دومينيك آده.. العربية والفرنسية   
الأربعاء 1429/8/4 هـ - الموافق 6/8/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:58 (مكة المكرمة)، 12:58 (غرينتش)

- البدايات مع القضية الفلسطينية
- النضال بالكلمة والفكرة

- عن جون جونيه وإدوارد سعيد

- وجع واحد وأربع روايات

البدايات مع القضية الفلسطينية

سامي كليب
دومينيك آده
سامي كليب:
مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة تنقلنا هذه المرة إلى باريس. ضيفتنا كاتبة معروفة جدا هنا وحصلت على جوائز ومجهولة في عالمنا العربي تكتب باللغة الفرنسية وقلبها ينبض على قضايا العرب ولذلك عوقبت. يسعدني أن أستضيف الكاتبة اللبنانية باللغة الفرنسية دومينيك إده في زيارة خاصة.

دومينيك آده: هون بفرنسا بموضوع إسرائيل في نوع من العمى، في نوع من عدم المنطق، الحق باللاحق، الإسرائيلي الأميركاني هو الموضوع، الحق للاحق. فنحن كلنا عم نجرب نفتح الملف، إذا ما كنا ملتزمين لحزب أو لمؤسسة أو.. بيزيحونا طبعا.

سامي كليب: حين شنت إسرائيل حربها الأخيرة على لبنان في صيف عام 2006 قالت الروائية اللبنانية دومينيك إده إن إسرائيل لن تستطيع القضاء على حزب الله ولا حماس وإن الحرب تربي الحقد والاعتماد على القوة لن ينفع. لم يكن الكلام مقبولا ولا مسموحا فاستبعدت عن بعض وسائل الإعلام ولكن ابنة العائلة السياسية والأرستقراطية اللبنانية عرفت عبر تاريخها كيف تنتقد الذات أيضا كما تنتقد الآخر.

دومينيك آده: وأنا من الناس اللي انهزموا، أنا عم بحكي معك، عم بحكي معك كإنسانة مهزومة بكل وضوح بدون أي مشكلة لأنه كان مشروعنا هو مبني على العروبة، على التضامن، على المساواة على العلمنة، هالمشروع فشل والمصيبة أنه، المصيبة مش الهزيمة، المصيبة أنه ما اعترفنا فيها، المصيبة أنه ما سميناها باسمها..

سامي كليب (مقاطعا): طيب بعد الـ 67؟

دومينيك آده: لأن الهزيمة إذا ما اعترفنا فيها ما فينا نطلع منها، مش بس 67، 73 ويعني مش بس الهزائم العسكرية، لحديت المقاومة بصيفية 2006 اللي هي فينا نقول اللي بدنا إياه عن المقاومة بس رفعت لنا رأسنا وكنا فخورين بهالعمل الجريء اللي صار لأول مرة بتاريخ العرب.

سامي كليب: من حرب 67 إلى الحرب الإسرائيلية على لبنان عرفت حياة دومينيك إده محطات كثيرة، فمن أمها الفرنسية أخذت حب القراءة الدائمة ومن والدها المهندس والوزير السابق أخذت حب السياسية والفن والثقافة ولكنها منذ ربيع شبابها نبض قلبها على وقع قلوب الفلسطينيين فعايشت مخيماتهم في صبرا وشاتيلا وعلمتهم الفرنسية وأشياء كثيرة وتعلمت منهم قصة أخرى عن حياة البسطاء والمناضلين، ولكن حرب 67 كان مفصلية.

دومينيك آده: شوف وقت حرب 67 اللي هي كانت تاريخا فعلا أساسيا بحياتي الفكرية والسياسية، كنت بعدني ولد، لكن هو الوالد اللي شرح لي ظلم القضية الفلسطينية وأفقت على هالعالم اللي كان حولي لأنه عشت أنا بجو محمي كثير حنون وكثير حلو لكن جو محمي من المحيط الأوسع، وقت اللي أفقت على هالواقع، حسيت أنه، حسيت بضرورة الالتزام..

سامي كليب (مقاطعا): بحرب 67؟

دومينيك آده: بحرب 67 وبعد كم سنة اشتغلت بمخيم صبرا وشاتيلا وهم كان المفروض أنه أنا أعلمهم اللغة الفرنسية والنتيجة هي أنه هم اللي علموني شوية عربية، وكنت أرجع على البيت وكانوا يركّبوا مقالتي لأنه كنت أحكي باللهجة الفلسطينية طبعا. فعلى بكير أحسيت أنه لا، هو التاريخ عربي، القضية الفلسطينية هي قضية بتخصنا كلنا وهاللغة الفرنسية اللي كنت أنا مسيطرة عليها خلقت لي شوية مشاكل لأن هذه اللغة كثير قوية، وأحس من وقت لوقت أنه عم تسرق لي هالعالم الجسدي اللي أنا عايشة فيه، هالروائح ، هالأصوات، هالشارع العربي اللي كان بدمي واللي كنت ما عم بقدر أعبر عنه بالعربي.

سامي كليب: بس الغريب ست دومينيك إده، المعروف أنه من يولد مثلك في عائلة شبه برجوازية وشبه أرستقراطية وشبه سياسية أيضا بالسياسة بعمق السياسة اللبنانية كمان ومزيج من تجربة لبنانية أو من عائلة لبنانية فرنسية يعني ستك فرنسية والوالد طبعا كان من الشخصيات المعروفة في لبنان، إنه كان من المفترض إما أن ينقطع عن محيطه العربي لأنه كان بالنسبة لهذه الطبقة من اللبنانيين أنه كل شيء عربي منبوذ عمليا والاتجاه أكثر باتجاه الغرب والإعجاب بالغرب، أو يكون لديه ردة فعل على أهله بالضرورة وينتقل إلى الجانب الآخر، حضرتك وفقت بين الاثنين إنه صار ردة فعل ولكن فيما بعد عدت وكتبت باللغة الفرنسية ومن أفضل من كتب كمان.

دومينيك آده: شكرا لهالكلام الحلو، ما بعرف قديش قدرت أقوم بهالواجب لكن في شيء أكيد أنه استفدت أنا وصغيرة من تربية كثير حلوة وفعلا بحب أشدد على هذه النقطة لأنه..

سامي كليب (مقاطعا): يعني مثلا، اعطني مثلا عن العلاقة بالوالد مثال أو الوالدة؟

دومينيك آده: مثلا الوالدة على طول، هي الوالدة إنسانة استثنائية، عندها إنسانية كثير فريدة الشكل، ما شفتها بحياتها إلا بتحترم الإنسان مهما الطبقة الاجتماعية، مهما الطائفة، مهما الدين، ما عندها ولا نقطة عنصرية، هالاحترام اللي هو قليل الشكل، كثير بعدني..

سامي كليب (مقاطعا): كانت مثلا تحترم الخدم ببيتكم؟

دومينيك آده: كانت تحترم كل الناس وبنفس الطريقة، طريقة حكيها ما بتتغير مهما هي قاعدة مع رئيس الجمهورية أو مع الخادمة. الوالد هو شخصية قوية وعنده هالشجاعة هالجرأة وهالحفاظ على المبادئ اللي ما بخبي أنه معجبة بهالموقف.

سامي كليب: معروف أنه بهالمحيط كانت بعض الفتيات يعني يذهبن أكثر باتجاه العمل مع الفلسطينيين مع الحركة الوطنية مع اليسار في لبنان إما لقناعة سياسية أو بسبب يعني جو معين كان يحيط بهن أو ربما قصة غرام مثلا، أنت شو اللي وعاك على القضية الفلسطينية، على القضايا العربية من البداية؟

دومينيك آده: فعلا بكلمة واحدة، الظلم، الظلم، ولحديت هلق اللي عاشوه الفلسطينيون واللي عم بيعيشوه حاليا يعني بعد ستين سنة من القمع ومن الاضطهاد المستمر، هذه الحالة يمكن أنه حنموت، عفوا يعني عم بحكي على حالي، يمكن أنه، يعني مش عم تتركنا، مش عم بتخلينا نتنفس لأن الإسرائيليين ما تركوا للصلح مطرح أبدا أبدا، مش عم بيعطونا مجال أنه نقدر نتعامل معهم بطريقة إنسانية، وعلى شو عم ندور نحن؟ على الإنسانية، نحن هذا هو الهدف تبعنا لكن مش عم يعطونا المجال، وبهالفترة بالسبعينات كنا بعدنا متأملين فكان العمل كمان كثير حلو، كنت أشوف هالفلسطينيين بالمخيمات عايشين باليأس وبالفرح بنفس الوقت.

سامي كليب: شو عملت معهم؟ تعليم اللغة الفرنسية؟

دومينيك آده: تعليم اللغة الفرنسية وطبعا كانت يعني هالعلاقة بعدين انتقلت إلى علاقة صداقة مع بعض الناس ويعني بلا ما ندخل بكل التفاصيل.

سامي كليب: ذكرت عام 67، نكبة العرب بعام 67 يعني هزيمة مصر في مواجهة العدوان الإسرائيلي آنذاك وبإحدى رواياتك بتحكي، يعني تذكرين غالبا بعض المحطات العربية ومنها حرب 67، مثلا لما إحدى شخصيات الرواية، مالي، كانت تعيش تقولين حزنها على علاقتها مع فريد، أسست في إبان النكبة يعني عام 1967 مركز فلسطيني لبناني، دار نشر على ما أعتقد كانت ودائما يعني نرى أنه في الـ 67 في جمال عبد الناصر، في هذه الفترة من التاريخ العربي موجودة في عدة محطات بالرواية. أعجبت بشخصية جمال عبد الناصر قبل حرب 67 مثلا؟

دومينيك آده: كنت صغيرة قبل حرب 67 وقت الحرب بتذكر أنه صوته احتل البيوت وكنت هيك من الناس اللي معجبين بهذه الشخصية ولكن ما بقدر أقول إنه كنت تحت سيطرة، وليه؟ الصراحة بحياتي ما كنت تحت سيطرة سلطة، طبعا العروبة ومشروع عبد الناصر كان يعني لي الكثير.


النضال بالكلمة والفكرة

سامي كليب: حين اتفقت مع دومينيك إده على إجراء هذه المقابلة اعتذرت عن لغتها العربية فهي عاشت وترعرت في كنف اللغة الفرنسية وكتبت بها وأما العروبة فهي تسري كالدم في عروقها، يكفي أن يقرأ المرء كتاب "رسالة ما بعد الموت" أولى رواياتها التي نشرتها قبل عشرين عاما أو يقرأ كتابها الأخير عن الأديب الفرنسي الذي عشق القضية الفلسطينية وعاش بين أهلها، جون جونيه، ليفهم أن لغتها الفرنسية لم تلغ نزوعها العربي بل كرسته وعززته، وهي حين عملت في أحد أعرق دور النشر الفرنسية دار سووي التي كان يشرف عليها فرنسي مستعرب ومعتنق للإسلام، ترجمت روايات جمال الغيطاني وإستشراق إدوراد سعيد وفتحت الباب لترجمات أخرى لمحمود درويش وأدونيس فاتهمت بأنها تؤسس للوبي عربي ومورست ضغوط عليها.

دومينيك آده: صار فيه ضغط في 1988 وقت الاجتياح الإسرائيلي كان الجو صعبا طبعا للكل، لكل اللبنانيية وأنا كنت طبعا بمجتمع، مجتمع المثقفين الفرنسوية، نسبية الصهيونية قوية بهالمجتمع، فميشيل شتكوفيتس أخذ بهالوقت موقفا، كتب مقالة بجريدة اللوموند وصار في ردة فعل عنيفة أنه كيف ممكن مدير السووي يأخذ هيك موقف واتهمونا بلوبي، فأنا قلت والله هذا شرف أنه إنسانة عربية لوحدها ممكن تمثل لوبي، هلق طبعا أنه هالموضوع مش كثير مهم المهم هو أنه في بفرنسا مشكل عميق وخطير اللي هو أنه كل ما انتقدنا إسرائيل كل ما اتهمونا بالعنصرية، باللاسامية وكل ما بتتسكر علينا الأبواب، هذا شيء مش مليح لمصلحة فرنسا وللمستقبل.

سامي كليب: صحيح، على هذا المستوى سيدة دومينيك إده فقط أود أن أشير للمشاهدين الذين يحضرون هذه الحلقة ربما لا يعرفون في العالم العربي عنك الكثير رغم أن لك قراءك الكثر هنا في فرنسا ولكي روايات جيدة جدا ونالت جوائز بعضها، جوائز قيمة كمان، أنه حينما كنت أبحث عن أرشيفك ، عنك، عن تاريخك، أخبرتني صديقة فرنسية في الواقع وهي تعمل في إحدى الإذاعات أنه ربما مدير الإذاعة طلب منها عدم استقبالك في الإذاعة بسبب المواقف التي اتخذتها فيما بعد ليس ضد إسرائيل وإنما لتصحيح الواقع، أنه في ظلم وفي مظلوم، أن الظالم هو الإسرائيلي، حتى هذا الكلام كان غير مقبول في إذاعة محترمة فرنسية، إلى أي مدى كان جد أنه في ضغوط وفي استبعاد لناس مثلك أو لحضرتك بسبب هكذا مواقف.

دومينيك آده: والله يمكن أنه هالشيء مظبوط، هلق وضعي الشخصي طبعا مش هو المهم، المهم الواقع، المظبوط أنه هالمشكلة كثير كثير خطيرة لأنه وقت اللي مثلا بنأخذ مواقف وأخذت موقف، وقت اللي كتبت النص ضد المؤتمر، مؤتمر النفي للمحرقة، هذا موقف إنساني ما بتخلى عنه ما ممكن أن أتخلى عنه وما بلاقي أنه في أي تناقض بين هالموقف وبين الدفاع عن الشعب الفلسطيني وبين رفض هالتسويات اللي عم بتصير مع إسرائيل وأميركا من قبل بعض المسؤولين الفلسطينية اللي هي عم بتبين غلط، غلط، كثير غلط لأنه ما عم نطلع بأية نتيجة، عم نرجع لوراء وعم نتنازل عن أشياء ما لازم نتنازل عنها، ما بلاقي أنه في أي تناقض بين الموقف الحازم على المبادئ والانفتاح الكامل بمعنى الإنسانية، الاعتراف بالتاريخ وبمآسي الآخر لأنه ما حدا بيستملك.. ما قلنا كلمة [كلمة أجنبية] الوجع، إذا كان مثلا بلبنان وجع الدرزي، وجع الماروني، وجع السني، وجع الشيعة هو نفسه، هو نفسه، فكلما فتنا بهالطائفية على صعيد العالم أو على صعيد بلدنا كل ما عم نتراجع بالنسبة لهالمشروع الوحيد اللي له معنى، اللي هو الإنسانية.

سامي كليب: الإنسانية شغلت الروائية اللبنانية الكاتبة باللغة الفرنسية دمينيك إده فصاغت روايتها الأولى على نحو رسالة كتبها شاب لبناني لصديقته الفرنسية روت الحرب بأسلوب فاجأ الفرنسيين وبلغة كسرت القوالب الكلاسيكية وبمضمون ناقد للغرب وللنفس أيضا وشخصيات راوحت بين الحلم والواقع فصنعت عالمها الخاص. وبعد عشر سنوات رواية ثانية ومفاجأة ثانية بعنوان "لماذا أعتمت؟"، أعقبتها بعد أربع سنوات رواية ثالثة بعنوان "طائرة الورق"، وأخيرا كتاب عن جون جونيه. وبين رواية وأخرى كانت تصطحب مصورين إلى بيروت لنقل المدينة بعدستهم وخيالهم الخصب، أو كانت تكتب مقالا أو نصا أو مجرد أغنية تغنيها صديقتها الصغيرة زينة عن حائط الفصل في إسرائيل أو في أي مكان آخر في العالم. دومينيك إده التي درست التاريخ في لبنان وفرنسا وعملت في دور النشر الفرنسية ثم في منظمة الغذاء العالمية في إيطاليا ودرست في لبنان وعند الفلسطينيين قرأت جيدا تاريخ المنطقة لتقول في رسالتها إلى الإسرائيليين حين شنت إسرائيل حربها على لبنان قبل عامين، لو عرفتم حجم العنف والحقد الذي تزرعه طائراتكم ودباباتكم لكنتم خفتم من خوفكم، ألم يعلمكم استخدام القوة المفرطة في فلسطين كما علم حلفاءكم الأميركيين في العراق أنه لا يمكن جعل الحقائق خاضعة لرغباتكم.

دومينيك آده: لأنه هم عم بينتحروا والمهم أنه نحن ما نقلدهم لأنه العدو بيخوف لسببين، السبب الأول هو أنه عدو والسبب الثاني أنه في خوف أنه اللاوعي تبعنا بيصير بيقلد العدو، وبدنا ننتبه من هالنقطة، لأنه هم عم ينتحروا ما لازم ننتحر معهم.

سامي كليب: تقولين دومينيك إده برسالة إلى إسرائيليين والرسالة التي أزعجت الكثير ليس فقط من الإسرائيليين ولكن أيضا على ما يبدو من الإعلاميين الفرنسيين، أنه كلما أمعنتم بقتل عدوكم وبمحوه واقتلاعه كلما كبرت ذاكرته وتحولت إلى حقد، ولم تستطيعوا محو حماس وحزب الله ومنذ خمسين عاما تسعى دولتكم دون انقطاع لقمع القانون بالقوة، والسؤال بسيط فهل تقدمتم؟ يعني أنه بالنتيجة كل ما عملتوه من نصف قرن، والكلام مهم اليوم في الذكرى الستين لنكبة فلسطين، ولكن الأهم أنه طيب شخص مثلك هو عمل أربع كتب حتى الآن في فرنسا وكتب جيدة على ما يبدو، كيف يتعامل معك الإعلاميون، هل فعلا أنه ممنوع الانتقاد؟

دومينيك آده: يعني ما نبسط كثير الأشياء وبنفس الوقت نعترف بالموضوع، نعم صار في فعلا صعوبة رهيبة بالنسبة لهالموضوع، مثلا مثل ما قلت من شوي بعرف أنه بعض الناس بالراديو مثلا عم بيتضايقوا كثير من هالصوت اللي، ما بحب كثير أحكي عن حالي، بس بما أنه عم تسألني السؤال، أنا ماني تابعة لأي مؤسسة، ما بحياتي التزمت بحزب وما بمثل إلا حالي فسهل إنه يطيحوني لأنه طبعا ما عندي ولا حدا ورائي ولا عم بناضل بالمعنى القديم، أنا عم بجرب بس أحافظ على هالنقلة بين هالعالمين اللي إلي علاقة فيهم، الغرب والشرق، فوقت اللي بكون هون بحب أركز على هالظلم اللي عم بيصير تجاه الفلسطينية وهالمراقبة العجيبة على موضوع إسرائيل، يعني شيء مش طبيعي، وقت اللي بكون بالشرق بحب يمكن أركز بالعكس على النقطة اللي..

سامي كليب (مقاطعا): الإيجابية.

دومينيك آده: إيجابية بالنسبة للغرب واللي يمكن هي النقد النفسي اللي كمان لازم نفرضه علينا، لأنه هو التعامل بالمثل اللي بيركز بشيء اسمه المصداقية، إلا ما في مصداقية إذا ما طبقنا نفس المبادئ علينا وعلى الآخر.


[فاصل إعلاني]

عن جون جونيه وإدوارد سعيد

سامي كليب: في مكتب دومينيك إده الروائية اللبنانية الكاتبة باللغة الفرنسية صورة كبيرة للمخرج الإيطالي فريدريكو فيليني الذي ترك أثرا على نهجها في الحياة، وفي مكتبها أيضا ذكريات كثيرة مكتوبة بخط اليد عن بعض اللقاءات القليلة مع الكاتب الفرنسي جون جونيه صديق الفلسطينيين وقضيتهم  والذي تعرفت عليه بفضل مندوبة فلسطين السابقة في باريس ليلى شهيد، فماذا في الذاكرة أولا عن فيليني؟

دومينيك آده: كان كريما لدرجة أنه أعطاني من وقته من انتباهه بشكل كثير حلو ويمكن هو اللي شجعني نوعا ما أنه اتخلص من هالعقدة الذنب بالنسبة للحرب بلبنان وأنه أسمح لحالي أن أكتب، هو فعلا شجعني بالنسبة لهالمشروع.

سامي كليب: يعني لافت أنه في شخصيات كثيرة ومهمة تعرفت عليهم عن قرب، يعني حكينا عن إدوارد سعيد، عن فيليني، عن بعض الشخصيات الأخرى، عن بعض كبار المصورين ولكن كان لقاء أيضا حاسما مع الكاتب الفرنسي الذي عاش القضية الفلسطينية بجوهرها جون جونيه وانكتب، حضرتك كتبت كتابا عنه باسم "جريمة جون جونيه"، هو تقديم يعني وصفي جميل ليس للشخص وإنما للإطار العام لبعض تفاصيل الحياة، وفهمت أنك تعرفت عليه كنت بالعشرينات تقرييا، كان هو أكبر منك بشي 30 أو 40 سنة تقريبا، كان بالستين من عمره، وكان في صدام بأول لقاء، شو اللي صار؟

دومينيك آده: كان هالزلمه كثير صعب أنه واحد يلقطه بكلمة ومرة استلمني وقت اللي قلت له يمكن أنه اكتشفت شيء بالنسبة إلك، قال لي أنا ماني أميركا وأنت مانك كريستوف كولومبوس، أنه ما حدا بيكتشفني، ويمكن أنه كان التحدي الكبير أنه أكتب هالكتاب ويمكن أنه اكتشفت بعض الأشياء، منهم عدم وجود الأب بكل رواياته، وفهمت شغلة اللي هي كانت يمكن اكتشف أنه هو العالم، العالم رمز العالم كان لجون جونيه هو الأب ومن هون هالعداء الدائم ضد العالم كان هو بالنهاية ضد الأب، ضد السلطة، ضد الهيمنة، ضد الاستعمار، ضد كل.. وضد الصهيونية اللي كانت جزء من مواضيع غضبه.

سامي كليب: تقولين في الكتاب أنه لم يكن يكافح من أجل العدالة وإنما ضد الظلم.

دومينيك آده: مظبوط، مظبوط، يمكن أنه هيدا مختصر مفيد بالنسبة لهالتركيبة العجيبة الغريبة، هو كان خلق يتيم وفات على السجن بسبب السرقة على بكير ويعني حياته فعلا مانها عادية أبدا، وكتب أهم مؤلفاته بالسجن، وقت اللي طلع نهائيا من السجن بعد الحرب العالمية الثانية، قال وقت اللي طلعت من السجن حسيت بالضياع الكامل، لأنه كان السجن بالنسبة له نوع من الحماية من العالم.

سامي كليب: والسلطة الأبوية المفقودة كمان.

دومينيك آده: مظبوط، مظبوط.

سامي كليب: حتى تتحدثين عن زيارته إلى الأردن، عن إقامته في الأردن وكيف سكن عند سيدة كانت مش، ليس الفارق كبير بالعمر بينها وبينه ولكن شعر أنها أمه..

 دومينيك آده: شعر أنها هي أمه، تماما.

سامي كليب (متابعا): وهو تبنى أيضا ولدا في الأردن كمان.

دومينيك آده: تبنى ولدا في المغرب، وهو بصراحة علاقته بالفلسطينية كانت من أجل هالظلم اللي عم نحكي عنه وهالقمع من قبل الإسرائيلية لكن هو كان الخطر المتواصل بمسيرة الفلسطينية، اللي كان يسحره لجون جونيه، اللي كان يأخذه على طرف أو على حد الموت، يعني بالنهاية هو جون جونيه عاش وكتب وسكن على حافة الموت بكل حياته.

سامي كليب: بالاتصال معه تتحدثين عن كفاحه ضد القمع والظلم، قمعك كمان، لما كنت عم بتخبريه عن الكتابة وقال لك طيب شو عملت لفلسطين، على ما يبدو؟

دومينيك آده: إيه وهو كان معه خبر، من هون سوء نيته كانت واضحة، إنه هو معه خبر بالتزاماتي بالنسبة لهالقضية فعم بيؤذيني بشكل مجاني، قال لي، كنا قاعدين على السفرة أنا وهو وليلى شهيد، وقال لي أنت شو عملت؟ كنا بعد مجزرة صبرا وشاتيلا بشوي، وقال لي أنت شو عملت للفسطينية؟ ما كتبت شيء عن المجزرة وأنت همك الكبير، هالمثقفين الفرنسوية اللي هم ولا سألانين عني ولا أنا سألان عنهم. فقلت له، بالأول ما قبضته جد، قلت له عم تمزح، وشفته عم بيكمل بكل جدية بهالتمثيلية ففهمت أنه جاءت اللحظة، لحظة الـ..

سامي كليب: الحسم.

دومينيك آده: مظبوط، ومن وقتها طبعا ما عدت شفته، سأل عني مرة وما حبيت أرجع أبني هالعلاقة، وتأقول لك الصراحة استفدت كثيرا أنا من جون جونيه بدون شكل، شخصية كثير غنية وزكي بشكل رهيب.

سامي كليب: في خلال الروايات والكتب والمقالات التي وضعتها دومينك إده في فرنسا إيحاءات كثيرة عن العرب وتاريخهم، فحين تحكي لبنان مثلا تقول إنه بلد كان ينتحر وهم يقتلونه وإنه عوقب لأنه ربما كان أجمل مما ينبغي، وحين تحكي عن اللغة العربية تتغنى بجمالها، فماذا تعني لها العروبة هي المسيحية العلمانية الكاتبة بلغة موليير وليس بلغة الضاد وسيبويه.

دومينيك آده: حاليا هاللغة العربية، اللي للأسف ما بتمكن منها لكن بتعني لي كثير، لأنه هي، هي مجال اللغة، فممكن يوم من الأيام ترجع تحمل مشروعا جديدا لأنه هلق نحن عايشين بفترة الانحطاط، التفتت، والتكرار السلبي اللي هو عكس التوالد، التواليد هو التكرار اللي بودي لمحل، نحن عم نكرر الأشياء والكلمات عم تفضى من مضمونها، في نوع من النزيف، مثل ما الجسم بيروح دمه الكلمات عم بيروح مضمونها، هيدا هو الموضوع اليوم. والعروبة أو هالعرب اللي عم بيشتغلوا على اللغة، اللي حظهم أنه يقدروا يشتغلوا على هاللغة، ما عندي هالحظ، يمكن نتأمل أنه يرجعوا يعيشوها يغذوها يمكن بكلمات جديدة لأنه عم بنحس قديش هالكلمات المستنفدة عم تنهار ونحن عم نحكي.

سامي كليب: أربع كتب حتى الآن "رسالة ما بعد الموت"، "لماذا أعتمت" أو أظلمت، يعني عم بحاول أترجم كما ينبغي على الأقل المضمون، "الطائرة الورقية"، وفي أيضا "كتاب عن جون جونيه" الكاتب الفرنسي الذي كان في الواقع قريبا جدا من الفلسطينيين يعني وعاش في المخيمات وعاش فترة طويلة بينهم.

دومينيك آده: والأردن.

سامي كليب: وبالأردن طبعا إيه، بالمخيمات يعني عمليا مع الفلسطينيين. اللي لفتني أولا في الإهداءات في الكتاب، في كتاب مهدى إلى الوالدة وستك يعني إرمين وروزالين، كتاب آخر إلى الوالد، كتاب ثالث إلى إدوارد، فقط لفتني إدوار، من هو؟

دومينيك آده: هو إدوارد سعيد، كان صديقا، المرحوم إدوارد سعيد، كان صديقا ثمينا وكثير كانت هالصداقة خاصة وغنية، هو كمفكر مظبوط أنه فتح لي كثير أبواب، منهجه الفكري اللي هو للأجيال الجاية منهج كثير مهم، يلي بيرجع عم بيرجعنا إدوارد سعيد للموضوع اللي كنا عم نحكي فيه يللي هو الحفاظ الحازم على المبادئ بشكل متواصل، والانفتاح الكامل للعالم. تعرفت عليه بدار نشر للسووي لأنه وقتها نشرنا الإستشراق وأنا اللي كنت مهتمة بالعلاقات مع الصحافة ومع الإعلام، وتعرفت عليه بهالظروف يعني بأواخر السبعينات ومن هالفترة صار لي هالفرصة الحلوة أنه أكون بصداقة متواصلة مع هالشخصية اللي مش بحاجة للتعريف طبعا، وهو كان طبعا جريئا وعنده هالقدرة، هالثقافة العجيبة، لأنه كان فعلا مسيطرا على ثقافة كثير واسعة، باللغات..

سامي كليب: بالمواضيع، بالأفكار..

دومينيك آده: بالمواضيع، كان ينتقل، مظبوط هيدا هو المنهج اللي كنت بدي أحكي عنه، كان ينتقل من السياسة للأدب، من الأدب للفلسفة، من الفلسفة للتاريخ بدون أي تناقض..

سامي كليب (مقاطعا): كان عنده قدرة على انتقاد الآخر وانتقاد الذات.

دومينيك آده: وانتقاد الذات وهو وقت اللي فتح الطريق مع هالعمل اللي هو الإستشراق فتح طريق لكن ما عمل كل الطريق، ولازم نحن ننتبه، فتح طريق كثير مهم ولكن هل نقد، انتقاد الرؤية الغربية على الشرق صرنا نحن بحاجة للنقد الثاني اللي هو يمكن فينا نسميه الاستغراب يعني رؤيتنا عن الغرب كمان بتشكي من هالنظريات الضيقة، من هالكليشية، ما بعرف الكلمة بالعربي..

سامي كليب: صحيح، إيه.

دومينيك آده: فما لازم نضلنا على رصيف واحد، بدنا نقطع الطريق ونوسع أشغالنا، النقد إذا ما كان مبني على التعامل بالمثل بيكون نقد فاشل، فهو فتح لنا هذا الطريق نحن لازم نكمل.


وجع واحد وأربع روايات

سامي كليب: على كل حال يعني في أحد كتبك كان واضحا أيضا نقدك أو نقلك للتجارب الغربية مثلا حين تتحدثين عن الولايات المتحدة الأميركية، عن الغرب، تقولين أو أحد شخصيات الرواية يقول إنه طيب ولكن نحن لن ننسى السجون الآن الأميركية ويعني كل ما كان يقال عن ديمقراطية وما ديمقراطية وما إلى ذلك يعني يتوضح العكس اليوم وكأنه إلك موقف فعلا اليوم ناقد جدا للموقف الأميركي بشكل عام؟

دومينيك آده: بدون شك، بدون شك، هالهيمنة الأميركية يعني فعلا ما بتردد وبستعمل كلمة وحشية، اللي عم بيصير بالعراق إجرام كامل، اللي عم بيصير بفلسطين إجرام كامل، يعني بهالموضوع ما عندي أي تردد ولكن بحب دائما وهي النقلة اللي بتهمني بالنسبة للفكر لأنه الفكر هو حركة مش موقف جامد، بيهمني دائما أنه انتقل كمان للطرف الآخر وكمان أطلب هناك انسجاما بالفكر وتماسكا بالمنطق اللي مش دائما موجود..

سامي كليب (مقاطعا): الطرف الآخر اللي عندنا يعني؟

دومينيك آده: اللي عنا، لأنه حالة السجون عنا في البلاد العربية حالة مخيفة ومؤلمة ونحن منعرف أنه منحكي بضمن مراقبة يعني ما فينا نحكي كل شيء عنا وأنا عم بتحدث معك بكل راحة..

سامي كليب (مقاطعا): لا، اليوم فيك تحكي كل شيء.

دومينيك آده: ما فيه الواحد يحكي كل شيء، منعرف هذا الشيء..

سامي كليب (مقاطعا): يعني على الأقل الجزيرة حدودها أوسع بكثير.

دومينيك آده: يمكن بس نحن عم نقول إنه في مراقبة عم نخفف شوي من الوجع، نحن عم نقول أنه في هزيمة عم نخفف شوي من الهزيمة، كلما سمينا الوجع كلما عالجناه شوي، وبالنسبة لهالوضع، وضع السجون العربية وضع مش مقبول. أنا مرة بالمعهد العربي بفرنسا هون كنت عم بحكي كنا بحوار مع بعض اليهود المتقدمين وطرحت على المدير اللي كان قاعد بالصالة هالموضوع، قلت له طيب هالبناية الطويلة العريضة ليش ما بينحط صور المسجونين بالعالم العربي؟ طبعا بكل تهذيب برم ظهره وفل. أنا عارفة أن هذا الاقتراح مش موضوعي لأنه منعرف قديش الأنظمة العربية لها دور في هالموضوع، لكن نحن دور المثقف شو هو؟ دور المثقف أنه قد ما فيه، قد ما فيه يبعد عن السلطة وهيدي كمان وصية إدوارد سعيد اللي كنا عم نحكي عنه، قد ما فينا نحافظ على استقلالية الفكر، على تعددية الفكر، على ما نبسط الأشياء وعلى نبعد من السلطة اللي هي التزام مهما عملنا بتجرنا صوبها ومش واحد بده يكونا دوما ضد السلطة، لا، بده يكون واعي على الخطر.

سامي كليب: منذ نهاية السبعينيات تعيش دومينيك إده بشكل متواصل في فرنسا ولكن رواياتها كحياتها طافت في مدن كثيرة بشخصياتها ومواضيعها ولكن في خلاف بحثي عن هذه الروايات لم أجد لها ترجمة واحدة باللغة العربية.

دومينيك آده: في شخص بحب أذكر اسمه لأنه فعلا سندني وما بعرفه شخصيا، حكيت معه على التلفون عدة مرات، اللي هو عبده وازن، الصحفي..

سامي كليب: نعم، هو عامل عنك مقال جميل جدا في حياتك..

دومينيك آده: وفعلا بحب أقول قديش هيك مقالته شجعتني وساعدتني لأنه العزلة هي، أو الوحدة هي مش سلبية وقت اللي بيكون في ناس، بيكفي أوقات أنه يكون شخص واحد..

سامي كليب (مقاطعا): على كل حال أنا عبرك بأوجه تحية كمان للزميل عبده وازن واللي دائما هيك له لفتات في بعض الكتاب في الواقع الذين لم يأخذوا دورهم في العالم العربي..

دومينيك آده: لأن هو كمان كتابته كثير..

سامي كليب (متابعا): وهو كاتب وناقد درجة أولى يعني في عالمنا العربي، يقول في مقاله "دومينيك إده المفاجئة دوما": "حتى الآن لم تترجم إلى العربية أي رواية للكاتبة اللبنانية بالفرنسية دومينيك إده، هذا التقصير يؤخذ على الناشرين اللبنانيين الذين يعنون بالأدب الفرانكوفوني اللبناني والعربي، فهذه الكاتبة من أهم الأصوات الجديدة في حقل الرواية الفرانكوفونية". ويقول تحت كمان في آخر المقال، "دومينيك إده روائية كبيرة، هذا كلام يقال جهارا ومن يقرأ رواياتها الثلاث يدرك حقيقة هذا الوصف، روائية فريدة في لغتها وتقنيتها السردية وكتابتها، فريدة في بناء شخصياتها الطيفية. في أحيان كثيرة شخصياتها الطالعة من عالم هو بين بين، عالم الواقع مكسورا بالمخيلة، عالم الماضي مزروعا في الواقع". وهذا في الواقع أنا ما لاحظته حينما قرأت هذه الكتب، مثلا لو بدأنا برواية "رسالة ما بعد الموت"، هي طبعا رسالة مكتوبة بقلم ذكوري وليس امرأة، يكتب لصديق موجود في فرنسا..

دومينيك آده: صديقة.

سامي كليب: أو صديقة بالأحرى عفوا، يروي قصة انتقال لبنان من السلم، من مرحلة من الهدوء من الرفاهية، من الحياة العامة الجميلة إلى مرحلة، يعني رويدا رويدا إلى مرحلة الحرب وفيه ليس وصفا دقيقا وإنما هيك جولة فيها الكثير من المرارة واليأس ومن الحب أيضا ومن لغة بالأسلوب جديدة، يعني حتى بالنسبة للفرنسيين على ما أعتقد الكتاب حين صدر كان اكتشافا، أنه في أسلوب جديد وفيه تفلت من القواعد الكلاسيكية في الكتابة يعني، بس احك لنا قصته حتى لو كان صعبا على الروائي أن يتحدث عن كتاب له.

دومينيك آده: إيه فعلا صعب، ما هو عبرت عن الموضوع لأنه هيدا الكتاب مش قصة، هيدا الكتاب رسالة مملوءة بالتجربات الحلوة والمؤلمة.

سامي كليب (مقاطعا):  وهو فعلا كانت فكرته فكرة رسالة؟ لأنه كتب على ما أعتقد بعام، يعني صدر 1988 يعني المفترض أن يكون كتب 1986، 1987 فبعز يعني حتى بعز الحرب في لبنان كان وقتها..

دومينيك آده: ما هي لأنه الحرب بلبنان منعتنا، أنا منعتني عن الكتابة، لأنه كنا عايشين بهالحالة اليومية، كان الزمن موقت وكان الموضوع كثير أثقل مننا لأنه ما فيه الواحد يعبر عن الحرب، الحرب بتعيشها، الحرب مثل المرض، ما بينكتب عن المرض، الوجع مثلا، شوف كل الكتب اللي عم نقرأها ما حدا قدر يوصف الوجع، بيقول الإنسان موجوع هيده الكلمة ما بتعبر، فبدك هالوجع مثل فنجان القهوة هالطفل يروق، هالقهوة تروق حتى الواحد يقدر يطال المضمون الأساسي وما يغرق بهالتفاصيل يعني بوصف الحوادث، لأن وصف الحوادث هو شغلة الصحفية.

سامي كليب: على كل حال يعني من يقرأ هيدا الكتاب الأول كان لك، واضح أنه كانت الفكرة ربما في البداية فكرة رسالة ربما وتحولت إلى كتاب شيئا فشيئا، بس واضح أيضا الحالات النفسية في الكتابة يعني وكأنك كنت تتوقفين ثم حين تعودين إلى الكمبيوتر وتعودين للكتابة مجددا أو بخط اليد ما بعرف، أنا كان حتى في صعوبة وتقولين..

دومينيك آده: هيدا كتاب "لماذا العتمة".

سامي كليب: لا، حتى في "رسالة ما بعد الموت" أنه لا أدري لماذا أكتب؟ لا أدري لماذا..

دومينيك آده: مظبوط، هيدا الموضوع مطروح على طول بكل شغلي، أنه لماذا؟، هالكلمة موجودة بشكل متواصل، وأنا كل ما بكتب كل ما بفكر في كل الأشياء كمان اللي ما لازم وما مفروض تنقال، بمعنى أنه الانتظار، وشغل التركيز اللي هو الشغل اللي بينحط على جنب، الأشياء اللي مش مهمة. كان الكاتب الفرنسي رونيه شار يقول، هيدي حتساعدني للترجمة، كان يقول [كلام أجنبي].

سامي كليب: "الكاتب الكبير ربما يعرف نفسه من خلال الأشياء الكثيرة التي لا معنى لها والتي لا يكتبها".

دومينيك آده: مظبوط، مظبوط، مش عم بقول على حالي أنه أنا كاتبة كبيرة بس عم بقول إنه هيدا الهوس الدائم عندي أنه اختصر قد ما فيي.

سامي كليب: بعض شخصيات روايات دومينيك إده نجدها عند الرصيف بانتظار أن تركب قطار الرواية كما تقول، وفي روايتها لغة جديدة وشيء من جنون يدفع الكاتبة للقول إني جالسة على قبعة من قش وأنا قبعة القش، وفيها من جمال المضون والالتزام الفكري وتفلت الأسلوب ما يجعلها في مصافي الروايات العالمية الكبيرة، ولعل كل تلك العوالم هي اختصار لعالمها أو هي حلم لعالم شخصي بات مستحيلا.

دومينيك آده: الحياة والكتابة عندي واحد، هالشيء ما بيعني أبدا أن الكتابة هي قصة حياتي، لا، هي التجربة نفسها، يعني تجربة الكتابة بالنسبة إلي هي تجربة جسدية تقريبا، مثلا إذا بدي أحكي عن شخصين قاعدين بساحة البرج نفرض، قبل ما أكتب بدي أعيش جسديا حالتهم، بدي أعرف تماما الهواء، الروائح، الأصوات، الصمت، حركات الناس، حتى وقت اللي ابتسموا، وقت اللي بلشوا يحكوا مع بعض، يقدر بعدين القارئ هو يسمع ضحكتهم لو ما كتبتها، فبدي، هيدي التجربة اللي بسميها تجربة حياة، ما بوصف من بعيد.

سامي كليب: يتولد الانطباع دومينيك إده لمن يقرأ ما تقولين عن كتاباتك، حضرتك، أنه كأنه حتى اليوم مازلت في حالة تجربة، يعني دائما تقولين إن ما أكتبه مثلا عن كتاب على ما أعتقد "طائرة الورق"، أن هذا الكتاب ليس كتابا ولا قصة ولا قصيدة ولا رواية.

دومينيك آده: كثير مظبوط، كثير مظبوط أنا بتشكرك كثيرا على هالملاحظة، لأنه هيدا هو الواقع أنا بحالة تجربة متواصلة وما بدي أوصل، بالنسبة إلي الشغل هو الطريق، العمل عم بينعمل، مش العمل اللي نعمل.

سامي كليب: لا شك أنه في حتى جنون بالتعبير عن مضمون، وليس فقط بأسلوب الكتابة مثلا،  "لماذا أعتمت" تقولين أنا جالسة على قبعة القش وأنا قبعة القش.

دومينيك آده: مظبوط، هي أول جملة، إيه في هالبعد، هالوضع النفسي اللي على طرف الجنون من وقت لوقت مظبوط، بعتقد أن الكتابة بلا جنون كمان مش ممكنة خاصة بالوقت الحاضر لأنه في جنون بالوقت اللي عم نعيشه حاليا.

سامي كليب: وما نعيشه حاليا بات رواية أو مقالا أو نصا شعريا أو أغنية كتبتها الروائية اللبنانية الكاتبة باللغة الفرنسية دومينيك إده، وحين خيم المساء على باريس وعلى الحي اللاتيني الذي تقطنه كانت نغمات الغيتار وكلماتها تنساب بالفرنسية مذكرة بأن الواقفة عند حود اللغتين أرادت أن تسمع الغرب أيضا وخصوصا هموم العرب فكتبت لهم بلغتهم طالما أنهم صموا الآذان عن لغة العرب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة