عبد الملك.. بين الجنوح والإيمان   
الاثنين 1426/4/22 هـ - الموافق 30/5/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:13 (مكة المكرمة)، 10:13 (غرينتش)

- بين السرقة والشغف للدراسة
- أثر مالكوم إكس على حياة عبد الملك

- صراع الغناء والصوفية



سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة تنقلنا هذه المرة إلى إحدى الضواحي الفرنسية فهنا قصة شاب خارج عن المألوف، بدأ حياته جانحا وسارقا وبائعا لحشيشة الكيف فأصبح مسلما وداعيا للدخول في دين الله وبين الجنوح والإيمان قصة شاب اشتهر أيضا بغناء الراب الذي كرَّسه لخدمة الإيمان والإسلام، إنه ريغيس الكونغولي الأصل والذي أصبح اليوم يدعى عبد الملك.

عبد الملك: بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ، مِن شَرِّ مَا خَلَقَ، ومِن شَرِّ غَاسِقٍ إذَا وقَبَ، ومِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ، ومِن شَرِّ حَاسِدٍ إذَا حَسَدَ}.

سامي كليب: عام 1978 أبصر ريغيس النور في باريس، وُلد في كنف عائلة كونغولية حيث كان والده حاملا إجازة في العلوم السياسية ولكن الوالد الذي عمل مستشارا لرئيس الحكومة في الكونغو ثم صحفيا في التلفزة الكونغولية قرر العودة إلى فرنسا وسرعان ما هجر عائلته تاركا لها ديونا كبيرة فراحت والدة ريغيس تشرب الخمر وتسكر لتنسى همومها، في هذا الجو المضطرب وُلد ريغيس فكان طبيعيا أن يتجه من نعومة أظافره إلى السرقة.

بين السرقة والشغف للدراسة

عبد الملك: أشعر بأن السنوات القليلة التي قضيتها في الكونغو كانت سنوات جميلة لأنها زادت انتماءاتي لإفريقيا، بعدها عدنا من الكونغو أنا وعائلتي عدنا إلى هنا إلى فرنسا وبعد ذلك بدأت أتجه إلى السرقة بعدما عدنا إلى الضاحية التي كنا نسكن فيها في استرسبورغ بفرنسا عندما انفصل والداي وهجرنا أبي، في ذلك الوقت لم أكن أسرق لأنني فاسد أو شرير بل لأن طريق الانحراف كان هو الطريق الوحيد الذي يجعلني أنتمي إلى المجموعة ويجعلني مقبولا في الضاحية وبين رفاقي الشباب، إذاً سلكت ذلك الطريق لكي أنتمي إلى المجموعة وإلى الضاحية وإلى رفاقي الشباب وهكذا أصبحت منحرفا ولكن ما كان يميزني عن رفاقي الآخرين هو أنني كنت أعيش حياة متوازية بين الانحراف وسرقة الجيوب وبين شغفي بالدراسة والمعرفة وقد ساعدني حبي للعلم على الالتحاق بمدرسة خاصة بمساعدة مدرسيّ ومدرساتي وبالتالي الخروج من الضاحية.

سامي كليب: كان من الطبيعي طبعا أن تلجأ إلى السرقة يعني أي طفل في الضواحي يلجأ إلى السرقة ولكن أن يلمع أيضا المراهق في الدراسة كان هذا تناقضا كبيرا بين السرقة والدراسة الجيدة، يعني كيف استطاعت أن تجمع بين الاثنين؟

"
عشت حياة متوازية بين الانحراف وسرقة الجيوب وبين شغفي بالدراسة والمعرفة والاهتمام بالأمور الروحانية
"
عبد الملك: هذه الحياة المزدوجة التي كنت أحياها منحرفا في الليل وطالبا صالحا في النهار كانت أمرا طبيعيا في الضاحية التي كنت أعيش فيها فالجميع كان يسعى للتأقلم ولكي يكون مقبولا من المجموعة، كان شغفي بالمعرفة واضحا عندما أخرج من الضاحية وأذهب إلى المدرسة وذلك رغبة مني في النجاح وليس النجاح بهدف الانتقام من المجتمع ولكن لأني أحب الدراسة وفي نفس الوقت كان نمط حياتي اليومي مقسما بين المدرسة والضاحية والعنف والانحراف وكأني مصاب بفصام الشخصية فقد عشت وكأني مقسوم إلى نصفين وعلى الرغم من ذلك فقد كانت الأمور كلها طبيعية بالنسبة لي وللأسف كان الجِير من شبان الحي يعملون بالزراعة وربما من حسن حظي أنني كنت شغوفا بالدراسة إلى جانب حياتي التي فرضت عليّ الانحراف وللأسف لم يكن ذلك الحال بالنسبة للآخرين فقد كانوا لا يفكرون إلا بما هو سلبي وعلى عكس الآخرين الذين كانوا للأسف يتبعون كل ما هو سلبي استطعت الاستمرار في هذه الحياة المتناقضة وإلى جانب شغفي بالدراسة والمعرفة كان لديّ شغف آخر وهو الاهتمام بالأمور الروحانية وكأن هذا وجه آخر لوجوه الفصام الذي كنت أعيشه، الانحراف والرغبة في التحصيل الدراسي بالإضافة إلى البحث في الأمور الروحية وحبي لله ورغبتي في الدين.

سامي كليب: تقول في كتابك أن يكون المرء سارقا فهذا أمر طبيعي وهذا يجسد أهميته في هرم الجُنَح والعصابات، هل فعلا كانت السرقة هي الوسيلة لتأكيد قوة شخص مقابل الآخرين؟

عبد الملك: كان يميزني عن الآخرين في عالم الانحراف إنني كنت سارقا للجيوب فهذا جعلني بالنسبة للصوص في منزلة أعلى فأن يكون الإنسان سارقا محترفا للجيوب فهي ميزة لأن هؤلاء اللصوص يكسبون نقودا أكثر وبما أنني انخرطت في هذا العمل في سن مبكرة أي في سن الحادية عشرة أو الثانية عشرة كنت أكسب الكثير من المال وقد كان هذا محزنا لأنه في أغلب الضواحي كانت القيم والمبادئ معكوسة فأن تكون لصا ليس بالسلوك السلبي حتى ولو لم يكن ذلك يعود عليك بالكثير وهكذا يمكننا القول إن مفهوم الخير والشر كان متعلقا بالمكان ومقترنا بالضاحية وهذا كان أحد الإشكاليات الرئيسية في الضواحي.

سامي كليب: حين بلغت سن الرابعة عشر طبعا كنت أصبحت خبيرا بالسرقة.. سرقة الجيوب ولكن أيضا السيارات وفيما بعد بدأت بالتعاطي بسرقة الحشيشة وبيعها للآخرين في الضواحي وخارج الضواحي، دخلت المخدرات على الضواحي الفرنسية ويبدو أن حياتك تأثرت جدا بدخول المخدرات وفي إحدى المرات كدت أن تُقتل مع صديقك هشام، ما الذي حصل تحديدا؟

عبد الملك: لقد تغيرت الأمور جذريا وانقلبت رأسا على عقب بعد دخول المخدرات إلى ضاحيتنا عندما بدأ بعض الأشخاص يحضرون الهيروين والكوكايين وأنواعا أخرى من المخدرات، أدى هذا إلى زعزعة مفهوم السيطرة لأن المخدرات أدت إلى سيطرة الجيل الأكبر سنا الذي دخل مباشرة إلى عالم المخدرات وأغلبهم كانوا مدمنين وهذا أفقدهم احترام الأصغر سنا لهم وتجار المخدرات الأصغر سنا كانت مفاهيمهم للأمور أكثر عنفا من الآخرين وأنا نفسي تطورت شخصيتي من لص إلى سارق جيوب ثم انتهيت مروجا للمخدرات وبائعا لها، أنا نفسي لاجتياز هذه المراحل مررت بمشاكل وأحداث صعبة للغاية لأن بعض المقربين مني لقوا حتفهم وأنا أيضا تعرضت بدوري للموت أكثر من مرة ولكنني نجوت.

سامي كليب: من سرقة محفظات النقود إلى سرقة السيارات إلى بيع حشيشة الكيف وصولا إلى الغرق بعالم المخدرات وجد ريغيس الشاب الإفريقي نفسه في خضم بحر هائج من الخطر والموت وفيما كان هو نفسه بارعا في الدراسة وفق ما تشهد علاماته المدرسية وشهاداته والأوسمة فإن الكثير من رفاقه قتلتهم المخدرات أو السرقات أو الحوادث أو السجن وريغيس يشير في كتاب مذكراته إلى أسماء.. أسماء جميع الرفاق الذين قتلتهم المخدرات فمن عبد السلام الذي قتلته المخدرات إلى جمال وفؤاد وديفد الذين ماتوا قتلا وصولا إلى فاروق الذي قتله فيروس الإيدز أو السيدا، أسماء كثيرة من رفاقه اختفت من قاموسه.

عبد الملك: لكي يقدم لكم هذا فإن كتابي هنا كان يتحدث عن هذه المجموعة وهؤلاء الشبان الذين عانوا للأسف من هذه الإشكاليات في الضواحي والأزقة، عبد السلام الذي توفي بسبب جرعة زائدة من المخدرات وكان أول من يلقى حتفه في الضاحية لهذا السبب وكان صغير السن وكما قلت لك في البداية عندما وصلت المخدرات إلى الضاحية كانت شيئا جديدا علينا ولكن المآسي بدأت تظهر عندما بدأ المتعاطون يموتون، كان عبد السلام قد أدمن المخدرات ثم دخل مركزا لعلاج الإدمان وفي نفس اليوم الذي خرج فيه من المركز.. في نفس اليوم رأيته لأن السيارة التي أقلَّته أنزلته أمام بيتي وحضر إليه مروِّج أعطاه جرعته من المخدرات فنزل عبد السلام إلى القبو الذي تحت منزلي وحقن نفسه بالمخدر ومات فورا وآلان الذي قُتل في حادث سيارة، آلان كان الوحيد في المجموعة الذي لم يكن منحرفا ولكنه في أحد الأيام تواجد في المكان الخطأ في سيارة ووقع الحادث، كان الوقت شتاء.. وشتاء استراسبورغ قاسي كما تعلم.. وقع في مجرى ماء ومات من جراء الحادث، توفي كريستوف من جرَّاء ضعف جسمه وهزالته وقد كان ذلك بسبب تعاطيه المخدرات التي تسببت أيضا في أن يحيا حياة صاخبة فقد تعاطى المخدرات وعاقر الخمر ومارس الرذيلة، لقد أفرط في كل المجالات ومات من جراء ذلك.

سامي كليب: هناك شخص أيضا رفيق لك توفي في السجن.

عبد الملك: كان آندي أيضا يتعاطى المخدرات وسُجن لفترة قصيرة وتألم من جراء ذلك لأنه لم يكن يستطيع الحصول على المخدر وكان مقررا له أن يخرج بعد أقل من شهر ولكنه لم يستطع تحمل هذه الفترة من دون مخدر وتوفي في السجن، الأشخاص الذين أتكلم عنهم ليسوا بعيدين عني ولكنني عاشرتهم وقضيت معهم أوقاتا كثيرة فعندما نفقد الأشخاص المقربين لنا لا نستطيع رؤية الأمور بوضوح وخاصة عندما نفقدهم بطريقة عنيفة ومأساوية ولكن عندما بدأت الوفيات تتتابع هكذا لم يعد الأمر عاديا ولا أعني أنه صار سيئا ولكنه لم يعد منطقيا، بالنسبة لي كانت هذه الحياة المأساوية جزءا من طبيعتنا وهذه هي المأساة فقد كنا كالذي يعيش في ظروف مغلوطة وهكذا فهذا هو المحيط الذي نشأت فيه.

سامي كليب: كل هؤلاء الرفاق قتلتهم إذاً المخدرات أو الحوادث أو السرقات أما ضيفنا الشاب الأفريقي ريغيس فهو كان يستمر في نجاحه المدرسي اللافت رغم غرقه في أجواء العصابات وفجأة حصل ما سيقلب حياته رأسا على عقب، نزلت على ريغيس %

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة