أنيس المتني ج1   
الخميس 1428/2/19 هـ - الموافق 8/3/2007 م (آخر تحديث) الساعة 17:23 (مكة المكرمة)، 14:23 (غرينتش)

- بداية الرحلة
- روسيا وداء الحنين للوطن

بداية الرحلة

أنيس المتني - كاتب: يا سيدي أنا الرسم بالنسبة لي هواية ما أنا محترف بس هو شيء كبير بحياتي لأن هو والشطرنج شبه المتنفس الوحيد، لما الواحد الغربة تصيبه حالات كثيرة من الاكتئاب للحنين للوطن من تذكر الأصدقاء ما يلاقي غير الرسم يعبر عن مكنونات نفسه وبالتالي يقعد الواحد ساعات عم يعيش مع نفسه بارتياح بعيدا عن العالم الخارجي طبعا كنت أتمنى أنا إني أصير رسام لكن الظروف بالحياة تحكم على الواحد إنه يمشي مثلما بدها مش مثلما بده هو مع ذلك شاء الجميل أنه أنت محل ما تروح تسجل المناظر الجميلة الأماكن الممتعة الأشخاص الحلوين اللي تلتقي معهم بأي مكان تزوره أنا زرت أماكن كثيرة وخاصة الاتحاد السوفيتي كان سدس الكرة الأرضية والأجمل من هذا أن معظم لوحاتي كانت تبقى عند الناس اللي أكون بضيافتهم أو عم أرتاح معهم وبالتالي هذا يظل ذكرى، وُلدت في قرية الآن أصبحت بلدة اسمها شطة وكانت فيما مضى المقر الصيفي للإمبراطور الروماني فيليب العربي الشهير وهذه من أجمل الأماكن في العالم وأناسها من أحب الناس على قلبي من منطقة جبل العرب المعروفة آنذاك بنضالها ضد المستعمر وفيه أسرة إسلامية فقيرة مستقيمة مكونة من ثمانية أشخاص الأب والأم وستة أولاد ولاشك أن المرحلة هذه كانت مرحلة قاسية في حياة جميع الناس وخصوصا بعد دخولنا إلى المدرسة نتيجة الجفاف الذي حل بسوريا ولكنها مرحلة سعيدة أيضا لأننا نعتبر أننا كنا جيل جمال عبد الناصر جيل محاربة المستعمر ومشاريعه في المنطقة فكان هناك أمل كبير يملأ حياتنا وكانت هناك محفزات كي ينظر الإنسان إلى المستقبل بدون النظر إلى شروط الحياة الآنية ولاشك إنني تأثرت كثيرا بأبي وأمي وخصوصا في المسألة الأخلاقية ورؤية الحياة واضطررت في الصف السابع إلى ترك المدرسة والانتقال إلى بيروت على أثر مظاهرة ضد الانفصال حيث فُصلت من المدرسة وبقيت أعمل في بيروت مع أسرتي فكانت بيروت هي عروس المدائن وسحر السحر بالنسبة لطفل جاء من القرية وعاش حياة كاملة في هذه المدينة، أذكر مرة أننا كنا نجمع بعض الفلوس في حصالة وكانت في بيروت مغريات كثيرة والطفل لابد أن يقع في مثل هذه المغريات ونتيجة الفقر لم أستطع طلب بعض الليرات اللبنانية لشراء بعض الأشياء فقلت طالما أن هذه النقود هي ملكي لماذا لا آخذ الحصالة وأشتري بها ما أشاء؟ عملياً سرقت الحصالة وخرجت من البيت وعندما عدت بها لأضعها في مكانها وجدت والدي في البيت فلم أستطع فدفنتها في الرمل، كُشِفت القصة وكان العقاب شديداً علقني أبي على النافذة وجلب حبلاً ونده إلى أولاد الحارة وقال لهم تعالوا شوفوا كيف الحرامي يصير هذا على سبيل المثال فطبعاً تركت أثر كبير في حياتي والحقيقة رغم قساوتها كنت ولا زلت أقر بفضل كبير بهذا الوالد العظيم الذي لم تدفعه رأفة الأب إلى أن يترك العمل غير الصالح ينمو في ابنه.

[تعليق صوتي]

حكاية بسيطة ولكنها عميقة، عين الأب الصارمتان رسمتا الملامح الأساسية للنظام الأخلاقي الصارم بدوره داخل الولد أنيس المتني عينا أبيه هما قريته شطة وهما سوريا والعروبة والإسلام وكلهم كانوا ولا زالوا رفاق رحلة الاغتراب الطويلة في دولة بحجم قارة اسمها روسيا، مشاغب سياسي في غرف النظام منذ مظاهرته الأولى ضد انفصال بلده عن مصر طردوه نهائياً من المدرسة ليبدأ مشوار اغترابه في بيروت التي عمل فيها إسكافياً ليكسب خبز يومه من عرق جبينه كما علمته عينا أبيه، لم ينقذه من الضياع في بحر الهامشيين المسحوقين الذين تذخر مدننا العربية بالملايين منهم إلى الانفتاح الثقافي السوفيتي الهائل على العالم العربي في السبعينات فقرر الفتى أن يبني نفسه علمياً في عاصمة السوفييت انطلاقاً من الصفر.

أنيس المتني: في مرحلة السبعينات كان الاتحاد السوفيتي يمد يد المساعدة للشعوب العربية وكانت آلاف المنح الدراسية تُعطى لأبناء الوطن العربي وساعدني الحظ طبعاً أن يكون من بين هؤلاء في عام 1971 جئت من لبنان إلى موسكو الانطباع الأول اللي أخذته عن موسكو كنت بعد ما أعرف غير كلمة شكراً باللغة الروسية كان انطباع رائع شفت مدينة مدهشة شوفت ناس حلوين شوفت محبة إلى الغرباء وبالتالي مشيت كل شارع اللينسكيباستيكت حوالي 15 كيلو متر ذهاباً وإياباً فقط عشان أتمتع بالتعرف على هذه المدينة الجديدة.


[فاصل إعلاني]

روسيا وداء الحنين للوطن

"
الصعوبات التي واجهتها في روسيا تمثلت في صعوبة اللغة الروسية، وفي كيفية الجمع بين الدراسة والنشاط الاجتماعي والسياسي، صعوبة الطقس المتمثل في الشتاء القارس والثلج
"
أنيس المتني: بطبيعة الحال كان فيه صعوبات موضوعية واجهتنا أولاً صعوبة اللغة الروسية وما يشعر إنسان بحلاوة اللغة الروسية غير بعد ما يتمكن شوية من ناصيتها الصعوبة الثانية كان عملية الجمع بين الدراسة وبين النشاط الاجتماعي والسياسي وكانت السياسة بدمنا نحن السوريين وكثير من الأحيان كان لابد أن يتم شيء على حساب الآخر وكانت الغلبة للعامل السياسي في حياتي والصعوبة الثالثة وهذه يواجهها كل إنسان شرقي هي صعوبة الطقس وجود الشتاء القارس والثلج لمدة ستة أشهر أو سبعة أشهر وأحيانا يستمر إلى الصيف كان يخلق حالة نفسية معينة عندنا نحن وبالتالي ما نعرف كيف يجيء الصيف حتى نطلع خارج موسكو ووصلت إلى جامعة الصداقة وتعلمت أولا اللغة الروسية ثم الآداب ثم الترجمة الفورية وحصلت علي دبلوم في الترجمة الفورية ثم انتقلت إلى جامعة موسكو وعملت تخصص في النقد الأدبي وفي آن واحد درست في جامعة ليننغراد الحكومية وفيه موضوع اسمه النقد الساخر فكانت هذه هي أجمل سنوات حياتي لأنه الاتحاد السوفيتي كان آنذاك منهلا للعلم والمُجِدّ يجد فيه كل ما يريده، الجمل في حياتي كان هو الجمع بين الدراسة والنشاط السياسي والاجتماعي والعمل في آن واحد وتعرفت على شخصيات ثقافية عديدة وساهمت في عمل ترجمة معها مثل الشاعر المصري عبد الرحمن الخميسي وأيضا تعاونت مع وكالة ريانوفيستي ومع إذاعة موسكو وعملت أيضا في سيبيريا وكزاخستان وفي جنوب روسيا مع الطلبة الروس صيفا في أعمال البناء وكانت هذه من أجمل الفترات على الإطلاق وقد صُوِّرت في فيلم عرض في دور السينما على أساس أن الفريق الأممي من شعوب مختلفة يعمل في بناء الدولة السوفيتية آنذاك، دائما كان عندي هواية أن أدرس بعمق النقد الساخر فكنت أجمع بين الاثنين معا من جهة أدرس الأدب العربي والمدارس والاتجاهات الحديثة فيه من جهة ثانية أدرس بشكل أكاديمي ما هو النقد الساخر؟ كيف تطور؟ ما هي أهم المدارس؟ أين ظهرت أهم النتائج سواء في أوروبا أو في أميركا أو في منطقتنا العربية وهكذا حتى عام 1982 فدافعت عن الأطروحة أطروحة الدكتوراه في مجال الأدب العربي الحديث كانت مرحلة ثمينة ذهبية في حياتي خصوصا أنني عملت مسؤولا في اتحاد طلبة سوريا ومسؤولا في اتحاد طلبة البلدان العربية وكان لدينا آنذاك حوالي خمسة وعشرين ألف طالب عربي في الاتحاد السوفيتي هذا كم هائل من الكوادر ولا شك أن العمل في هاتين المنظمتين أكسبتنا خبرة من جهة وعرفتنا على شخصيات كثيرة كانت تأتي لزيارة موسكو وتلقي محاضرات أو تحاور الطلبة وتستفيد هي أيضا من رأينا هنا بالمكتسب من هذا المجتمع وبقيت حتى عام 1982 حين قررت العودة إلى سوريا إلى الوطن.

[تعليق صوتي]

أقنعنا الإعلام الغربي أو كاد بأن الاتحاد السوفيتي كان مساحة كبرى من العتمة على خريطة العالم ولكن تجربة أنيس المتني الطويلة هناك تُكذب هذه الصورة النمطية المغرضة الشاب العربي المعدم تنقل هناك بين كبريات الجامعات وصولا إلى درجة الدكتوراه دون أن يطالبه أحد بروبل واحد ثمنا للمعرفة ومارس نشاطا سياسيا مكثفا دون أن يعتقله الكي جي بي لكن الشاب العربي يفقد مناعته بمضي الوقت تجاه داء الحنين إلى الوطن ويظن أنه استكمل أدواته العلمية والفكرية في روسيا وآن له أن يعود ليفيد منه بلده أولا وليستقر ثانيا في عش الزوجية مع إحدى بنات سوريا الجميلات.

أنيس المتني: عدت إلى الوطن للأهل والأصدقاء بعد فراق دام 12 سنة تقريبا وأخذت أعيش حياة طبيعية هانئة في ذلك الجو الرائع الذي غمرني الناس فيه بالمحبة وعملت في وزارة الإعلام وكانت فترة رائعة من حياتي اكتسبت فيها خبرة كبيرة أيضا وكانت هناك فعاليات على مستوى اتحاد الصحفيين وفعاليات على مستوى اتحاد الكتاب والإنسان حين يصبوا إلى أن يكون مثقفا لا يمكن أن يغنيه عن الوسط الثقافي أي وسط آخر وكان لابد في هذه المرحلة أيضا من التفكير بالزواج.

زوجة أنيس المتني: تعرفت على أنيس طبعا اللقاء الأول كان تقليدي رحنا أنا وأمي سلمنا عليه وبعدين وهي من أصدقاء الوالد صار يجيء لعندنا يتردد على البيت تعرفت عليه ببيتنا طبعا لفت انتباهي ثقافته ووعيه تفاؤله ورغم الظروف الصعبة تزوجنا.

أنيس المتني: وأنا من الناس الذين لا يؤمنون كثيرا بالزواج المختلط فقد بقيت كل هذه الفترة في الاتحاد السوفيتي وكان هناك من الأصدقاء مَن تزوج بأجنبيات منها زواج ناجح ومنها زواج لم يكن ناجحا لكن بشكل عام كل مجتمع له قيم وله عادات وله تقاليد وليس أفضل من أن يرتبط الإنسان بإنسان آخر من بيئته يشاطره مفاهيمه وأخلاقه وأفكاره في هذه الحياة لكن الظروف وخاصة الاقتصادية لم تسمح لنا بالبقاء طويلا ولذلك قررنا في عام 1987 أن نعود إلى موسكو.

زوجة أنيس المتني: جاءت جبنا كنانة بعد سنة وتأقلمنا عملنا حياتنا الخاصة أصدقاؤنا ويعني حاولنا بأقصى حد أننا نحافظ على العادات التقاليد أكثر شيء كنا نركز عليه أن نحكي بالبيت بالعربي مع كنانة كنانة كانت وبعدين لما جاء منصف حتى لما الأولاد يروحوا على المدرسة كان يدرسوا بالمدرسة العربية يحكوا بلهجات مختلفة كنت أصر عليهم أنه يحكوا بلهجتنا ما يغيروها حتى يستغربوا بسوريا لما نرجع أنه كيف أولادي يحكوا بلهجة أهل الجبل.

أنيس المتني: الزوجة خففت كثيرا عليّ وعلى أولادي من آلام الغربة خصوصا وأنها إنسانة تحب العلم ومُجِدّة وتعمل بدأب وتحرص على تربية الأطفال فكانت عمليا هي الأساس في تربية الأولاد لأنني كنت دائما مشغولا في أمور العمل والسياسة بعيدا عن المنزل.

زوجة أنيس المتني: بموسكو بالبداية لما جئت كان فيه نية للدراسة بس يعني المرأة الشرقية تظلها تفضل الأسرة عن الدراسة تبعها أو شيء فبالبداية لقيت صعوبة لأنه الأولاد صغار وهيك تركت الدراسة ما كفيتها بعدين لما كبروا الأولاد كفيت دراسة بعلم الاجتماع سجلت ومن كم يوم تخرجت الحمد لله كامرأة شرقية أهم شيء بالنسبة لي إنه المرأة تحقق ذاتها.. تحقق ذاتها مش تصير مساوية للرجل وإنما تتحقق الفرص المتكافئة فكان موضوع بحث الدبلوم تبعي عن المرأة العربية بشكل عام والمرأة السورية بشكل خاص.

أنيس المتني: أعتقد أننا كونا أسرة مثالية أسرة متحابة وبالتالي نشأت صداقة بين جميع أعضاء الأسرة وليست هناك أسرار تقريبا لا عن الأب ولا عن الأم وهذا إنجاز كبير والشيء الأهم أن الأولاد يحبون ما أحب وبالدرجة الأولى يحبون الوطن وكل عام على مضض أضطر إلى إرسالهم إلى الأهل كي يبنوا صداقات كي يقيموا الصلات كي يبقوا مع الجذور والحمد لله هذا الأمر قد تم لنا.

زوجة أنيس المتني: هذه القصيدة جئت مرة من سوريا فشفت أوراق على الطاولة قرأتها عرفت أنه قبل يوم أنيس كتبها لي بمناسبة يعني مجيئي أنا والأولاد من سوريا بس ما بين سطورها كانت معبرة أكثر من أنه مجيئي أنا كشخص شريك حياتي أو احتفظت فيها طبعا أنيس ما يعرف أنه أنا محتفظة بهاي القصيدة عمرها 15 سنة من وقتها عرفت أنه نحن بالنسبة له قطعة من الوطن مش شركاء حياته، غدا تأتين نجمة الصباح طال انتظارها في الصقيع وتحملين الفرح الكنز أخبار الوطن الغربة أحاديث الزرع العشب كلمات الحب الصعبة الكل يذكرك بالخير ويهدوك سلام العمر والشوق حنين للقمر فلا تحزن.

[تعليق صوتي]

لم يكن المتني يمتلك إلا قلمه حينما عاد إلى سوريا وصحيح أن هواء الوطن وأحضان الأهل والأصدقاء تدفئ القلب لكن كل شيء آخر كان يدفع أنيس نحو الحنين في الاتجاه المعاكس الحنين لروسيا حيث الحياة أسهل ماديا والمعرفة متاحة بلا حدود والأهم هو يقينه بأنه يمكنه خدمة العرب أكثر وهو ما فعله قدر ما استطاع كان عليه أن يحمل عصا الترحال ثانيا مُيمّماً صوب شمال العالم لكنه لم يكن وحيدا بل برفقة أسرته الصغيرة التي تخفف قسوة الغربة وتمثل الوطن، في الحلقة التالية نتابع معه الحكاية التي تمتزج فيها إنجازات الرجل بالكثير من خيبة الأمل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة