بيتر مورير.. الوضع في سوريا   
الأحد 7/11/1433 هـ - الموافق 23/9/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:50 (مكة المكرمة)، 12:50 (غرينتش)
نور الدين بو زيان
بيتر مورير

الأوضاع الإنسانية للمواطنين السوريين

نور الدين بو زيان: سيداتي وسادتي أسعد الله أوقاتكم وأهلا بكم وسهلا بكم  جميعا في هذا اللقاء الذي يجمعني بالسيد بيتر مورير وهو رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، السيد بيتر مورير في البداية أهلا وسهلا بك لعل السؤال الذي يمكن أن نبدأ به هذا اللقاء هو عدتم مؤخرا فقط من سوريا ما هي شهاداتكم؟ ماذا لاحظتم؟ ماذا رأيتم هل لكم أن تقدموا لنا صورة عن الأوضاع الإنسانية التي يعيشها المدنيون السوريون ضحايا ما يجري الآن في بلدهم؟

بيتر مورير: إضافة إلى لقاءاتي بالمسؤولين أثناء زيارتي لسوريا استطعت زيارة ضواحي مدينة دمشق، وقد بدا لي فيها واضحا كل سمات النزاع المسلح في مناطق ذات كثافة سكانية عالية، شاهدت فيها الدمار الذي أصاب منازلها وأحياءها كما شاهدت المستشفيات التي تعج بالمصابين والأطباء المرهقين لكثرة عملهم، ولمست مدى شح خزين الأدوية، وشاهدت جروح المصابين التي تدل على وجود حرب استهدفتهم، أي أننا شاهدنا كل شيء، فحتى المساجد تعرضت للهجوم وأصابتها القنابل كما أصابت المستشفيات والمراكز الطبية، إذن فقد شاهدنا كل ما يمكن أن يحصل في نزاع مسلح في مناطق ذات كثافة سكانية عالية في ضواحي دمشق.

نور الدين بو زيان: سلفكم زار في أبريل على ما أظن دمشق وقال أيضا أن نظام بشار الأسد تعهد بالسماح لمنظمتكم بالعمل في سوريا، وتعهد أيضا مثلا بالسماح لكم بالوصول إلى ضحايا النزاع المسلح الجاري الآن في سوريا لكن الآن بعد كل هذه الأشهر لا نكاد نرى فعلا أن الصليب الدولي يشتغل ويعمل كما يريد في سوريا.

بيتر مورير: دور المنظمات الإنسانية ليس إصدار الأحكام على الآخرين، فمهمتنا هي إيجاد الوسائل والطرق للاتصال بالرئيس بشار الأسد وحكومته لنتمكن من إيصال المساعدات إلى من يحتاجها، وقد ذكرت للسيد الأسد ما هي المعايير اللازم توفيرها لتسهيل عملنا، لقد استطاعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتعاون مع الهلال الأحمر السوري تحقيق الكثير مؤخرا فقد قدمنا خدماتنا لأكثر من 800 ألف شخص خلال هذه السنة بتقديم الغذاء والدواء لهم، إلا أن النزاع تصاعد واشتد حدة بحيث ازدادت الحاجات مما يعني أنه لا بد من تغيير طريقة عمل تسهيل دخول المواد والمعدات الطبية وتسهيل عمل الصليب الأحمر، بحيث نستطيع الوصول إلى كل مناطق البلاد، وقد شرحت للرئيس الأسد وحكومته ما هي أساليب العمل وأعتقد أن كل ما تستطيع أي منظمة إنسانية القيام به هو التذكير بالمبادئ والقانون مع شرح ما ينبغي عمله في مثل هذه الحالات بناءا على تجاربنا في مناطق نزاع أخرى، ولكن يتبقى الأمر بعد ذلك على عاتق الحكومات أن تطبق ذلك وأن توفر لنا الإطار الذي نستطيع العمل فيه كمنظمة إنسانية مستقلة.

نور الدين بو زيان: ألا تخشون مثلا أن يجيّر، أن يستغل، أن يوظّف نظام دمشق زيارتكم، محادثاتكم والمهمة التي قمتم بها مؤخرا في دمشق ليقول أنه منفتح على كل المنظمات الدولية الإنسانية وأنه ليس هو العقبة كأداة في الطريق مثلا نجدة المدنيين ودخول المنظمات الإنسانية للعمل بطريقة حرة في سوريا؟

بيتر مورير: لا أرى أين تكمن المصلحة في كسب الوقت فما ظهر لنا في هذه اللقاءات هو وجود إرادة لتحسين ظروف عملنا والسماح لنا بالوصول إلى السكان المدنيين، كما لاحظنا رغبتهم بالتعاون بشكل أكبر مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتحقيق بعض الأهداف التي اقترحناها، ولا بد من القول بكل نزاهة أنه بعد كل اللقاءات مع الرئيس السوري ومع كبار المسؤولين كانت تظهر أمامنا صعوبات في التطبيق، وسوريا ليست البلد الوحيد أو النزاع الوحيد الذي يواجه صعوبات في التطبيق لكننا نتحلى بالإرادة اللازمة، وقد أعددنا آلية لتطبيق التعاون وخطوات محددة يمكن أن نبدأ تطبيقها في الأيام والأسابيع القادمة، لنبيّن أن ثمة أمورا جيدة تحصل في الاتجاه الصحيح وأعتقد أن هذا كل ما يمكن توقعه من مثل هذه الزيارة واللقاءات التي أجريتها مع الرئيس الأسد.

الأسد وتعهداته بشأن المساعدات الإنسانية

نور الدين بو زيان: في حال لم يلتزم بما وعدكم به بشار الأسد وسمح لكم بإيصال المساعدات الغذائية والطبية إلى المدنيين في سوريا، هل تنوون العودة مرة أخرى إلى دمشق في مهمة جديدة؟ هل حددتم مهلة معينة مثلا لنظام بشار الأسد لكي يترجم هذه الوعود ويحولها من وعود إلى شيء ملموس يساعد مثلا منظمتكم على التحرك بحرية وفي كامل سوريا؟

بيتر مورير: لم نحدد أي مواعيد نهائية أو إنذارات فقد وضعنا آلية مشتركة للمراقبة والتطبيق، ولا مجال لإثارة مشاكل بين سوريا واللجنة الدولية للصليب الأحمر، فكل طرف من الجانبين سيعيّن نقاط اتصال حول بعض المجالات والأهداف التي اقترحناها، وسيكون من واجب نقاط الاتصال هذه الاتصال بنظرائهم السوريين لتجاوز أي مشاكل في التطبيق، ولكن إذا ما لاحظنا بعد فترة من الزمن أن الآلية غير ناجحة وأن إرادة تطبيقها غير كافية فإنني بالتأكيد سأتوجه إلى سوريا مرة أخرى آنذاك، وسوف نتابع أسلوب تحسين العمل خطوة خطوة، وآمل أننا نستطيع أن نعمل بشكل أفضل بهذا الأسلوب لتقديم العون للسوريين الذين يحتاجون مساعداتنا في كل أنحاء سوريا، إنني بوصفي رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر كما هو حال كل رئيس لهذه اللجنة، أميل للمطالبة بالحد الأقصى من العون الإنساني للسكان ولكن لا بد من القول أيضا بأنني أقدر اللهجة المباشرة والواقعية وغير الجدلية التي خاطبني بها الرئيس الأسد، ومناقشته للمواضيع التي طرحتها عليه، وموافقته على تحسين ظروف عمل الصليب الأحمر وإنني آمل أن تنجح الآليات التي وضعناها للتطبيق مع بعض التغيرات التي اقترحناها ومنها على سبيل المثال أن يتمكن الصليب الأحمر من العمل باستخدام وسائل الاتصال الضرورية لأداء عملنا والانتشار في المناطق المختلفة، وقد طلبنا فتح طريق سريع لنقل المواد الغذائية والأدوية والمعدات الطبية وهو ما يمكن أن يسهّل ويسرّع دخول هذه المواد إلى سوريا دون مواجهة عقوبات بيروقراطية تمنع ملء المخازن ووصول الأدوية إلى المستشفيات، كما طلبنا السماح بمقابلة السجناء ومناقشة الجيش السوري حول تصرفه في القتال، وآمل أننا سنرى في الأيام والأسابيع القادمة خطوات تطبيقية ملموسة في مجال المساعدات والحماية.

[فاصل إعلاني]

الصليب الأحمر وحق الوصول إلى المعتقلين بالسجون السورية

نور الدين بو زيان: هل سمح لكم مثلا نظام بشار الأسد بزيارة المعتقلين وخاصة الذين يتعرضون للتعذيب في مراكز تابعة للاستخبارات السورية كما يقول الكثير من المنظمات الإنسانية الحقوقية الدولية؟

بيتر مورير: كما تعلمون أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر استطاعت في الشهور الماضية زيارة السجون المركزية السورية لأول مرة، وقدمنا تقريرنا الأولي عنها إلى الحكومة السورية وطبعا ننتظر الآن ردا على التوصيات التي قدمناها لهم كما تعلمون أيضا أن السماح لنا بزيارة هذه السجون يفرض المحافظة على سريّة كاملة لهذه الزيارة وسنلتزم بذلك، وبالتالي كما قلت لكم حصلنا على هذه التجربة الأولى وقد طلبت من الرئيس الأسد الموافقة على تسريع برنامج زيارة السجون وتوسيعه ليشمل مراكز اعتقال أخرى غير السجون.

نور الدين بو زيان: لكن نظام بشار الأسد على ما يبدو لم يلتزم صراحة بالسماح مثلا للصليب الأحمر بتفقد من يوجدون الآن وراء القضبان في مراكز تقول مصادر حقوقية ومنظمات حقوقية دولية بأنهم يتعرضون للتعذيب مثلا في مراكز تابعة للاستخبارات السورية.

بيتر مورير: ليس فقط في سوريا بل في دول أخرى كثيرة في العالم، نعلم أن المشاكل الإنسانية الحادة تبدأ بالظهور منذ لحظة اعتقال أي شخص إلى حين نقله إلى سجن اعتيادي، إذ غالبا ما تحصل حالات سوء المعاملة أو التعذيب خلال هذه الفترة، كما أن الانتهاكات تحصل غالبا في مراكز الاعتقال ليس في سوريا فقط، لأن البنى التحتية لمراكز الاعتقال لا تتوافق مع المعايير الدولية، وهنا أيضا سنحت لي الفرصة أن أشرح للرئيس ما يمكن أن يتضمنه برنامج زياراتنا لمثل هذه المراكز في سوريا.

طريقة التواصل مع الجيش السوري الحر

نور الدين بو زيان: تتحدثون عن اتصالات وقنوات اتصال بينكم وبين دمشق، ماذا عن التواصل أو دعني أقول تحركاتكم باتجاه الطرف الآخر من النزاع أي الجيش السوري الحر أو التنظيمات الأخرى التي تقاتل نظام بشار الأسد خاصة وأن هناك من يتهمها بأنها ربما لا تحترم حقوق الإنسان وأنها ترتكب كما تقول بعض الجهات تجاوزات تطال الحقوق الأساسية للسوريين؟

بيتر مورير: لدينا اتصال مع المعارضة المسلحة السورية عن طريق مندوبينا في الدول المجاورة، كما لدينا اتصالات معهم في جنيف وفي عواصم دول المنطقة وغيرها، فكما تعلمون أنتم أفضل مني أن هذه المعارضة منقسمة جدا على نفسها وأنه من الصعب معرفة من يمثل من في هذه المعارضة، ولكن اللجنة الدولية للصليب الأحمر بذلت جهودا كبيرة في الأسابيع الماضية لفتح قنوات الاتصال معها كما أن لدي الانطباع أن الرئيس الأسد وغيره من المسؤولين يقدرون أنه فيما يتعلق بمواضيع مثل طرق التصرف في النزاعات ومعاملة السجناء فإن الصليب الأحمر يتصل ليس فقط بالحكومة السورية بل بالمعارضة أيضا لذلك سنواصل هذه الاتصالات في محاولة منا لإيجاد الطريق المناسب لتحسين احترام الحقوق.

نور الدين بو زيان: البعض يتخوف من حدوث كارثة إنسانية غير مسبوقة، لماذا مثلا الصليب الأحمر لم يجاهر ويطلب مثلا كما تطلب بعض الجهات وبعض الحكومات بإقامة ممرات آمنة إنسانية لحماية هؤلاء المدنيين ولإيصال مثلا المؤن والأدوية ولإنقاذ ونجدة هؤلاء المدنيين؟

بيتر مورير: لقد شاهدتم أن فكرة الممرات الإنسانية غير مقبولة على الصعيد السياسي من قبل الأطراف السياسية، وأن الصليب الأحمر يعمل بطرق أخرى غير الممرات الإنسانية، فكما تعلمون فإننا نتصل بكل من يحمل السلاح في بعض الأحياء للتوصل والاتفاق على ترتيبات يستطيع الصليب الأحمر بموجبها الوصول لكل السكان السوريين، وقد اقترحت على الرئيس الأسد أن يتمكن الصليب الأحمر من العمل بنفس الطريقة التي ثبت أنها على الأرجح أكثر نجاحا من الطرق الأخرى في الوصول إلى السكان الذين يحتاجون للمساعدة، وأن ما نرغب أن نفعله هو أن نستطيع توسيع الرقعة الجغرافية لعملنا في سوريا، لنكون أكثر تواجدا في بعض المدن التي حصلت فيها المعارك وأن نستطيع التفاوض مع من يحمل السلاح للسماح بإيصال المساعدات الإنسانية لكنني أعتقد أن الصعوبة تكمن في أن الوضع يختلف من مدينة إلى أخرى مما سيجعل من الضروري أن يكون تحركنا أيضا مختلفا من مدينة إلى أخرى في هذا البلد.

نور الدين بو زيان: هل يمكن القول في نهاية هذا اللقاء من خلال معاينتكم للأوضاع في سوريا وفي حال استمر تدهور الأوضاع الإنسانية واشتدت الحرب في سوريا، القصف يومي بالطيران بالمدفعية، هل مثلا الآن ينتابكم قلق خوف، لديكم هاجس من أن تحدث في سوريا كارثة إنسانية غير مسبوقة؟

بيتر مورير: المشكلة الكبرى التي نواجهها اليوم في سوريا هي أننا نعلم أن الحاجات كبيرة ومتزايدة، وأن النزاع المسلح يتصاعد، لكننا لا نملك ما يكفي من مصادر لنعرف أي نوع من المشاكل سنواجه، وهو ما لا نستطيع معرفته إلا إذا أتيح لنا المزيد من القدرة على الحركة والانتشار للدخول في المستشفيات لمعرفة عدد الجرحى وما يحصل بشكل ملموس، وينبغي أن نكون حذرين دائما في وصف الوضع بأنه كارثي بالحديث عن الأرقام فنحن نعلم جميعا أن أفضل طريقة لإيقاف التأثيرات السلبية على السكان المدنيين هي توقف المعارك وهذا هو المهم ولكن ذلك ليس بالأمر الواقعي في الوقت الحالي ولا يبدو قابلا للتطبيق من هذا الجانب أو ذاك، وبالتالي علينا العمل على أساس أن المعارك ستستمر وأن الاحتياجات ستتزايد مع محاولاتنا الدائمة وقدر المستطاع برمجة عمل ونشاطات لجنة الصليب الأحمر في الأزمة السورية.

نور الدين بو زيان: سيد بيتر مورير رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لم يبق لي إلا أن أشكرك على تلبيتك دعوة قناة الجزيرة والرد على أسئلتنا، كما أشكر السادة المشاهدين الذين تفضلوا بالبقاء معنا حتى نهاية هذا اللقاء، في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة