هيكل.. طريق أكتوبر ومفاجأة التاريخ   
الأحد 1431/5/18 هـ - الموافق 2/5/2010 م (آخر تحديث) الساعة 15:17 (مكة المكرمة)، 12:17 (غرينتش)

- الموقف يتصاعد على كل الجبهات
- تغيير مفاجئ على الخريطة الإستراتيجية
- موجة عذراء في بحر هائج

الموقف يتصاعد على كل الجبهات

 
 محمد حسنين هيكل
محمد حسنين هيكل:
مساء الخير. في قراءة التاريخ دائما ثلاثة مناهج، منهج أول يرى أن حركة التاريخ هي طوفان يتدفق وهو مصادفات تلتقي أو تفترق ومن ثم يحدث ما نسميه تيار التاريخ، هناك مدرسة ثانية ترى أن التاريخ هو الرجال العظام الذين ظهروا في بعض اللحظات ويرى أن هؤلاء الرجال العظام أباطرة ملوك دكتاتوريين حتى أي حد هؤلاء هم صناع التاريخ وهذه المدرسة الثانية، المدرسة الثالثة مدرسة ترى أن التاريخ له عقل. المدرسة الأولى اللي ترى أن طوفان التاريخ يجري وأنها مسألة مصادفات أظن يحكمون على قصة البشرية كلها بأنها مسألة عبثية، المدرسة الثانية اللي ترى أنه مجموعة أبطال ورجال ومشاهير ورجال أقوياء هم يحركون التاريخ أظن أيضا أنها تحكم على البشرية بأنها تظل كسلى وبلا فعل نائمة حتى يجيء من يوقظها وأنا أظن أن هذا تجن على البشرية، والمدرسة الثالثة أو المنهج الثالث هو منهج أن التاريخ له عقل أنا أعتقد أنني واحد من الناس اللي بيؤمنوا بهذا المنهج الأخير لكن المناهج الثلاثة مفتوحة. فيما يتعلق بأن التاريخ له عقل أنا أعتقد أنه إذا كنا نوافق على أن حركة التاريخ هي سعي الشعوب إلى مصالحها وأمنها وحريتها وإلى التعاون أو الصدام مع غيرها وأنها في سعيها ينظمها بما أن مطالبها محددة واضحة المصالح والأمن والحرية إذاً ففي مسالك لهذه الحركة التاريخية تجعل الحكم عليها وفهمها مقبولا، لكن القضية تنشأ مرات من أنه إذا كنا بنقول إن التاريخ له عقل فمسألة مهمة جدا أن عقل التاريخ لا يمكن أن يعطي فعله إلا إذا كان في بشر يواكبون هذا الفعل ويفهمونه ويترجمون إشاراته ويحسنون لغته ويحسنون التصرف وفق قواعد ووفق منطق. لكن المشكلة عندنا في مصر.. أنا أعتقد أنه في مصر إحنا في مصر مرات كثيرة قوي التاريخ أعطانا فرصا بلا حدود لكن مع الأسف الشديد في مرات كثيرة قوي الأهواء غلبت التاريخ ومن ثم بقينا مش قادرين نطل بالضبط على القيمة الحقيقية لحركة التاريخ. في هذه الفترة اللي بأتكلم عليها وحرب الاستنزاف ماشية مستمرة بقسوة على الجبهة وغارات العمق في الداخل -وأنا بأتكلم على سنة القلق بأتكلم على سنة 1969- وغارات العمق ماشية كنت بأقول والعمل السياسي على الجبهة العمل السياسي في الداخل والخارج على أشده وشعوب الأمة مستنفرة أظن أننا واجهنا موقفا كان يقتضي تفكيرا وغريب قوي أن هذا حصل بشكل إلى حد كبير قوي. لكن لما رجع الدكتور محمود فوزي من واشنطن، كان راح هو في مهمة استكشاف رأي أو موقف أو سياسة إدارة جديدة جاي فيها ريتشارد نيكسون رئيسا للولايات المتحدة بعد جونسون وهو رئيس كان لأسباب كثيرة بيناصبنا العداء، في أسباب كثير قوي عملية على الأرض وحقيقية على الموارد وحقيقية من الصراع على الموقع ومطالب لأميركا في هذا لكن أيضا كان في عنصر هذا الدخول اليهودي الفظيع جدا المؤثر على الرئيس نيكسون ودي هي كانت النقطة اللي إحنا مهتمون ندرسها بشكل أو آخر في زيارة الدكتور محمود فوزي أو على الأقل ضمن عملية الاستكشاف الواسعة التي قام بها الدكتور فوزي من الفترة من أواخر مارس إلى أوائل أبريل سنة 1969 وهي كانت سنة صعبة جدا وأنا تكلمت عنها بما فيه الكفاية لكن الدكتور فوزي رجع لنا من واشنطن وهو يقول إنه واضح قدامه وهو قلق جدا من أنه يبدو له أنه فيما هو مقبل في إدارة نيكسون في تناقضات نحن قد نعاني منها، بمعنى أنه في صراع باد قدامه وهو لمحه وأنا أشرت إليه والوثائق أشارت إليه في صراع قادم بين البيت الأبيض أو مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض بالتحديد وفي هنري كيسنجر وهو يهودي وده مش عيب يعني لكن المشكلة في هذا الهوى والميل والتحيز الفادح لبعض اليهود إلى إسرائيل وخطأ أنهم يوافقون أو يتوئموا في واقع الأمر بين إسرائيل وبين تاريخ اليهود لكن ده حصل والغريبة قوي أنها كانت مشكلة الرئيس نيكسون الرئيس الجديد نفسه متنبه لها إلى وقعها أو إلى دورها أو إلى تأثيرها المدمر في إدارة سلفه وعد في ورقة في وثيقة أنا عرضتها تسجيل بصوته بيتكلم على عدد اليهود اللي بيشوفهم حوله في كل مكان، ليس فقط في إدارة جونسون السابقة على إدارته لكن أيضا في الإدارة الأميركية وبيقول لهالدمان مساعده أنا مستغرب اليهود في كل مكان. لكن ما لم يتنبه له نيكسون أو يمكن تنبه ومش قادر يتكلم فيه بدرجة كافية أنه هو جاب كيسنجر هو اللي جاب كيسنجر وهو يعني أنا عايز هنا أفرق الرجل هنري كيسنجر في قيمته العلمية والرجل هنري كيسنجر في ولاءاته لبلده أميركا والرجل هنري كيسنجر في تحيزاته الظاهرة وأنا في هذا كله يعني حاجة غريبة جدا أنا متلقي رسالة من كيسنجر قبل حوالي شهر بيقول لي إنه بيعرف أنني أهاجمه -وأنا حقيقي ما بأهاجموش- لكن هو لا يزال يحتفظ لي بنفس الود اللي كان بيننا ذات يوم عندما كنا نتعامل وجها لوجه أثناء حرب أكتوبر، كنا بنتعاون لكن بنتعاون بالخلاف لأنه بالتفاوض أو الاتصالات السياسية فيها تعاون أيوه لكن فيها تعاون من مواقف متعارضة لكن أنا أعتقد أنه أنا يعني بحقيقي ماهياش مسألة كراهية ولا مسألة.. هو انتصر هو حقق ما يريد وأنا لم أستطع أن أحقق ما تمنيت أن يتحقق لكن هذا لا يدعوني لا إلى كراهية ولا إلى هجوم، أنا في السياسة ما فيش في هذا الكلام، السياسة فيها معارك من يفوز يفوز ومن ينتصر ينتصر لكنها لا تستوجب عداوات. لكن على أي حال نيكسون أتى إلى البيت الأبيض برجل هو يعلم تحيزه لإسرائيل لكنه أنا أظن أنه هو أراد بمجيئه أن يرضي الأطراف اللي بيسموها في أميركا
the powers that be، القوى ذات الشأن القوى قوى المؤسسة لأن هو زي ما قلت كان مع روكفلر وجاء أخذه نيكسون، كان مع روكفلر وما يمثله روكفلر في المؤسسة وتشعبات المؤسسة الأميركية. فرجع الدكتور فوزي وقد رأى أطل على الإدارة الأميركية الجديدة ورجع متخوفا من هنري كيسنجر -مع أنه ما حدش فينا كان يدرك في ذلك الوقت أو يتصور أنه في يوم من الأيام هذا الرجل الذي كان في الظل في ذلك الوقت سوف يمسك في يده 99% من أوراق حل أزمة الشرق الأوسط، لكن كل هذا كان في ذلك الوقت بعيدا في الغيب- لكن فوزي رجع وهو يرى أن هناك إدارة أميركية جديدة لكن هذه الإدارة الأميركية لا داعي لأن يعلق أحد عليها أملا بأكثر مما هو ممكن أو بأكثر مما هو ضروري لأن حقائق الأحوال بالنسبة للسياسة الأميركية طبائع الأشياء بالنسبة لناس في الإدارة لا تدعونا إلى أمل كبير وأنه في رأيه أن العمل هنا في الداخل والعمل هنا على الجبهات. العمل على الجبهات كان واصلا في واقع الأمر إلى عملية متشعبة وعملية مرهقة وعملية كبيرة جدا لأنه في -وده كان واضحا من الكلام الموجود والوثائق اللي أنا عرضتها قبل كده- أنه إحنا العمليات في ذاك الوقت كانت تكثفت إلى حد أنها بقيت يعني في ذلك الوقت.. ده الوقت اللي راحت فيه مجموعة من الضفادع البشرية المصرية إلى ميناء إيلات وأغرقت ثلاث قطع بحرية في ليلة واحدة وده كان موضوعا مهما قوي، غارات العمق بدأت بعضها ينجح وبعضها لا ينجح لأنه في مقاومة وفي مواقع حصينة وفي شباب بيقاتل، الجبهة كان فيها كلها كل يوم في عملية عبور بشكل أو بآخر وكل يوم في دوريات بتروح والموقف على آخره نار مشتعلة على الجبهة، العمل السياسي والعمل العربي لكن معركة صعبة جدا. في ذلك الوقت قدامي من ذلك الوقت أربع وثائق أميركية وأنا أريد أن أعرضها لأنها بتوري كثيرا قوي مما كان جاريا في ذلك الوقت، الوثائق كلها تقريبا أو ثلاث منها بتوقيع كينيث هيوز اللي هو رئيس إدارة التحليل والمخابرات والمعلومات في الخارجية الأميركية بيقول فيها إن إسرائيل بدأت تحس بازدياد الضغط العسكري المصري وتصاعده وإنها الآن تفكر في عملية واسعة ضد مصر قد تتضمن هجوما شاملا على الجبهة لعبور قناة السويس في حماية صواريخ هي الأخرى من ناحيتها لكنها تفكر أنها تعمل عملية تنفذ فيها للعمق وتحتل مواقع على الضفة الغربية من قناة السويس ولكي تضرب قوات الجيش الرئيسية المتمركزة فيها ضربة تنهي الموضوع، وبيطلب، التقرير بيقول إن الحكومة الإسرائيلية وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان في ذلك الوقت طلب من كبير مراقبي الهدنة الجنرال أود بول أن يبلغ الحكومة المصرية أنه إذا لم تتوقف كل هذا النشاط فالحكومة الإسرائيلية لن تقبل عملية استنزاف، عملية استنزاف بطيئة بهذا الشكل وإنما سوف تقوم بضربة مؤثرة وقد تندم عليها الحكومة المصرية إذا لم تراجع موقفها لأن استمرار هذا الاستنزاف إسرائيل لا تستطيع أن تحتمله، لكن الجنرال أود بول كبير مراقبي الهدنة رأى أنه لا يستطيع أن ينقل إلى الحكومة المصرية إنذارا فطلب منه ديان بيقول له إيه؟ أرجوك تبلغهم our state of mind حالة فكرنا، حالتنا الفكرية أن إحنا هذا الاستنزاف البطيء المستمر بالشكل ده كله نحن إسرائيل لا تستطيع احتماله وأنك أنت تخشى أن يكون له عواقب، ووافق الجنرال أود بول على أن ينقل رسالة state of mind حالة إسرائيل النفسية والعقلية، وأظنه جاء هنا في مصر وطبعا ما حدش سمع منه حاجة، هو قابل محمود رياض في ذلك الوقت وزير الخارجية يعني ولم يسمع منه أحد ما حدش اهتم لأنه هذه كانت معركة مصير ونحن مصممون على حرب استنزاف على مواصلة حرب الاستنزاف والإعداد في نفس الوقت لعملية عبور، وكلمة عبور متكررة والقوات الجاهزة للعبور الفرق الجاهزة للعبور بتتدرب والمسائل واضحة وإسرائيل تريد أن تسبق العبور المصري أو احتمال العبور المصري بعبور مضاد، هنا إحنا قدام موقف شديد الحروجة أو يعني مسائل بتمشي إلى نوع من الذروة الخطرة جدا. دي الوثيقة الأولى اللي اتكتبت لوزير الخارجية، أراد ديان أنه ما يخلهاش مجرد الحالة العقلية لإسرائيل فأضاف إليها في اليوم اللي جاء أود بول يقابل ديان أضاف إليها تصريحا قال فيه إن إسرائيل ليس أمامها خيارات وأن ما هو أمامها هو القيام بعمل كبير مرة واحدة لأنه هي لا تستطيع أن تقبل هذا الاستنزاف الذي يؤثر عليها ويستهلك وقتا وموارد وأرواح وهو مستمر وإذا كانت مصر تقدر تتحمله بحجمها فإسرائيل لا تستطيع. رئيس المخابرات في وزارة الخارجية الأميركية توماس هيوز بيقول لوزير الخارجية بيقول له إن المصريين عندهم حالة hawks حالة.. hawk هو الصقر، حالة صقور كده وأن هذا خطر جدا لأنه حيوصل إلى صدام كبير قوي وهو يخشى أن المصريين مأخوذون بما فعلوه وما حققوه في حرب الاستنزاف وأن هذا قد يستدعي موقفا أكبر جدا من أن يستطيع أحد السيطرة عليه، دي الوثيقة الأولى. الوثيقة الثانية برضه هيوز -وده كله في يونيه سنة 1969- بيقول إن مصر بتشجع عمليات الفدائيين والفدائيون بدؤوا يعملون سواء داخل إسرائيل أو بالقرب، لأنه في ذلك الوقت أيضا بدأت عمليات خطف الطائرات وإحنا ما كانش لنا رأي في خطف الطائرات الحقيقة يعني، لكنها بدأت تعمل دويا وبدأت تعمل قلقا شديدا قوي، فبيقول رئيس المخابرات في وزارة الخارجية بيقول إن المنطقة كلها بتندفع إلى موقف radicalation الاستقطاب الحاد لآخر مدى وأنه يخشى أن هذا سوف يؤدي إلى عواقب خطيرة قادمة. وبعدين الوثيقة الثالثة بيقول إنه في واضح من المعلومات أن مصر بتحاول تعمل نشاطا سياسيا كبيرا جدا في العالم العربي وأنها بتحشد وراءها قوى, كان في وقتها إحنا دعونا إلى مؤتمر لدول المواجهة اللي هي إحنا مصر يعني والأردن وسوريا والعراق كان في ذلك الوقت وأن مصر عمالة بتحشد لأنه في ذهن القيادة المصرية أنها تريد أن تبدأ بعملية كبيرة عملية عبور كبيرة قبل أن تدخل الطائرة الفانتوم الأميركية الجديدة في الخدمة، لأنه في ذلك الوقت جونسون أعطى إسرائيل 32 طائرة بانتوم أو 36 طائرة بانتوم وإداها حوالي سبعين طائرة سكايهوك والسكايهوك كانت دخلت الخدمة والفانتوم على وشك تدخل في الخدمة، فبيقول هو إن مصر بتفكر جديا في أن تسبق عملية الفانتوم بعملية عبور موجهة للجبهة الإسرائيلية وإن هذا خطر، كمان بيقول إن القيادة المصرية قلقة جدا أنه في ذلك الوقت تنحى الجنرال ديغول في فرنسا، الجنرال ديغول كان واخد موقفا معينا في حظر أسلحة حظر تصدير أسلحة فرنسا إلى إسرائيل فالجنرال ديغول كان بسبب حركات الشباب في فرنسا ولأسباب أخرى رأى أنه هو مش عاوز يكمل كرئيس للجمهورية الفرنسية واعتزل وراح قريته وكان أعلن هذا أنه في وقت معين سوف يعتزل، فالتقرير كاتب التقرير بيقول إن القيادة المصرية تريد مش بس أن تسبق الفانتوم لكن تريد أن تسبق ابتعاد ديغول لأن أي حكومة قادمة بعده قد ترفع حظر تصدير السلاح عن إسرائيل وهذا عنصر ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار.

[فاصل إعلاني]

تغيير مفاجئ على الخريطة الإستراتيجية

محمد حسنين هيكل: الوثيقة الرابعة هذه المرة من برغس من أخونا السفير برغس الموجود في القاهرة -الأميركي- بيقول فيها إن الإسرائيليين بيفكروا غلط، بيبعث لوزارة الخارجية بيقول لهم من فضلكم انصحوا الإسرائيليين هم بيفكروا غلط، بتكثيف غارات العمق هم بيتصوروا أنهم بيكسروا معنويات الشعب المصري وأنهم بيفرقوا ما بين القيادة المصرية والشعب المصري لأن الشعب المصري بغارات العمق سوف يدرك إلى أي مدى عناد قيادته أدى إلى مصاعب وإلى مخاطر وقعت فوق رأسه، فبيقول لهم إن هذا المنهج غلط ما بينفعش مع الشعب المصري لأن الشعب المصري منذ أيام الهكسوس -وهو كاتب الكلام ده- أثبت أنه في موضوع المقاومة وفي موضوع الاحتمال دائما يقال الشعوب العظيمة هي الشعوب القادرة على الاحتمال، طبعا الاحتمال لازم يكون له آخر، يعني لكن الصين عظمة الصين أن الشعب قادر على الاحتمال، الأمم القديمة الكبيرة تقدر على الاحتمال، الشعب المصري قادر على الاحتمال وهنا برغس بيقول إيه؟ مع أننا مش عاوزين نشجع حد على كسر وقف إطلاق النار لكن قولوا لإسرائيل تقلل من غارات العمق لأنها بتدفع الشعب مع القيادة في وقت واحد لأنه حيقاوم الشعب المصري بتزود عناده، لكن خلوهم يزودوا العمليات العسكرية مع أن إحنا لسنا مع كسر وقف إطلاق النار لكن إحنا بنقول أحسن قوي يركزوا على الجبهة وبلاش غارات العمق. لكن هنا بيبدو أنه في تصاعد كبير جدا في الموقف مع مجيء قرب انعقاد مؤتمر قمة للدول المواجهة في القاهرة تقرر له 1 سبتمبر سنة 1969 الموقف العسكري على الجبهة الموقف في العمق الموقف في الغارات أو في العمليات الحاصلة زي عملية ضرب ثلاث قطع بحرية في إيلات في يوم واحد، هنا في فترة فيها شباب عملوا أعمال معجزات، أنا هنا عاوز أشير لحد مثلا زي إبراهيم الرفاعي، عايز أشير لحد زي الدكتور علي نصر اللي كان في الضفادع البشرية، هؤلاء ناس تحملوا مخاطر وشباب تحمل مخاطر في قوات الكوماندوس وكلها مشيت تقريبا unsung heros أبطال لم يغن لهم أحد لكن في هذه العمليات كلها كان واضحا أن كل حرب الاستنزاف بتقلق إسرائيل إلى درجة تدفعها إلى التفكير في ضربة كبيرة ثم أنها أيضا بتشجع الروح المعنوية مصر هنا على أساس أنه في تفكير في عمليات عبور وقوات موصوفة في العبور. لما جاءت الدعوة معاد أول سبتمبر 1969 لقمة عربية في ذلك الوقت كان جاء فيها أعلن أنه جاي فيها الملك حسين طبعا من الأردن، جاي فيها الرئيس نور الدين الأتاسي في ذلك الوقت رئيس الجمهورية السورية، والعراقيون كان مفروض يجي أحمد حسن البكر رئيس الجمهورية لكنه كان مريضا فجاء بداله السيد مهدي صالح عماش وزير الدفاع وواضح هنا أن مصر لديها ما تقدمه إلى دول المواجهة وأنها هنا عندها طلبات محددة من العراق فيما يتعلق بتدعيم الجبهة السورية، عندها طلبات محددة من سوريا في الجبهة السورية عندها ما تقدمه وتعرضه من خطط أو من أعمال تحققت فعلا على قمة مواجهة لكن الموقف خطر جدا والموازين متأرجحة. صباح يوم 1 سبتمبر وأنا فاكر هذه الساعات بشدة جدا، صباح هذا اليوم فجأة ظهر عنصر جديد فجأة أعلن في راديو بنغازي عن قيام انقلاب في ليبيا، انقلاب في هذا الوقت في ليبيا واستيلاء شباب جديد على السلطة في ليبيا بهذه الطريقة المفاجئة أحدث.. أولا عندنا هنا أحدث آثاره هنا لكن في العالم أحدث دويا في العالم لعدة أسباب. أولا أنا عايز أقول إنه لا بد أن نفرق، ممكن قوي يكون بعضنا له آراء فيما جرى في ليبيا لاحقا أو اللي ممكن حصل للنظام في ليبيا وممكن يكون عندنا اعتراضات أو ملاحظات على ما هو موجود في ليبيا لاحقا، لكن أنا أترجى أن إحنا نرجع بالنظر مرة ثانية إلى هذه اللحظة لأنه قيمة الحوادث هي في اللحظة التي وقعت فيها وفي تأثيرها في هذا الزمن في هذا التوقيت بالتحديد. في هذا التوقيت بالتحديد موضوع الثورة الليبية في اعتقادي كان موضوعا أكبر جدا مما يتخيله أحد, وأنا فاكر أن كل الوجود اللي كانت جاي علشان مؤتمر القمة الرباعية كل الوفود كانت بتتابع اللي جرى في ليبيا لأنه إحنا سمعنا لأول مرة البيان رقم واحد صادرا عن إذاعة بنغازي، أنا ما سمعتوش طبعا وكثير ما سمعهوش لكن لم تلبث وكالات الأنباء جابت لنا كل حاجة ومن ثم التقط نص البيان، التقط نص البيان اللي قرأه حد من أعضاء قيادة مجلس الثورة في ذلك الوقت ونص البيان قدامي بيقول "أيها الشعب الليبي العظيم، تنفيذا لإرادتك الحرة وتحقيقا لأمانيك الغالية واستجابة صادقة لندائك المتكرر الذي يطالب بالتغيير والتطهير ويحث على العمل والمبادرة ويحرض على الثورة والانقضاض قامت قواتك المسلحة بالإطاحة بالنظام الرجعي.." إلى آخره، وعاوزين مجتمع ما فيش حد فيه مظلوم ولا سيد ولا مسود وليبيا والعروبة والإسلام والشعارات هي الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية. كان في تصور في ذلك الوقت أنه والعرب كلهم منشغلون بهذا الصراع وحصل وفاق في الخرطوم أن عهد هذا النوع من الانقلابات كان فات، وأنا شخصيا كنت واحدا من الناس اللي كتبوا قبلها بسنة كنت بأقول إن طريقة العمل العربي في المستقبل لا بد أن تعتمد على الجامعة العربية وأعطيت نماذج مما نستطيع أن نعمله لأن العالم العربي كان بينتقل في واقع الأمر من لحظة ثورية قبل 67 إلى لحظة أخرى بعدها تستوجب وحدة العمل القومي وهذا لا بد أن يستبعد بالمنطق فكرة أن تقوم انقلابات أو أن تقوم ثورات لأن الظروف غير مواتية. في هذه اللحظة ثم جاءت 1967، 1968، 1969 وفي هذه اللحظة الساخنة والمشتعلة تبتدي تحصل حاجة في ليبيا. أولا لا بد أن نفرق زي ما قلت أولا نحط واقع ليبيا في حد ذاتها وأهميتها في حد ذاتها أولا، أول حاجة أنا قدام بلد ثلاثة آلاف كيلومتر على شاطئ البحر الأبيض، أنا قدام بلد موصول بتفاعلات البحر الأبيض كلها من أول الإغريق والرومان لغاية الإسلام وعصور الاستعمار، أنا قدام بلد بيواجه مالطة يعني أي حد هو راكب الطائرة على سبيل المثال قايم من الإسكندرية أو قايم من القاهرة فايت على إسكندرية رايح لأوروبا رايح على نابولي مثلا يفضل لمدة ساعة على الأقل شايف الشاطئين الشاطئ الأوروبي والشاطئ الإفريقي في ليبيا، ليبيا فيها أهم خليج موجود وهو خليج سرت جنوبا في جنوب البحر الأبيض، ليبيا بلد مساحته مرة وثلاثة أرباع قد مصر، مصر مليون كيلو متر مربع، ليبيا مليون و750 ألف كيلو متر مربع، ليبيا بلد منتج للبترول وفي ذلك الوقت بتنتج بترولا ما بين 60 إلى 65 مليون برميل في السنة بإيراد قدره 11 بليون دولار، بلد غني جدا، ليبيا فيها عدد سكان محدود، في ميزة مهمة جدا في البترول الليبي لأن البترول الليبي أولا من النوع الخفيف الذي يصلح للطائرات أكثر مما يصلح لغيرها لكنه أيضا فيه ميزة مهمة قوي أن البترول الليبي يصل إلى أوروبا مباشرة عبر البحر الأبيض المتوسط لا يحتاج يروح حول رأس الرجاء الصالح ولا يفوت من باب المندب ولايجي السويس اللي كانت مغلقة في ذلك الوقت فالبترول الليبي في ذلك الوقت ليبيا كانت جزءا مهما جدا على رقعة شطرنج الشرق الأوسط في ذلك الوقت واللعبة الدامية الجارية فيه في هذا الوقت، شطرنج فيه جيوش بتتحرك مش شطرنج عساكر مش قطع موجودة من الخشب أو العاج أو أي حاجة ثانية، شطرنج الحياة الحقيقي والصراع الحقيقي ليبيا في ذلك الوقت قلعة مهمة جدا من قلاعه لكنها كانت مستبعدة ما حدش بيفكر فيها أبدا، ما حدش خطر له في ذلك الوقت، الملك السنوسي موجود في ليبيا وهو رجل كان له تاريخ ورجل طيب، الحاشية اللي حواليه طبعا بعضها كثير أساء وتصرفوا بطريقة معقولة، الإنجليز فضلوا موجودين أول كانت مستعمرة إيطالية وبعد سقوط الخلافة.. وحتى من قبل سقوط الخلافة أخذتها إيطاليا وبعد كده الألمان راحوها وبعدين خرجوا منها وبعدين وضعت تحت وصاية الأمم المتحدة وبعدين الإنجليز وبعدين الأميركان وبقى فيها أكبر قاعدتين في الشرق الأوسط أو اثنتين من أكبر القواعد في الشرق الأوسط، قاعدة بريطانية هي القاعدة في العضم جانب بنغازي وقاعدة أميركية اللي هي ويلس جانب طرابلس. ما حدش ممكن يخطر له أن هذا بلد ممكن أن يحدث فيه هذا التغيير، وأهم من ذلك، هذا التغيير في هذا التوقيت، في هذه اللحظة بدا ده مفاجئا. الساعة التاسعة لما الموعد المقرر لاجتماع الوفود أول يوم في مؤتمر المواجهة ما حدش قادر يتكلم في أي حاجة إلا ليبيا، إيه اللي جرى في ليبيا. لكن كان في موضوع حساس هنا جدا، كلمني جمال عبد الناصر صباح اليوم ده وأنا طبعا كنت قرأت البيان وهو قرأ البيان الأول للثورة وقلنا إيه ده! لكن كان في سؤال ملح عليه وهنا ده كان مسألة مهمة قوي متصلة بموازين القوى في العالم العربي، السؤال اللي كان عند جمال عبد الناصر في ذلك الوقت نمرة واحد هل هذا معقول؟ إيه اللي جرى ده في ليبيا؟ الحاجة الثانية اتجاهه إيه؟ واضح من اتجاهه أن هويته اتجاهه عربي، لكن في مسألة ثانية مهمة قوي، في ذلك الوقت في تيارين واضح أنهم في العالم العربي خارج الملكيات والإمارات في تيارين موجودين بيتصارعوا، في تيار قومي داخل التيار القومي في تيار قومي بيمثله البعث والبعث كان دخل في مشكلة كبيرة قوي لكن أنا مش حأتكلم فيها دلوقت، في المقابل كنا إحنا حركة القومية العربية أو حركة القومية العربية التي تقودها مصر في ذلك الوقت وتعبر عنها مصر في ذلك الوقت، والبعث كان بيعبر عن حاجة على أي حال علشان أبقى منصفا يعني، لكن هنا في.. صحيح أن بعد 67 في مصائب ومقادير جمعت بيننا وبين البعث والآن معركة متغلبة وضرورات المعركة غالبة على أي خلافات لكن لا بد أن نتذكر أن أي خلافات تقمعها ملابسات أو تقمعها أو تغطي عليها ظروف معينة هي نائمة تحت السطح لكن لما تيجي لحظة معينة تبدو آثارها، هنا كان في بحث في أي اتجاه هؤلاء الناس ماشيين، هل هم الناس الثوار دول اللي عملوا الثورة في ليبيا أو اللي عملوا الانقلاب في ليبيا في ذلك الوقت هل هم أقرب إلينا؟ هل هم أقرب إلى البعث؟ ممكن قوي يكونوا أقرب للإخوان المسلمين؟ كان باين قوي أنهم ماهماش أقرب للشيوعيين لأنه بجوار التيارين القوميين اللي في القاهرة ودمشق والعراق، برضه كانوا مختلفين ما بين دمشق والعراق البعثيين هنا والبعثيين هناك، لكن هم فين اللي جاي ده؟ لأنه على طول بدا الإحساس أن هناك تغييرا إستراتيجيا غريبا في الخريطة لأن ليبيا بالأوضاع اللي أنا شرحتها أو حاولت أشرحها هذه جائزة في منتهى الأهمية ولو دخلت أو لو أمكن أن ما لديها يوظف في المعركة إذاً فهذا كسب بلا حدود خصوصا في مجال العمق، العمق الإستراتيجي وفي مجال التأثير السياسي طبعا لأنه في اللحظة اللي المعركة فيها محتدمة وعندنا إدارة في أميركا ما فيش فيها ثقة لكننا بننتظر خطواتها الأولى وفي لحظة في تفكير في عبور إسرائيلي وعبور مصري والمسائل متحرجة جدا بدا هذا التغيير وأعلن عن نفسه في لحظة يعني أنا لا أستطيع أن أوصّف حقيقة كيف كان وقع ما حدث في ليبيا في تلك اللحظة في هذا التوقيت في هذا المناخ. النهارده إحنا بنأخذها بنبص لها ونقول والله العقيد القذافي مش عارف عمل إيه ومين عمل إيه وحصل.. في هذا الوقت هذا كله كل ما يمكن أن يكون لدى أي أحد منا من انتقادات كله ده كان لسه في علم الغيب لكن ما كان أمامنا أن تغييرا مهما جدا وقع في الخريطة الإستراتيجية في هذا الصراع العربي الإسرائيلي الواصل إلى لحظة احتمال تفجير أوسع جدا من كل ما كان مسبوقا. الاجتماع الأول لدول المواجهة اللي كان مقررا له الساعة العاشرة لم ينعقد أو في ناس دخلوا المساعدون في الوفود يعني السكرتارية والمستشارون كلهم قعدوا في أماكنهم في قصر القبة لكن الرؤساء ما حدش دخل القاعة والرؤساء ووزراء الخارجية كلهم في اتصالات جانبية وألاقي حتى في التسجيل، لأن الجلسة مسجلة، اللي بيسجل كاتب ورقة بيقول فيها إنه والله ما فيش حاجة مسموعة لكن في دوي في القاعة في طنين في القاعة لكن ليس هناك ما يمكن تمييزه، ما فيش حاجة. الرئيس عبد الناصر كلمني بيسألني بيقول لي أنت شايف إيه؟ وإلى آخره، أنا بشكل ما إحساس كده قلت له أنا حاسس أنهم أقرب إلينا، فقال لي ليه؟ قلت له إحنا.. البعثيون عادة بيرتبوا الشعارات، هم نفس الشعارات عندنا وعندهم لكن هم دائما يحطوا الوحدة والاشتراكية والحرية، إحنا كنا بنعمل حاجة ثانيا إحنا كنا دائما نقول الحرية أولا لأنه لا يستطيع أن يتخذ قرارا وحدويا أو قرارا اجتماعيا إلا بلد حر، فقلت له أنا شايف في الترتيب -قد يكون له معنى وقد لا يكون- لكن شايف في الترتيب أن الناس دول تكلموا عن الحرية والوحدة و بعدين قالوا.. ما استعملوش اشتراكية لكنهم تكلموا عن العدالة الاجتماعية، لكن هذا ما كانش مقنعا لكن أظنه كان من باب التمني أكثر مما كان فيه من التحليل.

[فاصل إعلاني]

موجة عذراء في بحر هائج

محمد حسنين هيكل: الساعة 11 الظهر هو كلمني قال لي يبدو أن رأيك قد يكون فيه بعض الصح لأنه جاي لنا برقية دلوقت من القنصلية المصرية في بنغازي بتقول إن أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة واسمه آدم، هو ما كانش فاكر اسمه الثاني إيه، هو كان آدم حواس، ذهب وطلب أن يجيء مندوب مصري ممثل لجمال عبد الناصر إلى بنغازي لكي يلتقي بأعضاء مجلس قيادة الثورة، الكلام ده كان يوم 1 الساعة 11 الصبحية، الساعة الرابعة كلمني قال لي.. أنا بأقول له، قال لي حنرد عليهم، أنا مش عارف أفكر إلا على اثنين، لو بعثت محمود رياض قد يكون ملفتا كوزير خارجية لكن.. وقال لي حسن صبري الخولي ممكن لكن عايزينه في المؤتمر هنا، لكن واضح هم عايزين حد لكن هم قرروا، الرئيس سأل أو طلب منهم الرئيس طلب منهم من الأجهزة المعنية في الدولة أن يسألوا الليبيين، وزارة الخارجية أن تسأل القنصلية هناك هم عاوزين مين بالضبط؟ أو عاوزين حد بالذات يعني؟ كلمني قال لي.. لقيته بيضحك في التلفون بيقول لي ظهر أنهم عاوزينك أنت، قلت له أنا؟ قال لي البرقية اللي جاي قدامي وعلى أي حال ما فيش وقت وعليك أن تسافر هذه الليلة إلى بنغازي وأنا قلت يحضروا لك طائرة، مع الأسف طائرة عسكرية حتأخذك لكن ما عنديش حل آخر غير كده، هم طلبوا هذا وما عندناش حل إلا نستجيب. طيب أنا ليه؟ فهو بيقول لي إنه في الغالب بيسمعوا مقالاتك في صوت العرب وبيعرفوا سمعوا حاجات أو قرؤوا حاجات عن صداقة بينك وبيني ويمكن هذا هو ويمكن ده أحسن لأنه نخلي الاتصالات غير رسمية لأنه لا نريد أن نضغط عليهم دلوقت قدام العالم بأي حد رسمي يروح في هذه اللحظة. الساعة العاشرة بالليل رحت بيتي علشان آخذ شنطة لأني مش عارف إيه ده، رايح على حاجة مجهولة أنا يعني، وقال لي ما تنساش تأخذ مصورا معك، قلت له أنا رتبت فعلا وجاي معي الأستاذ محمد يوسف، قال لي عايزين نشوف صورهم كيف يبدو هؤلاء الشباب إيه هم، عاوز أشوف صورهم. الساعة العاشرة بالليل طلعت في الطائرة لقيت.. كان قال لي كمان الرئيس عبد الناصر قال لي في واحد حيجي معك من جهة.. يعني أنا أظن المخابرات ولا حاجة لأنه فعلا لما طلعت لقيت السيد فتحي الديب موجودا في الطائرة وأول مرة كنت بأشوفه، كنت سامع عن نشاطه السابق في المغرب العربي وعلى أي حال قعدنا في الطائرة والطائرة ما كانش فيها إلا هو ومحمد يوسف وأنا وبدأت رحلة غريبة جدا لأنه أنا مش عارف.. أولا أنا مش عارف رايح ليه مش عارف حأعمل إيه مش عارف حأشوف إيه مش عارف حأقعد قد إيه، لكن الطيار إدانا خبرا بعد شوية أن إحنا عبرنا الحدود بعد حوالي ساعة ونصف عبرنا الحدود وبقينا داخل الأراضي الليبية وبعدين كثر خيره الطيار جاء لي وقال لي قدامك هنا قاعدة العضم وقاعدة العضم دي كانت منورة بقسوة كل أضوائها موقدة، مساعده نده له في هذه اللحظة فراح له قال له عندنا إشارة من مطار العضم بتسأله بتقول له من أنت؟ وبيقول حنجاوبهم نقول لهم إيه؟ قلنا لهم طائرة مصرية تهبط في مطار بنغازي، ما ردوش عليه، بعد شوية قالوا له مطار بنغازي معطل، وفعلا مطار بنغازي المدينة أضواؤها خافتة جانب القاعدة البريطانية الملعلعة بالنور ومدينة بنغازي في أضواء خافتة كده لكن ما فيش مطار باين، بعدين فجأة أنيرت مصابيح سيارة على مهبط الطائرات والطيار جاء قال معلش اربطوا الأحزمة بشدة لأنه إحنا حننزل على مهبط الطائرة مدرج الطائرة عليه نور عربية فقط وحننزل عليها، ونزلنا على أي حال الحمد لله. لما نزلنا المطار مظلم تماما يعني وبعدين بعد شوية بدأت حركة وفتحوا وراح حد من المساعدين فتحوا باب الطائرة لقوا ناس جايين بسلم، مش سلم نزول من طائرة، سلم عادي خشب حطوه على جنب الطائرة وقالوا للطيار، الطيار جاء قال لنا يعني قال إنه ما فيش خدمة مدنية أبدا في الطائرة ففي سلم تقدروا تنزلوا عليه، جاء لي أنا الحقيقة قال لي أستاذ هيكل تقدر تنزل على السلم؟ قلت له أحاول طبعا ما فيش حل آخر جئنا هنا وحننزل على السلم، فنزلنا على السلم نزلت ونزل معي محمد يوسف ونزل الأستاذ فتحي الديب ولقينا العربية اللي كانت بتوجه أضواءها الكشافة إلى المطار هي اللي جاية، سابت مكانها وجاية عندنا تأخذنا ونزل ضابط شاب قدم نفسه أنه هو آدم حواس عضو مجلس قيادة الثورة وقال يعني متأسفين المطار ما فيش فيه خدمة، كل الموظفين مش موجودين ما فيش حاجة أبدا لكن يعني حتطلع حتروح تشوف جماعة، جماعة مين؟ قال لي حتشوف جماعة بتوعنا في القنصلية المصرية في بنغازي، طيب، طلعنا في العربية، في واحد سايقها وهو قاعد جانبه وأنا قاعد وراء مزنوقين محمد يوسف وأنا والأستاذ فتحي الديب وبعدين أنا بأحاول أتكلم معه لكن لأنه هو قاعد قدام وأنا قاعد وراء، هو واضح ليه مش عاوز يتكلم لكن قال لي حاجة بيقول لي حنروح القنصلية المصرية وعلى أي حال هو حيجي لك هناك، "هو"، (he) بالإنجليزي يعني (he) حيجي لك هناك، مين "هو"؟ ما تكلمش. رحنا على.. ظلمة بالليل والشوارع بنغازي فاضية ورحنا على دار القنصلية المصرية ما فيش حد فيها، في القنصل موجود هناك، القنصل أنا ما كنتش أعرف عنه حاجة الحقيقة يعني وحتى جمال عبد الناصر هو بيكلمني قال إن ما فيش.. القنصلية هناك أنا سألت كنت عاوز القنصل هو يتعامل مع الموقف إذا كان ممكنا وسألت عن مين القنصل لكن ما حدش عنده معلومات مين في القنصلية بالضبط، وأظن يومها ما كانش في قنصل في واقع الأمر ما كانش في قنصل كان في نائب قنصل. وعلى أي حال وصلنا الرجل رحب بنا ترحيبا -كثر خيره- لكن لقيت شابا ثانيا قدم لي نفسه بأنه مصطفى الخروبي، هو كان لابسا من غير علامات رتب ضابط فقال لي أنا الرائد مصطفى الخروبي وأنا.. هو حاول يعرفني أكثر بيقول لي أنا الرجل الثاني في الثورة وأنه أستاذ أنت جئت في وقتك، قلت له كثر خيرك ربنا يحفظك لكن طيب قل لي أكثر، قال لي أنا الرجل الثاني وبعدين قال لي أحب يعرّفني أكثر قال لي أنا عبد الحكيم عامر بتاع الثورة دي، قلت له بلاش يعني، يعني خلينا نقول زي ما أنت قلت لي مصطفى الخروبي، عبد الحكيم عامر رجل كويس قوي لكنه انتهى نهاية مأساوية لسوء الحظ يعني لكن قل لي أكثر، قال لي ما أقدرش أقول لك أي حاجة إلا لما "هو" يجي. أنا لسه ما كانش "هو" ده ما كانش لسه جاء، كل حد عمال يقول لي "هو"، في اثنين على الأقل من أعضاء مجلس الثورة بيقولوا لي "هو"، وأنا قاعد معه حتى قلت له أظن مش عارف إذا كان ما قلته لاقى استحسنانا ولا لا، لكن قلت له يا سيدي "هو" دي (him) دي كانت H,I,M وهي الحروف الأولى اللي كانت الحاشية الملكية الإمبراطورية في طهران بتتكلم بها عن الشاه محمد رضا بهلوي، His imperial Majesty، صاحب الجلالة الإمبراطورية، him ، وكانت الحاشية بتتكلم عنه him، "هو" حاجة كده في الملكوت يعني كده حاجة مختلفة. لكن هنا كانوا بيقولوا "هو" هنا بمعنى أظن بمعنى الرمز، الرمز أن "هو" ده مش عاوزين يقولوا أسماء. بعد شوية في عربيات وصلت عربيات قدام القنصلية ومصطفى الخروبي طلع وآدم حواس مشي كمان وأنا قمت وقفت قربت من باب غرفة الصالون اللي نحن موجودين فيها لكن ما خرجتش على الباب، بعد شوية لقيت شابا جاي ومعه اثنين ثلاثة كده و "هو" في ذلك الوقت بدا لي أنه نحيف وصغير السن جدا، واضح أنه that’s Him يعني أن هو ده (هو) هذا هو "هو"، فأهلا وسهلا، وأنا.. جاء بيسلم علي بيقول لي، لأول مرة بيقول لي السبب اللي من أجله طلبوني بالتحديد، بيقول لي أنا قرأت لك مقالة وأنت كنت بتقول فيها مش عاوزين القومية العربية تعتمد على مغامرات الليل وبيان الفجر، البيان الأول في الفجر، أنا قرأتها وقرأته وقت ما طلع وتأملنا فيه وفي بعض المرات سألنا أنفسنا إذا كان صح اللي إحنا بنعمله أو أنه خطأ بناء على الكلام اللي إحنا قرأناه لك، لكن إحنا قررنا أن نمضي في طريقنا وأن نقوم بما اعتزمنا القيام به. أنا بأقول له أنتم عملتم حاجة أكثر جدا مما يمكن تصوره لأنه عملتم حركة يعني أنا.. ما حدش.. مين فينا كان ممكن يتصور أن في ضباط أحرار في الجيش الليبي بظروفه دي! فهو بيقول لي أرجوك الحركة اسمها حركة الضباط الوحدويين الأحرار، قلت له هائل كويس قوي، طيب. أنا الحقيقة بأشوفه هو وبأشوف الشباب اللي حواليه وأتذكر وضع ليبيا، أتذكر وضع ليبيا وأقول إنه يعني أي تصور عن ثورة مستحيل، قاعدة بريطانية هنا في العضم جانب بنغازي، قاعدة أميركية جانب طرابلس، لما أطل على خريطة ليبيا، خريطة ليبيا لا تسمح لأحد أن يفكر هذا البلد.. مش ممكن! وبعدين في قوة دفاع موجودة فيها، في قوة دفاع برقة، في كل الأحوال الجيش الليبي في ذلك الوقت تسعة آلاف جندي، قوة حرس برقة من البوليس 12 ألفا، قوة البوليس العادي -بلاش قوات حرس برقة- حوالي 18 ألفا، وبعدين طيب إزاي عملوا انقلاب؟ إزاي ممكن يحصل انقلاب؟ إزاي ممكن تحصل ثورة؟! كل ده بأسأله له وأنا غير مصدق، لكن هو بدأ، "هو" برضه دي بتفكرني لما بأقول "هو" يعني أنه يعني فيما بعد -يمكن كانت نبوءة مبكرة جدا- أنه فيما بعد هذا الشاب بقى عنده لقب هو أخذه وهو متمسك به أنه ملك ملوك إفريقيا، بقى ممكن ينطبق عليه "HIM" ، His imperial Majesty يعني صاحب الجلالة الإمبراطورية يعني! لكن أنا في ذلك الوقت أنا قدامي وضع تقريبا بقى.. حتى قلت له، قلت له اللي أنتم عملتوه ده في اعتقادي كان أملا مرجوا في هذا الوضع الإستراتيجي في المنطقة في هذه اللحظة في هذا التوقيت لكنه أمل مستحيل، وأن يتحقق بهذا أنا مش متأكد.. في ذلك الوقت هو بيسألني، أكمل كلامي، أنا بأقول له القواعد بتعمل إيه؟ قاعدة العضم وهي أنوارها مرئية من بنغازي وقاعدة ويلس وهي داخلة في طرابلس في العاصمة طرابلس، والبحر الأبيض مكشوف للأسطول الأميركي السادس، بأقول له يعني أنا قلق جدا على ما يمكن أن يجري، فبيقول لي إيه؟ بيقول لي كل حاجة مؤمّنة، بأقول له طيب واحتمالات إيه احتمالات التدخل؟ هو بيقول لي أنا لا أظن لكن قل لي أنت إذا كان عندك احتمالات إذا في احتمالات تدخل، أنا قعدت أسمعه لغاية الفجر تقريبا، أنا قررت أنه حأرجع بقى لأني قعدت معه حوالي ثلاث ساعات، Him، ثلاث ساعات وأنا ومحمد يوسف أخذ صورا كثير جدا وأنا قررت أني حأرجع على طول، وترجيت نائب القنصل يبعث إشارة أنني راجع على طول وأخذت الطائرة ورجعت مع الأستاذ محمد، في المطار لقيت السيد سامي شرف مستنيني بيقول لي الرئيس بيقول قبل ما تروح مكتبك قبل ما تروح بيتك من فضلك عدي عليه، تعال معي عنده. دخلت جوه مكتب جمال عبد الناصر وهو قاعد.. لأنه أيضا إحنا بنتكلم عن ليبيا كما نرى الآن وقد نختلف في بعض ما نراه لكن في هذه اللحظة لم يكن هناك خلاف في أنه تغيير حدث فادح على الخريطة الإستراتيجية للمنطقة وجمال عبد الناصر بينتظر، بيقول لي إيه؟ وأنا فاكر كويس قوي قلت له، قلت له أنا حقيقي شديد الأسف لكن أظنك أنك عندك مشكلة بلا حدود، فهو قال لي إيه، هم بعثيون؟ قلت له لا مش بعثيين، أسوأ، المشكلة أنه عندك قدر من البراءة.. حتى في ذلك الوقت بدا الشباب اللي قدامي كما لو كانوا موجة عذراء طلعت من وسط البحر كده وفي موقف غير معقول، قلت له عندك مشكلة كبيرة جدا، عندك ناس في منتهى البراءة بيواجهوا موقفا في منتهى الصعوبة في أجواء في منتهى الخطر. تصبحوا على خير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة