من الخراب إلى التأسيس   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:09 (مكة المكرمة)، 14:09 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

خالد الحروب

ضيوف الحلقة:

منصف المرزوقي: مؤلف الكتاب
عبد الوهاب بدر خان: نائب رئيس تحرير صحيفة الحياة في لندن

تاريخ الحلقة:

06/01/2004

- تشخيص الخراب في الوطن العربي
- خراب المشروع الإصلاحي

- التأسيس على قيم إنسانية... حقوق الإنسان والديمقراطية

- تشابه عدوك من طول ما حاربته

- التأسيس لمستقبل عربي أفضل

- الحصاد المر

خالد الحروب: أعزائي المشاهدين أهلاً وسهلاً بكم، كيف حَدَث الخراب في حياتنا العربية ولماذا تدهورت أوضاعنا إلى هذه الدرجة المُزرية؟ وكيف يكون التأسيس لغدٍ عربي أفضل؟ ولماذا صار المواطن العربي مهدور الكرامة في وطَنِه، وصارت الشعوب من دون سيادة وقامت دول لا شرعية لها؟ هذه الأسئلة ثقيلة الوطأة هي ما يحاول مُنصف المرزوقي المثقف والكاتب السياسي التونسي، الإجابة عليها في كتاب جريء ومَرير، عنوانه "من الخراب إلى التأسيس". في هذا الكتاب الذي يَستند أساساً إلى التجربة التونسية في العقود الثلاثة الأخيرة وينتقدها يستعرض المرزوقي أوجه الخراب الذي حل بأمة العرب على كل الصُّعُد، سواء أكانت سياسية أم ثقافية أم اجتماعية أم وُحْدَوِّية أم مقاومية ضد الأطماع الخارجية، لكن المرزوقي لا يتوقف عند تسطير سردية تونسية سياسية وعربيه تسير الحِنق والإحباط وتجمع من الجراح والفشل ما هو معروفٌ للجميع، بل يَتَعدّى ذلك محاولاً تَلَمُّس طريق المستقبل، الذي يبدأ بأطروحة التأسيس كما يقول، والتأسيس لما بعد الخراب يحتاج إلى قيم وأدوات ومرجعيات مختلفة واستثنائية، جُلُّها يدور حول مركزية حقوق الإنسان، وإعلاء قيمة الفرد، وتقديس كرامته، وتدور حول جوهرية الخيار الديمقراطي الحقيقي وليس التَّظاهُري والمزيف. أستضيف اليوم لمناقشه الكتاب "من الخراب إلى التأسيس" المؤلف الدكتور منصف المرزوقي الكاتب والحقوقي والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية في تونس سنه أربع وتسعين، وأستضيف كذالك الأستاذ عبد الوهاب بدر خان الكاتب والناقد ونائب رئيس تحرير صحيفة الحياة في لندن، فأهلاً وسهلاً بهما.

عبد الوهاب بدر خان: أهلاً وسهلاً.

منصف المرزوقي: أهلاً وسهلاً.

خالد الحروب: دكتور مُنصف، إذا بدأنا معك أولاً: ما الذي تُريده من هذا الكتاب؟ ما هو الخراب؟ وما هو التأسيس؟

منصف المرزوقي: أنا إذا سمحت، أُريد أن ألّح على كلمة التأسيس أكثر من كلمة الخراب، لأنّه يعني تقريباً أصبحت نوع من المَنَاحة، يعني الناس كلها تَنُوح على خَراب الأمة العربية، وأنا لا أُريد أنْ أدخل في هذا النِّقاش، حتى طريقة التعامل مع فكرة الخراب هي تحليلية، يَعني الموضوع هو نَفهم كيْف وقع هذا الخراب، ما هي آليات هذا الخراب؟ ثم نَمُر مباشرة إلى مَنطقة تأسيس، لأنني أعتقد أننا نحن في مرحله تأسيس، هو في الواقع القوتان يعني تتماشيان في نفس الوقت، الطب يُعلَّمنا أن الجسم دائما وأبدا فيه قوتين، قُوة تبني وقوة تدمر والمجتمع العربي هو الآن فعلاً يعني تشعر أنّه فيه قوة تدمر قوة خراب وهذه القوة أدت إلى الحالة التي نعرفها، لكن في نفس الوقت هناك قوة تأسيس وقوة بناء وأنا عندي ثقة في هذه القوة، وأُريد أن يعني أن أفهم هذه القوة وأريد أن أفهم كيف أستطيع أن نستغلها حتى نُسرع بإعادة البناء والتأسيس، لأنه القضية الآن يجب أن تنتهي مع هذه المناحة العامة حول الوضع العربي، كلنا نعرف هذا الوضع ولكن في نفس الوقت، نعرف أنَّ هناك الآن قوة هائلة في هذا المجتمع لإعادة التأسيس. الموضوع هو التشخيص الدقيق لآلية التخريب، لأننا إذا أخطأنا في هذا التشخيص الدقيق فإننا ربما نستطيع.. -وهذه خشيتي الأساسية في هذا الكتاب- هو أن نعيد بناء التأسيس على الأسس الخاطئة التي بنينا عليها منذ خمسين سنة وأدّى هذا إلى الخراب، هذا هو الموضوع الأساسي بالنسبة إليَّ، إلى كل المثقفين العرب، أين نضع أرجلنا بعد نهاية هذا.. هذا الخراب؟ الذي اتفقنا كلنا عليه...

خالد الحروب [مقاطعاً]: نعم.

منصف المرزوقي[متابعاً]: وعلى تجاوزه.

خالد الحروب: إحنا على كل حال لن نسامحك، بل سوف نناقش الخراب أيضاً، لأنه يقع في سياق ما تحدثت حوله، اللي هو التشخيص، دقة التشخيص وضرورته...

منصف المرزوقي: نعم.

خالد الحروب: هي التي تفضي إلى...

منصف المرزوقي: نعم.

تشخيص الخراب في الوطن العربي

خالد الحروب: إلى دقة التأسيس وصلاحيته، قبل ذلك أسأل الأستاذ عبد الوهاب، ما رأيك في تشخيص الخراب؟، الخراب الذي سرده منصف المرزوقي، على المستويات الثقافية خراب في المواطن حتى في روح الأمة خراب في العدالة.. في الوصول إلى.. إلى الدولة العصرية، إلى تحقيق معاني العدالة وما غير ذلك في، التشخيص أولاً.

عبد الوهاب بدرخان: في التشخيص.. يعني تذكرت أنه عندما كنت أقرأ الكتاب أن منصف أولاً طبيب .. وطبيب جراح وبالتالي فتح كل الجروح ودلَّ على كل أنواع الاعتمال والعلل الموجودة وفي كل مرة كان ينبِّه بإنه هو ساعٍ إلى العلاج وليس ساعٍ إلى فتح المناحة كما.. كما قال، الحقيقة إنه قلما تجد في كتاب واحد وبكمية قليلة من الكلام، نسبياً هذا.. هذه النظرة الشمولية لوضع ليس فقط تونسي إنما عربي عام، لأن المشاكل والأمراض متشابهة في كل المجتمعات والتجارب السياسية وخطر لي في.. في خلال قراءتي بأن مثل هذا الكتاب، هو صالح فعلاً لأن يكون علم سياسي تطبيقي، فتذكرت إنه أنا أو أنت خالد درسنا علوم سياسية في الجامعة وكذا علوم سياسية عندما خرجنا من الجامعة، لم نجد شيء يجيب عليها، نظريات من أيام عصر أرسطو وأفلاطون، ضروري الاطلاع عليها طبعاً ولكن بالنهاية، نحن نعيش سياسة هي ما تعيشه، فالمنصف هون يعطينا فكرة إنه وين .. أين هو الخلل، أين هو العناية.. العلة التي يجب أن يبدأ علاجها .

خالد الحروب: إذا بدأنا أيضاً.. ما زلنا في التشخيص، منصف المرزوقي في بداية الكتاب تضع يدك بكل.. بكل قسوة -الحقيقة أيضاً- على العدو الرئيسي، تسميه اللي هو الاستبداد وتربطه بمفهوم الآن أريدك أن تتحدث عنه أكثر، اللّي هو الجملكية (النظام السياسي الجمهوري الذي تحول إلى ملكي) .. وجمهوري ملكي ثم تشتق اللفظ الجديد الجملكية هذه أريد أن نقتبس أيضا حتى يتابع معنا المشاهدون.. تقول: "أن هناك تحالف بين الاستبداد والاستعمار" ما نواجه، تقول: "أن هناك علاقة.. العلاقة الجدلية بين الاستعمار والاستبداد هي السبب في خراب البصرة، إن الحليف الأساسي اليوم للعدوان الأميركي البريطاني هو الديكتاتوريات العربية التي هي خلاصة الجملكية هذه، فهذه الأنظمة الفاسدة التي كانت ولا تزال، أسد على شعوبها وفي الحروب نعامة هي التي وفرت قاعدة الانطلاق الآن للعدوان في الكويت والسعودية والإمارات وقطر والأردن أو هي التي تتواطأ بصمتها في مصر وتونس والجزائر وهي التي تجهز جيوشها البوليسية من الخليج إلى المحيط" وكأنك جمعت كل البلدان العربية وربما هذا السبب اقتباسي أنك تقريباً لم تستثني أحداً، ما هي الجملكية منصف المرزوقي؟

منصف المرزوقي: الجملكية هي.. خلينا أساساً نحط القضية في إطارها الواسع، أنا أحاول فهم الخراب الذي أوصل هذه الأمة إلى حالها، إلى ما وصلت إليه أنا، أعطيك فكرة المنظمة العالمية للصحة أصدرت هذه السنة تقريرها عن حالة الصحة في العالم 2002، نحن نأتي في المرتبة الخامسة فيه ستة أمم.. يعني في ميدان الصحة، نحن لا نسبق إلا بلدان إفريقيا، جنوب الصحراء.. يعني نحن في.. في مخلفة الأمم الكبرى...

خالد الحروب [مقاطعاً]: نحن في المرتبة السادسة من الأسفل.

منصف المرزوقي [متابعاً]: في المرتبة الخامسة من الأسفل..

خالد الحروب [مقاطعاً]: من الأسفل!

منصف المرزوقي [متابعاً]: يعني نحن نأتي قبل الأخيرين، بعد أوروبا بعد آسيا، بكافة أطرافها، بعد.. يعني نحن أمام إفريقيا، جنوب الصحراء، لكن نحن نعتبر نفسنا أمة عندها بترول وعندنا تراث وعندنا الحضارة إلى آخره، هذه الحالة التي وصلنا إليها، لما نحاول أن نفهم هذا .. هذا الخراب نكتشف أنه ليس هناك سبب واحد، لابد أن تكون هناك عدة أسباب، لا يوجد ظاهرة طبيعية بهذه الخطورة ليست لها عدة أسباب .. أسباب ثقافية .. أسباب جغرافية .. العامل الخارجي إلى آخره، ثم جملة من الأسباب لكن السبب الرئيسي والأوحد.. ليس الأوحد وإنما السبب الرئيسي وليس الأوحد هو النظام الاستبدادي العربي هذا النظام لأنه وضع الكفاءة ولا قبل الكفاء لأنه لم يضع أي شروط المحاسبة، لأن الديكتاتور يتحرك ويفعل ما يريد ولا يحاسبه أحد يستطيع أن يقودنا إلى حرب وإلى خراب ولا يقوده أحد لأنه ليس هناك أي ضوابط أخلاقية وليست هناك أي ضوابط سياسية، هذا النظام الاستبدادي العربي هو الذي أدّانا إلى التهلكة لكن عندما نبدأ هذا، عندما نبدأ يعني.. ندرس تاريخ هذا النظام، خاصةً الأنظمة الجمهورية نرى أنها كلها بدأت بأفكار جميلة وأعتقد أنه حتى هؤلاء الناس كانوا في وقت من الأوقات.. كانت لهم نية طيبة، يعني لا أريد أن أُحمِّلَهم أكثر مما يتحملوا، أنا أعتقد أنه بو مدين أو بورقيبة أو القذافي أو كل هؤلاء الناس بدأوا بأفكار موضوعية وبدأوا بأحلام لهذا الوطن إلى آخره، لكن النظام الذين وضعوه.. الذي وضعوه وهو أنه قوة مخابرات وهو أنه الكذب أدّى إلى المتظلمين إلى آخره.. كل هذا النظام في آخر المطاف أدّى إلى ما نعرفه الآن القضية الأساسية هي في هذه الأنظمة الآن هي إرادة التواصل، يعني هذه أنظمة لا تريد أن تموت قتلتنا ولا تريد أن تموت ومستعدة أن تضحي بنا إلى الآخر حتى يتواصل الديكتاتور..

خالد الحروب: نعم

منصف المرزوقي: في حكمه. طيب، ظاهرة الجملكية هذه ظاهره.. هي ظاهرة جديدة غير معروفة قبلنا، هذه أنظمة جمهورية والنظام الجمهوري، مبني على التداول السلمي على السلطة لا يمكن.. لا تستطيع أن تكون جمهوري إن لم يكن هناك ولا دولة قانون، تداول على السلطة، حرية.. هذه هي الجمهورية، الآن هؤلاء الناس أدخلوا النظام الجملكي لا يريدون أن يتخلوا عن السلطة ويريدون أن يورثوننا وقع التوريث في سوريا، التوريث بصدد الإعداد له في مصر، التوريث بصدد الإعداد له في اليمن، التوريث بصدد الإعداد له في.. في يعني...

خالد الحروب [مقاطعاً]: ليبيا.

منصف المرزوقي [متابعاً]: ليبيا وين طيب هذه الجمهورية؟ هذا يعني النظام الجملكي هو نهاية النظام الاستبدادي أي هؤلاء الناس، هؤلاء الناس فضحوا أنفسهم إلى درجة، إنه مشكلتنا ليست قيام الأمة، مشكلتنا ليست النهضة، مشكلتنا ليست إنه.. مشكلتنا الوحيدة هي أن نبقى في السلطة بأي وسيلة من الوسائل ولهذا اليوم الخيار لنا هو إما أن نتخلص من هؤلاء الناس أم هم هؤلاء الناس سيتخلصوا منا.

خالد الحروب: نعم، إذا سألنا عبد الوهاب هذه الأطروحة الأساسية تقريبا في.. في القسم الأول من الكتاب لمنصف المرزوقي أنها الاستبداد والجملكية هذه ولكن، قد يقول قائل أن، أن هناك أسباب أخرى، يعني هذا التشخيص نفسه قد يجادل فيه البعض وفي دقته.. هناك الأسباب الخارجية والآن تعرض.. تعرض لها وإن كان بشكل سريع في الكتاب يحملونه المسؤولية، على هذا الأساس نحن أمة نتعرض إلى ضغوط خارجية، إلى أطماع خارجية، منذ أزْيَدْ من قرن أو قرن ونصف وما زلنا تحت وطأة هذه الأطماع وهي في الحقيقة السبب بالأساس في الخراب الذي نعاني منه ما رأي عبد الوهاب في التشخيص لمنصف المرزوقي في ضوء الأطروح المعاكس.

عبد الوهاب بدرخان: بالنسبة للجملكية، أولاً حاولت أن أترجمها، يعني هنقول لأنه صار مصطلح علمي ما قدرت، لأنه يبدو هذه الشغلة عربية هتبقى مصطلح عربي.. ويعني على أي حال فيه محاولات جملكية في.. في مناطق أخرى إنما مادامت وقتاً طويلاً وأحياناً..

خالد الحروب [مقاطعاً]: يعني..

عبد الوهاب بدرخان [متابعاً]: ما نجحت.

خالد الحروب: إذاً هي إضافة نوعية في العلوم السياسية لمنصف المرزوقي إحنا أضفنا مفهوم جديد موجود في العالم كله.

عبد الوهاب بدرخان [مقاطعاً]: العالم العربي.

منصف المرزوقي [مقاطعاً]: الديكتاتوريات هي التي أضافت، أنا ما أضفت شيء.

عبد الوهاب بدرخان [متابعاً]: مساهمة عربية في تطوير علم السياسة وفي تطوير العمل السياسي من ناحية يعني إذا أردنا أن نحلل هذه الظاهرة ليس فقط العامل الخارجي هو الذي يبررها، لأن هذه الأنظمة كما يشرح المنصف أيضاً وكما.. نعرف نحن لم.. لم تنجح على أي حال في مهمتها الأساسية، اللي هي أن كيف ترد الخطر الخارجي؟ كيف.. كيف تتعامل مع الخطر الخارجي؟ كيف يمكن أن تقيم علاقات حتى سوية مع العالم بشكل أنها يكون لها أصدقاء بمقابل ما لها من أعداء؟.. يعني أين أصدقاءنا اليوم؟ ولا أي.. وليس لنا أي وزن دولي كعالم عربي في.. في الوقت نفسه، كيف يمكن أنت إذا كان هدفك أن تواجه الضغوط الخارجية، كيف يمكن أن تواجه الضغوط الخارجية من دون أي جسم، من دون أن يكون جسمك الداخلي يعني عنده الآن شيء من المناعة؟ شيء من القوة؟ لحتى يساعدك.. هذه الأنظمة عملياً تدعي أنها يعني نقيض الضغط الخارجي تدعي أنها يعني تستمد هذا النوع من السلطة أو تريد إدانة مثل هذه السلطة لأن هناك ضغوط خارجية ولكن هي تعيش أيضا على الخارج ،الخارج هو الذي يعيش مثل هذه الأنظمة لأنها تلبي كل طلبات الضغوط الخارجية ولا ترفض شيء على حساب الشعوب من هنا يعني إهمال التنمية إهمال أن يكون هناك تطور بشري بالنسبة للعمل السياسي هذا أكبر فشل أنا بالنسبة لي...

خالد الحروب [مقاطعاً]: يعني..

عبد الوهاب بدرخان [متابعاً]: بالنسبة لي.. عفواً خالد أكبر فشل في أي نظام يريد التوريث المباشر من.. من الأب إلى الابن، هو فشل لهذا النظام.. أكبر فشل لهذا النظام .

خالد الحروب: منصف في هذا العنوان هنا تقول: "أين أخطأنا الطريق، فانعطف المسار نحو المستنقعات والرمال المتحركة هناك فكرة أساسية مهمة الحقيقة وتحتاج إلى نقاش حتى أيضا من الناحية المعرفية والعلمية تقول: "هل نحن أخطأنا الطريق أم أن الطريق الذي نمر فيه الآن هو حتمي وتاريخي"، دول ناشئة صحيح أصبح لها نصف قرن من الاستقلال، لكن بمنظار تاريخي ما زال هذا عمر بسيط في عمر الدول، فهي حتما عليها لابد أن تمر في هذا التاريخ أن تتعثر، تخطئ، تستبد، تفشل، إلى آخره وهناك طريق آخر الذي أنت تتبناه في الكتاب وأنت تقول: "كلا، صحيح هذا الطريق أوَّلي لكن بسبب سوء قراراتنا نحن، بسبب أشياء نحن قررنا فيها واتخذناها".. الآن من ناحية علمية وأيضا سياسية، في العلوم السياسية ربما يقول لك البعض هذا مسار تاريخي تمر فيه كل الدول الناشئة ونحن نجلد ذاتنا زيادة عن اللزوم في هذا الإطار.

منصف المرزوقي: أولاً أنا ضد عملية جلد الذات، أنا أعتقد إنه كل هذه دروس يجب أن نتعلم منها وعلى كل حال التاريخ لم ينتهي.. إحنا عندنا 14 قرن ورائنا ومازالت عندنا عشرات القرون أمامنا ويجب أن نتعلم من أخطائنا.. أنا ضد كل ما عنده علاقة بجلد الذات، لكن أيضاً عندي.. أعتبر أنه المنهجية في التعامل مع القضايا دائماً منهجية غالطة مثلاً، إحنا نفكر دائماً أبيض أو أسود إنه فيه سبب واحد بينما في عديد من الأسباب إنه إحنا نحاول دائماً وأبداً أن نبرر.. لا أحد يطالبنا أن نبرر ليكفي من التبرير لنحاول أن نفهم، لنحاول أن نفهم.. لا، لا نريد تبرير.. أنا لا أتهم أحد ولا أتهم نفسي ولا أتهم حتى هذه الديكتاتورية.. أنا أريد أن أفهم، ما الذي وقع حتى لا نكرر هذه الأخطاء؟.. عندما تقول لي إنه كان الطريق حتمي.. كيف.. كيف يمكن أن نتثبت من هذه النظرية؟ يجب أن نعود بعد.. يعني يجب أن نرجع في التاريخ مئة سنة ثم نرى هذه.. هذه الأمة يمكن أخذ.. أن تكون أخذت طريقها.. يعني لا يمكن أن نتثبت من هذه النظرية، لكن عندنا إمكانية المقارنة مع شعوب أخرى، مثلاً خد الشعب الياباني.. الشعب الياباني كان تقريباً في نفس الوضعية التي كنا نحن فيها في بداية القرن التاسع عشر.. هذا الشعب الآن وصل إلى قمة المجد وقمة القوة، لماذا؟ لأنه أخذ قرارات مختلفة عن الخيارات التي أخذناها مثلاً في قضية اللغة.. هذا هم الناس لم يقولوا نحن سنتعلم اللغة الأجنبية.. قالوا نحن سنبقى على لغتنا وسنترجم كل ما هو موجود إلى لغتنا نحن ذهبنا لنتعلم اللغة الأجنبية باعتبار إنه ها.. ذاك هو الطريقة الحديثة وكانت الكارثة هو أننا ضيعنا اللغة العربية وضيعنا اللغة الأجنبية.. الخيار.. خيار اليابانيين في أنهم لا يفقهوا.. لا يتعلموا أي لغة أخرى وإنما يترجموا كل ما هو موجود كان خياراً جوهرياً..

خالد الحروب [مقاطعاً]: لكن ما.. إذا سمحت..

منصف المرزوقي [متابعاً]: هذا ما هو.. عفواً..

خالد الحروب [مقاطعاً]: قد يقول البعض، إنه المقارنة باليابان صحيحة من جهة، لكنها أيضاً مطعون فيها من جهة أخرى، أن الخارج.. العامل الخارجي مرة أخرى من أصحاب مقولة العالم الخارجي.. خف العالم الخارجي.. خفف ضغوطاته على اليابان بل العكس.. اليابان تحالفت مع العالم الخارجي وهو أتاح لها فرصة التقدم، بعكس الوضع العربي.

منصف المرزوقي: أنا مختلف تماماً لأنه.. لأنه اليابانيين أيضاً خيارهم.. كان عندهم خيار آخر وهو.. هو أن يتعلموا من الغربيين ولا يبقوا في تلك العقدة النفسية التي مازالت وهو أنهم ولا أصحاب حضارة ولكن لأنهم قالوا إحنا تلامذ.. تلامذة هذا الغرب وسنتعلم منه وسنتفوق عليهم.. كان هناك.. كان هناك خيار حضاري وخيار سياسي.. إحنا فشلنا في هذين الخيارين.. إحنا فضلنا التبعية وفضلنا التعلم عن الآخرين وتفضل.. يعني هذه خيارات كانت.. ثم أخيراً النظام السياسي الكواكبي اللي أنا أعتبره واحد من.. يعني أكبر عالم في الفكر السياسي العربي وضع.. يعني وضع الإصبع على موطن الداء.. أنا لا، لا أقول شيئاً جديداً أنا أعيد وأكرر ما قاله الكواكبي طيب، من قرأ للكواكبي؟ من.. من تعلم من الكواكبي؟ ولا أحد، إذاً هناك.. كانت هناك أخطاء جسيمة.. الكواكبي نبهنا إلى ما سنصل إليه وفعلاً أعيدوا قراءة هذا الرجل وستكتشفون أنه قال كل شيء.. نحن نردد فقط ما قاله.. يعني هو وضح لنا الطريق وقال: "إذا مشيتم في هذا الطريق -وهذا الطريق الاستبداد أياً كان القناع- فإنها ستكون الكارثة".. من استمع إليه؟ نحن الآن في الكارثة، هل سنتعلم الآن في تجربتنا؟

خالد الحروب: نعم.

منصف المرزوقي [متابعاً]: وهل سنعود إلى تكرارها؟ هذا هو الموضوع.

خالد الحروب: بعد فاصل، قصير سوف أسأل عبد الوهاب حول عنوان خراب المشروع الإصلاحي، إنه كيف المشروع الإصلاحي من الخرابات المختلفة -إذا جازت صيغة الجمع-.. خراب المشروع الإصلاحي، كيف إنه المشروع الإصلاحي نفسه سواء كان إسلامي أو قومي أو نضالي أو غيره أو عصري حديث فشل في الدولة العصرية وأنت تشير إلى تونس.. وسوف يكون هذا بعد الفاصل، أعزائنا المشاهدين، نتواصل معكم بعد هذا الفاصل القصير.

[فاصل إعلاني]

خراب المشروع الإصلاحي

خالد الحروب: عبد الوهاب أسألك حول خراب المشروع الإصلاحي، قد يقول قائل أن هناك مبالغة في الوصف، الدولة العربية ليست بهذا الفشل، هناك نجاح، هناك فشل طبعاً، لكن هناك أيضاً نجاحات يجب أن نذكرها، هناك نسبة التعليم المرتفعة، هناك الأوضاع الصحية تحسنت، إذا عدت إلى نصف قرن سابق من بداية نقطة الانطلاق إلى الآن، يعني هناك أوجه نجاحات ولو متواضعة هنا وهناك لا تستأهل كلمة الخراب على مختلف الصعود، أيضاً المنصف يذكر في الكتاب بشأن التجربة التونسية، يذكر مثلاً أن على صعيد حقوق المرأة، على صعود المرأة التونسية، حققت تقدم كبير حتى قياساً بتجربة المرأة العربية بشكل عام، التعليم الابتدائي كان إلزامي وهذا أدّى إلى رفع نسبة التعليم بشكل عام مما خفض نسبة البطالة حالياً وغير ذلك، فأيضاً هناك إضاءات يجب أن نذكرها على خلاف ما يذكر منصف.

عبد الوهاب بدرخان: يعني بطبيعة الحال هناك إنجازات حصلت، أنا اعتبرها الحقيقة في.. يعني لا أبالغ إذا قلت تسعين في المائة منها، إما وليدة صدفة وإما وليدة مرور رجالات شرفاء.. يعني لمرور عابر في هذه الدول، في دول أخرى مثلاً دول الخليج توفر النفط والمال كان لابد أن يظهر أيضاُ في الشارع عمراناً وأسفلتاً وغير ذلك وتقدم النحو.. نحو التعليم، إنما هذه الأنظمة ولدت أصلاً في..بعاهات كبيرة وكان من الضروري أن يبدأ الإصلاح منذ زمن كبير، الآن هناك ظرف دولي يلح على كل الدول بالإصلاح، تقرير التنمية البشرية يعطينا أرقاماً.. يعني بمقاييس هذا اليوم.. يعني نحن نتكلم عن أمور بالنسبة للمعالجة الصحية وغيرها.. يعني تنتمي إلى نصف قرن وكان من الطبيعي أن دولة الاستقلال، مثل أن تأتي بشيء من المستشفيات أن تبني بعض المدارس، المشكلة في الإصلاح اعتقد على المستوى العربي ولا أريد أن أطيل هي أن من خرب لا يستطيع أن يصلح وهذا يعني يختصر كل شيء، المنصف يشرح ذلك وأنا أؤمن بذلك منذ زمنً بعيد الاعتماد على نفس الأشخاص الذين غرسوا ببذور الخراب كما يسميه لا يمكن أن يؤدي إلى الإصلاح الآن.. يعني نحن نشهد حالياًُ ظاهرة خطيرة جداً، الولايات المتحدة مثلاً تلح على الإصلاح على نفس الأشخاص الذين تشكوا منهم، على نفس الأنظمة التي تشكو أنها...

خالد الحروب [مقاطعاً]: الذين أحدثوا الخراب.

عبد الوهاب بدرخان [متابعاً]: أن هي اللي أحدثت الخراب ومن دون شك أن هذه الأنظمة التي ستتولى الإصلاحات، ستقوم بإصلاحات تخريبية أو بتخريبات إصلاحية.

خالد الحروب: أي نعم، منصف، بنفس هذا السؤال لكن أضيف عليه ما يلي، أن هذا ما تسميه الخراب للمشروع الإصلاحي وتنسبه إلى النظام السياسي، النظام السياسي العربي هو المسؤول رقم واحد على هذا الخراب والآن عندما تناقش مثلاً المسألة، الحالة التونسية تقول أن هناك ثلاثة أسباب للمأزق، المسار السياسي والديمقراطي الحالي، منها النظام السياسي، منها الإسلاميون نفسهم، منها الديمقراطيون أذن أنت توزع المسؤولية على ثلاثة جهات، بما يبرأ ساحة النظام السياسي على الأقل من ثلثي المسؤولية، هل أنا فهمت؟

منصف المرزوقي: لا، في قضية الخراب أنا أريد أن أركز على أهم خراب أحرزه هذا النظام وهو الخراب المعنوي والروحي.. يعني هذه أنظمة أهانت الإنسان العربي، أذلته بكيفية رهيبة، عندنا أربعين ألف سجين سياسي حالياً، مئات الآلاف مرت على غرف التعذيب، الكذب المتواصل، الضحك على الناس، يعني كل هذا أدَّى إلى خراب معنوي وخراب روحي والعربي أصبح يحتقر نفسه، لأن هؤلاء الناس يحتقرونه، أصبح يحتقر نفسه لأنه لا يستطيع رد الفعل، أصبح يحتقر نفسه لأنه.. أدائه الباهت أدَّى إلى احتقار الشعوب له أنا أحمل تلك.. هؤلاء الناس مسؤولية الخراب المعنوي والروحي وهذه أكبر جريمة لأنها جريمة أخلاقية في حق شعوبنا، أنهم هذا الكذب، هذا الاستهتار بهؤلاء الناس، هذه الانتخابات المضحكة، يعني هذا التواصل في التضليل، التعذيب، الإرهاب، هذه الجيوش البوليسية الموجودة في الشارع التي ترهب المواطنين، التي تخوفهم تعيشهم في الخوف هذا كله خرب قيم الكرامة، قيم النَّخوة، أنه أصبحت الناس تخشى أن.. يعني تعاون إخوانها وهذا بطبيعة الحال الإنسان الذي يخشى من هذا يرد الفعل على نفسه...

خالد الحروب [مقاطعاً]: هذا خراب.

منصف المرزوقي [متابعاً]: هذا خراب معنوي وروحي.

خالد الحروب [مقاطعاً]: منصف، لو سمحت لي.

منصف المرزوقي [متابعاً]: نعم.

خالد الحروب: هذا كلام كله مقبول لكن أيضاً هناك جزء بالممارسة السياسية والثقافي والاجتماعي، غير رسمية من المعارضة من الثقافة السائدة إلى آخره، ربما قال لك.. قال أيضاً استناداً إلى ما ذكرته في الكتاب على سبيل المثال التغيير الذي حصل في تونس في نوفمبر 1987 وفي الخطاب الرياسي كان هناك تعهد بإنهاء الرئاسة.. الرئاسة مدى الحياة، تعهد بفتح الحريات الصحفية، التعدد الحسبية، كل ذلك، لكن الأجواء العامة لم تساعد هذا التغيير على أن يستمر، ربما قال قائل أن الموقف.. موقف المعارضة بأطرافها المختلفة إسلاميها وديمقراطيها لم يعطي فرصة لهذا التغيير حتى ينفذ الوعود الذي جاء به.

منصف المرزوقي: لا، هذا الكلام غير مقبول، يعني أنت بطبيعة الحال أنت تلعب دور محامي الشيطان وهذا شيء أفهمه لكن في نفس الوقت هذا الشيطان.. هذا المحامي الآن لا يستطيع يدفع عنه، لأن هذا الشيطان الذي هو الاستبداد في تونس هو سبب الانهيار، الروح المعنوية لشعبنا سبب انهيار المؤسسات، سبب وضع مؤسسات مزيفة وهذه ظاهرة جديدة في هذه الأنظمة الاستبدادية أنها عندما فشلت في الوقوف أمام الديمقراطية قالت سنزيفها.. تصور وإحنا عندنا انتخابات تعددية رئاسية، تعددية المرشح يختاره الرئيس المعين وهو يقوم بادعائه للرئيس المعين.. يعني لا يقوم بادعائه لنفسه، إنما يقول انتخبوا هذا الشخص.. يعني درجة التزييف التي وصلنا لها...

خالد الحروب [مقاطعاً]: لكن هذه الصيغة أيضاً، حتى نطرح وجهة النظر الأخرى هناك صيغة يعني بررت بأن هذه صيغة الديمقراطية التونسية، كما كان الخطاب الرسمي آنذاك الحكومة يقول أن هذا النوع ليس علينا أن نستورد الديمقراطية الغربية بكل مفرداتها وتطبيقاتها...

منصف المرزوقي [مقاطعاً]: لا هذا إلا...

خالد الحروب [متابعاً]: بعرف، إذا أشركنا عبد الوهاب في هذه المسألة.. يعني أيضاً مسألة ما هو شكل الديمقراطية؟ لماذا ينتقد أي شيء كالمشروع الديمقراطي العربي؟ وإذا...

عبد الوهاب بدرخان: أنا أريد أن أعود فأنطلق من مسألة الإصلاحات.. يعني واضح جداً في أي إصلاح أنَّك يجب أن تشنأ دولة القانون، أنا لا أرى أي دولة من دولنا الآن مؤهلة لأن تكون دولة قانون للأسف، لأنها لم تأسس لذلك.. يعني المسألة لا يمكن أن تكون بين يومٍ وآخر، المسألة الأخرى، مؤسسة الفساد التي تحمي السلطة وتؤمن لها الولاء وتؤمن لها الحماية، سواء عبر أجهزة الأمن أو عبر مجموعة الموالين.. بالانتهازيين، هذا التعيش على الفساد سواء بالنسبة للدولة وللموالين لها، يمنع أي إصلاح، من هنا أن الدخول بموضوعة الديمقراطية، كيف يمكن أن تكون.. يعني لا يمكن أن تكون الديمقراطية الآن بعمل المجتمع وثقافته، ليس هناك ثقافة ديمقراطية كافية في كل مكان أحياناً، ليست هناك ثقافة ديمقراطية على الإطلاق، في الوقت نفسه.. يعني هناك رفض للخارج وكأنهم مثلنا، الآن أصبح الموقف أنك تساند المُسْتَبِد.. أن تحاكم المُسْتَبِد، أصبح موقف وطني ضد الدعوات الديمقراطية الآتية من الخارج. نعم، أنا أرفض كل سياسات جورج بوش إنما جورج بوش عندما يتكلم عن الديمقراطية، يتكلم عن مصلحته، هذه مصلحة ليه، أنا لا أرفض المبدأ ولا أرفض الموضوع، إنما أرفض أن يَدَّعي شخص أو دولة مثل الولايات المتحدة أنها الآن أصبحت تنادي في العفة في أنها هي التي تحمي كل العرب، فهذا الموضوع.. موضوع الديمقراطية يعني.. هو مشروع داخلي، وطني، اجتماعي، ليست الدولة معنية به أيضاً...

التأسيس على قيم إنسانية... حقوق الإنسان والديمقراطية

خالد الحروب [مقاطعاً]: ويجب أن يتم التأسيس وهذا ينقلنا إلى فكرة التأسيس، منصف تقريباً، الذي يقرأ الكتاب يخرج بخلاصة بعنوانين، اللي هي حقوق الإنسان والديمقراطية يجب أن يكون التأسيس منطلقاً ومعتمداً على قيم إنسانية، الإنسان وكرامة الفرد، ما الذي.. كيف نؤسس لهذا التأسيس؟ كيف يمكن أن نحدث هذا التأسيس في المجتمعات العربية؟ كما تذكر في الكتاب.

منصف المرزوقي: أولاً، إن قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان، أخشى أنه صارت.. أصبحت يعني نوع من النغمة التي تعوَّد عليها الناس وربما أخشى أن يمجوها.. أن يكرهوها وخاصةً إحنا عندنا في تونس، هي الأيدلوجية الرسمية للدكتاتورية، الدكتاتورية في العالم العربي، في الشرق، قومجيه أو إسلامية، في تونس وفي المغرب العربي، دكتاتورية الأيدولوجيا الدكتاتورية هي الدكتاتورية وحقوق الإنسان يجب تفكيك هذا المفهوم حتى يفهم الناس ماذا نعني بهذه العملية، الفكرة الأولى في الديمقراطية، هو أن هناك حق لا يمكن أن يناقش فيه أحد، هو حق الناس، فاختيار من يحكمهم عبر انتخابات حرة ونزيهة هذا أول وأكبر حق، الفكرة الثانية، هو أنه لكل إنسان الحق في حريَّة الرأي والتعبير دون أن يُتَّهض وفي.. وللفكرة الثالثة، هو أن لكل حق الانتماء إلى مجموعة تدافع عن حقوقه، عن حزب، عن النقابة، إلى آخره دون أن يودع في السجن. وأخيراً، كل تونسي وكل عربي له الحق في قضاء مستقل لأن إحنا المصيبة الكبرى الآن هي القضاء المستغل، يعني أنا دائماً أقول الفرق مابين الجنة والنار، هو هذا القاف والغين إذا انتقلنا من القضاء المستغل إلى القضاء المستقل، فأن ذاك سنكون.. يعني قد حققنا خطوة لكن أريد أن أنبه الناس هو أن نحن فعلاً في فترة تأسيس الناس، لا تنتبه مثلاً إلى كونها فعلاً نحن لا نستطيع أن نغيِّر حُكَّامنا، الآن هم يتوارثوننا كالبعير وكالبقر وملوك إلى آخره.. يعني هذا ركن من الديمقراطية لم نستطيع إلى حتى الآن التحصل عليه، كذلك نقف عندما نقف أمام القاضي أننا نعلم أننا نقف أمام موظف من موظفي الاستبداد وأريد أن أحمل القضاة العرب والقضاة التونسيين مسؤوليتهم فيما يحدث الآن وأذكرهم بأنه إذا كان المثل يقول: "قاضي في النار وقاضي في الجنة" فإن الاستبداد جعل اليوم من هذه المهنة مهانة ولا هم أن يفيقوا ولا هم يعني أن يتحملوا مسؤوليتهم، لكن ناس تجهل أنه مثلاً الركن الثالث للديمقراطية.. اللي هو حق الرأي والتعبير، أصبح نمتلكه ولا أقول نحن في ثورة تأسيس يعني قضية حق الرأي والتعبير لسنا في مرحلة أبيض أو أسود، نحن الآن نتمتع بحق الرأي والتعبير، في الفضائيات في السعودية، الناس تتحدث في تونس، الناس تتحدث في سوريا، الناس تتحدث، أصبح اليوم المحروم من حق الرأي والتعبير هو الدكتاتور، لأن هذا الدكتاتور المسكين بين ظفرين، الآن لا يستطيع أن.. التوجه إلى الشعب عبر التليفزيون لأن الناس كلها تضحك عليه، لا يستطيع.. لا أحد يقرأ جرائده، الدكتاتور العربي قال واحد وواحد يساوي اثنين، الناس كلها ستقول واحد وواحد تساوي 11.. يعني الآن أحنا تمكنا من حق الرأي والتعبير...

خالد الحروب [مقاطعاً]: إذا.

منصف المرزوقي [متابعاً]: استنا.. عفواُ.. حق التنظم أيضاً، أين هو الحزب الحكام الذي يستطيع الآن أن يقطر النقابات، هذا انتهى بحيث صورة تأسيس نحن مشينا فيه نصف الخطاوا.. لم يبقى لنا إلاّ افتكاك الحقين حق، يعني حق تغيير حكامنا وحق القضاء المستقل، بدأنا في هذه العملية ويجب أن نقودها بحكمة إلى منتهاها.

خالد الحروب [مقاطعاً]: نعم.

منصف المرزوقي [متابعاً]: وهو حسب رأيي، وصولنا إلى وضع النظام الديمقراطي ودولة القانون وأنا متفق معك، أنه كل شيء يبدأ من إرساء دولة القانون.

خالد الحروب: هل هذا الكلام جميل، ربما لا يختلف عليه اثنان يعني أي قارئين هيك يطالع الكتاب قد يتفقوا لكن المشكلة التي ربما لا يجدها كثير، قد لا يجدها بعض القراء في الكتاب هي كيف.. عبد الوهاب يمكن أن ننتقل إلي هذا التصور الجميل؟ اللي هي دولة القانون ودولة الكرامة ودولة الديمقراطية، دولة التداول على الرئاسة وغير ذلك هذا لم نجده في الكتاب إلى حد ما.

عبد الوهاب بدرخان: لا موجود في الكتاب، لأن المنصف منهجيته الأساسية في الإصلاح هي أن انطلاقة من حقوق الإنسان، أنت إذا الحاكم إذا اعترف بأن هؤلاء الناس الموجودين في هذه البلد الشعب يعني.. ناس، بشر لهم حقوق عندهم قوانين تحميهم، عليه واجب حمايتهم من خطر خارجي وخطر داخلي.. يعني الأول هيك إذا بيفكر بهذا الشكل، بيكون بدأ هو بإصلاح نفسه اعتقد أن البداية هي بتغيير مفهوم السلطة، أي غرض للسلطة، لماذا السلطة موجودة في العالم العربي؟ هل هي للتسلط على الناس ولحماية فقط من يستطيع أن يكون من.. يعني المحظيين بالفساد؟ أو لا هناك دساتير، هل في ظنك، إذا نظر سريع هل نستطيع القول أن الدول العربية تحترم دساتيرها؟ هل يتحكم الدستور بالقوانين التي تصدر من وقت إلى أخر لتنظيم الحياة السياسية في تونس في لبنان في أي مكان أخر؟.. يعني نحن نعرف أن هناك تعديلات دستورية، تعديلات قانونية للتوريث حصلت بدقائق وحصلت وليدة الصدفة وليدة استشارة قبل الظهر وحصل التعديل بعد الظهر ..يعني مثل هذه العشوائية في أخذ الناس على حين غرَّا وفي التصرف إلى مصائر الناس.. يعني يجب أن يكون هنالك مكان، المشكلة أنه ليس فقط في التوريث إنما في أن الشباب الذين يرثون آبائهم.. يعني هم أحياناً.. يعني يأتون بلا تجربة ويأتون بما هو ألعن.. يعني بتراث أو بممارسات ألعن لأنهم يريدون أن يعني يريدون أن يُثَبِّتوا...

خالد الحروب [مقاطعاً]: هل أنت... استبداد غير خبير.. على الأقل كان هناك استبداد خبرة وتجربة.. صحيح.

عبد الوهاب بدرخان [متابعاً]: يعني المنصف يشير مثلاً، عندما يتحدث عن الجمركية وهو بدأ يميل إلى الملكية من يأسه من الجمهوريات، ليس جمهوري حتى الآن، يقول: "أن هو لا يتصور مثلاً أن أي حاكم في الخليج ولا الملك.. السعودية يتمتع بصلاحيات كالتي منحها صدام حسين لنفسه".. يعني هذا السؤال أو هذه الملاحظة بليغة.. فالمهم...

خالد الحروب د [مقاطعاً]: بليغة ولكنها تدلل على عمق المأساة الحقيقة.

عبد الوهاب بدرخان [متابعاً]: نعم.

خالد الحروب [مقاطعاً]: أن يصبح الارتداد من الصيغة الجمهورية إلى الملكية، بأن هذا أفضل.. يعني مقارنةً بسوء...

منصف المرزوقي: لا هو فشل برامج الجمهورية، فعلاً لم نستطع أن نضع جمهوريات لكن الآن واجبنا هو أن نضع هذه الجمهورية الحقيقية ولكن الجمهورية لا تقع إلا على دولة القانون إلا على التداول على السلطة إلا على الحريات العامة.

خالد الحروب [مقاطعاً]: منصف أسألك.

منصف المرزوقي [مقاطعاً]: نعم.

تشابه عدوك من طول ما حاربته

خالد الحروب [متابعاً]: تذكر في الكتاب، الحقيقة.. وهذه إشارتين أو أكثر من إشارة تستحق الإشادة ربما يتفق معي عبد الوهاب أنك أيضاً تنتقد نفسك، يعني لا تستثني نفسك عندما تتحدث عن ثقافة مثلاً أحيانا العصبية والاستبداد والكذا.. وتقول نحن جميعاً وتستشهد بفرويد، أن تقول أنك "تشابه عدوك من طول ما حاربته" وتصبح تقريباً مشابه له، تقول هنا السؤال الأساسي أن التداول على السلطة في المنطقة العربية إذا حدث، سواء بانقلاب أبو بغير انقلاب وجاء بالديمقراطيين أو المعرضة إلى السلطة لا نرى إلا تكرار لنفس الحاكم المستبد الذي أطيح به وأنت تقول: "أن من أهم المفارقات أن النظام الديمقراطي سيبنى بأنصاف وأرباع ديمقراطيين لأنهم يحملون داخلهم مخزون الاستبداد وموروثاته" ولاحظنا في أكثر المنطقة عربية عندما تأتي المعارضة إلى الحكم هي مجرد تدوير للتجربة ذاتها، لتجربة.. فهنا الخوف الذي يطرح السؤال التالي إذن، ما الجديد إذا جاءت هذه المعارضة؟ وإذا إحنا كنا نعترف بأن في داخلنا جزئيات وهوامش من الاستبداد فسوف نكرر نفس التجربة.

منصف المرزوقي: أنا أقول لك، أنه في الغرب.. اعتقد أن الغرب نفسه تحكمه أنصاف الديمقراطيين وأرباع الديمقراطيين لأنه.. أن الحكام الغربيين ليسوا ديمقراطيين بالطريقة التي يتصورونها، لأنهم مع الديمقراطية في بلدانهم ومع الاستبداد في البلدان الأخرى، الديمقراطي الحقيقة هو مع الديمقراطية في كل مكان، نلسون مانديلا يقول: "الإنسان الحر الإنسان الديمقراطي هو من يدافع عن الحرية والديمقراطية في كل مكان" بحيث لن تكون ظاهرة بالنسبة لنا، المهم أنه نفهم أنه إذا وضعنا نظام سياسي جديد، يجب أن تكون هناك قواعد جديدة تحمينا من أنفسنا وتحمينا من بعضنا البعض.. يعني يجب أن ننطلق.. أن إحنا أطفال الاستبداد والاستبداد هو الذي قادنا إلى التهلكة، لابد أن نضع قواعد لعبة جديدة تحميني منك وتحميك مني ونحمي بعضنا من بعض وهذا لا يكون إلا بالقانون، إذا وضعنا القانون يفرز التداول على السلطة يفرز حرية الرأي والتعبير لأن.. إذن حرية النقد فإن هذا بطبيعة الحال سيحل مشاكلنا، مثلاً أنا أقول لك الفساد.. لن يختفي الفساد إذا جاءت أنظمة ديمقراطية، لأن الفساد من طبيعة الحكم و طبيعة البشر ضع يعني الناس والسلطة ومال بالضرورة سيكون لك شيء من الفساد لكن إذا كانت هناك حرية حقيقية إذا كان هناك قضاء مستقل، إذا كانت هناك قواعد لعبة فإنك ستستطيع أن تحد من هذه الظاهرة.. يعني مثل الحشائش المضرة التي تنبت ثم تقتلعها وهي تواصل النبات وأنت تواصل الاقتلاع يعني عندك آلة لحصد هذا النبات، المشكلة الآن نحن لست.. ليس لنا أي أداة لحصد هذه العشب المضر.. إذن، مع كون أنصاف ديمقراطيين وأثلاث ديمقراطيين ومجتمعنا غير ديمقراطي إذا وضعنا قواعد لعبة، تحمينا من بعضنا البعض وتحمي الشعب منا إلى أخر فأن ذاك قواعد اللعبة هي التي ستحدد المصير.

التأسيس لمستقبل عربي أفضل

خالد الحروب: نعم عبد الوهاب، ربطاً بالذي تفضل به منصف المرزوقي وهنا في صفحة 143 يتحدث عن الخيار الثقافي ويركز أن الخيار الثقافي على المستوى المجتمعي والمستوى الممارسة غير الرسمية بعيدة عن النظام السياسي وأحياناً غياب مفهوم التعددية والاعتراف بالآخر أن هناك صراعات بعيداً عن النظام السياسي تكاد، يكاد يكون فيها الاعتراف بالآخر شبه معدوم أم إذا أنت خصمي السياسي أو العقائدي أو هذا، فهذا معناته أنت يجب أن تكون غير موجود على وجه البسيطة هذا أيضاً إشكالية عقب كأداء يعني في النزوع نحو التأسيس.

عبد الوهاب بدرخان: طبعاً، بدايةً إذا كان هناك أكثر من فئة في الشعب وأنت تعترف بالتعددية فإنك ستكون قد قطعت يعني مسافة كبيرة نحو الديمقراطية، أما إذا من الأساس هناك حاكم يعتبر نفسه فوق الجميع، ليس مطلوباً منه أن ينظر إلى تطوير النظام السياسي، تطوير ممارسات هذا النظام إلى الاعتراف بأن لكل فئة خصوصيتها، إلى إن التعديدية لها قوانينها كل ذلك أصلاً لا يصنع ثقافة.. يعني حيث هناك أقليات مثلاً في ثقافة متعددة، في ثقافة غنية للبلد تعطي البلد شيء من المناعة تجاه الاستبداد.. يعني في لبنان مثلاً لا يمكن أن نتخيل حكم استبدادي بالمعني التقليدي المعروف، يمكن أن يكون هناك حكم عسكري تابع لحكم عسكري خارجي مجاور بس ليس.. لا يمكن أن نتخيل حكم استبدادي خالص أكما في تونس، لأن المجتمع متجانس في العراق، حتى في العراق لم تنجح تجربة المستبد لأن هناك، لأنه لم يكن يعترف هناك بالتعددية كان يعتبر أن القومية العربية أو البعث هو الدين الوحيد والعرق الوحيد للجميع، التعددية هي بداية الاعتراف بالديمقراطية وبصنع ثقافة الديمقراطية.

خالد الحروب: منصف المرزوقي من مفردات التأسيس التي توردها أيضاً في أطروحة التأسيس لمستقبل عربي أفضل، فكرة تحقيق الاتحاد العربي وتقول أيضاً.. تركز على دور المجتمع المدني، دور الشرائح غير الرسمية دور الفعاليات الشعبية وغير ذلك في تحقيق اللبنات الأولى من هذا الاتحاد العقلاني غير مبني على الشعارات والديماغوجية، ربما يقول لك البعض أن هذه مرةً أخرى عودة إلى الأحلام والطوباوية للوحدة العربية وكل هذا الكلام الذي أصبح الآن في مرمى الهدف والكل ينتقده لا يصوب على اعتبار أن هذه خيالات وأحلام شعراء وأفكار غير عملية.

منصف المرزوقي: لا، أولاًُ أنا عروبي بالأصل وكنت عروبي على الطريق الناصرية لما كنت شاب إلى آخره، لكن الآن لازالت متمسك بالعروبة باعتبار أن هي الفضاء الوحيد والدليل على ذلك أن أحنا موجودين هنا لنتحدث، لا أتحدث مع للتونسيين ومع التونسيين إنما للفضاء العربي، الفضاء العرب هو ضرورة للكاتب ضرورة للمغني، ضرورة للتاجر، ضرورة للعامل وبالعكس هذه الأنظمة اللعينة هي التي هشمت هذا الحلم و تجزئه هي من مخالفات الاستبداد يعني نحن لم نصفي الاستبداد فسنصفي العديد من تركته الثقيلة ومن جملة كل هذه العراقية الذي أضعها أمام توحيد الفضاء العربي لكن هذا الفضاء العربي لم يتحد على طريقة الناصرية أو البعثيه أنه في قطب وفي دكتاتور وفي كذا لابد يتحدث هذا الفضاء العربي التي أتمنى وأحلم أن أراه قبل أن أموت، هو لن يكون إلا فضاء من دول ديمقراطية من شعوب ذات سيادة تجتمع ما بينها ما على طريقة النموذج الأوروبي ولهذا لا أتحدث عن التوحد الأوروبي لا.. وعن الاتحاد العربي واعتقد أنه لابد أن نحقق هذا الاتحاد لأنه سيكون من.. يعني مثل التشرد إن كان من عواقب الدكتاتورية بوجود أنظمة ديمقراطية تحترم أنفسها وتحترم إرادة شعوبها وتحترم مصالحها، ستجعلها تتقارب بينها وستبنى هذه الوحدة على خصائص احترام كل شعب بخصائصه بثقافته داخل الثقافة العربية وعلى سيادته وعلى أرضية وكذا لكن في إطار اتحاد في إطار فتح الفضاء على بعضه البعض وهذا شرط من شروط عودة الروح وعودة الوعي وعودة الكرامة للأمة.

الحصاد المر

خالد الحروب: باقي معنا تقريباً دقيقة وأريد أن يعذرني عبد الوهاب أن أسأل أيضاً منصف بملاحظة ختامية اللي في الحصاد المر، هذا تقريباً العنوان الأخير، تقول: "أن ليس أشق على نفس الكاتب من قراءة ما كتبه بالسابق" في سنوات سابقة وتنتقد نفسك انتقاد ينتزع الإعجاب في الواقع وتقول: "أن هذه المغامرة مغامرة القراءة ما كتبت سابقاً قد تغمرك مشاعر مضطربة إذاها من الحنك كل هذه الأخطاء أنا لا كتبتها ولا أنتبه إليها ومن الاستيلاء هل من الممكن أن أنا الذي كتبت كل هذه الرَّداءات، إلى غير ذلك، ربما يقول القارئ بعد خمس سنوات أو بعد عشر سنوات إذا قرأنا هذا الكتاب أوقد يكون موقفك لنفس الموقف من هذا الكتاب.

منصف المرزوقي: لا أضمن له أي شيء أنا لا أضمن لنفسي أي شيء، أنا أحاول وأجرب وكنت أقول للصديق عبد الوهاب أن أنا لست مُطالب ولا بالموضوعية ولا بالصحة ولا بالحقيقة أنا مطالب بالصدق.. بالصدق مع نفسي.. بالصدق مع قارئي وهذا ما أحواله في كل كتبي أنا أحب أن أكون صادقاً، أرجو من الله أن بعد ما يقرأ هذا الكتاب بعد سنوات، سيقال أنه على الأقل كان صادقاً في تحديده فقط.

خالد الحروب: بعد هذه الملاحظة أشكر وأعزائي المشاهدين شكراً لكم أيضاً على مرافقتكم لنا جليس هذا اليوم الذي كان كتاب من الخراب إلى التأسيس من تأليف الدكتور منصف المرزوقي الكاتب والحقوقي والسياسي التونسي الذي أشكره جداً على مشاركته معنا اليوم وأشكر كذلك صديقنا الأستاذ عبد الوهاب بدرخان الكاتب والناقد ونائب رئيس تحرير صحيفة الحياة في لندن وإلى أن نلقاكم في الأسبوع المقبل في جليس جديد، هذه تحية من فريق البرنامج ومني خالد الحروب ودمتم وبألف خير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة