سيد عسران   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

سامي كليب

ضيف الحلقة:

سيد عسران

تاريخ الحلقة:

27/06/2003

- بداية نضال سيد عسران ضد الاحتلال البريطاني
- تفاصيل عملية اغتيال رئيس الاستخبارات البريطانية

- مغادرة بورسعيد إلى القاهرة وكيفية العودة إليها

- لقاء سيد عسران بالرئيس جمال عبد الناصر

- دور سيد عسران في حرب 67

سامي كليب: مشاهدينا الكرام، نحن هنا في منطقة بورسعيد، البنت الشرعية لقناة السويس، ولأنها كذلك فهي عرفت الكثير من عذابات الاستعمار، ولكن الكثير أيضاً من البطولات، وفي عام 1956 انطلق منها شاب في السابعة عشرة من عمره يفجر سيارة المستعمر البريطاني رئيس الاستخبارات آنذاك (جون وليامز)، أين أصبح هذا الفتى؟ كيف يعيش؟ وماذا يعمل؟ هذا ما قصدناه في هذه الحلقة من (زيارة خاصة) هنا في بورسعيد لنتعرف على السيد عسران.

سيد عسران ولد في منطقة السويس، درس في بورسعيد في مدرسة الملك فاروق، لكن جور الغرب هناك دفع ربيع مراهقته إلى صفوف مقاومة البريطانيين، كان ولا يزال ناصرياً رغم مرارة ما عاناه في حرب 67، عمل في منزل المشير عبد الحكيم عامر، ثم كمندوب للاستخبارات، فمتى بدأ نضاله ضد المستعمر البريطاني؟ أو بالأحرى متى بدأ النضال في بورسعيد؟

بداية نضال سيد عسران ضد الاحتلال البريطاني

سيد عسران: النضال في بورسعيد لم يبدأ في 56، إنما كان مستمر ضد قوات الاحتلال البريطاني، يعني معروف إنه قوات الاحتلال البريطاني قعدت 74 سنة في مصر، فكان لها معسكرات في منطقة القناة وبورسعيد كانت فيه معسكرات كثيرة فيها، وجنود كثيرين، وكان باستمرار تحدث اشتباكات ما بين الجنود الإنجليز والشعب والصبية، يعني أنا لما بأبص على أطفال الحجارة في التليفزيون بأرجع كده وبأستعيد الذكريات بلاقي نفسي في الصورة دي، لأنه كان الشعب البورسعيدي حتى قبل الثورة كان بيقاوم.

سامي كليب: سيد عسران، في 7 نوفمبر عام 1956 صدر أول بيان للمقاومة الشعبية، ولكن قبل هذا البيان متى بدأت فعلاً المقاومة الشعبية وحالة التعبئة؟

سيد عسران: قبل الكلام ده في 56 حضرتك تقصد أو ما قبل 56؟

سامي كليب: لأ ما قبل 56 طبعا، 56 أول بيان رسمي للمقاومة.

سيد عسران: ما قبل 56، ما قبل 56 كان فيه الزعيم جمال عبد الناصر، كان فيه مفاوضات الجلاء وهو لرؤيته وللمساعدة في الضغوط أنشأ معسكرات اسمها معسكرات الحرس الوطني من المدنيين، يعني البقال، الحداد، النجار، العامل، الفلاح يتطوع، تطوُّع، فأنشأ في كل محافظة معسكر تحت اسم الحرس الوطني، اندفعت الجماهير للتطوع حُبًّا في عبد الناصر، لأنه زي ما قلت قبل كده إنه وجدت.. الناس وجدت في عبد الناصر إنه هو الزعيم الثوري والتصادمي من أجل الاستقلال والحرية.

سامي كليب: ودفاعاً عن الأرض بالدرجة الأولى.

سيد عسران: ودفاعاً طبعاً مافيش شك، يعني عايزين نخرجهم بقى لنا 70 سنة مش عارفين، فكان التدريب بيتم حوالي 20 يوم، ودفعة تانية بعد منها، ودفعة تانية، فاتعملت كوادر والشعب في بورسعيد وفي المحافظات الأخرى بيتدرب على الأسلحة الصغيرة زي (البرند)، وبعدين كنا بنأخذ برضو تدريب راقي بيسموه، كان أيامنا تدريب راقي على الهاون.

سامي كليب: وأنت كنت تتدرب في طفولتك يعني فيه على الأقل في المراحل الأولى للمراهقة أو لأ؟

سيد عسران: في المراحل الأولى ما قبل الثورة كان فيه صدام.. صدام زي الصدام اللي بنشوفه أطفال الحجارة، وكنا بنعمل الأزايز اللي فيها البنزين، فيها مية النار.

سامي كليب: المولوتوف.

سيد عسران: المولوتوف وبنعملها وإحنا أطفال. وأذكر الشهيد نبيل منصور قبل معركة 56 سنة 50، الشهيد نبيل منصور ده كان استطاع إن هو يحرق معسكر بالكامل، قَطَّع قميصه وعمله كرات وكان المعسكر قريب من السكة الحديد، فكان يبلل الكرات ديت بالزيوت بتاع القطر السكة الحديد ويلقيها، واستشهد، وكان عنده كام 14 سنة، يعني الشعب البورسعيدي كان.. ،نرجع بقى للحرس الوطني فيه كوادر، لما جات معركة 56.

سامي كليب: لا.. ولكن بالحرس الوطني أنت متى بدأت التدرب الشخصي؟

سيد عسران: أنا دخلت الحرس الوطني، ولكن كانوا بيرفضوا دخولي الحرس الوطني، مرتين أو 3 مرات، لأني كان جسمي نحيف، وكان الرشاش مش متذكر اسمه الماسورة بتاعته لها غلاف مخرم فيه ثقوب كده، وكان تقيل، فكنت أنا جسمي نحيل كانوا هم بيستخفوا بيَّ، كان فيه صول اسمه الصول نجيب حتى عرفني، الولد ده خرجوه كل شوية…، فالصدفة لعبت دور اللي لما تمت اتفاقية الجلاء في 18 يونيو، عبد الناصر.. وبدأ الإنجليز ينسحبوا بعد 24 سنة.. بعد 74 سنة، الزعيم جمال عبد الناصر لم يُسرِّح المتطوعين ولم يلغِ الحرس الوطني، وإنما أرسلنا إلى.. أرسل المتطوعين إلى قطاع غزة، قطاع غزة على خط الهدنة، فيبدو إنه وأنا متذكرها كويس، إنه كان فيه بيشكل لواء من إسكندرية والبحيرة وبعض المحافظات لواء يسمى اللواء إسكندرية، يروح يقعد 6 شهور ويرجع، بعد كده لواء القاهرة، 6 شهور ويرجع، لواء القناة اللي هي بورسعيد، إسماعيلية والسويس، فيبدو إنه هم كان عندهم نقص، فأنا دخلت علشان أروح أتدرب، خدت تدريب سريع قبلوني، لأنه هم يبدو إنه كانوا عايزين يكملوا اللواء اللي هيروح قطاع غزة، فرحت قطاع غزة في أوائل 56 قبل المعركة، رحت قطاع غزة ووقفت على خط الهدنة، وأتذكر إنه أنا لما بأسمع الوقت يعني عن بيت حانون في قطاع غزة في الأخبار.

سامي كليب: كنت تعرفها.

سيد عسران: آه، دي أنا كنت جنب بيت حانون على طول، وكان قدامي مستعمرة اسمها هيريبيا ومستعمرة تانية اسمها شديموت ومفليسين وبيرون أسحق، أنا متذكر الكلام ده كله، كنت قدام المستعمرات، كنا ننزل ليلاً ونتوغل في هذه المستعمرات.

سامي كليب: حين أُعلن قرار التأميم، كيف كان الجو في بورسعيد؟

سيد عسران: عندما أعلن قرار التأميم كنت أنا في قطاع غزة، ويومها سمعنا هذا القرار، الخطاب بتاع الزعيم جمال عبد الناصر، وكنا في المواقع في موقع اسمه الربوة، وإخوانا التانيين زملاتي كانوا في موقع اسمه الكاشف، وكنا بنرقص فرحاً، وأطلقنا الرصاص في قطاع غزة ابتهاجاً بتأميم قناة السويس، لأنه إحنا عارفين إن قناة السويس كانت دولة داخل دولة، ومصر ما كانتش تملك فيها حاجة خالص.

سامي كليب: كنتم تشعرون بذلك هنا في بورسعيد مثلاً؟ بيعني أن الدولة الاستعمارية لا تعطي أبناء البلد ما يستحقون؟

سيد عسران: الشركة الفرنسية كانت ما بتعيِّنش أو ما بتوظفش حد مصري إلا في الوظائف الدنيا، يعني الميكانيكي، الفني، البحري، المهندس، القبطان، المرشد، كان كله أجنبي.

سامي كليب: في مرحلة تعبئة بورسعيد بدأت المنشورات يعني تملأ الشوارع على الأقل، وبدأت الشبيبة تقرأ هذه المنشورات، أود هنا لدينا منشور يعني أنت محافظ عليه، وهذا شيء ممتاز، هذا منشور، وهذا منشور آخر، أود أن تقرأ لنا فقط ماذا كان يقال في هذه المنشورات آنذاك، اسمح لي بأن آخذ أحدهما لنعرضه على الشاشة، والآخر يمكن أن تقرأه لنا.

سيد عسران: المنشور بيقول: سنقاتل.. سنقاتل.. أيها الشعب الباسل، لقد سطرت بدمائك الزكية -التي أنت.. التي لن تذهب عبثاً- أروع صفحات المجد في سجل التاريخ، فها أنت ترى بعينك همجية هذه الإمبراطوريات المتداعية التي كشفت عن وجهها الكالح وأنيابها المسعورة، لتمتص دماءك كما تعودت من قبل ألا تعيش إلا على امتصاص الدماء، وها أنت تراها وقد أتت إليك متحالفة متجمعة بكل جحافلها ومن ورائها المدمرات والأساطيل لكي ترهبك وتغتصب أرضك الطيبة.

سامي كليب: طبعاً والبيان يختم لن نهادن ولن نتهاون ولن يثنينا وعد أو وعيد عن الغاية الكبرى، وما النصر إلا من عند.. عند الله العزيز الكريم، هذا بالنسبة للمنشورات، وأيضاً تعبئة على الأرض يعني إضافة لهذه المنشورات، كان يتم تهيئة الشباب للحرب.

سيد عسران: الشعب هُيِّئ قبل الإنزال، والقيادة السياسية في مصر، القاهرة، الرئيس آسف الزعيم لأنه هناك رئيس وهناك زعيم، ولثقة الزعيم في شعبه لا كان بيسألك بطاقتك هويتك، ولا أنت ساكن فين؟ ولا اسمك إيه؟ وكانت الناس بتقفز على السيارات وعلى اللواري كل واحد بيحاول إنه هو يلحق ياخد سلاح، حتى إنهم انتظروا القطار اللي جاي من القاهرة، وقبل عملية التوزيع اللي بيوزعوها العساكر اللي هم جايين مع السلاح، الجمهور دخل وخد السلاح وبقت بورسعيد مدينة مسلحة بالكامل.

سامي كليب: يبدو أنه أيضاً هناك عادة في بورسعيد في عيد شم النسيم ضد المستعمر أينما كان أو أنىَّ كان، وأينما كان المستعمر.

سيد عسران: تمام هو دي هذه قصة تاريخية كان فيه لورد اسمه اللورد اللمبي، واللورد اللمبي دا كان من الحكام البريطانيين أو العسكريين البريطانيين المتذمتين، وكان ضد الشعب بصفته محتل، فالشعب البورسعيدي صنع له دمية على نفس الشكل بتاعه وبنفس الجسم، والدمية ديه ليلة شم النسيم تتحرق كده، وبعد ما مات اللمبي وبعد الاحتلال ما مشي أي واحد ضد الأمة العربية، أو أي إنسان بيعمل ضد الأمة العربية، برضو عادة شعب بورسعيد إنه هو حتى السنة اللي فاتت دي، يعمل له دمية ويولعها ليلة شم النسيم، والأطفال بيجمعوا قبل شم النسيم بشهر أو شهرين..

سامي كليب: فقط.. فقط للذين ربما لا يعرفون العادات المصرية، هناك في مصر عيد شم النسيم مرة في العام، وهو العيد الوحيد الذي يخرج فيه الناس ويأكلون نوعاً من السمك المعروف بالفسيخ..

سيد عسران: تمام.. الفسيخ.

سامي كليب: إذن في هذه المناسبة كان المصريون يحرقون دُمى كل أعداء مصر.

سيد عسران: كل الأعداء.

سامي كليب: آنذاك في خلال التأميم والحرب، من كنتم تحرقون دُماهم؟

سيد عسران: جي موديه وإيدن وبن جوريون، دا حتى فيه أغنية.

سامي كليب: رؤساء وزراء بريطانيا وفرنسا وإسرائيل.

سيد عسران: آه والشعب البورسعيدي كان بيغني أغنية "إيدن وبن جوريون وموديه جايين يحاربونا على إيه" دي كانت أغنية شعبية تلقائية يعني، وكانوا بيعملوا لهم دمية، وإن شاء الله السنة دي (شارون) ودي حاجة طبيعية يعني.

سامي كليب: سيد عسران طبعاً سنخرج بعد قليل للحديث عن هذه العملية البطولية التي نفذتها وساهمت في طرد المستعمر البريطاني، أود فقط أن نعود إلى بعض الصور التي لا تزال لديك، هذه ما هي بالضبط؟

سيد عسران: دي القاعدة اللي بقيت بعد إزالة تمثال (ديليسيبس) وديليسيبس دا معروف إن هو اللي ساهم..

سامي كليب: في حفر القناة.

سيد عسران: حفر قناة السويس، ولكن ما هواش صاحب الفكرة، هناك من يقول أو يدعي من الفرنسيين إن هو صاحب فكرة قناة السويس..

سامي كليب [مقاطعاً]: لأنه فرديناند ديليسيبس كان مهندساً فرنسياً.

سيد عسران: آه. بس لكن هو الفكرة أصلها دي من أيام (سنوسرت) و(سيزوستريس) و(سيزوسرت) والإمبراطور (تيرجان) وعمرو بن العاص فحرها تاني يعني كانت لوصل البحر الأبيض.. البحر الأبيض بالبحر الأحمر ما هياش فكرته.

سامي كليب: رأيت أيضاً العديد من المقابر مقابر الشهداء هنا، كم سقط من شهداء وجرحى في منطقة بورسعيد في خلال العدوان وما قبله وما تلاه؟

سيد عسران: هو يزيد ما قبل معركة بورسعيد وما تلاها يعني يزيد عن الـ 30 ألف ما بين قتيل.. شهيد وجريح.

سامي كليب: 30 ألف يعني من أصل حوالي 250 ألف كانوا آنذاك سكان بورسعيد.

سيد عسران: 250.. تماماً.

سامي كليب: والآن كم تعد بورسعيد تقريباً؟

سيد عسران: حوالي ثلاثة أرباع المليون.

تفاصيل عملية اغتيال رئيس الاستخبارات البريطانية

سامي كليب: وأيضاً هناك تقرير عن الكولونيل البريطاني الذي نفذت العملية ضده، حيث سنراها بعد قليل، إذن كان الضابط الإنجليزي (جون وليامز) قد اشتهر منذ عمله بمصر منذ 25 عاماً.. منذ 25 عاماً بقوات الاحتلال بالصلف والشدة والبطش ضد المصريين من الوطنيين وتعلَّم خلال مدة إقامته على ما يبدو كل اللهجات المصرية، قبل أن يصبح رئيساً لجهاز الاستخبارات أود فقط أن تقول لنا لو سمحت سيد عسران كيف كانت سمعته هنا في بورسعيد، وليامز؟

سيد عسران: وليامز ما قبل 56 كان بيعمل علاقات مع تجمعات أصلاً خرجت من.. من مصر تجمعات أجنبية وأندية أجنبية وشخصيات أجنبية، وكان بيحاول يعمل علاقات مع المسؤولين من القسم المخصوص أو المباحث العامة زمان على أساس إن هو رجل استخبارات وبيأخذ معلومات، وهم كانوا بيحاولوا برضو إن هم يعملوا معاه صداقات علشان ياخدوا منه اللي عايزه، إنه هو ساعة ما بيطلب حاجة بيبقوا عارفين إنه عايزها ليه يعني.

سامي كليب: ولكن هذه الصفات التي لديه، يعني الصلف والشدة والعنف.

سيد عسران: دا كان هو متخصص في هذا يعني هو كان متخصص..

سامي كليب [مقاطعاً]: مثلاً هل من أمثلة محددة؟

سيد عسران: آه، يعني هو في فايد وكبريت وكسفريت والمنطقة ما بين الإسماعيلية والسويس كان بيحاول.. زي ما بيحصل في غزة الوقتي تصفية الفدائيين، اللي هم ما قبل الثورة سنة 50، 51، 52 كان هو متخصص في تصفية الفدائيين وأخذ المعلومات عنهم.

سامي كليب: وقتل الكثير من أبناء المنطقة؟

سيد عسران: آه بالتأكيد.. بالتأكيد.

سامي كليب: طيب، طبعاً العملية جاءت بعد عملية خطف ضابط بريطاني آخر قريب من الملكة البريطانية، ولكن أود لو سمحت أن نخرج ونرى أين نفذت هذه العملية في بورسعيد بالضبط وكيف كانت المنطقة آنذاك وكيف أصبحت اليوم..

سيد عسران: اتفضل..

سامي كليب: اتفضل.. اسم الشارع هنا..

سيد عسران: شارع رمسيس والنهضة.

سامي كليب: وهنا حصلت العملية؟

سيد عسران: هو الجثة بتاعته كانت هنا.. الواقعة الساعة..

سامي كليب [مقاطعاً]: قبل الوصول إلى الجثة كيف حصلت، من أين.. أين أنت أتيت وأين كان هو بالضبط؟

سيد عسران: أنا زميل من الزملاء اللي خطفوا الضابط البريطاني قريب الملكة قبلها بـ 24 ساعة قال لي..

سامي كليب: (أنطوني مورهاوس).

سيد عسران: أنطوني مورهاوس، قال لي: إن وليامز قالب الدنيا، ووليامز دا قائد المخابرات البريطانية وبيدور علينا وعلى الجثة وكلام من دا، فهو هيكون في المباحث الجنائية الصبح، الكلام دا..

سامي كليب [مقاطعاً]: المباحث الجنائية هو المبنى..

سيد عسران: المبنى دا.. مبنى المباحث الجنائية.

سامي كليب: وقد أزيل المبنى الآن؟

سيد عسران: أيوه، كان عبارة عن دور واحد زي فيلا كده وباب في النص وشباكين، وكان..

سامي كليب: كان فيه المخابرات البريطانية.

سيد عسران: لأ، كان فيه المباحث الجنائية المصرية.

سامي كليب: المصرية.

سيد عسران: وكان المدير بتاعها علي .. منير الألفي، العقيد منير الألفي، فأنا ليلتها بالليل لما قال لي محمد، كان عندي صندوق قنابل وجدته..

سامي كليب: كان.. كان أي يوم تحديداً، يعني هل تذكر التاريخ بالضبط؟

سيد عسران: هي حادثة اختطاف (مورهاس) 11، حادثة قتل وليامز يوم 14، يوم 13 بالليل كنت أنا آخد قنبلة من الصندوق اللي معاه عندي في البيت، من الصناديق اللي كنا خدناه من السلطات المصرية قبل العدوان، وحطيت القنبلة في رغيف عيش، لأن المسافة ما بين بيتنا لغاية هنا مسافة كبير..

سامي كليب [مقاطعاً]: يعني في.. وضعت القنبلة في رغيف خبز.

سيد عسران: رغيف العيش..

سامي كليب: والقنبلة يدوية.

سيد عسران: قنبلة يدوية، في رغيف خبز، وكان رغيف الخبز لسبب، إن بتقابلني دوريات إنجليزية كثيرة جداً فعلشان ما تكشفش الخطة بتاعتي نزلت من البيت، المسافة طويلة وصلت لغاية ما جيت هنا، فوجئت لقيت الساعة 9.30 العربية بتاعته دخلت، وقفت هنا ونزل هو ونزل الوكيل بتاعه مستر.. مستر(ريس) أو..

سامي كليب: يعني أنت كنت تراقبه من وقت لآخر أم؟

سيد عسران: هو معروف من رجال الشرطة إن هم على علاقة بالمخابرات واللي قالوا للزميل إن هو بكره على ميعاد مع ضباط الشرطة علشان طالب منهم معلومات عن الضابط المخطوف فمعروف الميعاد، فلما جيت أنا الصبح لقيت العربية بتاعته وقفت ونزل منها وليامز، وبعدين نزل مستر ريس اللي هو الوكيل بتاعه ودخلوا جوه قعدوا حوالي 20 دقيقة، جابوا له قهوة.

سامي كليب: أنت أين كنت بالضبط؟ هنا.

سيد عسران: أنا واقف في المكان دا، واقف في المكان دا والعربية على الناصية الثانية، فبعد حوالي 20 دقيقة كان هم جابوا له قهوة فنجان قهوة من قهوة اسمها قهوة البلياردو كانت في المكان ده، على.. مطرح العمارة دي وبعدين راحوا بصيت لقيته خرج وخرج الوكيل بتاعه وركبوا العربية متجهة لميدان المنشية اللي هو ده، ففي المكان دا أنا كنت واقف كده وماسك رغيف العيش أول ما وصلت قدام العربية رحت مشاور له بورقة، ورقة كانت في إيدي شاورت له بيها، فبص كده هو كراجل مخابرات الحس الأمني عند عالي، فقال يمكن يكون فيه معلومة أو حاجة، فكلم السواق فرملت العربية فلما فرملت العربية دخلت أنا عليه، فتح الإزاز بتاع العربية، بيتناول الورقة من إيدي مارضتش أديها له في إيده، رحت رميها نزلت في الدواسة، بيوطي يجيب الورقة من الدواسة، كنت أنا رامي له القنبلة برغيف العيش، وكنت قبل منها نازع التيلة بتاعتها، وجريت في المكان داهو.

سامي كليب: وكنت فكرت بالعملية يعني كنت خططت كيف ستنفذ، يعني سترمي الورقة أم جاءتك الفكر مباشرة؟

سيد عسران: لا.. لا.. معروفة، ما دا تمويه عملية تمويه.. رغيف تمويه والورقة تمويه، علشان خاطر هو يأكل الطُّعم وجريت على طول من هنا، جريت من هنا لمدة 3 ثواني، بعد 3 ثواني حصل انفجار رهيب، ما بقتش بأجري لوحدي، كل الناس بتجري ورايا، والناس كلها بيقولوا فيه أيه، أنا كمان بقيت أقول معاهم فيه أيه، زي ما بيقولوا أي حاجة بأقول معاهم، علشان أبعد عني الشبهة لغاية ما وصلت عند المستشفى.. عند المستشفى المبَّرة.. المستشفى الأميري وفوجئت لقيت عربية جيب جاية اتهيأ لي إنها جاية لي أنا، فدخلت داخل بيت كان صالة أفراح اسمه بيت الكعكي، دخلت أستخبى فيه من العربية اللي جاية، لقيته منفذ على شارع الثلاثيني، طلعت أجري برضو لقيت الناس بتجري برضو هناك، وصلت لغاية المحل بتاع والدي اللي هو في شارع كسرى، فكان عنده خبر والدي لأن المدينة كلها عرفت بالموضوع، فخدني وقال لي اتفضل اطلع البيت فأنا قلت له: أنا ضحكت عليك وكذبت عليك من أول المعركة وقلت لك إن أخويا هاجر من بورسعيد وراح المطرية، بس أخويا استشهد في شارع محمد علي تحت الدبابات..

سامي كليب: وكنت عرفت إنه قُتل وليامز.

سيد عسران: أخويا..

سامي كليب: لأ، وليامز.

سيد عسران: وليامز آه طبعاً الانفجار حصل وترددت الإشاعات في المدينة وأنا رجعت تاني، يعني بعد ما والدي طلعني من البيت، لبست جلابية ونزلت وجيت لقيت الدم هنا ولقيت الشاش، لأن لما حصل الانفجار سقط هو على الأرض والوكيل بتاعه أُصيب في وشه، وبعدين جت الإسعاف المصري تشيله، رفضت الدوريات المعدية إنها تشيله، فقعدوا يجيبوا له ضمادات وبعدين جاية الإسعاف الإنجليزي راح شايله ومشي على طول.

سامي كليب: طيب، هنستكمل الحديث عن هذه العملية وما تلاها طبعاً في مكان آخر، إذن هنا حصلت هذه العملية؟

سيد عسران: أيوه في المكان ده.

سامي كليب: سيد عسران، نحن إذن هنا في المتحف الوطني العسكري ببورسعيد، حيث نشاهد لوحتك الخاصة، هذه اللوحة التي تجسد العملية التي قمت فيها.. بها والتي شاهدناها على الشارع منذ قليل، وهذه اللوحة طبعاً باسمك الفدائي سيد عسران يقتل ضابط مخابرات إنجليزي وليامز يقتله بقنبلة يدوية كان يحملها داخل رغيف من الخبز، وتحدثنا عن العملية ولكن طبعاً للعملية قصة شخصية، يعني أنت شاهدت أخاك يُقتل تحت دبابة إنجليزية، ما الذي حصل؟

سيد عسران: هو شقيقي كان من.. من ضمن ناس كثير وشباب زينا وكان معاه سلاح علشان يدافع عن مدينة بورسعيد، وكانوا ينتظروا في الشوارع اللي من المنتظر دخول القوات البريطانية لها، لما نزلت القوات البريطانية من الشاطئ ودخلت في شارع محمد علي عملت خديعة ووضعت على الدبابات والمدرعات العلم السوفيتي، وكانت وقتها القوات السوفيتية.. الحكومة السوفيتية دولة صديقة، وكان العالم كله الصين وإندونيسيا وأفغانستان والكلام دا كله ودول عدم الانحياز كانت بتعرض متطوعين على عبد الناصر للدفاع عن بورسعيد، فاختلط الأمر على الناس في بورسعيد، فخرجوا يحيوا هذه القوات وكان من ضمنهم شقيقي الشهيد عسران.

سامي كليب: كم كان عمره؟

سيد عسران: كان عنده 19 سنة أكبر مني بعامين تلاته، فأطلقت القوات البريطانية مدافع الدبابات، سقطت الناس جثث، القوات البريطانية بتسير بدباباتها فوق الجثث، حتى إن إحنا لم نستطع إن إحنا ندفن الشهداء، لأنهم أصبحوا عبارة عن قطع من العجين على الأسفلت نتيجة مرور أكثر من دبابة واثنين، الكول كله كان بيعدي عليهم.

سامي كليب: سيد عسران، طبعاً بعد تنفيذ العملية نشاهد في اللوحة وكما قلت لنا في الطريق أنك هربت للاختلاط بالناس والهروب من الضباط البريطانيين في الواقع وتوجهت إلى مكان آخر، ثم غادرت بورسعيد فيما بعد، سنتحدث عن كل ذلك، عن ما بعد العملية في الخارج لو سمحت تفضل.

سيد عسران: تفضل.. تفضل.

سامي كليب: سيد عسران، بعد العملية إذن هربت وتوجهت إلى أين بالضبط؟

سيد عسران: بعديها أنا وصلت لغاية المحل بتاع والدي في شارع كسرى وطولون ووجدت والدي يغلق المحل والمحلات كلها كانت أُغلقت، لأنه أشيع فعلاً والإشاعة مرت بسرعة البرق إنه وليامز قُتل واللي قتله شاب صبي صغير، فكان المصادفة الراجل اللي جاب فنجان القهوة لوليامز أثناء وجوده في مبنى المباحث اسمه محمد حسين القطشة، الراجل ده كان قريب من المكان اللي فيه والدي، فمن ضمن الناس اللي.. هربوا وجروا بعد الانفجار، فكان وصل وأبلغ والدي بالواقعة، فأنا أول ما وصلت.

سامي كليب: وأبلغوه أنك أنت الذي قمت بالعمل.

سيد عسران: أنا اللي قمت بالاعتداء، فوالدي كان وجدته واقف قدام المحل، وأول ما شافني جاء.. تعالَ وخدني وقال لي أنت أخوك من أول المعركة وأنت بتقول لي هو اختفى وسافر وهاجر راح بلد تانية وكلام من ده، وأنت الوقتي بتتنطط إيه الموضوع؟ قول لي إيه الموضوع؟ قلت له أقول لك الحقيقة، أخويا أنا خبيت عليك أخويا استشهد تحت الدبابات، بس أنا كنت مش عايزك تحزن قدامي عشان ما تتعبنيش نفسياً، فأنا قتلت قائد المخابرات البريطانية.

سامي كليب: لماذا؟ هو حين قُتِلَ تحت الدبابات لم ينقل إلى البيت يعني؟

سيد عسران: ادّاست الجثث لم يكن هناك جثث، مرت الدبابات فوق الجثث وأصبحت أشلاء لا يمكن جمعها إلا إجمالاً كده في.. في أكياس شوف حضرتك الدبابات ومدى الثقل بتاعها، ومجموعات كبيرة من الدبابات خرجت من الأسطول ودخلت في شارع محمد علي وبتمر فوق الجثث، واحدة تلو الأخرى تلو الأخرى، ماعادش، مافيش، فلا يمكن تجميع الجثث، فخدني وصَّلني البيت، كان جنب المحل، وقال لي اقعد بقى في البيت ما تنزلش، أنا الحقيقة خليته نزل ورحت لابس جلابية، ولأني كان اللي بيشغلني إن أنا عايز أعرف إيه اللي حصل بالضبط.

سامي كليب: تفاصيل الموت والعملية.

سيد عسران: آه تفاصيل آه.. فلبست الجلابية، وكانت زوجة أبي.. اللي بعد ما والدتي توفَّت اتجوز هو، حاولت إنها تمنعني من النزول، إنما أنا نزلت ونزلت لقيت المدينة في سكون، كله داخل البيوت وكله قدام.. فيه يادوبك بس واحد، اتنين، ثلاثة في الشارع، فأنا بقيت عامل زي الأرنب أطلع كده وأخش تاني، أطلع وأخش تاني، لغاية ما بدأت أحس إنه الرجل بدأت تمشي في المدينة.

سامي كليب: كنت خائف من القبض عليك؟

سيد عسران: مافيش شك أنا يعني مش.. مش مسألة خوف يعني الخوف اللي هو.. الخوف الجبن لأ، أنا.. ما هو أنا لو اتقبض عليَّ ها أقول على الناس التانيين اللي هم خطفوا..، إنما إحنا كده بنحاول، عشان نعمل عملية تانية كمان لو فيه فرصة، إحنا ما بنعملش حاجة عشان يتقبض علينا، إحنا بنعمل الحاجة عشان نموت وخلاص، وعشان نعمل عملية بطولية وخلاص، فاللي حصل أنا نزلت وقعدت ماشي واحدة واحدة لغاية ما قربت على المكان اللي حصل فيه الحادثة، كنت قريب من المكان لكن شاهدت إن الإنجليز احتلوا أسطح العمارات العالية، ونصبوا عليها المدفعية الرشاشة، وعربيات الدوريات الإنجليزية بدأت تجري، وشدت الحركة بتاعتهم، لغاية ما وصلت قرب المكان وبعدين لقيت فيه عربيات إنجليزي شايله أسلاك شايكة وبتقفل أماكن في الشوارع، وبتفصل ما بين المكان اللي هو رايح لحي العرب، أنا استطعت إني أنا أختار..

سامي كليب: يعني حي العرب في بورسعيد لم يكن فيه إنجليز آنذاك.

سيد عسران: لا ما هو بعد الحادثة دي خلاص، بعد واقعة وليامز.

سامي كليب: رُفع حظر التجول يعني.

سيد عسران: رفع حظر التجول ليلاً ماعادش غير الليلة بتاع القتل بتاعه، تم رفع حظر التجول مش اترفع انكسر حظر التجول، لأنهم انسحبوا من ثلثي المدينة، وبقوا موجودين في نطاق الحي الأفرنجي، أنا اقتربت لغاية ما شفت الدم والشاش بتاع وليامزم، وبعدين وأنا راجع لقيت واحد بيقول لي بأقول له فيه إيه ده، قال لي ولد صغير شيطان ضرب وليامز قائد المخابرات البريطانية.

سامي كليب: عفريت.

سيد عسران: آه عفريت، فمشيت.. مشيت لقيت واحد قابلني بيسألني بيقول لي إيه اللي حصل ده؟ بيقولوا.. قلت له: ولد صغير شيطان عفريت بيقولوا ضرب قائد المخابرات، لغاية ما وصلت البيت ونمت نوم عميق مبسوط، مستريح وتمام التمام وفوجئت بالليل لقيت المدينة بتضرب طلقات من كل الاتجاه، وفي فرحة عارمة واللي معاه بندقية كانت مستخبية خَّرجها وبدأت عمليات المقاومة تشتد على القوات البريطانية في هذا.. هذه الليلة.

سامي كليب: وبالفعل كانت بداية الجلاء الجدي يعني البريطانيين.

سيد عسران: تمام.

مغادرة بورسعيد إلى القاهرة وكيفية العودة إليها

سامي كليب: طيب، بعدها اضطررت لمغادرة بورسعيد.

سيد عسران: اضطررت أنا وزملائي الذين خطفوا الضابط البريطاني (أنطوني مورهاوس) قريب الملكة إلى الخروج بناءً على تعليمات من المخابرات المصرية، وكانت خطة إن إحنا نخرج من المدينة خطة غريبة الشكل، هم قالوا لنا نتجمع في مسكن في حي العرب، وهيجي لنا مندوب وفيه عربية إسعاف، وهنركب عربية الإسعاف وهيلقوا بينا على حافة بحيرة المنزلة، بحيرة المنزلة دي غرب بورسعيد، فاللي حصل إنه إحنا فعلاً دخلنا في الشقة وقعدنا، جات عربية الساعة 4.30 صباحاً أو 5 صباحاً، ونزلنا في عربية الإسعاف، وكانت عربية إسعاف على أساس ما تثيرش اشتباه أي دورية إنجليزية، وأي حد يمكن يقابلنا في السكة يعني، إذا كان في دوريات هتقتحم حي العرب مرة أخرى يعني، فوصلنا لغاية حافة بحيرة المنزلة، وقالوا لنا إنه إنتم بعد ما تنزلوا، حافة.. بحيرة المنزلة أصلاً ما هياش في البداية غريقة.. عميقة، هي لكده وللوسط، ممكن يبقي لغاية هنا، واخد بال حضرتك، فهم قالوا لنا يعني أنتم يادوبك انزلوا وفيه لنشات تابعة لحرس الحدود أو السواحل هتيجي تاخدكم وتوديكم مدينة المطرية محافظة الدقهلية.

سامي كليب: توجهتم إلى البحيرة.

سيد عسران: آه على حافة البحيرة، ونزلنا وقعدنا نسبح لنص.. منتصف الجسم يعني كان ماهياش عميقة، لكن فيه أماكن ضحلة كانت رجلينا بتغرز فيها يعني طميية كده، فأحيانا نحس وأحيانا كنا بنيجي على أماكن شبه جزيرة ناعمة كده طينية يعني عشان نستريح من الميه، نجي نطلع للجزيرة نلاقي رجلينا غطست في الطينية ديَّه وإن ماكانش الواحد يلحق نفسه تبص يلاقي نفسه داخل في وسط.

سامي كليب: وبقيتم في هذه الحالة كام ساعة.

سيد عسران: حوالي من الساعة 5 الصبح لغاية الساعة 12 الظهر وننتظر إن حد يجي لنا من هنا أو هنا.

سامي كليب: ولم يأتِ أحد.

سيد عسران: ولم يأت أحد، إلى أن شاهدنا بعض الفلايك الصيد السمك.. الصيادين.

سامي كليب: السفن الصغيرة، القوارب يعني.

سيد عسران: السفن الصغيرة.. قوارب آه.. قوارب فكنا كل ما نشاور لأحد الصيادين ما يجيش لأنه شايف إنه عددنا أكبر من.. من.. من مساحة القارب بتاعه، وقعدنا نعاني لغاية حوالي الساعة واحدة، فوجئنا بقارب أكبر حجماً يعني سفينة صغيرة كده وبتاعة صيد برضو، ففيه.. شاهدت أنا قُلَّة مربوطة في حبل على جانب القارب الكبير ده.

سامي كليب: يعني وعاء ماء.

سيد عسران: وعاء ماء، قلة للماء، شرب الماء، فأنا قلت أستعمل الخبث شوية وشاورت للراجل يا عم الحاج.. يا عم الحاج نشرب.. نشرب، فالراجل كان عنده مروءة، وجِه لغاية عندنا عشان يشربنا، لكن كان الهدف إنه إحنا نستولي على السفينة بتاعته، وفعلاً ركبنا كلنا السفينة واستوعبتنا وأمرناه بالاتجاه إلى مدينة المطرية.

سامي كليب: سيد عسران، قبل أن تخبرنا ما فعلته مع المخابرات المصرية في القاهرة، فقط أود أن أشير إلى أننا هنا في قاعدة ديليسيبس، المهندس الفرنسي.

سيد عسران: قاعدة ما ينسب.. ما يُدَّعى بأنه مهندس فرديناند ديليسيبس، وهذه القاعدة كان فيه فوقها تمثال لديليسيبس، والتمثال ده أطاحت به المقاومة الشعبية كرمز من الرموز الاستعمارية، لأنه ديليسيبس من وجهة نظرنا كان سبب رئيسي في دخول الاستعمار الإنجليزي إلى مصر.

سامي كليب: وأنت اليوم تقاوم إعادة التمثال إلى هنا.

سيد عسران: كنت في ندوة من 3 أيام وبأقاوم إعادة التمثال.

سامي كليب: وهل هناك من يريد إعادة التمثال؟

سيد عسران: هم منتفعين، مجموعة من المنتفعين، وأنا فضحتهم في الندوة، وصنفتهم جمعية (الإليانز فرانسيز)، ودي أنا قرأت في الكتب إنها جمعية على صلة بالماسونية العالمية، وإنها نشأت في باريس في القرن في نهاية الثامن عشر، أو بداية القرن التاسع عشر، المجموعة الثانية مجموعة أحفاد ديليسيبس وهم يريدون أن يخلدوا ديليسيبس، مع إنه ديليسيبس ليس له تمثال في فرنسا، وحوكم في فرنسا بتهمة النصب.

سامي كليب: بسبب قناة بنما.

سيد عسران: بسبب قناة بنما، المجموعة الثالثة مجموعة (المشتاقين)، وأنا سميتهم برضو ذوي الاحتياجات الخاصة ومش هأقول احتياجات خاصة إيه، بأحط خطوط تحتها، وإحنا في الندوة كان شبه استفتاء، وكانت النتيجة لصالح العمل الوطني، كيف لشعب أراد لنفسه الحرية وأطاح بهذا الرمز أن يأتي اليوم ويعيد هذا الرمز من جديد؟

سامي كليب: طبعاً لن نتوقف كثيرا عند الواقع، ولكن نعود إلى القصة، إذن بعد أن وصلت إلى القاهرة، اتصلت بالمخابرات واتصلوا بك، وأقمتم في فندق.

سيد عسران: فندق طابا الجديد في ميدان العتبة، كان جديد في الخمسينيات.

سامي كليب: وبقيت.. وبقيتم فترة طويلة هناك.

سيد عسران: وبقينا فترة طويلة ناكل ونشرب وماحدش سأل عننا بعد كده، فأنا..

سامي كليب: وكنت تتابع أخبار بورسعيد.

سيد عسران: وكنت أتابع أخبار بورسعيد من الراديو ومن الجرايد، فأنا فوجئت في وأنا قاعد في كافيتريا بيرتادها أهالي بورسعيد في القاهرة، كافيتريا اسمها قهوة القنال، لقيت واحد بيقول لي دا "الأهرام" جايب اسمك يا سيد، قلته إزاي وريني كده، لقيت قاتل وليامز السيد محمد عمران، هو غلطة في اسم بدل السين حط الميم.

سامي كليب: بين السين والميم.

سيد عسران: فأنا انبسطت لكن اضايقت، وخاصة بالليل أصريت على إني أنا أروح أقابل الأستاذ محمد حسنين هيكل، فرحت "للأهرام" القديم هناك فقابلني اللي على الباب، قلت له أنا عايز أقابل حد من المسؤولين، دخلت لقيت ناس في التحرير موجودين، مبني كان قديم أيامها، فخير، قلت لهم أنا مش أنا الاسم دا مش بتاعي، فبيبصوا في .. هو أنت اللي قتلت قائد المخابرات، أنت سيد عسران، أنت.. أنت.. بصيت لقيت المبنى كله متجمع حواليَّ، واحتفوا بي احتفاء جيد جداً، وصدر قرار بعد اتصالهم بمحمد حسنين هيكل أعتقد في وقتها إنه يتعمل لي ريبورتاج صحفي صفحة كاملة في "الأهرام" نشر بعدها في اليوم التاني مباشرة.

سامي كليب: على كل حال شاهدنا الكثير من الصحف في هذه الحلقة، ولكن أيضاً كما أن صحيفة "الأهرام" احتضنتك في البداية ووضعت لك عنواناً كبيراً، صحيفة "الأخبار" هربتك للعودة إلى بورسعيد.

سيد عسران: صحيفة.. صحيفة "الأخبار" دي هي السبب في إن أنا أعود لبورسعيد، لأني كان بعد خروج الإنجليز ممنوع دخول أي مواطن أو العودة.. عودة المهجَّرين حتى إلى بورسعيد إلا بعد أخذ حقن وتطعيم علشان بورسعيد كانت بتعتبر مكان موبوء بالنسبة للقتلى والشهداء وعدم وجود رعاية صحية في فترة وجود الاحتلال، فكان لابد لأي مواطن يخش بورسعيد لازم يأخذ التطعيم، أنا ما كانش عندي استعداد للتطعيم، أنا عايز أروح بورسعيد أخش بورسعيد فأنا كان فيه رجعت لسنتين فاتوا قبل كده كانت والدتي مريضة مرض خطير وفي مستشفى القصر العيني في القاهرة فأنا كنت علشان خاطر اقتصادياتنا يعني كانت تعبانة شوية، فكنت بأروح للراجل اللي هو بيوزع الجرائد بيجيب الجرائد.. الصحف من القاهرة ويوزعها على المكاتب في بورسعيد وكنت بأركب العربية بتاعة الصحافة توصلني القاهرة علشان أشوف والدتي المريضة في مستشفى القصر العيني، فخطرت ببالي الفكرة إن من سنتين لما كنت ركبت العربية من بورسعيد ورجعت بيها لهناك فرحت هناك عند جريدة "أخبار اليوم"، والراجل عارفني اللي هو كان بياخد مني ربع جنيه قيمة الأجرة من بورسعيد بالقاهرة، لكن قال لي الوقت أنا واقع في مطب، لا معاك تصريح ولا فيه ما يفيد إنك أنت اتطعمت أنت تستخبى داخل رزم الصحف اللي موجودة في العربية، وكل ما نقف عند مكان فيه شرطة أو بوابة تحاول تبقى مستخبي ما بين رزم الصحف فكان كل ما تقف العربية، حتى لو مافيش دورية، كنت أنا أيه؟ أحاول أستخبى تحت الصحف دي، لغاية ما وصلت بورسعيد حوالي الساعة 7 الصبح، مع الأسف الشديد علمت أن الإنجليز انسحبوا بقى لهم يومين وعلمت إن هناك إناس قامت بمظاهرات كبيرة قوي قوي وناس ما شافتهاش بورسعيد، وناس جت من القاهرة وقادت هذه المظاهرات.

سامي كليب: ولم تكن لها أي علاقة بالتحرير..

سيد عسران: وكان إخواننا المقاتلين في آخر الصفوف في هذه المظاهرة، أنا الحقيقة "الأهرام" كان عمل لي شعبية في بورسعيد، والإذاعة كانت عملت معايا بعد كده لما وصلت بورسعيد وبدأت الناس تتعامل معايا كبطل قومي، وكان فيه إعجاب، يعني كنت تشوف شباب يجي علشان يتفرج عليَّ..

سامي كليب [مقاطعاً]: نعم.. سأسمح.. سأسمح لنفسي بالتدخل بموضوع شخصي وليس موضوع البرنامج، ولكن أيضاً كنت تحب فتاة في بورسعيد وحين عدت وددت أن تعرف من أنت وكانت عرفت من شهرتك.

سيد عسران: يعني أنا أخطأت عندما أعطيت لك كتاب "بورسعيد بوابة التاريخ" وقرأت فيه كلام الكاتب محمد الشافعي وهو كلام الكاتب محمد الشافعي قال فعلاً إنه حتى البنت الذي كنت أحبها كانت تعاملني أكثر رفقاً وأكثر حناناً دا شيء عظيم، يعني ما هو البلد كلها والناس كلها، ومافيش شك إن دي حاجة ما ينكرهاش الإنسان.

لقاء سيد عسران بالرئيس جمال عبد الناصر

سامي كليب: بعد الخدمة العسكرية، بعد الخدمة عند المشير عبد الحكيم عامر عدت إلى بورسعيد، وبدأت العمل بهيئة قناة السويس، متى التقيت بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر للمرة الأولى؟

سيد عسران: الرئيس جمال عبد الناصر التقيت به في العام التالي مباشرة للعدوان لأنه في 56 انتهت في ديسمبر، زار بورسعيد في 57، في 57 كان لقاؤنا أنا والأخ محمد حمد الله وحسين عثمان وأحمد هلال وعلي زنجير وطه المسعد، الإخوة اللي خطفوا (مورهاوس) كنا إحنا.. هم ستة وأنا السابع، وكان دائماً يعني.. يعني بيحس إنه فخور.. فخور بنا، وكان بيحاول يعني يودنا يعني ويمزح معانا يعني، يعني مرة بيقول للمرحوم محمد حمد الله أظن أنتم هتخطفوني أنا كمان؟ فكان علاقته بنا علاقة خاصة وعلاقة شخصية وكان كل سنة، يعني من سنة 57 لغاية سنة 65، 65.. حتى قبل النكسة بسنتين 66، وإحنا بنتقابل مع السيد الرئيس جمال عبد الناصر.. الزعيم جمال عبد الناصر آسف، ما أحبش أقول عليه رئيس، الزعيم جمال عبد الناصر..

سامي كليب: لازلت ناصرياً حتى اليوم؟

سيد عسران: آه طبعاً مافيش شك أنا ناصري لأني ناصري القيم، لأن عبد الناصر كان قيمة، عبد الناصر هو أعطى للأمة العربية الفخر، كنت تنزل من المطار في أي دولة أوروبية، أنا عربي، أنا ناصري، ناصر.

دور سيد عسران في حرب 67

سامي كليب: بعد كل هذه العمليات البطولية في الواقع في جلاء الجيش البريطاني جاءت حرب 67 طبعاً، أين كنت في حرب 67، وهل شاركت؟

سيد عسران: في 67 لازلت كنت عضو بالحرس الوطني، فتم استدعاء الحرس الوطني، فأنا كنت في الأيام دي متزوج من السيدة الفاضلة حرمي اللي أنجبت منها أمل حالياً خريجة كلية آداب قسم إعلام..

سامي كليب [مقاطعاً]: ليست هي التي أحببتها في البداية يعني؟

سيد عسران: لأ.. هو.. هي.. أنا كل البنات كانت بتحبني، أنا أحياناً كنت أروح المتحف، لما بيجوا وفود تزور المتحف كان فيه بنات كثير يجوا وأبص ألاقي ملبس في جيبي وبتاع، وكانت المدام تفتش في جيوبي وتلاقي فيه ورق في جيوبي، طب أنا أعمل أيه يعني؟ ما تظلمنيش مع الحاجَّة.. دي الحاجَّة طيبة قوي وسيدة فاضلة يعني.

سامي كليب: نوجه لها التحية طبعاً..

سيد عسران: الله يخليك.

سامي كليب: الخاصة، إذن بعام 67.

سيد عسران: 67 استدعيت، وبالطبع كنت متزوج، وأنجبت أمل أول مولودة، فسفَّرت السيدة حرمي لوالدها، هو عمدة في القنطرة غرب.. مدينة القنطرة، فسفرته.. سفرتها له، وهو هجَّرهم لمدينة في محافظة الشرقية اسمها أبو كبير، اشترى مدرسة خاصة كده، كانت مدرسة خاصة اشتراها وعملها للأسرة كلها بنات وولاد، وأنا رحت في موقع اسمه البلاحة وانتقلت منه إلى كوبري الفردان، ودُمِّر كوبري الفردان وأنا موجود في المنطقة دي، ويعني أنا مش عارف الواحد كل ما بيتذكر المسألة دي بيثير مرارة القصف الجوي الشديد، الهزيمة واضحة كوبري الفردان متكسر، الجنود اللي مشوا أنا كنت قائد سرية، فأنا أعذر هؤلاء المتطوعين اللي تركوا سلاحهم والمخل بتوعهم ومعداتهم وسابوا الموقع، لأن الموقع تدمر، الموقع تدمر، اللي هو جنب الفردان، والمنطقة..

سامي كليب: تدمر بالطائرات الإسرائيلية أم الدبابات؟

سيد عسران: الطائرات الإسرائيلية والاشتبكات وقصف جوي شغال عليه، أنا مسؤول عن هذا المكان، ومسؤول عن هؤلاء الأفراد واللي استطعت إن أنا أؤثر عليه أثرت عليه واللي ما استطعتش إن أنا أؤثر عليه مشى يا إما اختفى علشان ينجو من القصف يا إما رجع بورسعيد تاني علشان يشوف أمه وأخته اللي سابهم وما هجَّرهمش زي ولادي اللي أنا هجرتهم فأنا حسيت بالمسؤولية، مركز القيادة كان على بعد مسافة بتاعة عشرة كيلو فأنا خدت عربية ورحت لقائد المعسكر، في حتة اسمها الرياح، دخلت المعسكر مالقتش حد، دخلت جوه على المكاتب أشوف سيادة القائد لقيته.. لقيته قاعد وحاطط رجله على ترابيزة كده، وقدامه بطيخة بيقطع فيها أديت له تعظيم سلام ما حستش إنه حس بي، نبهته بتعظيم سلام تاني، فبص لي كده قال لي: أيوه؟ قلت له: الجماعة.. الموقع اتضرب والعساكر مشت، وفيه سلاح موجود معايا، على الأقل عايز حد.. عايز عربية علشان تيجي نجمع السلاح وننقله وبتاع، قام قال لي اقعد كل بطيخ معايا، اقعد كل بطيخ معايا!! قلت له يا فندم..، قال لي اقعد كل بطيخ معايا.. اتفرج على الطيارات اللي بتقع.. اتفرج على الطيارات اللي بتقع!! أنا لقيت راجل فقد معنوياته وخلاص ماعادش راجل عسكري وإنه راجل خلاص ما.. قائد بلا جنود وما ماعادش.. وحتى هو حتى مش مستتر من القصف فأنا عملت للخلف در، ولكن بطريقة غير عسكرية، ما أنا مش شايف..، وخدت بعضي ورحت جاي على الموقع ثاني، جمعت السلاح والذخيرة، ففيه أنا عديلي في وزارة الري في الاستراحة، فقلت له أرجوك يا أخ فراج شوف لي عربية ننقل السلاح ونحطه في الاستراحة، وأنا بلغت..

سامي كليب: القائد.

سيد عسران: القائد، فقال لي: قوي قوي فالراجل جاب لي عربية نقل ورحنا هناك وجبت المخل بتاع العساكر والمهمات والسلاح وكده ووديته وقفلت على البتاع وخدت المفتاح وبلغت القيادة وجيت في بورسعيد هنا وقلت لهم اتفضلوا الحاجة بتاعتكم أهي.

سامي كليب: اليوم حين تمر في المكان الذي نفذت فيه تلك العملية البطولية بماذا تشعر؟ هل تعود إليك تلك الذكرى؟

سيد عسران: الحقيقة أنا كنت لما أعدي لازم أقف شوية، ما أعرفش كأني فيه مغناطيس يروح موقفني في المكان دا، وأحياناً كنت أجي في اليوم كل سنة يوم 14 ديسمبر من كل عام أقف دقيقتين.. ثلاثة في المكان ده علشان أستعرض بالذاكرة وأرجع للخلف المكان دا، وأقعد أنظر على المكان اللي كان فيه الدم والشاش والقنبلة لما انفجرت، لكن لما كبرت في السن، بقى المنظر مريب يعني إن واحد يقف في المكان دا والناس عرفاني أصلاً الناس عرفاني في المدينة فأنا بأعدي بأقول كلمة: بسم الله الرحمن الرحيم (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى).

سامي كليب: قبل أن نختم هذا الحديث أود أن أشير إلى أنه في مصر أيضاً هناك أوبريت حول هذه العملية البطولية التي قمت بها، هناك أيضاً فيلم سينمائي ومَثَّل دور البطولة فيه فريد شوقي..

سيد عسران: تمام، دا مَثَّل دوري أنا..

سامي كليب: دورك طبعاً..

سيد عسران: اللي هو أنا قمت به اللي هو دور سيد عسران، بس كان تحت اسم طلبة، والأوبريت الثاني كان اسمه "عيون الوطن"، وعمله الأستاذ عبد الرحمن الأبنودي وأخرجه المخرج محمد فاضل، ودا كان أوبريت عظيم جداً، وكان يومها حضر السيد الرئيس محمد حسني مبارك والسادة الوزراء بمناسبة أعياد الشرطة، وأنا فخور بالعمل دا، وبأتمنى إن ابني يبقى زيي يعني.

[جزء من أوبريت عيون الوطن]

سامي كليب: أفلام سينما ومسرح ولوحة كبيرة في المتحف الوطني، لكن سيد عسران يبقى ككل الطيبين في بورسعيد فرحاً وفخوراً بعمله البطولي الذي ربما لم يكافأ عليه بما يستحق، وقد غادرناه في نهاية هذه الحلقة، وهو يحاول جمع ما تيسر من جنى العمر لزواج ابنه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة