توتر العلاقات التونسية الفرنسية   
الجمعة 1434/4/4 هـ - الموافق 15/2/2013 م (آخر تحديث) الساعة 11:05 (مكة المكرمة)، 8:05 (غرينتش)

- أبعاد وتداعيات الأزمة الدبلوماسية بين فرنسا وتونس
- تونس والإرث الاستعماري الفرنسي

- الاستنجاد بالخارج لإزاحة الإسلاميين

- محاولات فرنسية لإرجاع الهيمنة على تونس


أبعاد وتداعيات الأزمة الدبلوماسية بين فرنسا وتونس

عبد القادر عياض
توفيق المثلوثي
جمال تليلي

عبد القادر عياض: أهلا بكم في هذه الحلقة الاستثنائية من برنامج حديث الثورة والتي تأتيكم عوضا عن برنامج الاتجاه المعاكس وذلك بعد وعكة صحية ألمت بالزميل فيصل القاسم أتمنى له الشفاء العاجل بإذن الله، وسيكون موضوعنا لهذه الحلقة في حديث الثورة يتعلق بالشأن التونسي وتحديدا ما تطور بشأن العلاقات بين تونس وبين فرنسا، خلّف اغتيال المناضل اليساري التونسي شكري بلعيد قبل أيام زلزالا سياسيا ترددت أصداؤه في تونس وخارجها، باريس ذات العلاقة التاريخية مع تونس تفاعلت مع الحدث المدوي بتصريحات صدرت عن شخصيات رسمية أثارت مواقفها ردود فعل متباينة كان أقواها ما أعربت عنه الحكومة التونسية على لسان رئيس الحكومة ووزير الخارجية التونسي البداية كانت مع تصريح لوزير الداخلية الفرنسي مانويل فالس الذي قال إن تونس لم تعد نموذجا للربيع العربي وإن فرنسا ستساند الديمقراطيين في تونس، رد وزير الخارجية التونسي رفيق عبد السلام على تصريحات فالس بالقول إنه موقف غير متوازن وغير ودي ولا يساعد على تعزيز العلاقات الثنائية، ردٌ أعقبه رئيس الحكومة حمادي الجبالي بدعوة السفير الفرنسي لتسليمه احتجاجا رسميا تضمن رفضا لتصريحات المسؤول الفرنسي جاء فيه أن الشعب التونسي يعرف مصالحه جيدا ولا فائدة من مواقف تزيد في تأزيم أوضاعه، تصعيدٌ حاول وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس للتخفيف من حدته بالقول إن بلاده تتابع بقلق مجريات الأمور في تونس لكنها لا تنوي التدخل في الشؤون الداخلية التونسية، لمناقشة هذه القضية ينضم إلينا الكاتب والباحث توفيق المثلوثي وأيضا جمال تليلي المنسق العام لحزب الاتحاد الوطني الحر التونسي المعرب، أهلا بضيفيّ والسؤال موجه لضيفيّ سواء سأبدأ بالسؤال بتوفيق المثلوثي، خرج بعض التونسيين عقب ما نقلناه قبل  قليل من تصريحات وزير الداخلية الفرنسي بالقول France DةGAGE فرنسا ارحلي أو انصرفي ألهذا الحد وصلت العلاقة الرسمية بين تونس وبين فرنسا؟

توفيق المثلوثي: أولا شيء مساء الخير للجميع ونتمنى للأستاذ فيصل القاسم الشفاء العادل وأشكركم على هذه الدعوة اللطيفة، بخصوص ما قلتم أنا أظن وأنه يجب التفريق بين شيئين: أول شيء الموقف السياسي بين الدولتين، والشيء الثاني هي ردة الفعل العاطفية للشعب التونسي والتي هي يعني مقبولة لأنه خدش في كرامته بطريقة غير مسبوقة..

عبد القادر عياض: من تصريح صدر من وزير الداخلية..

توفيق المثلوثي: من مسؤول من وزير الداخلية ولكن لنذكر انه في نفس المكان عند اندلاع الثورة وزيرة الداخلية ميشال اليو ماري صرحت أنها تريد أن ترسل للمخلوع أسلحة حتى يقاوم التمرد في الشارع يعني..

عبد القادر عياض: في يناير عام 2011 بالضبط..

توفيق المثلوثي: نعم فيعني أنا استغرب وآسف لأنه كل من يتحمل المسؤولية كل هذه الفترة منذ اندلاع الثورة التونسية من وزراء الداخلية الفرنسيين صارت له مواقف حادة جدا تجاه هذه الثورة لأنها تجري بما لا تشتهي أنفسهم سواء كان الوزير من اليمين مثل اليو ماري أو من اليسار الاشتراكي مثل مانويل فالس فالموقف نفسه وهذا مؤشر خطير لماذا؟ لأنه يدل على أنه إستراتيجية داخل الحكومة الفرنسية لتقضي على هذه الثورة وتنصب من يخدمها ويخدم مصالحها من أجل..

عبد القادر عياض: عفوا عفوا لنعيد ما يصدر من تصريحات الآن من مسؤولين فرنسيين هو موقف رسمي فرنسي رغم ما أكده وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس عندما قال نحن لا نتدخل فيما يجري في تونس إذن باعتقادك هو موقف رسمي فرنسي وليس مجرد رد فعل من مسؤول فرنسي لا يلزم إلا نفسه؟

توفيق المثلوثي: لا أظنه رد فعل وأنا أعيش بفرنسا من 35 سنة وأعرف تصرفات الفرنسيين وردود فعلهم وعقليتهم وتفكيرهم، فأظن أن فرنسا وزراؤها ليسوا وزراء يتكلمون باستخفاف أو بسرعة لردة فعل على بعض الأحداث، هناك ردود فعل يقع التفكير فيها والاتفاق عليها وتلزم من يقولها أنه وزير الداخلية هو من كبار الوزراء في المسؤوليات من التنظيم الحكومي الفرنسي حيث أن وزير الداخلية هو من ينوب الرئيس عند شهور المركز هذا يحدث يعني أن هذه التصريح إذا ربطناه بتصريح اليو ماري هو تواصل منذ اندلاع الثورة التونسية إلى اليوم في موقف فرنسي معادي لهذه الثورة لأنه يهدد مصالحها مباشرة في تونس وفي المنطقة..

عبد القادر عياض: سيد جمال تليلي هل الوضع هو كذلك هناك موقف فرنسي مع سبق الإصرار والترصد بترصد هذه الثورة أم انه تصريح من مسؤول ولكنه تصريح منعزل لا يعبر عن موقف الحكومة الفرنسية وأن الشعارات التي رفعت في تونس شعبيا فرنسا ارحلي فرنسا انصرفي فرنسا كفى تونس لن ترجع مستعمرة فرنسية كما كانت من قبل، هي رد فعل عاطفي فقط؟

جمال تليلي: نعم في البداية شكرا لاستضافة لقناة الجزيرة القطرية نتمنى الشفاء العاجل لمنشط القدير فيصل القاسم ودعني بداية كتونسي خارج صفتي الحزبية كمنسق عام لاتحاد الوطني الحر التونسي أترحم على روح الشهيد شكري بلعيد الذي استهدفته الجريمة السياسية، هذه الجريمة السياسية والاغتيال السياسي ذهب بشكري بلعيد وترك البلاد تتخبط في أزمة سياسية  ثم كذلك دعني كتونسي أيضا أترحم على روح الشهيد لطفي الزار الذي ترك وهو رجل أمن كان يقوم بالواجب يوم الحادثة وترك عائلة لا عائل لها والبنت الصغرى له لم تتجاوز ربيعها الأول هذا مؤسف وكتوانسة ما نحبوش ندخل في هذا النهج، أما بخصوص تساؤلك الحقيقة أنا اعتقد أن تصريحات وزير الداخلية الفرنسي لا ترتقي إلى مستوى الأزمة الدبلوماسية وإنما هو مجرد تعقيب على هذه الأحداث ولعل أنا كنت حاضر مار من شارع الحقيقة الحبيب بورقيبة ساعة المسيرة اللي ارتفعت فيها شعارات حركة النهضة وكنت علقت في المباشر على القناة التونسية على هذا الحدث وقلت أنه هذه المسيرة للتنديد بالعنف لا يجب أن تكون شعاراتها عنيفة أو مروجة للعنف فمثلا هتف باسم أشخاص وتمنوا الموت لهم لا أريد أن اذكر الأسماء وكذلك هنالك عبارات أمام السفارة الفرنسية رددت شعارات ورددت كذلك..

عبد القادر عياض: إذن حسب ما فهمت من كلامك حتى الآن فيما يتعلق بهذه الشعارات فرنسا ارحلي وفرنسا كفى هي شعارات تتعلق فقط بالإسلاميين وليس موقف من الشعب التونسي تجاه ما جرى على تصريحات الوزير الفرنسي إن لم نقل على مجمل التصرف الفرنسي على ما يجري في تونس منذ اندلاع الثورة وإلى الآن؟

جمال تليلي: دعني أقول أولا أن هذا الموقف ربما هذه الشعارات عاطفية انفعالية لأنه وجدت في الشارع أنا بش قلت ما ترتقي إلى الأزمة الدبلوماسية لأنه في الحقيقة رغم..

عبد القادر عياض: ولكن أي شارع؟

جمال تليلي: قلت هذه هي مسيرة نظمتها حركة النهضة للتنديد بالعنف بعد اغتيال شكري بلعيد والحقيقة ترفعت فيها ثمة انفلات جزئي ارفع شعارات العنف وحتى التحريض على الأشخاص بشكل مباشر..

عبد القادر عياض: رفعت في أكثر من مكان في تونس ليس فقط في العاصمة تونس رفعت في أكثر من مكان..

جمال تليلي: نعم دعني أواصل لأوضح الأمر قلت في هذه المسيرة تحديدا وهناك مسيرات أخرى طبعا تدافع عن الشرعية وتندد بالعنف ولكن قلت لا ترتقي معناها للازمة الدبلوماسية لأنه سرعان ما سارع قادة، بعض قادة حركة النهضة ومن الصفوف المتقدمة، إلى  الدعوة إلى العلاقات التونسية الفرنسية نأمل أن تكون معناها جيدة، على العلاقة الجيدة بين الشعب الفرنسي والشعب التونسي وهذا موثق في جريدة الشروق ثم أن الاستدعاءات التي قام بها السيد حمادي الجبالي رئيس الحكومة هو لفت نظر لهذا الموقف الذي يستغربه، ولكن  كذلك هناك استدعاءات للسفير الأميركي هناك استدعاءات للسفير البريطاني هنالك استدعاءات كذلك للسفير الفرنسي، ولا أعتقد صراحة أن هذا الأمر يرتقي إلى الأزمة الدبلوماسية ولا أعتقد انه مباشرة حينما نخفق في إدارة الشأن الداخلي وفي المرحلة الانتقالية في حكومة الترويكا نسارع مباشرة إلى رمي الاتهامات على الأطراف الخارجية، الشعب التونسي موقفه واضح وكل الأطراف التونسية موقفها واضح ما عدا من اختار أن يخرج عن الصف الوطني، نحن خيارنا خيار وطني، من اختار فرنسا أو اختار تركيا أو اختار قطر أو اختار أميركا فعليه أن يتحمل مسؤوليته نحن ضد التدخل الأجنبي بشؤون الداخلية، مهما كلفنا ذلك ومهما كان الطرف الذي بالحكم أكان النهضة أو الترويكا أو الأطرف اليسارية أو الأطراف الليبرالية..

عبد القادر عياض: سيد توفيق ما زالت الحلقة في أولها وسوف نواصل النقاش في هذه المسألة، فقط سأسأل الأستاذ توفيق سأسأله ولكن أن تجيب في إطار موضوع هذه الحلقة، إذن المسألة داخلية بالأساس ولا ترنو بالأعباء وما قد يوصف بأنه فشل إلى جهات خارجية واتهام فرنسا أنها منذ البداية تقف ضد هذه الثورة من خلال شواهد قدمتموها..

توفيق المثلوثي: أنا لم اجب عن الفشل لأن السؤال لم يكن قد طرح بعد، أنا أجبت عن سؤالك عن تدخل الوزير فالس الفرنسي من أصوله اسبانية على ما قاله من الفاشية الإسلامية، أنا أريد أن أقول وأنه ما سمعته من الأستاذ جمال لا يقنعني لأسباب عديدة: أولا وأن وزير الحكومة السيد حمادي الجبالي يستدعي السفير الفرنسي فرانسوا غوييت هو بحد ذاته أن هناك اختلاف دبلوماسي حاد بين الدولتين، حيث تم احتجاز رسمي وليس كما تم في عهد الحكومة يعني في بداية الحكومة في الأشهر الأولى لما كان هناك بوريس بويون السفير الفرنسي الذي زار بعض أحزاب المعارضة وتدخل مع النقابات العمالية فوقع استدعاؤه من طرف وزير الخارجية من وزارة الخارجية، فهذا يدل على أن العلاقة بين تونس وفرنسا رغم المظاهر هي في توتر في الوقت الحاضر حتى وإن قلل بلغة خشبية المسؤولون التونسيون أو المسؤولون الفرنسيين من حدة هذه الأزمة الدبلوماسية بين البلدين ومن اختلاف الاتجاهات السياسية وهذا لا يعني أن فرنسا هي التي تفشل أعمال الحكومة، فأعمال الحكومة يتكفل بإفشالها أبناء البلد أنفسهم من بعض أحزاب المعارضة الذين الآن صاروا يقذفون الكلام والشتائم إلى غاية وصول القنوات التونسية إلى لغة سوقية غير مسؤولة يعني الحكومة..

عبد القادر عياض: يعني عفوا لماذا تحميل فرنسا المسؤولية وفرنسا منذ البداية حتى فيما يتعلق بتصريحات السيدة اليو ماري اعتذرت فرنسا وقالت كنا نقيم الوضع بشكل مختلف لذلك قالت هذا الكلام، بعد ذلك فرنسا هي من استقبلت الرئيس التونسي المرزوقي واستقبلت رئيس الحكومة السيد الجبالي وقدمت المساعدات المالية لتونس وفتحت الباب أمام الحكومة التونسية والمسؤولين التونسيين وقدمتهم للجهات الدولية الفاعلة، إذن لماذا تحميل فرنسا كل هذا العبء؟

توفيق المثلوثي: ما هو العبء؟ نحن نحّمل فرنسا فقط تبعات تصريحات مسؤوليها وهذه التصريحات..

عبد القادر عياض: أنت قلت في بداية الحلقة بأن فرنسا تضمر نية ليست جيدة بالنسبة للثورة.

توفيق المثلوثي: نعم، ويمكن إثبات هذه النية وسابق إضمارها بكل بساطة وسوف أعطيك أمثلة..

عبد القادر عياض: مثلا؟

توفيق المثلوثي: قبل ما أدخل في الأمثلة أريد أن أذكر الأستاذ جمال بحادثة لما زار الرئيس المنصف المرزوقي فرنسا بصفة رسمية وألقى خطابه في المجموعة الوطنية الفرنسية توجه لمصافحة المسؤولين الفرنسيين ورفض مانويل فالس مصافحة المرزوقي وترك يده ممدودة ولم يعتذر، كما لم يعتذر على تصريحاته الأخيرة حتى وإن اعتذر أو لطف ذلك فابيوس فهذا دليل على أن هناك موقف يعني إيديولوجي يعني وليس موقفا شخصيا مما يحدث في تونس، ومن الأدلة مثلا أن فرنسا وهذا لست أنا الذي أقوله وإنما يمكن أن تراجعوا موقع African intelligence وهو موقع إخباري يتكلم عن برنامج حكومي فرنسي لزرع عملاء في الأوساط المؤثرة في المجتمع وخاصة في الجمعيات والدوائر الإعلامية وهو مشروع متكامل وتموله وتدرب بعض الشباب، وأنا يمكن أن أقول شيء ولو أن في ذلك حرج لي لأنني عندي مواطنة مشتركة أحمل الجنسية الفرنسية وأنا مواطن تونسي أنا كنت حاضرا وشاهدت بأم عيني شباب تونسيين بدعوى حضور منتديات ومؤتمرات وجهت لهم دعوات وتذاكر ومصاريف وإقامة في جنوب فرنسا لتأطيرهم على المعلوماتية وعلى عدة أشياء، بطبيعة الحال في الظاهر هي فقط دعم لتطوير الشباب والتكوين، لكن هذا لا يمر على عقل الذي يعرف السياسة ويعرف المصالح وتونس اليوم مستهدفة في نظري من فرنسا الاشتراكية لا أقول فرنسا، أنا لا أكن العداوة لفرنسا، لكن فرنسا الاشتراكية والحزب الاشتراكي بالذات له برامج خاصة بالنسبة للعالم العربي والعالم الإسلامي وله إستراتيجية عن الحكومة السابقة.

عبد القادر عياض: هل يتعلق بالعالم العربي ككل أو ما يقال من علاقة بين فرنسا وبين مستعمراتها القديمة؟

توفيق المثلوثي: في منطقة نفوذ فرنسا أي مستعمراتها القديمة، فهي لا تريد أن تفقد اليد من هذه البلدان، حيث نرى اليوم يعني هناك تغير في الجيوسياسي التونسي والمغاربي بصفة عامة حيث هناك دول أخرى صارت الآن دول حليفة مثل أميركا لم يكن لها حضور مكثف بتونس ولها اهتمام كبير بتونس فاتضح من خلال تصريحات المسؤولين الأميركان ومن خلال الدعم المالي ومن خلال ضمان القروض التونسية من طرف الحكومة الأميركية وأن هناك حليف جديد كما أن هناك حلفاء عرب جدد لم يكونوا متواجدين في تونس.

عبد القادر عياض: ولكن أيضا نظام بن علي أو النظام السابق كان أيضاً حليفاً جيدا للولايات المتحدة الأميركية.

توفيق المثلوثي: لكن الحضور والتأثير والنفاذ كان لفرنسا دون غيرها.

تونس والإرث الاستعماري الفرنسي

عبد القادر عياض: طيب سيد جمال سأعطيك بعض الملاحظات التي رصدت سواء من قبل بعض وسائل الإعلام التونسية أو بعض النشطاء على الشبكات العنكبوتية في الفيسبوك وغيرها من ملاحظات يتم نقاشها الآن في الشارع التونسي في طبيعة التعاطي التونسي خاصة بعد مقتل المعارض والسياسي والمحامي شكري بلعيد، تساءلوا عن كثافة هذه التغطية الإعلامية الفرنسية بشكل لافت للنظر في الوقت الذي فرنسا لها جبهة حرب مفتوحة في مالي وهناك الكثير من النقد وُجه لهذه الجبهة بأنه حرب بلا صور، فقط ما تبثه فرنسا بالقطارة كما يقال، في المقابل جيش إعلامي حضر إلى تونس تغطية إعلامية مكثفة لما يجري في تونس بالإضافة إلى التحميل بشكل أو بآخر إلى جهة معنية في تونس نتيجة وتبعات لما جرى بعد مقتل شكري بلعيد، هل يفسر ذلك إما وجود عقلية لن تنتهي في فرنسا بأن ما زالت ترى إلى تونس بنفس العقلية التي كانت في السنوات الماضية أو هنا أتكلم عن سنوات الاستعمار أو أن هناك نية مبيّتة كما يقول البعض من قبل جهات معينة أن يبقى الوضع في تونس حتى يخدم مصالح فرنسية بعينها؟

جمال تليلي: في الحقيقة هذا كلام فيه الكثير من التجني وفيه كلام يصل لدرجة الخطورة لأنه لماذا نحصر الأمر اليوم في فرنسا؟ صحيح أن فرنسا كانت تستعمر الجزائر وتونس بشكل مباشر، ولكن فرنسا جاء موقف فرنسا بعد الجريمة النكراء التي استنكرها كل العالم، الاتحاد الأوروبي استنكر هذه الجريمة، أميركا استنكرت هذه الجريمة، بريطانيا مختلف دول العالم استنكر هذه الجريمة لماذا نركّز على فرنسا ونريد أن نحرف الأمور إلى مسار آخر وجدول آخر ثم داخل الشق الفرنسي وداخل الحكومة الفرنسية نختار الشق الاشتراكي وداخل الشق الاشتراكي نختار وزير ونقول أن هذا الوزير متطرف ونبني..

عبد القادر عياض: فقط سأفتح قوس وسأدعك تكمل وسامحني على المقاطعة فقط حتى تتسلسل الأفكار أشرت إلى ردود الفعل الأوروبية، المسؤولون التونسيون استقبلوا الطرف الألماني والطرف الإيطالي والطرف الإسباني وجملة الأطراف الأوروبية كلها عبرت عن استيائها مما جرى ودعم الحكومة في التحقيق فيما جاء وغير ذلك، لكن الموقف الفرنسي جاء مختلفاً حتى عن هذه المواقف الأوروبية ومما زاد الطين بله ما صرّح به وزير الداخلية الفرنسي، وبالتالي الموقف الفرنسي ليس جزءا وليس تحليلي وإنما أقول لك ما تنقله وسائل الإعلام، ليس جزءاً من ردود الفعل الأوروبية ولكنه جاء مختلفاً بناءاً على معطيات يتوقعها البعض؟

جمال تليلي: دعني أقول أن..

توفيق المثلوثي: ملحوظة وجيزة لو سمحت لي.

عبد القادر عياض: سأفتح لك المجال، تفضل.

جمال تليلي: من يُسوّق لهذا الخطاب وسامحني والأستاذ توفيق..

توفيق المثلوثي: أيُّ خطاب؟

جمال تليلي: هذا الخطاب الذي يضع كل المسؤولية على فرنسا.

توفيق المثلوثي: مسؤولية أي شيء؟

جمال تليلي: أنا قبل كل شيء، مسؤولية الأزمة في البلاد..

توفيق المثلوثي: مسؤولية الاغتيال؟

جمال تليلي: لا، لا تقولني ما لم أقله..

توفيق المثلوثي: سامحني، سامحني.

جمال تليلي: اسمح لي، ثم نعم يسمعون هذه التغطية..

توفيق المثلوثي: المشاهدون يسمعون..

جمال تليلي: نعم يسمعون، هذه التغطية كذلك لا أريد أن أقول وأن أقول كذلك أن الجزيرة لم تغطِ تلك الجنازة المهيبة المليونية بطريقة حرفية، ما قلتوش الكلام هذا وما علقناش عليه ثم الإعلام مفتوح، فرنسا أرادت أن تستثمر هذا الحدث.

عبد القادر عياض: عفواً فقط سأفتح لك تفاصيل صغيرة، أنا بإمكاني أن أجيب على موضوع الجزيرة ولكن فقط أنا تعودت مع ضيوفي أن لا أحرف موضوعي إلى موضوع آخر وإن كان للضرورة ولذلك سأترك موضوع الجزيرة ربما إلى شأن آخر ونخصص موضوعي لموضوع العلاقات الفرنسية التونسية فقط حتى لا أحرف الموضوع.

جمال تليلي: نعم وأنا أريد أن أركّز على هذا الموضوع بالتحديد لأن موضوع الإعلام، الإعلام يختار الحدث، يختار نوعية تغطية الحدث..

توفيق المثلوثي: كما يختار الإعلام الفرنسي تغطية هذا الحدث بكثافة.

جمال تليلي: هذا لا يعنيني ولست مدافعاً عن فرنسا ثم أنا ابن عائلة مقاومة قبل كل شيء..

توفيق المثلوثي: لا علاقة لنا في الأمور الشخصية لو سمحت.

جمال تليلي: لا لا اسمح لي عنا أمور شخصية، أنا لست مواطناً فرنسياً أنا ناضلت منذ نعومة أظافري في عائلة مناضلة كنت في الحركة الطلابية، سجنتني الدكتاتورية السافرة، لم أتمسّح على عتبات الوزارات لم أذهب إلى اللجوء السياسي لم آخذ الامتيازات لم أكوّن الشركات لم أتمتع بأي جنسية.

عبد القادر عياض: ولكن أن تحمل الجنسية الفرنسية في تونس ليست تهمة.

جمال تليلي: تسمح لي، معناها الحقيقة ليست تهمة أحمل الجنسية التي تشاء فأنا لا يهمني وأتصدى مثلما يتصدى الجميع إلى أي محاولة التفاف من فرنسا أو غير فرنسا، ما يهمني هو قراءة الحدث السياسي الذي وقع في تونس باعتباره جريمة سياسية نكراء غير مسبوقة إلا في زمن الاستعمار ولا في زمن تصفية صالح بن يوسف في المهجر..

توفيق المثلوثي: أظن أننا مش متفقين على السؤال لو سمحت لأنه هو الآن يدين ما حدث في تونس..

عبد القادر عياض: سيد توفيق، هو لم يقاطعك، أرجو أن لا تقاطعه، تفضل.

جمال تليلي: اسمح لي من فضلك إذن لماذا كل هذا الانحراف؟ نحن يجب أن نتحمل المسؤولية كتونسيين، نتحمل المسؤولية كترويكا حاكمة نتحمل المسؤولية كمعارضة نتحمل المسؤولية كمكونات للشعب التونسي هذا مقبول، أما ما لا يقبل يمكن أن نتقاسم المسؤولية سيدي داخل الشعب الواحد داخل الصف الواحد أما أن نرمي وأن نهرول  معناها برمي التهم هكذا بدون دقائق الأمور إلى أطراف أجنبية ونحمل المسؤولية..

توفيق المثلوثي: تهمة ايش؟ تهمة قتل الشهيد بلعيد؟!

جمال تليلي: نحن إن نذهب في هذا المسار، نهدم بيوتنا على رؤوسنا بأيدينا نضرب الصف الوطني معناها نخلخل قلاعنا الحصينة من أجل خلق ثغرة في الجدار وفي الصف الوطني من أجل التدخل الأجنبي، مهما كان هذا التدخل الأجنبي علينا اليوم أن نعود إلى طاولة الحوار إلى طاولة الصف الوطني وعلينا أن نفتح تحقيقا جديا يكشف عن الجناة الحقيقيين، نحن لم نتسرع بالاتحاد الوطني الحر.

توفيق المثلوثي: هل هذا هو السؤال، تفضل، تفضل..

عبد القادر عياض: هو لم يقاطعك..

توفيق المثلوثي: أنا لم أعد أعرف في أي موضوع نتكلم.

جمال تليلي: سامحني أنا فقط لم أقاطعك دعني هناك سؤال أتفاعل معه على طريقتي من فضلك لا توجه، لست من يوجه الأسئلة، إذن نعود ونقول لا نحمّل أنفسنا، عليش ندين هيك؟ عليش نعمل هيك؟ عليش ما نتوجه بأصابعنا لنقيّم أرواحنا نعمل النقد الذاتي نبقى معناها في نفس الطاولة معناها نحاور بعضنا نحل مشاكلنا مع بعضنا؟ لماذا نبحث عن الولاءات إن كانت معارضة أو حكم هذا يشتري ولاء، وهذا الكلام الخطير أن اللاعب الآخر في المستعمرات القديمة هو اللاعب الأميركي، لا يسرني هذا الحديث، أميركا طرف إمبريالي مستعمر لا يفكر في مصلحة الشعوب فرنسا كذلك طرف مستعمر لا يفكر في مصلحة الشعوب، لو سمحت لي آخر لفظ أنا أضع كل القوى الأجنبية إذا ما أرادت أن تتدخل في شؤون بلدي أضعها في نفس السلة أكانت أميركا أكانت قلت قطر أكانت تركيا أكانت فرنسا أكانت بريطانيا، هي في نفس السلة علينا أن نعود كتونسيين إلى طاولة الحوار لنسطر نهج الثورة ونهج الانتقال الديمقراطي.

عبد القادر عياض: طيب فقط سأضع جملة وأضع تحتها خط حتى نحدد موضوع هذه الحلقة، موضوع هذه الحلقة العلاقات التونسية الفرنسية الآن في ظل التصريحات وردود الفعل خاصة بعد مقتل المناضل السياسي شكري بلعيد، وليس توجيه الاتهام في هذه الجريمة بحد ذاتها إلى أطراف داخلية أو خارجية، هذه ليست مسؤولية البرنامج هذه مسؤولية القضاء التونسي ومسؤولية الجهات الأمنية في تونس وليس مسؤولية برنامج، لذلك موضوعنا هو العلاقات الفرنسية التونسية وهنا أتوجه بالسؤال للأستاذ.

جمال تليلي: لم أخرج عن الموضوع لم أفتح، ولم أتهم جهة ولا جهة.

الاستنجاد بالخارج لإزاحة الإسلاميين

عبد القادر عياض: نعم، ولكن قلت فقط كلاما ذهب بنا بعيداً عن هذه الحلقة ثم عدت في آخرها وتكلمت عن التدخل الفرنسي أو الجهتين الفرنسية وغير الفرنسية، أستاذ توفيق ولكن لماذا توجيه الاتهام إلى المسؤولين الفرنسيين سواء تكلموا بشكل شخصي أو في إطار مشروع أو في ظل حكومة، هناك أصوات تونسية طالبت من الفرنسيين بأن يتدخلوا لحماية الديمقراطية والديمقراطيين ويشكّلوا سداً منيعاً في وجه من يوصفون بأنهم فاشيين إسلاميين، إذن هناك أطراف تونسية تطلب وتدعو بل تترجى؟

توفيق المثلوثي: أول شيء أنا أريد أن أوضح بعض النقاط، أول شيء أنا لم أوجّه أصابع الاتهام ولم أتكلم حتى بالإشارة إلى الفاجعة التي أصابت تونس بكاملها في فقدان الشهيد شكري بلعيد رحمه الله، لم أتكلم عن هذا الموضوع نهائياً لأن السؤال كان عن تصريحات الوزير الفرنسي فإذا بنا نُزج في خانة أخرى لا أدري لماذا؟ بالنسبة للمسؤولية كما تفضلت هذا يجب أن ننظر إلى القضاء وكذلك يجب أن نجلس على طاولة حوار بين المسؤولين السياسيين في تونس حتى ينظفوا شأن البيت التونسي بينهم بين وليس بتدخل أي أجنبي كان وفي هذا نحن متفقون ولا غبار على ذلك، لكني أريد كذلك أن أوضح نقطة لأنه وقع الإشارة بدون التكلم عنها أنا أول شيء لا أنتمي لأي حزب أنا ناشط سياسي من المجتمع المدني لا عندي علاقة بأي حزب كان حتى وإن كانت لي علاقات بعديد الأطراف والأحزاب السياسية..

عبد القادر عياض: هي ليست شخصية بالمناسبة..

توفيق المثلوثي: لا هي شخصية لأنه وقعت الإشارة يعني حتى نكون واضحين هذا يريد حتى لو سمحت نكون موضوعيين بالتحليل رجوعاً إلى فرنسا أنا أظن أنه على عكس ما قيل وليس لتحميل فرنسا مسؤولية فشل الحكومة حتى أنا لا أدري إن كانت فشلت أم لا ولكن دور فرنسا بالتحليل الموضوعي دور غير بريء، أقل ما يقال فيه أنه ليس بريئا وفرنسا إلى حد الآن تتخبط واستعملت فاجعة مقتل الشهيد شكري بلعيد لتغطية ما يتم في مالي وتغطية الفشل الذريع للحكومة الفرنسية في الشؤون الاجتماعية وفي البطالة وفي تفاقم الفقر فأصبح الحديث والشغل الشاغل الأوحد والوحيد هو ما يحدث في تونس وكأن تونس مدينة من مدن فرنسا.

عبد القادر عياض: ولكن ما الذي يختلف في تصريحات المسؤولين الفرنسيين المتتالية، إن كان حادث في ليبيا أو في مصر أو ما يجري مثلا في اليمن أو أي دولة أخرى والتعاطي مع مقتل مناضل سياسي بوزن شكري بلعيد، ما الذي يختلف حتى نقول بأن هناك نوايا وهناك إستراتيجية وأن التاريخ يلعب دوره؟

توفيق المثلوثي: لأن هناك توظيف لهذه الفاجعة هو يعني حباً في سواد أعيننا، دفاعاً عن تونس؟ لا أظن والله يعني ثم أن يخرج وزير ويقول أنه يريد أن يدافع عن شق دون شق آخر فهذا تدخل سافر في الشأن التونسي وتدخل في مسار الثورة وفي هذه المرحلة الانتقالية بالذات، ولا يحق له ولغيره وقد تم، هذا مهم جداً، التنديد بتصريحات مانويل فالس فقط من تونس ومن معظم الجهات السياسية في تونس ولكن كذلك من ألمانيا من هولندا من عدة دول ومن السويد الذين نددوا بهذا التصريح.

عبد القادر عياض: في الجزء الثاني من هذه الحلقة سوف نناقش مسألة إن كانت هناك جهات تطلب أو هناك جهات فرنسية تريد أن تدعم جهة على حساب جهة في تونس سواء كان هذا الموضوع أو لم يكن هل هناك إمكانية لفرنسا أن تفعل ذلك، وكيف؟ في الجزء الثاني من هذه الحلقة.

[فاصل إعلاني]

عبد القادر عياض: أهلا بكم إلى هذه الحلقة من حديث الثورة نتناول فيها موضوع واقع العلاقات الفرنسية التونسية خاصة بعد مقتل المناضل السياسي شكري بلعيد وما قد يتفاعل عن هذه التصريحات في مستقبل العلاقات بين البلدين، وأجدد التحية بضيفي هنا في الأستوديو السيد جمال تليلي المنسق العام لحزب الاتحاد الوطني الحر التونسي المعارض وكذلك الكاتب والباحث توفيق المثلوثي، سيد جمال فيما يتعلق هل هناك تضخيم، أو أن هناك واقع  لطبيعة وقدرة التأثير الفرنسي إن كان هناك دعوات أو هناك نية في التأثير لطرف على حساب طرف، إلى أي مدى فعلاً بإمكان فرنسا في حال ما إذا أرادت أن تتدخل وبالتالي تقلب المعادلة أو تصنع معادلة جديدة بإمكانها ذلك، أم أن هناك مبالغة لأن الوضع قد تغير بعد الثورة التونسية؟

جمال تليلي: أنا أعتقد بأن هناك كثير من المبالغة، رغم أني أجهل المعلومات الاستخباراتية، في الحقيقة أنا أحلل سياسياً وأعتقد أن ما يجري في تونس لا يزال يمكن إدارته داخل السقف التونسي.

عبد القادر عياض: هل هي استخباراتية فقط أم ثقافية اقتصادية أيضاً؟

جمال تليلي: أنا أعتبر أنه التوانسة هويتهم واضحة وثقافتهم واضحة وخصوصيتهم واضحة، وبمنأى عن جميع التجاذبات الإقليمية أو الدولية، إذا كانت عربية أو دولية.

عبد القادر عياض: حتى لو كانت فريقاً منهم؟

جمال تليلي: النمط كلهم التوانسة، أنا عايشتهم في السجن، أقصد الإسلاميين حركة النهضة، أنا عايشتهم في السجن وأعرف نمط تعايشهم، وعايشتهم قرابة 3 سنوات، وحكيت معهم هم توانسة، وحتى خطابهم يقلّك أنا مع دولة مدنية، حتى نتذكر مرة حتى من مفردة الحداثة في زعيم متقدم في الحركة معناها في حديث واحد يمكن يكررها عشر مرات، الحداثة والديمقراطية والقيم الإنسانية وحقوق الإنسان والمعاهدات الدولية هذا خطابهم، ولكن  الحقيقة في الممارسات في الساحة التونسية، هناك تحريض على العنف، وشكري بلعيد نرجع نفتح قوس صغير شكري بلعيد كان ضحية تحريض على العنف، العنف في المنابر الإعلامية، العنف في المساجد، ثم العنف في الاجتماعات السياسية، فهناك تحريض، هذا التحريض.

عبد القادر عياض: هذا ليس موضوعنا على كل حال ليس موضوعنا.

جمال تليلي: بين قوسين، من التقطه؟ أنا لا أعلم الجهة التي التقطت ونفذت هذا الاغتيال السياسي، أنا أقول فرنسا ولغير فرنسا ليس بإمكانها لولا التونسيين يجتمعون ويكونوا كالصف المرصوص لا يمكن لفرنسا أو غير فرنسا أن تفكر حتى بمجرد هذه المناورات، هذا وزير كاره للإسلام ويحكي على الإسلاموفوبيا وعلى الإسلام على اعتباره فاشية وما إلى ذلك، أول حاجة ليست الحكومة الفرنسية الكل، ثم ليس الشعب الفرنسي وأنت تعيش في فرنسا، ثم لا أعتقد أنه النمط اللي موجود عنا وأنا لست مدافعا عن النهضة وعلى غير النهضة، النمط الموجود عنا في حركة النهضة، وخطابه على الأقل نعتبره معتدلين يبنوا بالدولة المدنية وبإمكانهم أن يتعايشوا مع التوانسة وبإمكانهم أن يحافظوا على نفس نمط المعيشة وبإمكانهم أن يعيشوا تحت سقف الدولة المدنية.

عبد القادر عياض: هل ما زالت فرنسا تملك يد طولى حتى يمكنها التأثير، حتى بعد الذي حدث في تونس، ربيع في تونس، وتغيير حكم ومجيء حكومة بالانتخاب إلى غير ذلك، كيف لها أن تؤثر ما هي أدواتها وما هي آلياتها في هذه الحالة؟

توفيق المثلوثي: يعني بكل صدق لا يمكن لفرنسا اليوم التدخل مباشرة حتى وإن طُلب منها ذلك، لأن التونسيين في سوادهم الأعظم لا يقبلون بذلك، مهما كانت التصريحات التي كنا سمعناها من بعض الناس الغير مسؤولين أو مما يسمى بأيتام فرنسا وأبناء فرنسا، وهم موجودين يعني.

عبد القادر عياض: وماذا عن التدخل غير المباشر؟

توفيق المثلوثي: لكنهم موجودين، ولا أريد أن أسمي حتى لا أشخّص الموضوع في شخص معين، لكن هناك جيل كامل من رحم الاستعمار الفرنسي الذي لا زال يحن إلى فرنسا، حب من حب وكره من كره، والذي يُكن عداء لا مثيل له للثقافة العربية الإسلامية التي هي مكونة الهوية التونسية، هذا مفروغ منه، هم فرانكفونيين هم أمهم فرنسا وقلبهم وعقلهم وروحهم، ويتميعّشون من فرنسا بجرايات بامتيازات وهم الذين ينادون أمهم لتنقذهم، لكن هذا لا يزعجني لأن عددهم ضئيل، لكن الذي يخيفني لأني لما أسمع مسؤول يريد أن ينقلب على الشرعية الانتخابية على إثر مقتل الشهيد شكري بلعيد وتوظيف هذه الفاجعة لأسباب سياسوية دنيئة ويقول يجب حل المجلس التأسيسي ويجب كذلك استقالة الحكومة بالكامل، ويسأله المذيع بعد ذلك ويقول له ماذا تنتظر يا سيد الباجي قائد السبسي والكلام لجون بيير الكباش يقول من أوروبا وفرنسا، يقول له نحن نريد منكم أن تساعدونا في هذا المخاض الصعب وفي هذه المرحلة الانتقالية على إرساء الديمقراطية، حيث نحن نريد أن نمر بتونس إلى القرن 21 والآخرون يريدون أن يرجعونا إلى القرن السابع، وهذا نداءٌ مباشر إلى فرنسا وإلى أوروبا وهناك تصريحات أخرى لمسؤولين..

محاولات فرنسية لإرجاع الهيمنة على تونس

عبد القادر عياض: هذا نداء، عفوا، سأدع لك المجال، هذا نداء مباشر ولكن السؤال الآن، لو أرادت فرنسا وكان لها النية أن تؤثر وتعيد رسم الخارطة، ما هي أدواتها المباشرة أو غير المباشرة؟

توفيق المثلوثي: الغير مباشرة موجودة، ولكن المباشرة لا يمكن، المباشرة لا يمكن نهائياً.

عبد القادر عياض: لم تعد موجودة.

توفيق المثلوثي: لم تعد موجودة، كيف يمكن لفرنسا؟ إلا إذا أعلنت احتلال تونس من جديد ودخلت بقواتها وستجد مناضلين ومحاربين كما وجدت أجدادنا الذي دحروهم.

عبد القادر عياض: وغير مباشرة.

توفيق المثلوثي: غير مباشرة موجودة بالضغوطات يعني لا يجب أن ننسى وأن تونس أكسجينها الاقتصادي هو فرنسا أحببنا أم كرهنا، يعني المبادلات الاقتصادية التونسية في أكثر من 60% مع فرنسا، وهذا مثلاً من أهداف الثورة هو أن الحكومات المتتالية التي ستأتي يجب أن تفك هذا الحصار الاقتصادي والتعاون الثنائي وتعدد أنواع التعاون مثلاً مع ماليزيا ومع دول أميركا اللاتينية ومع الصين وروسيا، حتى نتخلص من العبودية.

عبد القادر عياض: ولكن عفوا، ما الذي جعل مجرد تصريح من قبل مسؤول فرنسي بأن تونس لم تعد نموذجاً جيداً للتحول الديمقراطي، حتى يتم اتهام فرنسا بكل هذا الكيل بأنكِ وأنكِ، أليس مقتل مناضل ومعارض سياسي مقدمة خطيرة إلى ما قد تؤول إليه الأمور؟

توفيق المثلوثي: لم يقل هذا الكلام، لو قال أن مقتل الشهيد شكري بلعيد هو نتاج عن كذا وكذا، والله ربما لاستمعنا إليه، لكنه هو ذهب إلى الخلاصة مباشرةً وقال يجب على فرنسا دعم القوى الديمقراطية ضد القوى الظلامية، وضد الفاشية الخضراء وكل الخطاب الذي سمعتموه وتعرفونه، فهذا دليل على أن هناك يعني ليس كلاما اعتباطيا، ليس كلاما من محض المفاجأة أو العاطفة، فهذا مسؤول، هذا وزير داخلية دولة، ولو كانت فرنسا نواياها صادقة تجاه الشعب التونسي وتريد لها الخير، لبدأت بشقها المسلم من شعبها الفرنسي المسلم وحسّنت ظروفه ولحاربت الإسلاموفوبيا قبل أن تتدخل في الشأن التونسي، ولحاربت العنصرية ضد العرب والمسلمين في فرنسا، والذين هم أبناء فرنسا وليسوا فقط مهاجرين إلى جانب وجود المهاجرين، فلو كانت النوايا صادقة، لو رأينا من فرنسا هذا التصرف ضد الإسلاموفوبيا وضد العنصرية لصدقناها والله لما تكلمت عن تونس.

عبد القادر عياض: سيد جمال، باختصار لو سمحت..

توفيق المثلوثي: مجرد أريد أن أشير إلى أن هناك حاجات مثلاً نكتشف وأن هناك في الطريقة الغير مباشرة خيوط وأصابع ممدودة، فمثلا هناك مركز معروف يعني اللي هو اسمه الايبيماد، يعني مركز البحوث والدراسات التعاون الاقتصادي مع الدول العربية وبلدان حوض البحر الأبيض المتوسط، والذي يوجد فيه كثير من التونسيين كمفكرين وليس كسياسيين، هذا المركز كان يموله عزيز ميلاد، رحمه الله توفى، أحد أباطرة النظام السابق وكذلك اليوم يموله صهر الرئيس بن علي مروان المبروك، وهذه هي المقالة والرجوع إلى المصدر ومن يترأسه؟ يترأسه وزيرة سابقة اشتراكية في عهد ميتران إليزابيث غوغو، وأذكر أن إليزابيث غوغو كانت الرئيسة لاتحاد النساء الصهيونيات الأوروبي، فيعني لا يمكن أن ننظر بعين البراءة لمّا نراه، وأن نظرية الإسلام، الفاشية الإسلامية أو الفاشية الخضراء، هي من محض فكر حاخام الصهيونية برنار هنري ليفي الذي ما إن ترى دبابةً أظهرت أنفها إلا وهو جاثم عليها للانقضاض على العرب والمسلمين، فلا يمكنني بكل هذه المعطيات أن أصدق هذا الكلام، ثم هناك كذلك ما تم في ولاية الباجي قائد السبسي والذي أعتبرها لما تم تعيينه وأنا إلى اليوم أبحث من عيّنه، لأنه رئيس الانقضاض على هذه الثورة، الباجي قائد السبسي هو الذي بدأ الثورة المضادة من موقعه كوزير أول وأنا شاهد على بعض الأشياء مثلاً أعطيك.

عبد القادر عياض: هذا موضوع آخر.

توفيق المثلوثي: لا مربوط بفرنسا لو سمحت.

عبد القادر عياض: تفضل، بما أنه مربوط تفضل.

توفيق المثلوثي: هذا الموضوع خطير وسري، ولكنه خطير للغاية، ولكنه لم يبق سريا لأنه نشر في Magazine électronique المجلة الالكترونية، هناك مستشار أمني فرنسي اسمه برنار الفتوسي وهو فرنسي وتونسي الجنسية والأصل، هذا كان مستشار من كبار رجال الاستخبارات الفرنسية.

عبد القادر عياض: فقط باختصار أن الوقت يداهمنا.

توفيق المثلوثي: نعم تمت دعوته من الحبيب الصيد وزير الداخلية ومن  الباجي قائد السبسي وهو بنفسه قالها لي في احتفال نظمته السفارة الفرنسية، قال لي بالحرف الواحد بعد كلام عن إذاعة méditerranéen وبغضب أنت تعرف أنني أحسن منك لأن البابا الباجي يعني أبي الباجي دعاني لأرتب بيت وزارة الداخلية التونسية حتى أغيّر العقلية فيها من وزارة إرهاب للشعب إلى وزارة أمن للشعب وهذا الشخص معروف إذ أنه هو المنسق العام للمشاكل الأمنية بين فرنسا وإسرائيل بصفة رسمية مسؤول فرنسي أمني، فأنا أتساءل لما أنت وزير أول وتدخل هذا الفرنسي في قلب وفي عرين وزارة الداخلية هناك تساؤلات هذه الطرق الغير مباشرة.

عبد القادر عياض: أستاذ جمال تليلي، ما الذي يجعل الموقف الفرنسي الذي كان في بداية الثورة يقدم خدماته لنظام بن علي أن يتغير بعدما تغيرت الخارطة والحسابات السياسية في تونس وبالتالي يمكن استبعاده في أي تحليل لأي تطور يجري داخل البلد؟

جمال تليلي: والله شوف نحن ندخل في الموضوع هذا أكثر من اللازم، الحقيقة وهذا الفضاء الذي يجمعنا في ظله كلنا المغربيين وكلنا شعوبنا عاشت معارك التحرير الوطني، أنا لا أقول أن فرنسا تقدر تتدخل أو لا تتدخل، أنا أعوّل على هذه الشعوب التي لها تجربة صميمة في دحر الاستعمار الفرنسي وهذا هو الخط الفاصل، اثنين: لا نحب صفارات الإنذار الكاذبة الحقيقة وهذا يهزني القول الشاعر العربي العظيم محمود درويش عندما يقول:

قصب هياكلنا                     وعروشنا قصب        

في كل مئذنة                      حاو ومغتصب

يدعو لأندلسٍ                      إن حوصرت حلب

المشكلة يا حبيبي في تونس وليس في باريس وليس في الأطلسي، تونس نجحت ثورتها وصارت انتخابات وانتخابات تقريباً منقطعة النظير في المشهد العربي وهي أول انتخابات بعد ثورة، كانت انتخابات شفافة انتخابات ديمقراطية والجميع يمتثل لنتائج الانتخابات من صعدت؟ حركة النهضة، حركة النهضة شكّلت مع حزبين آخرين شكلت الترويكا وهي التي فشلت، لماذا فشلت؟ ولدينا حيثيات نتتبع لها.

عبد القادر عياض: ما زال موضوعنا العلاقات الفرنسية التونسية فقط لأذكرك، لا أريد أن أقاطعك.

جمال تليلي: طبعاً أنا لا أريد صراحةً أن أحصر الموضوع في فرنسا ولا أريد كذلك أن أهرب من هذا الموضوع أنا قلت هذا الموضوع حاسم.

عبد القادر عياض: اسمح لي أن أفتح فاصل فقط، هذه الحلقة لا تستوعب أن نتكلم عن الشأن التونسي بكل تفاصيله نحن نتكلم عن جزئية عفواً وبرامجنا بشكل يومي سواء من خلال هذا المنبر حديث الثورة أو من خلال النشرات أو من خلال البرامج نتناول جزئيات أخرى من المشهد التونسي وبالتالي البرنامج لا يحمل كل ما يجري في تونس إلى العامل الخارجي ولكن نحن نتناول هذا العامل من حيث الدراسة ونستمع إلى وجهة نطرك تفضل.

جمال تليلي: نعم، على ذكر ليفي لماذا لا نتفطن ليفي اليوم؟ انظروا هذه علم فرنسا بأيدي المقهورين في الثورة الليبية لماذا نصمت على هذا الفرنسي الصهيوني برنار هنري ليفي؟ لماذا نصمت عنه حينما كان في إطاحة معمر القذافي وكان برعاية أطلسية تُدك طرابلس؟ نعم نحن مع حرية الشعوب مع تطلع الشعوب إلى الحرية، لماذا نصمت وقتها ونتكلم الآن، أليست هذه أعلام فرنسا في ليبيا؟ ثم أليس هذا هو برنار ليفي في ميدان التحرير؟ أليس هذا هو برنار ليفي في الكنيست الإسرائيلي؟ ثم علم فرنسا بيد الشباب المقهور والثائر؟ لماذا نتكلم عن برنار ليفي؟

توفيق المثلوثي: والحمد لله لم يمسك علم تونس.

جمال تليلي: اسمح لي لم يأتِ يمسك علم تونس.

عبد القادر عياض: ولم لا؟

جمال تليلي: هذه المذكرة أنا سأرجع لموضوع تونس، وحتى مسكوه في شكل مباشر ثم خيوط لأنه كان مسكوه لأن الناس اللي دعت إلى التدخل مؤتمر أصدقاء سوريا، هذه الحكومة حكومة الترويكا هي أول حكومة في العالم استضافت أصدقاء سوريا قبل أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود أليس هذا تدخل يا حبيبي، أليس هذا تدخل في شأن شعب يدمر الآن ويذبح؟

عبد القادر عياض: طيب إن كنت فهمت المشاكل أو فهمت جزءا مما تقوله هل معنى ذلك إن كنا شاهدنا برنار ليفي.

جمال تليلي: انتظرني صديقي.

عبد القادر عياض: أنا سأعطيك المجال والله ستجيب فقط حتى نوجّه الكلام بما أننا قد شاهدنا بالصور برنار ليفي في ميدان التحرير وشاهدنه في ليبيا وشاهدناه في الكنيست فهذا يبيح له أن نشاهده في تونس.

جمال تليلي: الآن هو كان يمكن أن يكون أو أن يشاهد في تونس.

عبد القادر عياض: أنت تتكلم عن المبدأ بما أنك قدمت هذه على أنها أدلة.

جمال تليلي: المبدأ يمكن أن يكون حينما يشق الصف وحينما تتدخل وقت إيش جيه العلم الفرنسي والليبي؟ وقت التدخل الأطلسي وقت إيش جاء في ميدان التحرير؟ وقت اللي ونعرف وخلينا نقول في ربيع عربي ذهب بنا إلى الدمار العربي، انظر الخراب الذي يحول بالعرب اليوم، شعوب مقهورة شعوب تتطلع إلى الحرية والديمقراطية، انظر ماذا يُفعل بها اليوم، معناها في لعب إقليمية وداخلية وتجاذبات داخلية بأطراف دولية يجب أن نعي هذا.

عبد القادر عياض: دعنا نحدد..

جمال تليلي: اثنين فقط معلومة أخرى برنار هنري ليفي هذا فرنسي صهيوني مكتوب من 2001 السكرتير الخاص للشهيد صدام حسين من وقتها عنده مهمات صهيونية في العراق هذا موثق عند الناس والناس كلها تعرف لماذا نتحدث عن التدخل الأجنبي أليست تلك بلدان لها حرمتها، ليبيا أليست لها حرمتها؟ نعم نحن ضد الدكتاتورية السافرة وضد التسلط الليبي ومع الشعب الليبي في تحرره لكن لماذا نهلل ونصمت، لماذا؟

عبد القادر عياض:  فقط لأفهم سيد جمال سيد جمال.

جمال تليلي: دقيقة.

عبد القادر عياض: والله مع أنه لم يبقَ وقت كثير أنصفتك كثيراً، سأعطيك المجال، فقط لأوجّه بوصلتك بأي اتجاه تسير، هل أنت ضد التدخل الأجنبي وبالتالي تدينه في أي مكان وتدين التدخل الفرنسي إن كان في تونس.

جمال تليلي: طبعاً منعاها كل تدخل أجنبي وهذا قلته في البداية كل تدخل أجنبي مرفوض وسنكون مع الاتحاد الوطني الحر.

عبد القادر عياض: إذن أنت تقر بأن التدخل الأجنبي مؤثر في جميع بلدان الربيع العربي ومن بينها تونس.

جمال تليلي: طبعاً بلدان الربيع العربي وثورات الربيع العربي لم تكن بمنأى عن التدخل الدولي وأي عاقل اليوم يتفطن إلى هذه الخيوط، نحن نريد بناء الوحدة الوطنية بالحوار الوطني أن نضرب كل الأذرع التي تمتد إلى أوطاننا نحن في الحقيقة.

عبد القادر عياض: سواء كانت فرنسية أو غير فرنسية.

جمال تليلي: فرنسية أو غير فرنسية نحن في حزبنا نرفع الأيادي البيضاء الأيادي النظيفة في الاتحاد الوطني الحر ضد الأيادي الحمراء التي اغتالت الزعيم الوطني فرحات حشاد ضد الأيادي السوداء التي اغتالت كذلك شكري بلعيد.

عبد القادر عياض: دكتور توفيق في أقل من نصف دقيقة لو سمحت.

توفيق المثلوثي: ما قاله الأستاذ جمال والصور التي أوردتها هي إثبات للدور الفرنسي في العالم العربي وكذلك في تونس حتى وإن لم توجد صورة لبرنار هنري ليفي في تونس فقد حاول أن يحرك ذيله في تونس بعد الثورة بزيارة عدة مدن في تونس وبالذات مدينة جربة تحت عدة إطارات من ندوات وغيرها لكنه لم يتمكن وهنا أريد أن أحيي الشعب التونسي على وعيه الكبير حيث تصدى لكل المحاولات التي تريد أن تشق صفه.

عبد القادر عياض: أدركنا الوقت الأستاذ والباحث والكاتب توفيق المثلوثي وكذلك أشكر ضيفي سيد جمال تليلي المنسق العام لحزب الاتحاد الوطني الحر التونسي المعارض شكراً جزيلاً لكما، إذن نختم هذا اللقاء من حديث الثورة نعود ونلقاكم في أحاديث أخرى للثورات العربية دمتم في رعاية الله إلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة