العلاقات وهم الذين يفرضونها على المجتمع بكامله، فنحن عنصر التغيير فيها هو أن نولد في نسبة معقولة من شبابنا بشكل خاص ومن كهولنا نولد فيهم هذه القدرة على تبني أفكار فاعلة وليست أفكارا سلبية أو جامدة، يعني خذ مثالا، مثلا الآية الكريمة التي تقول {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}[الفرقان:67] معناها أننا في الاستهلاك سنكون معقولين بحد معقول وسنكون أيضا معنى أن نكون غير مسرفين وغير مقترين أن يكون هناك جزء من الدخل قد وفرناه وأن هذا الدخل سيستثمر، فإذا كانت قنوات الاستثمار قنوات إسلامية بمعنى أنه لا يكون استثمارا بمجرد عملية الإقراض، سيكون الاستثمار كله إنتاجيا، لا يكون غير إنتاجي، فإذا كان الجزء الذي وفرناه من دخلنا عندما نوفر له ظروف الاستثمار الإسلامية إذاً سيكون بطبيعته إنتاجيا وبطبيعته عند ذلك تنمويا أيضا.

عثمان عثمان: دكتور نتحدث في سلوكيات الفرد وتأثيرات هذا السلوك على الاقتصاد ومعالجة التخلف، البعض يقول إنه ساد في مجتمعنا الآن منطق ماذا لي وماذا أريد، وغاب منطق ماذا علي، يعني ألا ترون أن ذلك أيضا يؤثر في موضوع التنمية الاقتصادية والاجتماعية وإعاقة هذه التنمية؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام أهلا ومرحبا بكم من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان المسلم في عالم الاقتصاد مع الدكتور منذر قحف. دكتور في العصر الحديث الآن ساد منطق يعني ماذا لي، منطق الحقوق وغاب منطق الواجبات، ومنطق الواجبات ربما هو مساهم إلى حد كبير في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، كيف ترون الأمر؟

منذر قحف: يعني التنمية معناها زيادة الثروة وزيادة ما يتمتع به الإنسان من أفكار ومن أشياء مع بعضها، هذا بمجموعه هذه الزيادة اللي هي مفهوم التنمية بحقيقتها سواء كان مادية أو ثقافية أو اجتماعية هذه الزيادة لا يمكن أن تأتي من منطق الأخذ، هي بطبيعتها عملية إنتاج فبطبيعتها عملية عطاء، يعني إحنا لما القرآن الكريم لو استعملنا التعبير التقليدي اللي يعني نسمع تقليديا ولكن لا نفعله واقعيا اللي هو معنى القدوة الحسنة، الرسول عليه الصلاة والسلام لما يقول "ما أكل أحد قط طعاما خيرا مما يأكل من عمل يده وكان داود عليه السلام يأكل من عمل يده" وداود ملك كان ومع ذلك كان يأكل من عمل يده، يعني ما معنى هذه القضية؟ معناها أنه ينبغي أن يكون الإنسان منتجا أولا فإذا أنتج من حقه أن يستهلك أما إذا كان مستهلكا فقط فكيف يستطيع أن يبيح لنفسه أن يستهلك ما أنتجه الآخرون؟ بأي معنى هو يستهلك فقط منتجات الآخرين وهم الذين يقررونها له، يعني بزمانه حصلت قضية تاريخية طريفة ومهمة، عبد الملك بن مروان هدده الروم بأنهم سيغيرون طريقة ما يكتب أو شيء نوع مما يكتب الكلمات التي تكتب على العملة، ففكر هو لماذا نستعمل عملة الآخرين، لماذا لا ننتج نحن عملتنا؟ فاستغنى عن الدينار الرومي وأقام الدينار الإسلامي وصنعه في بلده وصنعه كما يشاء، الكلمة المشهورة لإقبال لما يقول إنه رأى ربه في المنام يعني هي نوع من الميتافيزيق يعني ليست حقيقية بالتأكيد فقال له هل أعجبك هذا العالم؟ قال لا يا ربي، قال إذاً أعد صناعته كما تشاء، اليد الفاعلة هي التي تتمتع حقيقة لأن الإنتاج نفسه هو، هو نفسه متعة هو نفسه تنمية بشرية تنمية لقدرات الإنسان وتنمية لطاقات هذا الإنسان.

عثمان عثمان: دكتور بس اسمح لي هنا، في طرفة لنقل أو لطيفة من اللطائف، أحد الدعاة عندما سئل لماذا تأكلون ما لا تزرعون؟ لماذا تلبسون ما لا تخيطون؟ قال الله عز وجل سخر لنا هذا الكون وهذه الدول الغربية لتصنع لنا السيارة فنركبها تصنع لنا الطائرة فنطير بها. يعني هذا المنطق إلى أي حد هو واقعي في مجتمعاتنا؟

منذر قحف: يعني الحقيقة أنا سمعت هذه الكلمة من أحد العلماء التقليديين من زمن طويل من حوالي عشرين سنة وهي كلمة طريفة أضاف إليها وتصنع لنا أيضا الملابس التي نلبسها. هذا النوع من الموقف يمكن أن يستمر في حالة واحدة، لما يكون هناك موارد لم تأت بها أنت وموارد صدف أنك عشت في ظرفها، أما هل يمكن لمثل هذا الموقف أن يستمر؟ لا يمكن أبدا، وعلى مستوى المجتمع لا يستطيع أن يعيش يعني نحن إذا تحدثنا عن تنمية مستدامة فالتنمية المستدامة شرطها وعنصرها الأول هو الإنسان القادر على الإنتاج، الإنسان المهيأ بالعلم الكافي وبالطاقة التقنية، التقانة إيش معناها؟ معناها نقل الفكرة إلى عمل منتج إلى عمل فيه إبداع فيه معنى خلق الشيء الجديد توليد الشيء الجديد، بالمناسبة كلمة خلق يعني جائز استعمالها بمثل هذا لأن القرآن الكريم استعملها {..تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ..}[المائدة:110] فيعني ما فيها تعدي على معنى الخلق، خلق الله سبحانه وتعالى معنى أعم وأهم بكثير، ذلك من لا شيء، هذا توليد شيء من شيء.

تأثير النمط الاستهلاكي والعوامل المؤثرة في التنمية

عثمان عثمان: نعم. دكتور اسمح لنا أن نأخذ بعض الآراء من الشارع المصري حيث وجه إلى ذلك الشارع هذا السؤال، هل تحول الإنسان إلى آلة وهو يصارع في سبيل لقمة العيش؟ فكانت الإجابات التالية

[شريط مسجل]

مشارك1: يعني هو أقرب ما يكون إلى الآلة يعني ما فيش وقت أصلا أن الواحد يعيش حياته العادية، كل الناس بتخرج الصبح وكل همها أنه هي تروح الشغل ده، لو هو شغال مثلا شفتين ولا shift في مكان وفي مكان ثاني حاجة ثانية بيطلع من هنا بيروح يكمل هنا، وهو لو ما عملش كده مش حيعرف يعيش كويس لا هو ولا أسرته ولا أي حد يعني.

مشارك2: البني آدم في الوقت اللي إحنا فيه ده محتاج أن يكون مكنة طاحون شغالة طول اليوم ويمكن عايز 48 ساعة فوق الـ 24 ساعة على أساس يقدر يكفي الدنيا والحياة والمعيشة بتاعته بس.

مشارك3: هو فعلا الحياة تتطلب كده أنه إحنا نبقى آلة في كرسي، لكن للأسف يعني في ناس الحياة بتجبرها على كده، لكن في حاجة معينة لو تمسكنا به عمره الإنسان ما بيكون آلة في كرسي بيدور وخلاص، هو لو تمسك بالدين ودخل الدين في حياتنا الحياة فعلا حتمشي بما يرضي الله وحتمشي زي النبي عليه الصلاة والسلام لما قال، قال إنه إحنا ما نخليش العمل هو حياتنا، لا، إحنا ندخل الدين في حياتنا حتلاقي كل حاجة سهلة في حياتنا وكل حاجة متيسرة.

مشارك4: زي ما معروف زي ما بيقولوا الغاية تبرر الوسيلة بس مش دائما بضوابط، في الضوابط الدينية الضوابط الاجتماعية، احترام الإنسان لنفسه يخليني أسعى أنه أنا أجيب رزقي ورزق أولادي لأن ده سبب الحياة بس بضوابط بعيدة عن إخافة الله أو مخالفة شرع الله بالتأكيد يعني.

مشارك5: حضرتك الناس دلوقت شغلها الشاغل أكل العيش أولا ثم أكل العيش ثانيا ثم أكل العيش ثالثا، طبعا الثقافة والتعليم ده كله ده جانب ضروري ومهم ولازم كل إنسان يثقف نفسه أولا علشان يقدر يجيب لقمة عيشه.

[نهاية الشريط المسجل]

عثمان عثمان: دكتور يبدو أن الإنسان العربي أصبح مستعبدا لتلبية حاجاته وتأمين لقمة عيشه وهذا يشغله طبعا عن ضروريات الحياة.

منذر قحف: يعني الحقيقة ينبغي أن نلاحظ أيضا أن بعض مجتمعاتنا العربية الإنسان العادي اللي فيها الإنسان المتوسط فيها يعيش تحت ضغوط مادية واجتماعية وسياسية متعددة، ينبغي ألا ننكر ذلك، فلما يعيش الإنسان تحت هذه الضغوط وخاصة المادية منها فعلا قد يجد نفسها محرجا ومضيقا عليه بهذا المعنى، أنا أذكر نقطتين هنا، النقطة الأولى هي فكرة المتعة بالإنتاج، الإسلام أراد أن يؤكد هذا المعنى تأكيدا كثيرا إلى درجة أنه وردت ببعض الروايات أن الرسول عليه الصلاة والسلام قبل يدا كلت من العمل، وتحدث عن شخص كان قوي البنية وتمنى بعض الصحابة لو كان ذلك في سبيل الله، فقال لهم لو كان لهم يغدو على نفسه أو أسرته -معنى الحديث- أو أنه يغدو على أهله ليعيلهم فهو في سبيل الله، فمعنى العمل المنتج أنه في سبيل الله حقيقة هذا المعنى هي المتعة في العمل، المتعة في الإنتاج، هذا جانب. الجانب الثاني هو أننا في كثير من الأحيان نمينا حاجاتنا أكثر بكثير مما تستطيعه إمكاناتنا فمثل هذا فعلا يوقع الناس بنوع من النهم يعني لهف وراء الاستزادة المادية الإنفاقية اللي بالنتيجة لن توصلهم أبدا إلى أي شيء لأنه ستكون الحاجات المادية دائما متزايدة مهما فعلت ومهما حصلت على دخل ستكون الحاجات المادية دائما متزايدة بطبيعة الحال، فنحن إذاً في معنى هو معنى لا أريد أن أقول القناعة لأن القناعة أحيانا تحمل على أنها قناعة إنتاجية، لا، المعنى أنه وترى الدنيا انطوت في كفه ليس منها ذرة في قلبه.

عثمان عثمان: ربما في هذا الموضوع بعض السادة المشاهدين، بعض المشاركات في الـ facebook يقول السيد رامي جمعة "أظن بأن الكثير من حاجات نمط الحياة الحديثة هي حاجات وهمية، على سبيل المثال يضطر كثير من الشباب إلى الهجرة وتحمل الأعباء، أعباء الاغتراب والمعيشة القاسية من أجل تأمين مصاريف الزواج الباهظة التي هي في الغالب إنتاج الحضارة الزائفة من متطلبات السكن الراقي والسيارة إلى غير ذلك"، الأخت مي ملكاوي تقول "أصعب شيء في العصر الحديث هو التنصل من النمط الاستهلاكي الذي بدأ يسود بشكل كبير جدا رغم الوضع الاقتصادي السيء في العالم العربي"، تسأل كيف نستطيع أن نوثق ما بين هذه الأنماط الاستهلاكية ومنظومة قول الله تعالى {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}[الإسراء:29]؟ هل يمكن الحديث هنا دكتور عن ترشيد أو الاستهلاك الرشيد أو ترشيد الإنفاق مثلا يعني هل هو عامل من عوامل التنمية؟

منذر قحف: يعني في عامل اجتماعي ينبغي ألا يغيب عن ذهننا وهو عامل التقليد وهو موجود عند كل الناس ويصعب أن نستبعد هذا العامل من حساباتنا الذي يسمى عادة باللغة الإنجليزية demonstration effect تأثير الآخرين على استهلاكنا، ينبغي أن نأخذه دائما باعتبارنا ولا يمكن إنكاره أبدا، بس من خلال هذا العامل أيضا ومن خلال فكرة عناصر التماس التي تغير من نظراتنا الواقعية التطبيقية للأشياء أنا أعتقد أنه بالإمكان أن نطور من مفهومنا الاستهلاكي ومفهومنا الاجتماعي بالتالي مثل الاستهلاك لنفقات الزواج بحيث أن نستطيع أن ننفق ضمن إمكاناتنا، ونستطيع أن نزيد من إمكاناتنا الإنتاجية والإنتاج بكل معناها أولا المادي وثانيا الثقافي والاجتماعي وثالثا أيضا، يعني أنا لا أنكر الجوانب الاجتماعية والثقافية في الاستزادة بس الجانب المادي أيضا ينبغي ألا نضحي به لأنه جانب مهم أيضا، الفكرة فيها أنه نستطيع من خلال عناصر التماس من خلال العناصر الفاعلة في المجتمع المؤثرة التي ذكرتم قبل الآن أن نتطور مفهوم الاستهلاك إلى حدود لا بأس بها، ليست كما.. يعني لن نلغي عامل تأثير التقليد لأنه بديهي أن يحصل مثل هذا العامل ولكننا نستطيع أن نقلل من أثره ونطور هذا الاستهلاك ليكون منتجا بدلا من أن يكون استهلاكا فقط تقليديا بحتا.

عثمان عثمان: دكتور لو أردنا أن نتحدث عن العلاقة المضطردة ما بين المال والعمل، كل عمل يقابله مال، إذا لم يكن هناك مال ليس هناك عمل يعني هذه النظرية التقابلية بين المال والعمل إلى أي حد تؤثر في التنمية الاجتماعية والاقتصادية؟

منذر قحف: يعني نحن نلاحظ أنها تؤثر بكل تأكيد وتأثيرها كبير، النشاط الإنساني نحتاج دائما معه إلى تمويل، توفير التمويل بطريقة تناسب أفكار المجتمع ومستواه الاقتصادي اللي وصل إليه، أنا أظن أن هذا التوفير ليس من الأمور التي يعجز عنها أي مجتمع مهما كان مستواه مستوى تقدمه المادي، فلو أخذنا حتى المجتمعات الإسلامية القليلة النمو الآن في واقعنا المعاصر تستطيع من داخلها أن توفر التمويل للنشاط الاقتصادي الذي يقوم به أهلها بكل تأكيد لو استطعنا أن نطور السياسات التي نتبناها، وأنا أقول من أهم هذه السياسات سياسة محاربة الفساد لأنه إيش أهم شيء يؤثره الفساد؟ هو إضعاف الرغبة في الإنتاج لأنه إن كنت أستطيع أن أحصل على دخل عالي أن أزيد ثروتي من خلال عمليات هي في حقيقتها عمليات الفساد من رشوة أو من تقديم بعض الخدمات لمسؤولين أو لحكام أو لقضاة أو غير ذلك، إذا كنت أستطيع أن أزيد ثروتي من خلال ذلك فلماذا أعمل؟ أهم شيء يؤديه الفساد أهم ضرر هو تثبيط الهمة على العمل، تثبيط الإنسان وتغيير منهج الإنسان في الاستزادة من الثروة. فجوانب متعددة هنا لو كل مجتمع إسلامي معاصر يستطيع أن يقدم التمويل الذاتي وإن كان التمويل الخارجي أيضا من خلال تغيير سياسات التمويل الخارجي سيكون له أثر يمكن أن يكون مفيدا جدا، والآن الحقيقة في توجه جديد خلال القرن الحالي العشر سنوات الماضية التوجه لدى المستثمرين المسلمين والبنوك الإسلامية أن تتجه إلى دول العالم الثالث ودول إسلامية أخرى في استثمار فوائضها بدلا من أن تستثمرها بأسواق المال الغربية، هذا التوجه توجه مهم ومفيد ويؤدي إلى تحسين الأحوال العامة إن شاء الله للمسلمين.

نظرية الاقتصاد الإسلامي وسبل معالجة جوانب الخلل

عثمان عثمان: هناك مفاهيم اقتصادية مركزية في العصر الحديث عندنا الرأسمالية التي تقوم على المنفعة والمصلحة عندنا النظام الماركسي الذي يقوم على الحاجة، البعض يقول ليس هناك اقتصاد إسلامي، بالأصل ما النظرية التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي في مقابل هاتين النظريتين؟

منذر قحف: النظرية التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي هي نظرية أنه ينبغي على الإنسان ومن حقه ومن واجبه أيضا أن ينتج لنفسه وبنفس الوقت لا بد لنا من نوع من إعادة توزيع اجتماعي من خلال تقديم خدمات عامة وخدمات توزيعية بشكل خاص من خلال مؤسستي الزكاة والأوقاف ومن خلال قاعدة أنه لا كسب بدون ملك حقيقي أو إنتاج حقيقي علم حقيقي، فالعمل يكسب والمال يكسب أيضا ولكن لا يوجد كسب بدون هذين، فلو لم تملك مالا  يعني ملكت دينا فقط، الإقراض لا يكسب، هذا معنى تحريم الربا، ومن جهة ثانية أيضا لا بد من إعادة التوزيع يعني لا يكفي فقط أن نقول إن الناس يعملون كما يشاؤون، نعم يعملون كما يشاؤون بحرية اقتصادية متناهية وباحترام كبير للملكية الفردية ومع ذلك أن يدعم هذا النظام أو تدعم الملكية الفردية بنظام توزيعي هو من داخل النظام نفسه وليس من خارجه، يعني مش مفروض عليه بمعنى خارجي تستطيع الدولة أن تقصر منه أو تزيد فيه كما تشاء حتى لو كانت الدولة ديمقراطية بمعى الجهاز التشريعي ولكن من خلال نظام داخلي، الزكاة هي نظام داخلي الحقيقة لإعادة التوزيع.

عثمان عثمان: إذاً دكتور أنتم ذكرتم نقطة مهمة جدا، موضوع المال يجب أن يكون مقابل إنتاج، اليوم في حياتنا اليومية في أعمالنا في وظائفنا نجد أن العمل يقوم على الدوام بعيدا عن الإنتاج ويعني إظهار شيء فاعل، نتحدث عن الفاعلية، أين الخلل برأيكم؟

منذر قحف: يعني هذا الحقيقة يأتينا إلى نقطة مهمة، هي دور الشباب، دور الشباب وأنا أقول أيضا ودور المرأة، لاحظ أولا المرأة نصف المجتمع، والشباب في معظم المجتمعات العربية المعاصرة قد يكون الاستثناء الوحيد تونس ما عدا ذلك معظم المجتمعات العربية المعاصرة الناس الذين أعمارهم من الـ 15 إلى الـ 25 يزيدون عن 60% تقريبا من المجتمع، دور هؤلاء في عملية التطوير والإنتاج هو الدور الأساسي، فلو أضفنا إلى الشباب عنصر المرأة بالتأكيد نحن نقول 60% من الشباب ذكورا وإناثا، بس نضيف أيضا دور المرأة، علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام أن النساء شقائق الرجال، معنى الشقائق أي النصف المماثل، فدور المرأة في التطوير الاجتماعي والتطوير الاقتصادي والثقافي دور مهم جدا ودور الشباب، ينبغي أن نميز الحقيقة بين الأرقام البطالة التي نقرأها لا تعطينا الرقم الحقيقي للبطالة لأن هناك عاطلين عن العمل ولكنهم يتقاضون رواتب ويحضرون إلى مكاتب.

عثمان عثمان: ويداومون بشكل يومي.

منذر قحف: فهم يداومون بشكل يومي ولكنهم في حقيقة العمل..

عثمان عثمان (مقاطعا): لا ينتجون.

منذر قحف: (متابعا): عاطلون عن العمل، هؤلاء توزيعيون فقط يعني بمعنى أن الدولة قصدت أن تعطيهم دخولا فقط ولم تقصد أن ينتج هؤلاء لمجتمعهم، هذا النوع هو نوع من العطالة الحقيقة نوع من البطالة اللي غير ظاهرة يعني نوع من البطالة المقنعة وإن كان البطالة المقنعة تعرف بشكل آخر بس هو نوع من البطالة المقنعة في حقيقته أو نوع من العمالة غير المنتجة ممكن نسميها، هذه مسألة قيمة تطبيقية أيضا، أنه نحن نحتاج إلى هؤلاء الـ catalyst الناس المؤثرون الذين يغيرون القيم التطبيقية للناس بحيث يجعلونه فاعلا بدلا من أن يكون عاملا عاطلا بوقت واحد يداوم على مكتب ولكنه لا ينتج، يعني بم يستحق ذلك المال؟ لو سألنا هذا السؤال.

عثمان عثمان: يعني دكتور هناك جملة من المشكلات التي ذكرناها في موضوع التخلف الاقتصادي وعدم التنمية البشرية والاجتماعية، لو أردنا أن نتحدث الآن عن الدور المطلوب أو الوعي المطلوب اليوم لمعالجة مجمل هذه المشكلات؟

منذر قحف: أنا أقول إن هناك أسلوبين للتنمية، أسلوب يأتي من الأعلى وأسلوب يبدأ من الأسفل، الأسلوب الذي يبدأ من الأسفل هو يبدأ بتغيير زمرة من الناس يعني زمرة مش يعني أنهم أناس منتقون، نخبة، لا، من كل الناس من يتأثرون بسرعة أكثر ويتغيرون، هذا التغيير من الأسفل هو الذي يمكن أن يديم تنمية مستدامة طويلة الأمد يستطيع هذا التغيير من الأسفل أن يعيد بنية الإنسان نحو العمل المنتج وليس العمل السلبي أو الأفكار السلبية، نحن نحتاج إلى أفكار منتجة إيجابية عملية تطبيقية، هذا من جانب.. ويقوم بهذا الـ catalyst عوامل التماس اللي هي الأستاذ في المدرسة والمعلم والأب والأم والأخ والعم والخال وإمام المسجد، نحن معظم أئمة مساجدنا بكل أسف عاطلون عن العمل..

عثمان عثمان (مقاطعا): هذا ركن، الركن الآخر.

منذر قحف: الركن الآخر هو دور الدولة اللي تجر التنمية من الأعلى..

عثمان عثمان (مقاطعا): دكتور نتحدث عن دولة ونتحدث عن فساد منتشر ونتحدث عن مصادرة للحريات نتحدث عن قيود كثيرة، كيف يمكن وسط هذه المشكلات التي تُسأل عنها الدولة بشكل رئيسي ربما أن نتحدث عن تنمية؟

منذر قحف: أنا أعتقد أنه يمكن أن نتحدث عن تنمية، لأن بعض أشكال التنمية هي ليست خصما -يعني لنقل الكلام بصراحته- ليست خصما للدكتاتور، لو وجدنا.. لو وضعنا حكما دكتاتوريا كاملا وهذا الحكم الدكتاتوري الكامل يا ترى الإصلاح في جانب جباية الضريبة هل يتعارض مع الحكم الدكتاتوري؟ لا يتعارض، الإصلاح في جانب المرور لا يتعارض مع الحكم الدكتاتوري، هناك قضايا اجتماعية كثيرة نستطيع أن نقوم بها رغم الظروف القاسية السياسية وظروف الحريات التي يعيشها العالم العربي، أنا لا أقول معنى ذلك أن نسكت عن ظروف الحريات، شوف الحرية هي أهم عامل في النشاط الاقتصادي والتنمية الاقتصادية لأن الإنسان الذي ليس حرا سياسيا لا يستطيع أن يكون حرا ثقافيا ولا يستطيع أن يكون حرا اجتماعيا ولا يستطيع أن يكون حرا اقتصاديا، لا يستطيع أن يبتكر اقتصاديا، هنك كثير من المشروعات مثلا في بعض الدول الدكتاتورية التي تقوم على المحسوبيات أنا على علم بعدد من المشروعات التنموية ببعض هذه البلدان التي قام بها مغتربون من بلدان أخرى جمعوا ثروات وأرادوا أن ينموا في بلادهم اضطروا أن ينسحبوا بعد ذلك لأنهم لم يستطيعوا أن يعيشوا مع نظام المحسوبيات القائم لأنه كان يتطلب منهم أن يدفعوا الرشاوي على كل صعيد، فمثل هذه الأمور نحن نحتاج بكل تأكيد إلى إصلاح سياسي كبير في جانب الحريات، بس أنا أقول ذلك الإصلاح والذين يعملون في ذلك الميدان اللي ينبغي أن نكون كلنا معهم ينبغي ألا يصرفنا عن جانب الإصلاح المؤسسي في جوانب كثيرة تصلح وتقييم لبنات في المجتمع للإصلاح على المستوى العام لتغيير المؤسسات العامة وتغيير نظم وتغيير قوانين وتغيير..

عثمان عثمان (مقاطعا): لو أردت أن تتحدث بشيء من الدقة دكتور ما دور السياسات الحكومية اليوم في معالجة كل ذلك؟

منذر قحف: لو أخذنا نموذج مثلا حكومة نور الدين الشهيد في دمشق وفي سوريا والعراق سيطرت على معظم اللي اسمه الآن سوريا ولبنان والأردن والعراق، دولة نور الدين الشهيد قامت على فكرة سحب التنمية أو رفع المجتمع من الأعلى، أن الحكومة هي التي تشد المجتمع نحو التنمية، فاستطاعت مثلا أن تحسن الأمن استطاعت أن تحسن الطرق اللي هي البنية التحتية استطاعت أن تزيل الضرائب عن الإنتاج الزراعي، هذه التحسينات التي أقامتها هذه الدول أو هذه الدولة دولة نور الدين الشهيد هي التي مهدت لنصر صلاح الدين الأيوبي..

عثمان عثمان (مقاطعا): ولكن هذه التغيرات لم تدم طويلا دكتور.

منذر قحف: السبب أنها كانت تغيرات فقط على مستوى الحاكم ولم تدخل إلى مستوى الشعب أو نسبة معقولة منه، لذلك لم تدم طويلا، حتى صلاح الدين الأيوبي على عظمته قد أسس دولة وراثية أيضا فتغيرت الظروف بعده ولم تدم طويلا صحيح لأنه لم تدخل المستوى الشعبي فنحن نحتاج إلى الوعي الشعبي الذي يقيم هذه الأمور في داخله.

عثمان عثمان: إذاً الوعي الشعبي كيف نؤسسه؟ كيف نبنيه؟ كيف نغذيه وننميه؟

منذر قحف: من خلال إعادة النظر بإمام المسجد من خلال توجيه الآباء من خلال الموجهين الاجتماعيين الـ catalyst اللي يشكلون عناصر تماس اللي يؤثرون على المجتمع ومن خلال هذه التربية الفردية المباشرة التي تؤدي إلى تغيير الأفراد وتنامي هذا التغيير.

عثمان عثمان: في الختام أشكركم الدكتور منذر قحف أستاذ التمويل الإسلامي في كلية قطر للدراسات الإسلامية على وجودكم معنا في هذه الحلقة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة