مفاوضات بريطانية سرية مع مسؤولين في طالبان   
الأحد 1429/1/27 هـ - الموافق 3/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 14:36 (مكة المكرمة)، 11:36 (غرينتش)

- حقيقة المفاوضات ودوافعها
- أهداف المفاوضات وآفاقها


محمد كريشان: السلام عليكم. نتوقف في هذه الحلقة عند حقيقة ما أوردته صحيفة الديلي تلغراف اللندنية عن وجود اتصالات بريطانية سرية مع مسؤولين بارزين في حركة طالبان الأفغانية، رغم تعهد رئيس الوزراء جوردان براون عدم تفاوض حكومته مع من يسميهم الإرهابيين. وفي حلقتنا محوران، ما هي حقيقة وطبيعة الاتصالات التي أجرتها الإستخبارات الخارجية البريطانية مع طالبان؟ وهل تدخل هذه الاتصالات في إطار استراتيجية جديدة لاحتواء طالبان، أم لإحداث شرخ في صفوفها؟... لدى جوردان براون تفسيرات يقدمها لنا عن الاتصالات السرية التي أجرتها حكومته مع بعض قادة طالبان، هذه المساءلة لوّح بها أحد قادة حزب المحافظين المعارض في مجلس العموم البريطاني، وذلك على خلفية تقرير نشرته صحيفة الديلي تلغراف كشف عن لقاءات سرية أجرتها المخابرات البريطانية مع زعماء من حركة طالبان الأفغانية عدة مرات هذا العام.

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: خلافاً لنفي جوردان براون أي اتصالات لحكومته مع حركة طالبان، ها هي صحيفة الديلي تلغراف تميط اللثام عن سر مثير للجدل، محادثات خفية بين عملاء الـ (إم.آي.سيكس) وبعض قادة طالبان بدأت جولاتها منذ الصائفة الماضية. الهدف منها، حسب نفس الصحيفة، التوصل إلى سلام مباشر مع طالبان في مقابل تقديم النصح للمعتدلين فيها، أولئك المستعدين لوضع السلاح والإلتحاق بالعملية السياسية. تبدو البادرة المخابرتية، في حال صحّت أخبارها، غير بعيدة عن دعوة براون لإعادة النظر في كيفية التعامل مع الشأن الأفغاني. لم يقدّم الرجل تفاصيل، لكنه ساند عرض كرزاي المصالحة الوطنية على من يلقي السلاح من قادة ومقاتلي حركة طالبان. لاقت هذه الأفكار تحفظاً قوياً من قِبل واشنطن التي تعارض محاورة من تعتبرهم شركاء في هجمات سبتمبر، نفس الموقف ترددت أصداءه بين المحافظين البريطانيين الرافضين لأي صلة بطالبان عدا القتال، قتالٌ خلّف، حسب بعض المصادر، آلاف القتلى خاصة سنة 2007، التي اعتُبرت الأكثر دموية منذ انهيار نظام طالبان. ينذر ملف الحوار مع طالبان بجدل واسع، في حال اعترف براون بحقيقة محادثاته السرية، مما قد يطيح بخط أحمر، نادى بعض القادة العسكريين وبعض آباء الجنود القتلى البريطانيين بتجاوزه للضرورة، وقد يصل الأمر إلى دفع ثمن ما، كذلك الذي دفعه دبلوماسيان غربيان رحلتهما كابول بسبب لقاءات أجرياها مع بعض الطالبانيين. كرزاي برر قراره، بتهديد لقاءات من هذا القبيل للأمن القومي في بلاده، بينما فسّر الدبلوماسيان المرحّلان نشاطهما، بالسعي لفهم ما يحدث فعلاً على الأرض في أفغانستان. أرضٌ زارها رئيس الوزراء البريطاني وغيره من كبار المسؤولين الأوربيين للوقوف على نفس الأمر.

[انتهاء التقرير المسجل]

محمد كريشان: وكان الرئيس الأفغاني حامد كرزاي قد أكّد الشهر الماضي أن حكومته زادت من اتصالاتها مع قادة طالبان هذا العام بما فيهم زعماء يقيمون خارج أفغانستان.

[شريط مسجل]

حامد كرزاي/ الرئيس الأفغاني: في هذا الأسبوع وحده جرت أكثر من خمسة اتصالات رئيسية بيني وبين قادة طالبان في محاولة منهم لمعرفة ما إذا كان بإمكانهم العودة إلى أفغانستان، نحن مستعدون للحوار، ونحن نرحب بعناصر حركة طالبان الذين ليسوا جزءاً من القاعدة أو الشبكات الإرهابية.


[انتهاء شريط المسجل]

حقيقة المفاوضات ودوافعها

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة، من كابول الكاتب الصحفي حبيب حكيمي، ومن لندن جورج جونز المحرر الدبلوماسي في صحيفة الديلي تلغراف، أهلاً بضيفينا. لو نبدأ من لندن والسيد جونز، إذا ما تأكد خبر الديلي تلغراف، مالذي تريده لندن من هذه الحوارات السرية مع طالبان؟

"
ما تريده الحكومة البريطانية من حواراتها السرية مع طالبان التخلص من القاعدة وطردهم من أفغانستان، واعتراف من حكومة لندن بأنه لا يمكن تحقيق حل عسكري صرف في أفغانستان، إلا
بمحادثات سياسية
  "
جورج جونز

جورج جونز:
إن ما تريده الحكومة البريطانية هو محاولة إقناع الأعضاء من المستوى المتوسط والدنيا من طالبان للانضمام إلى جهود التخلص من القاعدة وطردهم من أفغانستان، في الوقت الذي يعتقد أن كبار القياديين في طالبان من المتصلبين والمتشددين ما زالوا يتعاونون مع القاعدة ومصممين على الإطاحة بحكومة كرزاي، إلاّ أنه في المستويات الأدنى من منظمة طالبان هناك مستويات أو أناس يريدون التعاون مع حكومة أفغانستان والتعاون مع قوات الأمن التابعة للناتو، وإذاً هذا هو الهدف. وهذا اعتراف أيضاً على الأقل من قِبل حكومة لندن بأنه لا يمكن تحقيق حل عسكري صرف في أفغانستان، بل لا بد أن يكون الحل فيه برنامج أو جزء سياسي ومحادثات سياسية. ومن المهم جداً أنه يبدو هذا الأسلوب أو التكتيك قد نجح على ما يبدو في العراق، حيث أن بعض من كانوا ضمن المتمردين في العراق أصبحوا الآن يتعاونون مع القوات الأميركية للتخلص من القاعدة وطردها من البلاد.

محمد كريشان: ولكن هذا البرنامج السياسي، كما تسميه، لا يلغي المواجهة العسكرية.

جورج جونز: كلا.. كلا لا يلغيه، ولكنه يسير جنباً إلى جنب سويةً. إن حكومة بريطانيا والأمم المتحدة ومسؤولي حلف الأطلسي، الناتو، يعتقدون أن هناك أناس كثيرون، إذا ما اعتقدت أنه إذا ماكانت قوات الأفغان والقوات الغربية استطاعت أن تطرد قيادة طالبان في أماكن كقلعة موسى، فإنهم قد يكونوا مستعدين للانتقال إلى الجهة الأخرى ودعم الحكومة وقوات الناتو، ولذلك في الوقت الذي يقول فيه جوردان براون رئيس الوزراء البريطاني، أنه ليست هناك مفاوضات مباشرة مع قيادة طالبان، ولكن هناك بشكل واضح محادثات في مستوى أدنى مع بعض قادة القبائل في أفغانستان، حيث تعتقد الحكومة أنه قد يستطيع إقناعهم بدعم حكومة أفغانستان. إذاً هناك معركة نفسية سيكولوجية ليقرر من سيفوز في النزاع الأفغاني، ولكن سنستمر في رؤية معارك جديدة وعمليات عسكرية بين متصلبين من طالبان وقوات الناتو.

محمد كريشان: بالطبع لندن لم تؤكد رسمياً إجراء هذه المحادثات بين عناصر أمنية وبين طالبان. بالنسبة للسيد حبيب حكيمي من كابل، إذا ما تأكدت فعلاً هذه المحادثات، من الذي تغيّر البريطانيون أم طالبان؟

حبيب حكيمي: أولاً، الكلام حول هذه المفاوضات ليس كلاماً جديداً، طبعاً الحكومة البريطانية في الآونة الأخيرة، خاصة على لسان جوردان براون رئيس الوزراء البريطاني في زيارته الأخيرة لكابل والأولى أيضاً، أكدت الحكومة البريطانية على استراتيجية جديدة تجاه حركة طالبان، وهذه الاستراتيجة تعتمد على تجزئة المستوى الدنيا من حركة طالبان، كما قرر المتحدث من لندن، من قادة طالبان ومن طالبان متشددين. والحكومة البريطانية، خاصة بعد سقوط موسق على يد القوات البريطانية والقوات الحكومية، تركز على أن المفاوضات مع حركة طالبان ستكون في المستقبل هي الاستراتيجية الأنفع بالنسبة للعمليات العسكرية لمطاردة طالبان من هذه المناطق. الحكومة البريطانية حالياً تتخذ استراتيجية مفاوضات بدلاً من الحسم العسكري، ولكن في نفس الوقت الحكومة البريطانية لا تنفي الحسم العسكري أو العمليات العسكرية في نطاق واسع، كما تتكلم عنها الحكومة الأفغانية أحياناً، وقوات الناتو، لطرد مقاتلي طالبان في هذه المنطقة، لأن حركة طالبان حالياً ليست حاضرة لإجراء المفاوضات على مستوى قيادتهم، على مستوى القيادة العسكرية لحركة طالبان والقيادة السياسية لحركة طالبان. يبقى هنا السؤال، من هم الطالبان المتشددون من وجهة النظر البريطانية ومن وجهة نظر الحكومة الأفغانية، لأن هناك غموض في تعريف حركة طالبان، من وجهة نظر البريطانيين والأميركيين وكذلك من وجهة نظر الحكومة الأفغانية، مرة أخرى نتكلم...

محمد كريشان (مقاطعاً): ولكن عفواً سيد حكيمي، أنت تفترض أن هذه المفاوضات تجري بضوء أخضر من القيادة، بالضرورة؟

حبيب حكيمي: أنا باعتقادي لو كانت هذه المفاوضات قد جرت، أو لا تزال تجري بشكل سري، معنى ذلك هناك حلقات داخل حركة طالبان، ربما، طبعاً هذه الحلقات غير معلن عنها ولا نعرفها تحديداً، ولا تعرفها الحكومة الأفغانية أيضاً، ربما هناك حلقات داخل حركة طالبان تتعامل مع البريطانيين وتتفاوض مع البريطانيين في هذه القضية، خاصة قضية هلماند، التي أصبحت قضية معقدة وسيطرة حركة طالبان دامت عليها مدة أكثر من عشرة شهور، وكذلك خلّفت آثار سلبية على سياسة الحكومة البريطانية، في فترة طوني بلير وبعد تخلي طوني بلير عن منصبه وفي مرحلة جوردان براون. الاتهامات التي وجهت لحكومة بلير آنذاك أعتقد الحكومة البريطانية الحالية برئاسة جوردان براون تريد أن تمسح هذه الاتهامات وتريد أن تمسح وصمة العار من جبين حكومتها الحالية. باعتقادي...

محمد كريشان (مقاطعاً): ولكن عفواً، إذا أردنا أن نعرف، وهنا أعود مرة أخرى إلى لندن، إذا أردنا أن نعرف حول ماذا بالتحديد تتفاوض لندن مع طالبان، هل يمكن أن نحدد بعض النقاط أو رؤوس الأقلام الأساسية؟

جورج جونز: أعتقد أن وزارة الخارجية البريطانية قالت، أنه من الصعب جداً أن أي شخص نبادله الحديث في أفغانستان لم يجر بعض الإتصالات مع طالبان أو بعض المشاركة مع طالبان. إن الهدف من هذه المفاوضات أنها لا تجري مع قادة طالبان وليست في سياق مفاوضات سلام أو هدنة رسمية أمنية، والعزم هو محاولة فصل من قيادة القاعدة وطالبان بعض زعماء القبائل والقوى الأخرى الذين قد يمكن أن يساعدوا في الأقل في عدم مقاتلة القوات الأفغانية والقوات البريطانية والناتو، وبالتالي محاولة زيادة أو تمديد نفوذ الحكومة الأفغانية في مناطق مثل محافظة هلماند. أن الحكومة البريطانية لديها خبرة كبيرة في التعامل مع المتمردين من هذا النوع، فقد كان لدينا ثلاثين سنة من النزاع في إيرلندا الشمالية عندما كان الجيش الجمهوري الإيرلندي هو الذي يقوم بالهجمات، وعندما كان جانبا الجيش الإيرلندي والحكومة البريطانية ينكران وجود مباحثات بينهم، كانت هناك ما يسمى بالقنوات الخلفية والإتصالات لإيجاد قاعدة لبعض الحل السلمي. وفي جميع الأحوال الحكومة البريطانية ليس لديها ما يكفي من القوات للبقاء أو لاحتلال أفغانستان، وكذا إن الإتحاد السوفيتي لم يستطع أن يسيطر على أفغانستان، وفي نهاية المطاف لا بد من التوصل إلى حل سياسي سلمي، وهذه أولى المحاولات لجس نبض إمكانية تحقيق السلام، ومحاولات تجري من قِبل لندن اعتقاداً أنها قد تفيد لدعم وكسب بعض الأشخاص لينضموا إلى الجيش الأفغاني.

محمد كريشان: هذه هي حسابات لندن. ماذا يمكن أن تكون حسابات طالبان، سيد حكيمي؟

"
باعتقادي ليس هناك مفاوضات بين قادة حركة طالبان والبريطانيين، لأن قادة حركة طالبان باستمرار يرفضون المفاوضات مع قوات الاحتلال حتى تخرج هذه القوات كلها من أفغانستان
"
حبيب حكيمي

حبيب حكيمي:
أولاً باعتقادي ليس هناك مفاوضات بين قادة حركة طالبان والبريطانيين، لأن قادة حركة طالبان باستمرار ترفض المفاوضات مع قوات الاحتلال إلى حد تعبيرهم، واليوم مجدداً المتحدث بحركة طالبان أكد على أنه ليست هناك مفاوضات حالياً، ولن تكون مفاوضات في المستقبل مع قوات الاحتلال في أفغانستان حتى تخرج هذه القوات كلها من أفغانستان جميعاً، نحن لسنا حاضرين للتفاوض مع أي قوة إحتلال. يبقى السؤال حول من هم الذين تسميهم الحكومة الأفغانية بطالبان معتدلين أو المستوى الدنيا من حركة طالبان؟ ومن هنا أريد أن أؤكد على أن الحكومة الأفغانية حتى الآن لم تستطع، لم تتمكن من تقديم تعريف واضح لحركة طالبان، من هم طالبان؟ مرة كرزاي يتكلم، خاصة في الشهور الماضية القليلة، مرات تكلم كرزاي لإجراء المفاوضات مع طالبان، دون تسمية قادتهم أو من يقودهم داخل أفغانستان أو خارج أفغانستان. وكرزاي قال بالحرف الواحد، إذا عرفت عنوان الملاّ محمد عمر أو قلب الدين حكمتيار أنا أذهب إليه وأتكلم معهم. وثم عاد في اليوم الثاني، على لسان متحدثه الرسمي، بأننا لن نتفاوض مع قادة حركة طالبان إنما أنا أردت _يعني كرزاي_ أنا أردت المفاوضات مع الذين هم يقاتلون بجانب حركة طالبان، دون أن يعرفوا حقيقة حركة طالبان....

محمد كريشان (مقاطعاً): على كلٍ والرئيس كرزاي، لو سمحت لي سيد حكيمي، السيد كرزاي ليس هو الوحيد الطرف الذي يُروى أنه يتفاوض، هناك أيضاً حديث، على الأقل، حسب صحيفة الغارديان البريطانية، منتصف هذا الشهر، هناك مفاوضات أيضاً وقنوات خلفية تجري، حتى مع بعثة الأمم المتحدة، وحتى مع الإتحاد الأوربي. على كلٍ سنتابع النقاش حول هذا الموضوع، لا سيما الهدف من وراء هذه المفاوضات المزعومة لحد الآن بين البريطانيين وطالبان، نتناول الموضوع أكثر بعد وقفة قصيرة، نرجو أن تبقوا معنا.


[فاصل إعلاني]

أهداف المفاوضات وآفاقها

محمد كريشان: أهلاً بكم من جديد. وحلقتنا تتناول ما نشرته صحيفة الديلي تلغراف البريطانية عن مفاوضات سرية تجري بين شخصيات أمنية بريطانية وبعض عناصر حركة طالبان. ضيفنا من لندن جورج جونز المحرر الديبلوماسي في صحيفة الديلي تلغراف، هذه المفاوضات أو هذه الاتصالات، على الأقل حتى نكون أكثر دقة، هل تعتقد بأنها ترمي بالأساس لترويض الحركة ككل بدل السعي إلى شق صفوفها؟

جورج جونز: كلا، لا أعتقد أن الهدف هو بالتأكيد تقسيم الحركة من الداخل ومحاولة إقناع بعض المستويات المتوسطة والدنيا من أعضاء طالبان، الذين على الأرجح، لم يرتكبوا جرائم مثلما فعل الملاّ عمر القائد الروحي لهم، ليعودوا إلى الجيش الأفغاني. أن جوردان براون رئيس الوزراء على خلاف مع طوني بلير، الذي أصبح الآن خارج منصبه، ملتزم بشكل أقل بالعمل العسكري، وقد عاد وقلل الوجود البريطاني في العراق، وأعاد عدد كبير من القوات إلى البلاد، والأمل أن كل القوات ستعود إلى الوطن بحلول نهاية السنة القادمة. والآن يرغب في اكتشاف محاولة حل دبلوماسي سياسي في أفغانستان بدلاً من الحل العسكري، وهذا يعني بالتأكيد محاولة أن يكسب العناصر المعتدلة داخل طالبان، وخاصةً أن الحكومة البريطانية تعتقد أنه إذا طالبان كانت.. إذا ما هُزمت، إذا لم تفز أو تنتصر في الحرب، فربما أن هناك أشخاص مستعدين لتبادل المواقع والخروج من طالبان. أنها معركة حاسمة تجري حالياً لكسب حب وقلوب الناس، ولكن هناك تهجير كبير في الاستراتيجية البريطانية بعيدة عن الإعتماد الكلي على الهيمنة والسيطرة العسكرية، والعودة إلى محاولة التوصل إلى بعض الحل السياسي، وهو ما يراه الكثيرون أنه الحل بعيد المدى لمشكلة أفغانستان. القوات البريطانية وقوات الناتو لا تستطيع أن تمسك البلاد، الإتحاد السوفيتي لم يستطع أن يحتفظ بأفغانستان وبالتالي لا تستطيع قوات الناتو أن تفعل ذلك، ولذلك هناك مساعي حثيثة الآن للتوصل إلى حل سياسي بعيد المدى.

محمد كريشان: إذاً بهذا المعنى هل يمكن، سيد جونز، أن نفهم بأن هذه الاتصالات تعبر عن نوع من الهزيمة، أو على الأقل، خوف من هزيمة عسكرية في أفغانستان؟ عندما نستمع إلى ساركوزي يقول لا يمكن للعالم أن يخسر الحرب في أفغانستان، عندما نتابع تقرير رويترز أخيراً، يروي شهادات لدبلوماسيين غربيين في كابول يقولون بأن هذه المعركة لا يمكن أن تُكسب، إذاً هل يمكن أن نقول بأن المفاوضات أو الاتصالات ليست لا لترويض الحركة ولا لتقسيمها وإنما الخوف من هزيمة عسكرية تبدو وشيكة؟

جورج جونز:  في الحقيقة الأمر ليس مسألة هزيمة عسكرية، فالجيش البريطاني وقوات الناتو يمكن أن ينتصروا في معارك ضد طالبان. ولكن بدل من الحصول على هزيمة، تحصل حالة ركود، توقف، تكون القوات البريطانية فيها موجودة أو باقية مضطرة للبقاء في أفغانستان لسنوات طويلة، لن تكون مهزومة، لن تُطرد من البلاد ولكن ذلك سيكلف حياة البريطانيين بأعداد كبيرة وأموال بريطانية كثيرة، ولهذا السبب أعتقد أن الحكومة البريطانية تود التوصل إلى نوع من الحل السياسي. وأعتقد أن المشكلة التي حصلت مع الرئيس كرزاي هو أنه هو سيكون، كرئيس جمهورية أفغانستان، هو الذي سيكون عليه أن يتعامل مع بعض الأشخاص من خصومه السياسيين في طالبان إذا ما نجحت هذه الاستراتيجية، وبالتالي هناك توتر بين ما يريده كرزاي وحكومته وما تريده حكومة بريطانيا ورئيس وزرائها جوردان براون، لأن الحكومة البريطانية في نهاية المطاف تريد أن ترى نوعاً من الحل السياسي. لا أعتقد أنه بالإمكان تحقيق انتصار عسكري في أفغانستان، ولذلك فإن التراجع ومحاولة إجبار الطالبان، بإخراجها من المناطق التي تسيطر عليها لتحصل على فسحة أو مجال للتوصل إلى حل سياسي مع الحكومة.

محمد كريشان: سيد حكيمي في كابول، مالذي تتوقع أن تقدمه بريطانيا لهذه العناصر من طالبان ويكون مغرياً لها حتى تدخل معها في تفاهمات سياسية واضحة وقوية؟

حبيب حكيمي: باعتقادي السياسة الخارجية البريطانية حالياً، وحكومة جوردن براون بشكل عام، تعتمد على إقناع مجموعة، على الأقل مجموعة من مقاتلي حركة طالبان، للإنضمام إلى الحكومة، وحسب المعلومات المتوفرة لدي، الحكومة البريطانية تحاول أن تقدم الإمدادات اللوجستية والمعونات المالية لهؤلاء المقاتلين حتى يعودوا إلى الحكومة ويتركوا سلاحهم، تعتمد على هذه القضية أولاً. ثانياً أعتبر....

محمد كريشان (مقاطعاً): يعني عنصر المال عنصر قوي في هذه المسألة.

حبيب حكيمي: طبعاً.. طبعاً الحكومة البريطانية تعتمد على هذا، وفي نفس الوقت تعتمد على تقوية على الحياة المعيشية ورفع سقف الحياة المعيشية في هذه المناطق التي تسيطر عليها حركة طالبان، حتى يتيقن، حسب رأيهم، المواطن الأفغاني بأن بقائهم مع حركة طالبان ليس لصالحه وبقائهم مع الحكومة الأفغانية والإنضمام إلى الحكومة الأفغانية وقوات الناتو وقوات التحالف إلى أفغانستان سيكون أحسن له وأنفع له. ولكن باعتقادي هذه الاستراتيجية لن تكون نافعة ولن تكون لصالح القوات الناتو وقوات التحالف في أفغانستان والوجود الغربي بشكل عام. كما أشار ضيفكم في لندن إلى نجاح الحكومة البريطانية في المفاوضات مع إيرلندا الشمالية، أعتقد المسافة شاسعة بين ما كان يجري في إيرلندا الشمالية وما يجري في أفغانستان. إيديولوجية طالبان تقتضي مقاتلة قوات الناتو وقوات التحالف إلى أمد طويل، وباعتقادي ليس هناك حلاً سياسياً يُرى في الأفق، في الأمد القصير، بين قوات التحالف والحكومة الأفغانية ومقاتلي وحركة طالبان بشكل عام، لأن حركة طالبان لها إيديولوجية متشددة لن تسمح لها أن تتفاوض مع قوات التحالف والأميركيين في أفغانستان، إلاّ إذا اعتبرنا المجموعة الصغيرة داخل حركة طالبان هي كل حركة طالبان، إذا نجحت الحكومة البريطانية في هذه المفاوضات على إقناع هذه المجموعة للانضمام إلى الحكومة، ليس معنى ذلك أن الحكومة البريطانية تستطيع أن تحسم المعركة سياسياً بدلاً من أن تحسمها عسكرياً.

محمد كريشان: شكراً لك سيد حبيب حكيمي الكاتب الصحفي من كابول، شكراً أيضاً لضيفنا من لندن جورج جونز المحرر الديبلوماسي في صحيفة الديلي تلغراف. وبهذا نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر، كالعادة نذكركم بإمكانية إرسال بعض المقترحات إلى عنواننا الإلكتروني الظاهر على الشاشة Indepth@aljazeera.net غداً بإذن الله قراءة جديدة في ما وراء خبر جديد، في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة