الحدود الوهمية في القارة الأفريقية   
الأربعاء 1430/3/15 هـ - الموافق 11/3/2009 م (آخر تحديث) الساعة 13:14 (مكة المكرمة)، 10:14 (غرينتش)

- بداية تقسيم أفريقيا والعلاقات بين الشعوب
- مشاكل الدولة الحديثة وفكرة الوحدة الأفريقية

 

 بداية تقسيم أفريقيا والعلاقات بين الشعوب

فضل عبد الرزاق
تماضر عبد الله
 محمد صالح أيوب
 علي عبد الرحمن
فضل عبد الرزاق:
منذ مئات السنين اعتاد هؤلاء الناس على عيش حياتهم في هذه القرية التي تقع على الحدود بين تشاد والسودان غير مبالين بما تسميه الدولتان هنا بأنه حدود دولية، فالشرائع والقوانين التي تنظم الحدود الدولية لا وجود لها في أعراف هذه السكان. أفريقيا كانت ولا تزال تضج بالحياة العامرة وكانت بعض المناطق في وسط القارة وفي غربها مهد ممالك وإمارات تدار من قبل سلاطين وملوك تبوؤوا مرتبة القيادة في أمتهم بأسباب دينية وأحيانا عرقية، كما أن لدى هؤلاء صلات بباقي دول وممالك المسلمين في أصقاع الأرض ولكن كل هذا لم يكن حاجزا حصينا يمنع من تحقيق رغبة الأوروبيين في توسيع حدود دولهم داخل هذه القارة.

محمد صالح أيوب/ أستاذ بجامعة الملك فيصل: برازا برازا اللي الآن اللي هو واحد بالمناسبة هو واحد يعني إيطالي يعمل في البحرية يعني مرتزق في البحرية الفرنسية واستغل لاستيعاب معظم الوسط الأفريقي، برازا لهذا سميت مدينة برازافيل هذا، هذا الرجل لم يطلق طلقة واحدة في السيطرة على كل هذه المنطقة لم يطلق طلقة واحدة، في معظم الأحيان يذهب إلى الناس ويعيش معهم باسم التبشير ولا أي اسم عنده وكانت الناس تدين له، حينما تدين له ويجلس معها يعطي إشارة إلى الشركات أن تأتي ثم يأتي الفرنسيون العساكر أن يأتوا لحماية المال. يعني كان ثلاثة كانت .. شفت المكتشفين هؤلاء هو نفس الشيء اللي ليفنستون وستانلي اللي استخدموا نفس العملية في منطقة البحيرات الكبرى في الآن ما يسمى بزائير والكونغو، ستانلي وليفنستون وبرازا ما دخلوا أبدا بالحديد والنار، سيطروا على الناس بالهداوة بالعلم بالمعرفة باستيعاب عقلية الشعوب الأفريقية، أبدا، بعد ما هم سيطروا ووصلوا وأعطوا معلومات لبلدانهم برسائل ومجلات وصحف وكذا وكانوا مراسلين، ستانلي وليفنستون كانوا مراسلي صحف ما كانوا عساكر ولا كانوا أي شي، دولهم جاءت بشركات، شركات وضعت لها يعني للقطن لأي منتج من المنتجات لأي كذا، العساكر فقط جاؤوا لحماية الجانب الاقتصادي.

فضل بني عبد الرزاق: بعد سنوات قليلة من تواجد الأوروبيين في هذه القارة بدؤوا في تنظيم ممتلكاتهم وهو ما شكل لاحقا الأساس الذي وضعت عليه الحدود في معظم دول القارة الأفريقية.

المجتمعات الأفريقية كانت لها نظم سياسية وسلطنات وممالك ولها أطر تقليدية خاصة ارتبطت بالأديان لكن الأوروبيين قسموا القارة على الورق وهنا ظهرت فكرة وضع حدود لأفريقيا بغض النظر عن تركيبتها الاجتماعية

محمد صالح أيوب:
نبعت فكرة الحدود الأفريقية أو تقسيم أفريقيا من الخارج وبالتحديد من مؤتمر برلين الذي اجتمعت فيه مجموعة من الدول الأوروبية في تلك الفترة عام 1884 وقرروا فيه تقسيم القارة الأفريقية على الورق بدون أي مراعاة للواقع الاجتماعي والسياسي، لأن المجتمعات الأفريقية كان لها نظم سياسية كان لها سلطنات وممالك ولها يعني أطر تقليدية وحتى في بعض الأحيان حديثة، بالذات التي ارتبطت بالأديان في منطقة شرق أفريقيا وفي منطقة وسط أفريقيا وغرب أفريقيا، شرق أفريقيا طبعا بالمسيحية بالذات منطقة إثيوبيا والمناطق المجاورة لها، وفي غرب أفريقيا ووسط أفريقيا بالإسلام، هذه نظم حديثة كان فيها سلطنات حديثة ولكن الأوروبيون وبالذات في اجتماع برلين اجتمعوا على الخرائط وحاولوا تقسيم القارة الأفريقية على الورق وهنا ظهرت فكرة وضع حدود لأفريقيا بغض النظر عن تركيبتها الاجتماعية، هذه العملية نفذت خلال فترة الحقيقة ليست طويلة يعني خلال إلى سنة 1900خلاص تم التنفيذ يعني شوف الفترة يعني ليست طويلة.

فضل بني عبد الرزاق: ومثلما كان التقسيم حاجة أوروبية كان في ذات الوقت عكس التصورات والأعراف المتداولة لملكية الأرض وتقسيمها بين السكان في أفريقيا جنوب الصحراء.

محمد صالح أيوب: الإنسان الأفريقي مفهوم الحدود الجغرافية بالنسبة له مفهوم جديد مثله مثل المستحدثات الفكرية الجديدة التي أدخلها الغرب في حياته وبالتالي فإن استيعاب فكرة الحدود أو مفهوم الحدود للإنسان الأفريقي مفهوم يتميز بنوع من المرونة الشديدة جدا وفي بعض الأحيان نوع من الغموض، المرونة تأتي نتيجة لأن الإنسان الأفريقي في الغالب له أطر ومحاور حدودية ليست مكانية يعني غالبا تتميز بالناحية الاجتماعية والناحية الزمانية، بمعنى آخر أن الدراسات التي بين يدي لعلماء الاجتماع الذين درسوا المجتمعات الأفريقية وجدوا أن الإنسان الأفريقي يهتم بعائلته بمعنى آخر عشيرته وربما في بعض الأحيان يصل إلى مستوى قبيلته ويعني هذه.. ثم ينتقل هذا المفهوم إلى المكان يعني بصورة صعبة جدا، والحقيقة تعلمها تعلم يعني يكاد يكون حسب رأي معظم علماء الاجتماع أنها من المفاهيم التي تعلمها الإنسان الأفريقي من الثقافة الأوروبية بعد بداية القرن الماضي.

فضل بني عبد الرزاق: الحدود المتعارف عليها دوليا والتي تتضمنها وثائق الأمم المتحدة وتتشكل في إطارها كيانات الدول هي حدود وهمية كما يرى البعض وليس لها وجود على أرض الواقع في أفريقيا. بين جمهورية تشاد والسودان خط فاصل للحدود بطول يتجاوز الألف كيلو متر، أنشئت بعض المرافق الحكومية الخاصة بمراقبة الحدود بين البلدين في بعض المواقع لكن الناس هنا يعيشون واقعا لا يعترف بهذه الحدود.

مواطن سوداني1: لا والله نحن سابقا من أجدادنا لأبهاتنا كان ما عندنا حدود، ما عندنا حدود بين السودان وتشاد، نحن متبادلين تشاد وسودان، الحكومة التي عندها حدود بعرف هو لكن نحن المصاليد ما عندنا كده، سوداني تشادي مثلاتي، مثلاتي سوداني. أنا زراعي في السودان وعندي زراعة في تشاد كلها ونحن كان زمان سابقا يعني أبهاتنا يعني عايشين ما يقولوا حدود ده سودان ولا ده تشاد متبادلين متزوجين في السودان، أنا والدي نصف سوداني ونصف تشادي وأمي سودانية، خلاص أبوي خلاص خذ له أراضي في السودان جئت ورثتها وأخذت نزرع في السودان وقاعد في تشاد، حتى أني تزوجت في السودان وقاعد في السودان كنا.

مواطن تشادي1: قبل المشاكل هذه المنطقة الحدودية طبعا طلاب يجوا من السودان في حتة إربي وفلال ده في السودان وفي تشاد من الهلال المجاور، يدرسوا، ما في أي مشكلة.

مواطن سوداني1: الحمد لله، حدودنا.. أنا عمري 45 سنة، حدودنا كان بيذاكر لنا أجدادنا، الجنوب لا يفرق الوسط قال عندنا 135 كيلو، في السودان دارفور، مافور حدود من ذلك مائتي كيلو، كده 85 كيلو، يعني الشمال عندنا 155 كيلو، هيك بيذاكر لنا فالحمد لله نحن أخواننا والداي نتعامل مع بعض نحن ما عندنا أي عنصرية لهذا العام، نتبادل يتزوجوا منا نتزوج منهم، هم كان يجوا احتراما لنا ونحترمهم، نقول هسه نحن عندنا قبائل، تشاد كثير عندنا في داخلنا، ما عندنا عنصرية، أرضنا، طبعا نحن عندنا حكم ذاتي، حكم ذاتي كيف؟ مثلا حكم مثلا زي شيخ دول زي الملك دول داير مسؤول في الأراضي، الليلة خلص ملك يوكلوا جماعة خلص .. خلص زي نحن نعمل يالله خلص مثلا زي زكا خلص إذا كان شيخ يودوه ملك، ده عادتنا نحن قايدين ولو كانوا داي ولو كان عندنا دايو ولو كان شمال تاما ولو كان شيخ سوداني كان جاء مثلا زي توراي لأنه كلنا قايدين في طبيعة البلد في حال البلد بس نقعد.

فضل بني عبد الرزاق: على هذه الحدود بين البلدين تعيش نحو ثلاثين قبيلة تبدو روابطها عصية على القوانين التي تريد رسم خط فاصل بين الشعبين.

مواطن تشادي2: الحمد لله أنا مواليد المواليد ذاته في تنكورية أنا مربي في أدره ثم ثانيا أبي متوفي في تنكورية ثم أنا ذاتي عن ذاتي تشادي ومثلاتي.

فضل عبد الرزاق: عندك أهل هنا؟

مواطن تشادي2: وين؟

فضل عبد الرزاق: في السودان.

مواطن تشادي2: ما في أخوان مسألة كلنا من قلب شي.

فضل عبد الرزاق: سودانيين أم تشاديين؟

مواطن تشادي2: والله قاعدين سودانيين وتشاديين كله، كله مع أخوان كده وكده بس.

فضل عبد الرزاق: أبا هارون أنت كمثلاتي تعتبر الحدود شيء يفرق الناس ولا يلمهم؟

مواطن تشادي2: هنا ده شيء يفارقنا كده ما في، في أخوان، نحن نقول الحمد لله شيء يفرقنا ما في.

فضل عبد الرزاق: هنا في هذه البحيرة التي تتقاسم شواطئها دول هي النيجر ونيجيريا والكاميرون وتشاد يبدو واقع الناس هنا متجاوزا لإشكالية الحدود والموانع. ظواهر الطبيعة كالجبال والأنهر والبحيرات عادة ما تكون هي الحد الفاصل بين التجمعات البشرية وحتى بين الحضارات المختلفة في بعض المواقع، لكنها لم تكن يوما حاجزا بين السكان في هذه المناطق، لا حدود ولا فواصل وإن بقيت الظواهر الطبيعية تمارس دورها أحيانا في الحد من قدرة الناس على التواصل بشكل مستمر.

مشارك: لا توجد حدود في هذا البحر، هم يأتون لهذا المكان ليصطادوا السمك ونحن أيضا نأتي لنصطاد السمك في هذا البحر.

[فاصل إعلاني]

مشاكل الدولة الحديثة وفكرة الوحدة الأفريقية

فضل عبد الرزاق: مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين وبعد تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية اتخذ زعماء الدول الأفريقية قرارا ينص على أن حدود سيادة كل دولة أفريقية ستكون مقصورة على الحدود الإدارية الموروثة عن الاستعمار وكان يكفي كل دولة أفريقية إثبات ما تدعيه بتقديم أدلة تؤكد أن منطقة ما كانت ضمن حدودها خلال الفترة الاستعمارية، لكن الرئيس الصومالي محمد سياد بري بعد وصوله إلى الحكم بعدة سنوات حاول أن يضم إقليم أوغادين الواقع ضمن السيادة الإثيوبية إلى الصومال باعتبار أن غالبية سكان الإقليم صوماليون، وقد نظر الكثيرون إلى هذا الأمر باعتباره محاولة لتغيير الحدود الموروثة عن الاستعمار. جزيرة باكاسي التي تقع على الحدود بين نيجيريا والكاميرون اكتشفت بها كميات تجارية من النفط فبدأ الصراع بين الدولتين للاستيلاء على الجزيرة إلى أن اتفق الطرفان على الاحتكام إلى محكمة العدل الدولية بلاهاي.

من السهل صنع حدود لكوسوفو مع الدول المجاورة لها كما يمكن ترسيم الحدود بين ألمانيا وفرنسا فهذه حدود قديمة والناس يعرفونها، لكن في أفريقيا علينا ألا ننسى أن هذه الحدود جديدة والمشكلة تكمن في عدم تفهم الناس لها

علي عبد الرحمن حقار
/ رئيس معهد HEC تشاد: جزيرة باكاسي هي جزيرة غنية بالثروات وفي إطار ترسيم الحدود بين نيجيريا والكاميرون أصبحت الجزيرة تتبع للكاميرون، هذا ما أقرته محكمة العدل الدولية لكن المشكلة التي يصعب حلها كما أعتقد ليست تطبيق قرار المحكمة وإنما في هذه الجزيرة هناك سكان لا يعترفون لا بالكاميرون ولا بنيجيريا وإنما يعترفون فقط بالانتماءات القبلية، قبيلة واحدة يتقاسمها الطرفان وهذه الحركة السكانية هي ما تسبب بمشكلات في تطبيق القرار. من السهل صنع حدود لكوسوفو مع الدول المجاورة لها كما يمكن ترسيم الحدود بين الجبل الأسود وكرواتيا أو بين ألمانيا وفرنسا فهذه حدود قديمة والناس يعرفونها، لكن في أفريقيا علينا أن لا ننسى أن هذه الحدود جديدة والمشكلة تكمن في عدم تفهم الناس لها.

فضل عبد الرزاق: يعيش في شرقي النيجر عشرات الآلاف من البدو الرحل الذين يشتغلون برعي الإبل وهي العمود الفقري في حياتهم، في عام 2006 قررت حكومة النيجر طرد هؤلاء السكان من شرق البلاد وقالت الحكومة إن مبررات اتخاذ هذا القرار هو أن هؤلاء البدو ليسوا من مواطني بلادها وإنما هم لاجئون من تشاد المجاورة تسللوا إليها عبر الحدود الشاسعة غير المراقبة وإن ما قاموا به هو تواطؤ مع مواطنين آخرين لاستخراج بطاقة الهوية الوطنية التي تؤهلهم لأن تتعامل معهم الدولة كمواطنين يحق لهم الترشح والانتخاب والمشاركة في جميع أوجه الحياة العامة للبلاد. لم تنفذ حكومة النيجر قرارها لكن ذلك القرار ترك تساؤلات كثيرة عند النيجيريين وفي البلدان الأفريقية الأخرى، أي بلد يقبل انتماء مئات الآلاف من البدو الرحل إليه كمواطنين عصريين؟ ومعروف أن البدو الرحل يقطعون في ترحالهم عشرات الدول الأفريقية كما هي حال القبائل العربية وقبائل الفلاتة، كما أن للمسألة أبعادا متعلقة بالتركيبة الديموغرافية لهذه الدول خصوصا وأن معظم الرحل في أفريقيا يتحولون إلى سكان مدن والإقامة في بلد واحد يكون موطنا لهم بدلا من الترحال في عدة بلدان عبر الحدود.

علي عبد الرحمن حقار: الأفريقي ليس في مخيلته حدود ولا توجد في مخيلة الإنسان الأفريقي حدود، انظر كمثال لذلك تشاد والكاميرون وتشاد وليبيا وتشاد والسودان، لا أدري إذا كان مظهر التشادي سيدل على أنه من تشاد والنيجيري على أنه من نيجيريا عندما يكونون من نفس منطقة الحدود. قبائل التوبو في النيجر والتوبو في تشاد والتوبو في ليبيا يتحدثون نفس اللغة ولديهم نفس العادات الثقافية بل وأيضا نفس الزعماء القبليين ويعيشون في نفس البيئة الطبيعية ولذا فإنه من الصعب تحديد انتماء أحدهم لهذا البلد أو ذاك. ولهذه المشكلات التي تعرفها فإن آباء الاستقلال في أفريقيا كانت لهم طموحات بتكوين الأمة الأفريقية الواحدة، وأشعر أنه حان الوقت لأن نرجع إلى هذا الحلم الذي نادى به نكروما ومانديلا ولومومبا سابقا أو القذافي حاليا، كثيرون لا يتفهمون ما يطرحه القذافي الآن لكن نقطة ارتكاز فكرته في خلق فضاء أفريقي لشعب أفريقي واحد يطمح لتحقيق هدف واحد وبحكومة فيدرالية واحدة من الممكن أن يتحقق، نرى في أوروبا مع الاتحاد الأوروبي وما هو جار في آسيا حيث نظمت الدول الآسيوية نفسها في إطار الـ Asian، أظن أن الحدود التي ورثت عن الاستعمار هي عبارة عن قوقعة وضعنا فيها ولقد حان الوقت لتحطيم هذه القوقعة.

فضل عبد الرزاق: تنازع التشاد وليبيا إلى حد القتال المسلح من أجل الحدود كما وقعت حرب محدودة بين تشاد ونيجيريا لنفس الأسباب ودارت حرب أخرى بين إثيوبيا وأريتيريا، وبسبب هذا الموضوع شهدت أفريقيا العديد من الحروب التي وقعت بين دولتين جارتين أسفرت عن مقتل مئات الآلاف من الأرواح فضلا عن تبديد الثروات خلال هذه الحروب.

علي عبد الرحمن حقار: أعتقد أن بعض الأزمات في أفريقيا كأنما تم إنتاجها في هوليوود، الأمر شبيه كما لو كان هناك أفلام واقعية يكلف إنتاجها كثرا وبالإمكان الحصول عليها مجانا في جزء ما من الغابات الأفريقية، نعم لديك حكومات في أفريقيا غير مسؤولة تماما ولا تقوم بجهود معتبرة في عملها كما توجد حكومات في أفريقيا تفتعل الحروب القبلية من أجل أن تستمر في السلطة بل وتوجد حكومات في أفريقيا تضع العراقيل والخلافات حتى تستمر في النهب والحكم، لكن علينا أن لا نتوقف كثيرا عند مثل هذه المسائل، يجب أن لا يمنعنا هذا من الاعتقاد بأن أفريقيا قادرة على الوحدة حتى تستطيع أن تقاوم هذه الضغوط وأن تدافع عن مصالحها. الهوتو والتوتسي والهوسا والسارا والزغاوة والقرعان وغيرهم، إنهم بشر يستطيعون أن يفهموا يمكنهم أن يستوعبوا يستطيعون أن يعيشوا كما يعيش البريتون والباسك في فرنسا وكما يعيش الألمان في بلادهم وكما يعيش البولنديون في بولندا.

فضل عبد الرزاق: يرى البعض أنه بالإمكان تجاوز مثل هذه الخلافات الثنائية من خلال إحداث بعض المشاريع التنموية لبناء الإنسان.

محمد صالح أيوب: الهوة كبيرة، ردمها يحتاج إلى وعي واستيعاب وفهم وهنا أنا أتمنى نمشي بالتدريج، الذهاب بالتدريج هو تعلم ما هي الديمقراطية والحرية والحقوق والواجبات، الأشياء هذه كلها تتعلم، نحن بشر والبشر يتعلمون فعلينا أن نخضع لقاعدة التعلم والتعليم، قاعدة التعلم والتعليم تعني أن على القادة ومؤسسات الدولة الحديثة الأفريقية اللي موجودة حاليا أن تفهم أن حدودها غير مستوعبة من مواطنيها، أن ما تعتبره هي حدود وعندها علم فيه وصورة الرئيس وكذا وكذا الإنسان الأفريقي غير مستوعب له، عليها أن تعطيه له وتدرسه له ولكن بهدوء بمعنى آخر في شكل مشاريع تنموية، في شكل مشاريع تنموية من خلالها تسوغ له فكرة الإطار الجغرافي المحدود الذي يعيش فيه، هذا الإطار الجغرافي الذي يعيش فيه يساعده بالتدريج ربما إلى الحد من التأثير السلبي لظاهرة إذا كان هناك توترات وإذا كان هناك.. يمكن استغلالها في خلخلة يعني أمن واستقرار دولة مجاورة أو شيء من هذا القبيل، هذا فقط اللي يمكن أن يساعدنا في هذه المرحلة بالذات.

الحدود التي أتى بها الاستعمار هي التي خلقت المشاكل بين شعوب أفريقيا، وحتى في نفس الدولة تجد مشاكل بين قبيلة وأخرى

تماضر عبد الله
/ صحفية: طبعا الحدود الأفريقية هذه تمثل لمآسي يعني هي المآسي التي عاشها الشعب الأفريقي، قديما ما كنا نعرف هذه المشاكل يعني خلافات بين دولة ودولة، خلافات أو مثلا التفاضل العرقي بين جماعة وأخرى، الحدود هذه التي أتى بها الاستعمار هي التي خلقت مثلا المشاكل بين شعوب بلد معين أو .. حتى في نفس الدولة يعني تجد مشاكل بين قبيلة وقبيلة وبين قبيلة وأخرى، الحدود هذه صنعت خلافات، صنعت خلافات بين شعوب أفريقيا والآن أنا أنظر لها يعني من جانب أرى أنه في بعض الأحيان أن هذه الحدود إيجابية إلى حد ما لكن سلبياتها تغلب، تغلب كيف؟ مثلما قلت في بداية الكلام خلقت مشاكل وخلافات لكن الجانب الإيجابي اللي هو إلى حد ما مثلا المحافظة على العادات والتقاليد، المحافظة على الإرث الموروث من الماضي المحافظة يعني عدم الانفتاح الكامل على العالم الآخر أو على الشعوب الأخرى مثلا في .. مهما كنا يعني نحن أفارقة صحيح أفارقة لكن بعض الأحيان نحافظ على موروثنا الموجود مثلا قد تجد هنا شيئا يعني يعاب عليك أن تفعله في منطقة معينة لكن في المنطقة الأخرى تجد يعني مباحا وعاديا ويعني من الضروريات.

علي عبد الرحمن حقار: هذا النوع من الأزمات موجود في قارات أخرى أيضا، لماذا لا يتم تسليط الضوء عليه؟ لماذا لا يتم تضخيم هذه المسائل في القارات الأخرى كما يتم تضخيمها في أفريقيا؟ إنهم يعطون انطباعا أنه في أفريقيا تعيش الحيوانات، النمور والقرود والغزلان، لا، في أفريقيا يعيش البشر تعيش القبائل والعشائر كما توجد الثقافة أيضا. من الطبيعي عندما تلتقي ثقافتان مختلفتان سيكون بينهما بعض التجاذب لكن علينا أن لا ندين أفريقيا بسبب تنوعها، التنوع القبلي هو ثراء وأفريقيا ثرية جدا به، هي منطقة تجد فيها العديد من اللغات واللهجات وغيرها وعلينا أن نرتقي بأن ننظر بإيجابية إلى هذا التنوع وكما يقولون انظر إلى النصف المملوء من الكأس وليس إلى النصف الفارغ منه، وبكل صراحة يجب أن نتوقف عن الاعتقاد بعدم قدرتنا على إسماع صوتنا للآخرين، يوجد أفارقة متأثرون بالثقافة الاستعمارية يظنون أننا لا نستطيع أن نفعل شيئا طالما أن المستعمرين لم يتركونا وشأننا، لا، إننا نستطيع أن نفعل الكثير.

تماضر عبد الله: في سلبيات والسلبيات هذه من الصعب أن نتخطاها يعني من الصعب هي من الصعب نعم وفي حلول، الحلول هذه مثلا كونك تسعى لتوعية أو استخدام الإعلام في حد ذاته يعني الآن الإعلام كما يقال أصبح السلطة الرابعة والأولى قد يعني قل، فالإعلام في حد ذاته تستطيع أن تستخدمه وللأسف ما في واحد من بلاد أفريقيا أو واحدة من شعوب أفريقيا فكرت في أن تستغل الإعلام أو تستثمر الإعلام في عملية التوعية أو النبذ أو الذم لهذه الحدود إنما الإعلام الآن كله يستعمل مثلا لإثارة الفتن يعني حدود بين دولة ودولة ومن تعدى أو شخص أو حتى حيوان يتعدى الحدود بين دولة ودولة يعتبر جريمة والآن مثلا نعيش مشاكل، قبل فترة صارت مشاكل بين تشاد والسودان أغلقت الحدود نهائيا لكن الشعب العامل السياسي ما استطاع أن يجعل الحد بين الشعبين لأن الشعب خلاص شعب مثلا تجد هذا أخ في تشاد والآخر في السودان وهذا في ليبيا والآخر في تشاد فهنا صعب رغم أن إغلاق الحدود أو الخطوط المرسومة على الخرائط الجغرافية من الصعب أن نزيلها لكن العلاقات بين الشعبين موجودة كذلك.

فضل عبد الرزاق: القبيلة في أفريقيا هي عنصر أساسي في تكوين المجتمع ويتعدى اهتمام الناس بها وولاءهم لأنظمتها بما يزيد عن ولائهم للدولة التي يعيشون فيها، لكن تقسيم الحدود في أفريقيا لم تراعى فيه هذه الحقائق ورغم كثرة الداعين إلى بذل الجهود وتضافرها لحل هذه المعضلة فإنه من غير المنظور أن يكون الحل بتغيير هذه الحدود.

علي عبد الرحمن حقار: إزالة الحدود أسهل من تغيير الحدود لأنه لديك دول الآن أصبحت حقائق على الأرض وبسبب هذا فأنا مضطر أن أكون واقعيا في هذه الحالة، سأضرب لك مثلا، حالة السودان وتشاد، إذا أردت أن تغير الحدود هل ستدفع بزغاوة تشاد إلى السودان أم تسحب زغاوة السودان إلى تشاد؟ تشاد لن توافق على أن يذهب زغاوتها إلى السودان والسودان لن يوافق على أن يغادر زغاوته إلى تشاد، إذا أردت أن تقوم بهذه المسألة مع الكاميرون هل ستوافق الكاميرون على أن كل أفراد قبيلة الكوتوكو الكاميرونيين يأتون إلى تشاد؟ إذا أتوا إلى تشاد فسيقولون لك إننا ننسحب من الكاميرون مع أراضينا في منطقة كوسري، هنا تأتي مسائل السيادة مسائل وحدة التراب الوطني للدولة تتدخل هنا مسائل القانون الدولي وسيصبح الأمر معقدا جدا ولهذا فبدلا من تغيير الحدود علينا أن نزيلها تدريجيا وهذا موجود في ميثاق الوحدة الأفريقية، الناس يتنقلون، حركة الأعراق والشعوب وهكذا ورويدا رويدا تختفي الحدود الاصطناعية ويعوض عنها بالحدود الطبيعية وسيصبح التبادل بين الشعوب أقوى من التبادل بين الدول لأن الدول تقام وتفنى بينما الشعوب باقية.

فضل عبد الرزاق: إلى أن يتحقق ما هو مطلوب في ميثاق الاتحاد الأفريقي في الوحدة الأفريقية فإن كفاءة الإدارة المكلفة برعاية هذه الحدود كفيل بنزع فتيل التوتر في المناطق التي لا تزال مشتعلة.

محمد صالح أيوب: أحد المداخل الأساسية لأي دولة من الدول النقاط الحدودية بمعنى آخر الجمارك والضرائب التي تدفع على الصادرات والواردات وشيء من هذا القبيل، يعني إحدى إشكاليات الدول الأفريقية هي أن هؤلاء السكان الذين يعيشون في الحدود قد لا يساعدون في هذه العملية الأساسية في الدولة الحديثة، ودي طبعا يعني ربما إحدى إشكاليات سوء الفهم أو بدايات سوء الفهم بين النظرة التي للدولة ومندوبي الدولة في شكل يعني الإدارة المحلية والجمارك والجيش والأمن يعني يعتبرون أن هؤلاء الناس يعني يخسِّرون الدولة، هنا نحن تأتي قضية إلى أي مدى أنه يمكن أن نحن نعمل علاقة إيجابية بين إدارة الدولة لمواطني سكان الحدود بحيث أنها هي في نفس الوقت الذي لا تضيع فيه حقوقها وأخذ واجبات هؤلاء المواطنين للدولة، في نفس الوقت أن لا تضر بهؤلاء السكان وأن لا تضغط عليهم.

فضل عبد الرزاق: النزاعات في أفريقيا ما زالت مستمرة أكانت للاختلاف على حدود الدول أم بسبب الاتهامات المتبادلة بإثارة القلاقل في المناطق الحدودية لكن رغم ذلك يبقى الحلم الأفريقي بالوحدة والتغلب على المشكلات أملا لعله يتحقق ذات يوم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة