ثورة الضباط الأحرار كما يراها حسين الشافعي ح9   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:09 (مكة المكرمة)، 14:09 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

أحمد منصـور

ضيف الحلقة:

حسين الشافعي: نائب رئيس الجمهورية المصري الأسبق

تاريخ الحلقة:

20/11/1999

حسين الشافعي
أحمد منصور
أحمد منصور:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج(شاهد على العصر)،حيث نواصل الاستماع إلى شهادة السيد(حسين الشافعي)نائب رئيس الجمهورية المصري الأسبق،مرحبًا سيادة النائب.

حسين الشافعي:

أهلاً،يا أحمد.

أحمد منصور:

في هذه الحلقة نتناول حدثًا تاريخيًّا هامًا،أثَّر ليس على مصر وحدها،وإنما على الأمة العربية والإسلامية،وهو وقوع هزيمة 1967م،قبل وقوع هزيمة 1967م كانت هناك أسباب أدت إلى وقوع هذه الهزيمة،كنت نائبًا لرئيس الجمهورية،لك دور رئيسي في صناعة القرار،على اطِّلاع واسع بكل ما يدور،وكان لك رأي محترم،ومقدر لدى الرئيس(عبد الناصر)،ولدى كل أعضاء مجلس قيادة الثورة،في هذه الشهادة التي تدلى بها للتاريخ وللأجيال،وبشفافية تامة،أرجو أن تبين لنا الأسباب الحقيقية التي أدت إلى هزيمة 1967م؟

حسين الشافعي:

علاوة على أنها قدر،ولكن-طبعًا-لا نتوارى وراء القدر،ولكن نقول أن هناك أسبابًا-فعلاً-وأهم هذه الأسباب هو الصراع على السلطة،والازدواجية من بعد 1956م،عندما كانت السلطة السياسية في يد(جمال عبد الناصر)،والتواجد العسكري مركز في(عبد الحكيم عامر)في داخل القوات المسلحة،أنا لا أستبعد-في هذا المجال-التآمر الدولي،وأضعه في الاعتبار الأول،لأن كل هذا يُخطط له منذ 1956م.

ومثلما قلت(الذي يحفر البئر بواسطة إبرة)،1956م كانت مؤامرة من تحت المنضدة،تحت ذقن القوى الكبرى ممثلة في(فرنسا،وإنجلترا،وإسرائيل)وهذا لم يكن يعبر عن رضًا بالنسبة(للأمريكان والروس)،وهما الدولتان المنتصرتان في الحرب العالمية الثانية..لو كان لحسابهم،كانوا أيَّدوا عدوان 1956م،إنما هم أدانوا العدوان لأنه ليس من مصلحتهم..هم يريدون التخلص من الاستعمار القديم،ليخلقوا استعمارًا جديدًا.

من أجل هذا أدانوا هذا الهجوم،لكن لم يكن باستطاعتهم إدانة هذا الهجوم،لولا صمود الشعب المصري،ومشاركته الحقيقة مع القوات المسلحة،فقد تم توزيع 500.00 قطعة سلاح على الشعب،وخطاب(جمال عبد الناصر)يوم 2 نوفمبر في الأزهر،والذي صور الموضوع على أنه موضوع حياة أو موت بالنسبة لاستمرار هذه الحرب من بيت إلى بيت،ومن شارع إلى شارع،و-طبعًا-أكبر دليل على هذا الأناشيد التي ظهرت،كلها روح حقيقية.

اليوم لا تستمع لأي أغنية لها طرب،ولا طعم،إلا الأناشيد التي كانت في هذه المرحلة التي تجلت فيها الروح الحقيقية،والانتماء الحقيقي مع الثورة،فطبعًا كل هذا لم يكن يمر بسهولة-أبدًا-على القوات الاستعمارية؛ولذلك نسَّقوا فيما بينهم،وأكدوا الوفاق فيما بينهم.

وكان الهدف الرئيسي لهجوم 1967م هو إسقاط(جمال عبد الناصر)ونظامه،ولذلك-إذا كانوا نجحوا كمعركة عسكرية،وحدثت عندنا خسائر،إنما لم ينجحوا في تحقيق الغرض،وهو إسقاط(جمال عبد الناصر)،بل بالعكس خطاب التنحي كان عبارة عن صدمة لمشاعر الأمة العربية كلها التي انتفضت رافضة كل الرفض،ليس للهزيمة فقط،ومتمسكة بقيادة(جمال عبد الناصر)..

أحمد منصور(مقاطعًا):

أنا-الآن-لم أصل إلى الهزيمة،وكيفية وقوعها،لكن أنا أتساءل عن الأسباب؟سعادتك-الآن-تكلمنا عن الأسباب الخارجية والمتمثلة في..

حسين الشافعي(مقاطعًا):

لأن الأسباب الخارجية أهم الأسباب،كون أنها استعانت بخيانة من الداخل هذا ما يكمل العملية،وهذا ما جعلني أقول بعدما ذهبت إلى مطار(فايد)يوم 5 يونيو،ورأيت الطائرات(مرصوصةً)الجناح فوق الجناح،كما لو كانت معدة للذبح في مذبح آلي،وهذا ما جعلني أتجرأ وأقول في 1972م،إن ما حدث في 1967م كان خيانة،وكانت مؤامرة..

أحمد منصور(مقاطعًا):

دعنا نتحدث عن المؤامرة الآن؟

حسين الشافعي:

المؤامرة أن الدول الكبرى لا تريد(مصر)أن تقف على قدميها..

أحمد منصور(مقاطعًا):

الدول الكبرى بما فيها(الاتحاد السوفيتي)؟

حسين الشافعي:

بما فيها(الاتحاد السوفيتي)،لكن الفرق أن هذا يقدم معونة سلبية،وهذا يقدم معونة إيجابية،وجعلوا المنظر كله كما لو كانت(إسرائيل)هي التي تقوم وحدها،وهذا يمدها بالسلاح،ويمدنا-فقط-بالسلاح الذي يغطي ماء الوجه،ولكن كل معلوماتنا كانت تصل عندهم أولاً بأول،حتى في(حرب الاستنزاف)كل عملية كان يعلم بها الروس كانت تفشل،ويوم لا يعلمون فيه..تنجح نجاحًا باهرًا،لماذا؟لأنهم اتفقوا علينا في 1967م،ولذلك أنا لم أقلها من فراغ(إن ما حدث في 1967م كان خيانة وكانت مؤامرة)،وأنا أحب تكرار هذه العملية كي تثبت في ذهن المواطن المصري،وهو الأهم عندي من رضا هذا،أو رضا ذاك.

أحمد منصور:

تفاصيل المؤامرة-لو قلنا أنه كان هناك تآمر سوفيتي أمريكي-(الولايات المتحدة) كانت تدعم(مصر)بمعونة أمريكية استمرت إلى عام 1965م،كيف تدعم(مصر)بمعونة من(الولايات المتحدة)؟وهي في نفس الوقت تخطط..

حسين الشافعي(مقاطعًا):

هذا هو النفاق الدولي،فهي لا تدفع شيئًا من أموالها،تدفع من الذي تأخذه من هذه البلاد،تعطي نذرًا بسيطًا جدًّا من الذي تسلبه منا،في شكل(البضائع والكنتاكي،والسفن أب)،وهذه الخيبة الكبرى،وغيرها،كل هذه الاستهلاكات الفارغة هي التي تحقق منها أرباحًا،ثم تعطي لك(ملاليم)بصفة مساعدة تخرسك،وتجعلك بدون إرادة،هذه المساعدات هي أخطر شيء على إرادة الأمم،لأن الذي يمد يده،ويأخذ،كيف يكون له إرادة؟

أحمد منصور:

في 15 مايو 1967م،و20،21،22 بدأت مرحلة العد التصاعدي لمعركة 5 يونيو،تم تشكيل لجنة تنفيذية عليا في أواخر مايو 1967م تشكلت من(عبد الحكيم عامر،زكريا محيي الدين،حسين الشافعي،علي صبري،السادات،صدقي سليمان)الذي كان رئيسًا للوزراء،وكان يرأسها(جمال عبد الناصر)،أنت كنت أحد أعضاء اللجنة التنفيذية،ما الذي كان منوطًا القيام به في تلك المرحلة؟

حسين الشافعي:

أنت تتكلم على الناس الموجودين من مجلس الثورة في هذا الوقت،إنما لم تشكل لجنة..،كان يوجد لجنة تنفيذية،وكنا نحن أعضاء اللجنة التنفيذية.

أحمد منصور:

هذه ذكرها(السادات)في كتابه(البحث عن الذات)،وقال أن هذه اللجنة كُلِّفت بأن تعطي توصيات للرئيس(عبد الناصر)بما يمكن أن يُتَّخذ من قرارات،ورأت هذه اللجنة أن يتم تصعيد الموقف لإجبار(إسرائيل)على الدخول في حرب،وأنه إذا تم تصعيد التواجد المصري-فقط-في سيناء؛فإن هذا يؤدي إلى 50% من قيام المعركة،أما إذا تم إغلاق المضايق فإن المعركة قادمة لا محالة،معنى ذلك أنكم أنتم الذين صعدتم لقيام حرب 1967م،وليس القوى الخارجية كما يقول البعض؟

حسين الشافعي:

عندما يكون للقوى الخارجية عنصر خيانة في الداخل،يمكن أن هذه الخيانة هي التي تعمل على هذا التصعيد،ولذلك التصعيد بدأ في القوات المسلحة..

أحمد منصور(مقاطعًا):

هذا كلام خطير جدًّا؟

حسين الشافعي:

طبعًا كلام خطير؛لأننا فوجئنا بأن القوات المسلحة تستعرض القوات قبل اجتماع(اللجنة التنفيذية)كما لو كانت تستدرج لهذا الحدث،وأنا في المحاكمات التي حدثت باسم(محكمة الثورة)التي كنت أتولى رئاستها..

أحمد منصور(مقاطعًا):

سأصل لها،لكن اسمح لي،أنت..

حسين الشافعي(مقاطعًا):

سأقول لك،كي يصبح الكلام متواصلاً،والموضوع يأخذ حقه..،الذي جعلني أقول كلمة الخيانة أني سمعت من واحد مثل(شمس بدران)-أثناء محاكمته-يقول :نحن كان عندنا معلومات-حتى-رئيس المحكمة لم يكن يعلمها!!

أحمد منصور(مقاطعًا):

يقصد سعادتك؟

حسين الشافعي:

المقصود أنا،ونحن في(باكستان)أرسلنا إشارة-لا أذكر بالضبط-يوم 10 نوفمبر أو 10 ديسمبر 1966م،والإشارة تقول:(لكي نوقف الحملات الإذاعية للإذاعات العربية التي تَدَّعي،وتثير أننا لن نحارب،وأننا نتستر وراء(البوليس الدولي)،فلدينا القوة الكفيلة باحتلال(شرم الشيخ)..أنا-عندما سمعت هذا الموضوع-قلت:لا حول ولا قوة إلا بالله..

أحمد منصور(مقاطعًا):

سمعته في حينه،في 1967م؟

حسين الشافعي:

هذه إدانة كاملة،لأنه ما وجه العجلة أن ترسل من الخارج-من(باكستان)-إشارة تتكلم عن موضوعات عسكرية،وإستراتيجية في إشارة..مهما كانت(الشفرة) فهي ملتقطة،وأي(شفرة)فهي محلولة،ما هي الحكمة؟ليس هناك حكمة كأنهم يقولون للمتآمرين:(نحن معكم على الخط)،ليس لها تفسير إلا هذا،وهذا ما جعلني-بجوار ما شاهدته في مطار(فايد)يوم 5 يونيو-أن أتجرأ،وأقول في عام 1972م(إن ما حدث في 1967م كان خيانة،وكانت مؤامرة اتفق فيها الأطراف،واستدرج فيها من استُدرج،وجاز الأمر على السذج لكي نعيش النتيجة).

أحمد منصور:

تقول سعادتك أنكم فوجئتم،أنت نائب رئيس الجمهورية!!ومن معك من شخصيات من المفروض أنكم أنتم السلطة العليا في الدولة فوجئتم بتحركات للقوات العسكرية..

حسين الشافعي(مقاطعًا):

ومن قال لك أن هذه التحركات لم تتعمد وضع(جمال عبد الناصر)أمام وضع لا يمكن الفكاك منه،هدفه في النهاية إسقاط(جمال عبد الناصر)..

أحمد منصور(مقاطعًا):

من الداخل؟

حسين الشافعي:

من الداخل والخارج..

أحمد منصور(مقاطعًا):

من القوات المسلحة نفسها؟

حسين الشافعي:

من الداخل والخارج،من أجل ذلك أنا أقول خيانة..كي نصل إلى أساس الخيانة لابد من فتح ملفات 1967م بالكامل،ويُسأل كل فرد،ونرجع إلى شيء كي نعرف أبعاد الخيانة،الخيانة ليست على مستوى(مصر)فقط،لكن على المستوى العربي كله.

أحمد منصور:

ألم توجد وسيلة غير إغراق(مصر)،وإغراق العالم العربي بهذه الهزيمة لتحقيق مأرب هؤلاء؟

حسين الشافعي:

قدر،كي يكون النصر نتيجة للهزيمة بعد ذلك.

أحمد منصور:

اسمح لي،أنتم بقيتم في السلطة بعد ذلك،لماذا لم تقوموا بعمل التحقيق الذي تطالبون به الآن؟

حسين الشافعي:

بسبب بسيط،لأن المفروض أن الذي يقوم بهذا التحقيق(جمال عبد الناصر)،وهو كان يفضل تقديم الدليل على القدرة عندما تتحرر الإرادة،وتتجمع الأمة،أن يقرر إعادة البناء،وإعادة البناء هي التي يسرت،وأعطت الفرصة لما حدث في 1973م،لولا مجهوده،ولولا الجهد الذي قام به القوات المسلحة على كل مستوياتها،ولولا التضحيات التي قام بها الشعب،لم يكن-أبدًا-في الاستطاعة أن يتم 1973م.

أحمد منصور:

لكن ألم يتحمل(عبد الناصر)مسئولية الهزيمة باعتباره ترك(عبد الحكيم عامر)ومن معه من 1962م،إلى 1967م يعبثون في البلاد كما يريدون؟

حسين الشافعي:

هو-أيضًا-صحته انتهت بعد هذه العملية؛لأنه تحمل مالا يمكن تحمله،ورأى ما لم يكن يتوقعه من صديق عمره،وأنا لا أقول أن(عبد الحكيم)كان طرفًا في هذه الخيانة،قدر استغلال الموجودين معه وجوده،وقاموا بكل الذي قاموا به،وهذا من تحت مظلته.

أحمد منصور:

يوم 5 يونيو 1967م،كان هنا رئيس الوزراء العراقي،أو نائبه،وأنت صحبته إلى مطار(فايد)،ماذا وقع في يوم 5 يونيو 1967م أمام نظرك؟

حسين الشافعي:

أنا أُبلغت أن هناك زيارة مرتبة للفريق(طاهر يحيى)رئيس وزراء(العراق)،ومعه مجموعة من الوزراء والقادة،وكان موعد تحركنا من مطار(ألماظة)الساعة 8..

أحمد منصور(مقاطعًا):

صباح 5 يونيو؟

حسين الشافعي:

صباح 5 يونيو،وعندما ذهبنا،وجدنا كل القادة منتظرين(عبد الحكيم عامر)،لأن طائرته كان من المفروض أن تتحرك الساعة 8.30،تحركنا بطائرتين،تحركنا بالطائرة الأولى،كنت موجودًا فيها أنا و(طاهر يحيى)والوزراء والقادة،والطائرة الثانية كان فيها المرافقين بما فيهم الحرس الخاص المعين للحراسة معي،قمنا بالطائرة الساعة 8(طائرة أنتونف)خاصة بالمواصلات.

تحركنا الساعة 8 لنصل فوق مطار(فايد)الساعة 8.45 صباحًا،فوجدنا 3 طائرات مقاتلة في مواجهتنا،لدرجة أننا تصورنا أن هذه الطائرات هي طائراتنا قادمة لتحية القادة،وكانت فكرة الذهاب لمطار(فايد)غير ذات أهمية؛لأنه كان لزيارة كتيبة عراقية موجودة بصفة رمزية في مطار(فايد)،وكان من بين أفرادها الملازم(فيصل)ابن رئيس الدولة في هذا الوقت(عبد الرحمن عارف).

في بداية وصولنا،وجدنا الطائرات،لم نتصور-أبدًا-أن هذه طائرات معادية،وعندما نزلنا وعجل الطائرة أصبح على الأرض،وجدنا(قنبلتين)على يسار الطائرة بما لا يتجاوز 50 مترًا على مدرج المطار..،وقتها كان معنا الياور الطيار(سعد الدين الشريف)قال:المطار يضرب،وهنا جرى إخواننا العراقيون،وكل واحد يريد أن يسبق الأخر إلى الباب كي يجد مخرجًا سريعًا من الطائرة..

أحمد منصور(مقاطعًا):

وأنتم لم تهبطوا بعد؟

حسين الشافعي:

حتى قبل وضع السلم،هناك ثلاثة قفزوا من الطائرة دون سلم..،والذي قطع بنطلونه وغيره،المهم نزلنا،وأنا نزلت آخر واحد،ليس كبرًا ولا غيره،لا إنما هو إيمان بالقدر،سيصيبك حيثما تكن،سواء كنت في الأول،أو في الآخر،المهم نزلنا على أرض المطار،كل فرد بحث له عن ساتر ينبطح وراءه،وجلسنا نرى المهزلة التي حدثت،ولذلك أنا كتبتها في المذكرات،أقول(سأقص عليكم قصة شهيد أراد الله له أن يكون شاهدًا،واختار الله له موقعًا متميزًا،ليرقب منه الأحداث ليكون شاهدًا على العصر).

أحمد منصور:

من خلال الموقع الذي جلست فيه ترقب الأحداث،وتشاهدها،ماذا وقع بعد ذلك في مطار(فايد)؟

حسين الشافعي:

بعد ذلك نزلت الطائرات تجد الطائرات المرصوصة،الجناح فوق الجناح-كما لو كانت معدة للإبادة السريعة-بدون بحث عنها،إنما نحن في 1956م..

أحمد منصور(مقاطعًا):

ألا توجد(حظائر)للطائرات؟

حسين الشافعي:

سأقول لك،هذه(الحظائر)من 1956م،عملناها بعد الذي حدث في 56 عملنا(الحظائر)،ثم كي تتكرر المأساة على نفس الصورة..وهذا ما جعلني أقول كلمة الخيانة،مع ثقل هذه الكلمة،وفظاعتها..

أحمد منصور(مقاطعًا):

كيف يحدث هذا،والبلد في حالة حرب؟

حسين الشافعي:

سأقول لك،ما دامت الخيانة وجدت،والتآمر موجود،كل شيء جائر،ما داموا ينسقون مع بعضهم كل شيء جائز..،الطائرة الثانية لا نعرف مصيرها؟!على الساعة 11.30 كانوا أجهزوا على جميع الطائرات،وهم كانوا ثلاث طائرات،طائرتان مقاتلتان كانتا مغطاتين بقماش لون الأرض وهذا-من المحتمل- الذي أجل رصدهما بعض الشيء ومعهم الطائرة التي قدمنا فيها،وأصبح ليس لنا(ركوبة)نرجع بها حتى..

أحمد منصور(مقاطعًا):

كم طائرة ضربت في المطار في ذلك الوقت؟

حسين الشافعي:

والله لا يقل عن 12،14 شيء مثل هذا.

أحمد منصور:

ولم تتحرك فيهم طائرة واحدة للإقلاع،أو لأي شيء؟

حسين الشافعي:

كان كل هدفهم أن يضربوا الممرات بحيث ألاّ تقلع طائرة،رجعنا الساعة 11.30 وأنا-بعد هذه المأساة-أحسست أن شعري حُرق من الغيظ ومن الحزن،لم يكن مجالاً للرعب،أنا أردت أن أرى هذه المصيبة،المهم،واحد تفضل علينا بعربة ركبنا فيها جميعًا،وفي الطريق أوقفونا عند مطار(أبو صوير)يقولون:لا مرور؛لأن هناك غارة جوية على مطار(أبو صوير)،يخافون علينا!!كيف يخافون علينا بعد أن ضاعت البلد بهذا الإهمال،وبالنتيجة الموجعة هذه.

وجدنا أعمدة الدخان في مطار(أبو صوير)مثلما كانت في(فايد)،تقدمنا بعد ذلك إلى(بلبيس)و(أنشاص)،حتى وصلنا(ألماظة)،ووصلنا إلى بيت(جمال عبد الناصر)الساعة 2.30،علمنا-فيما بعد-أن الطائرة التي كان فيها المرافقون،وفيها الضابط الحرس المكلف معي،هم تنبهوا فضربوها(صاروخ جو جو)وكانت النتيجة أن هذا الضابط حرق في أول لحظة،كان اسمه(عبد الله أبو عظمة)من(سمنود)وكان عريسًا جديدًا،ولكن هذه هي الحرب،يمكن هو أول شهيد في 1967م..

أحمد منصور(مقاطعًا):

هناك(عرسان)كثيرون،وشهداء كثيرون في 1967م؟

حسين الشافعي:

طبعًا،فهذه 1967م بذكرياتها المؤلمة..

أحمد منصور(مقاطعًا):

مازلنا في أولها!

حسين الشافعي:

بعد أن ذهبنا(لجمال عبد الناصر)..

أحمد منصور(مقاطعًا):

اسمح لي-سعادة النائب-قبل الذهاب(لجمال عبد الناصر)..

حسين الشافعي(مقاطعًا):

أعطينا له الصورة عن الرحلة كلها،ولم يكن وجهه عليه أي تعبير،قال لي:أبلغ هذا الكلام(لعبد الحكيم عامر)فقط..

أحمد منصور(مقاطعًا):

(عبد الناصر)كان يعلم أن البلد ستهزم وسيحدث فيها ما حدث؟!

حسين الشافعي:

هذا ما يجعل الفرد تدور في ذهنه أسئلة كثيرة،هل الصراع على السلطة يصل بالموجودين في القوات المسلحة أن يهلكوا البلد،كي يسقطوا(جمال عبد الناصر)متآمرين مع الدول المتآمرة-كجزء من الخطة-مصيبة كبرى،مصيبة..

أحمد منصور(مقاطعًا):

هناك سؤال ثان،اسمح لي به.

حسين الشافعي:

تفضل.

أحمد منصور:

وهل(عبد الناصر)ترك هؤلاء..ترك لهم الحبل على الغارب ليوصلوا البلد إلى الهزيمة حتى يتخلص منهم؟

حسين الشافعي(مقاطعًا):

هو بالطبع عليه مسئولية،لأنه في النهاية قال:أنا المسئول،لأنه لا يريد أن يرمي المسئولية على أي فرد،وإن كان ترك لهم هذا الوضع من مسئوليته..

أحمد منصور(مقاطعًا):

ما هو حجم هذه المسئولية وقد ضاعت فيها أمة وليس بلدًا؟

حسين الشافعي:

لكن ساعات..كي تُحيي الجسم لابد أن تعمل جراحة،ولو كانت في منتهى الصعوبة،من المحتمل أن تستغني عن عضو كامل في سبيل أن تحيي الجسم،وهذا- فعلاً-ما حدث نتيجة هذا،لأن 1973م كانت إحياءً للجسم؛لأن بعدها الجسم بكل خلاياه تحركت بشكل لا يمكن تصوره.

أحمد منصور:

صحيح أن(عبد الناصر)في 2 يونيو 1967م،وضع خطة كاملة للحرب،وكانت القوات المسلحة المصرية على أتم الاستعداد،وتنبأ(عبد الناصر)أن الحرب ستكون إما(4 أو 5 أو 6يونيو)؟

حسين الشافعي:

نعم،و-فعلاً-أعلن هذا في اللجنة التنفيذية.

أحمد منصور:

وصحيح أن(عبد الحكيم عامر)ألقى بخطة(عبد الناصر)في البحر،ووضع هو خطة أخرى،وهي التي أدت إلى الهزيمة؟

حسين الشافعي:

والله كل هذا شيء جائز،لأنني أقول:إن ملفات 1967م،لا بد أن يعاد فتحها بالكامل.

أحمد منصور:

تعتقد إذا فتحت-الآن-ممكن أن يتم الوصول إلى نتيجة؟

حسين الشافعي:

طبعًا.

أحمد منصور:

رغم مرور أكثر من 30 سنة؟..

حسين الشافعي(مقاطعًا):

ولو مائة سنة،هذه العملية لا تنتهي،ثم إن مؤشرات الخيانة ومؤشرات الأخطاء واضحة جدًّا،إلا إذا كان هناك أناس-اليوم-يخشون من فتح الملفات.

أحمد منصور:

أنت لا تخشى..؟

حسين الشافعي(مقاطعًا):

أنا لا أخشى-أبدًا-فتح الملفات،بالعكس أنا أطالب،وأنادي أن تفتح ملفات 1967م،لمعرفة أبعاد الخيانة،وأبعاد التوافق ما بين الدول الكبرى المتآمرة مع الخيانة في الداخل.

أحمد منصور:

حتى لو تحملت جزءًا من المسئولية؟..

حسين الشافعي(مقاطعًا):

أنا لم أكن مسئولاً في أي شيء ذي مسئولية مباشرة.

أحمد منصور:

كنت نائبًا لرئيس الجمهورية؟

حسين الشافعي:

نائب رئيس جمهورية بما يكلف به..لأن نائب رئيس الجمهورية مشاركته فيما يكلف به.

أحمد منصور:

أريد أن أفهم أمرًا سمعته من سيادتك عدة مرات..أنك حينما ذهبت إلى(عبد الناصر)يوم 5 يونيو-بعد ما ضرب مطار(فايد)،وأنت كنت فيه-ومررت على مطار(أبو صوير)،وذهبت إلى(عبد الناصر)في بيته،(عبد الناصر)تلقى منك الخبر بمنتهى الهدوء،دون ظهور أي تغير..

حسين الشافعي(مقاطعًا):

أنا لم أقل بهدوء،أقول وجهه جامد ليس فيه تعبير.

أحمد منصور:

ما معناها؟

حسين الشافعي:

معناها أنه قد يكون متوقعًا لهذا،من إبعاده-بشكل مؤكد-عن شئون القوات المسلحة..

أحمد منصور(مقاطعًا):

لكن كيف دُفِع لإعلان إغلاق المضايق،ويرفع وتيرة الحرب؟يعني هذا أنه قضى على نفسه بقراراته؟

حسين الشافعي:

هو لم يقض على نفسه،هو قضى على المتآمرين،وبالعكس الناس تمسكوا به؛لأنهم يعلمون مدى إخلاصه،ومدى زعامته،ومدى قدرته أن يقود..

أحمد منصور(مقاطعًا):

أنا هنا-اسمح لي-لدي سؤال يدور..إذا كان(عبد الناصر)لم ينجح بعد الانفصال في 1962م..

حسين الشافعي(مقاطعًا):

ماذا تريد؟أتريد إدانة(عبد الناصر)؟انصب له محكمة،يا أخي.

أحمد منصور:

(يا أفندم)لا،أنا لا أدين أحدًا،أنا مجرد أني أتساءل..

حسين الشافعي(مقاطعًا):

أنا قلت الكلام المفيد الموضوعي..هل سنجلس نعيد ونزيد لكلام ليس له طائل؟ لماذا؟..

أحمد منصور(مقاطعًا):

هذه شهادة للتاريخ(يا أفندم)..

حسين الشافعي(مقاطعًا):

تاريخ من؟تاريخ الناس الذين يريدون محاكمة ثورة 23 يوليو؟وتحاكم(جمال عبد الناصر)؟

أحمد منصور:

ليست محاكمة..

حسين الشافعي(مقاطعًا):

لا،هي محاكمة،وليست أسئلة للتوضيح،أنا أعطي لك إجابات للتوضيح،لكن أسئلتك تريد أن تكون إدانة،وتجريحًا،ومُساءلة،من هذا الذي يسائل ثورة 23 يوليو؟

أحمد منصور:

يا أفندم،لست أنا،ولا أضع نفسي في هذا الوضع،أنا مجرد أني أعبر عن وجهة النظر الأخرى،وعن الأشياء،اسمح لي بهذا،أنا أساعدك على أن توضح الحقيقة..

حسين الشافعي(مقاطعًا):

لا،أنت ساعدتني مساعدة جبارة.

أحمد منصور:

من خلال ما يطرحه الآخرون في هذا الأمر،وأنا أشكرك-الحقيقة-على تحملك لي،وعلى إجاباتك التي توضح الكثير،لولا إجاباتك هذه ستظل أمور كثيرة غامضة.

حسين الشافعي:

صحيح،أنا معك في هذا.

أحمد منصور:

كيف كانت صورة(مصر)والعالم العربي بعد هزيمة 1967م،بعد 5 يونيو؟الأيام التي تلت 5 يونيو،6 يونيو،7 يونيو،8 يونيو إلى 8 يونيو فقط؟

حسين الشافعي:

كانت مأساة بكل الأبعاد،ولكن من خلال هذه المأساة ظهر النور الحقيقي؛لأن أعدائنا أعداء شرسون إلى أقصى حد،ويستخدمون كل الوسائل لتحقيق أهدافهم،ويكفي أن الاسم الكودي لمعركة 1967م،من وجهة نظر(إسرائيل)كانت(خيبر)..

أحمد منصور(مقاطعًا):

أي البعد العقائدي؟

حسين الشافعي:

نعم،لأنهم يريدون أن يقتصوا من قائد(خيبر)-عليه الصلاة والسلام-ولكن-إن شاء الله-ربنا سيخيب أملهم(ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)،وهذه كلها مراحل لقدر الله الذي يعدنا بالنصر المؤكد..لكن لابد أن نكون مؤمنين،ولابد أن نرتبط به ارتباطًا حقيقيًّا؛ولذلك عندما يقول:(واعتصموا بالله..

أحمد منصور(مقاطعًا):

(واعتصموا بحبل الله)

حسين الشافعي:

(واعتصموا بحبل الله جميعًا،ولا تفرَّقوا)هو هذا الأساس،وعندما يقول في سورة الحشر،ماذا يقول؟يقول:(ألم تر إلى الذين نافقوا)من هؤلاء؟(يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب)ماذا يقولون لليهود؟يقولون(لئن أخرجتم لنَخرُجَنَّ معكم ولا نطيع فيكم أحدًا أبدًا،وإن قوتلتم لننصرنَّكم والله يشهد إنهم لكاذبون. لإن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولُّنَّ الأدبار ثم لا ينصرون).

حتى أنتم-يا مسلمين-لا تعرفون قيمة أنفسكم(لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون لا يقاتلونكم)دعوة للتجمع(جميعًا إلا في قرىً محصنة أو من وراء جدر)وصف لليهود بالجبن المطلق،يختفي في جدار،ويستأسد،يحاربك في قرى محصنة،ويستأسد،إنما يواجهك وجهاً لوجه(لا يقاتلونكم جميعًا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون).

ولذلك نحن الحرب بيننا وبين(إسرائيل)،نحن لسنا ضد اليهود كدين،الدين اليهودي دين منزل من عند الله وله كل الاحترام،إنما(إسرائيل)تحت ستار الدين تأتي كي تنهي حسابات قديمة،لدرجة أنها تستخدم اسم(خيبر)كاسم كودي لمعركة 1967م،ولذلك المعركة لم تكن تخص(مصر)وحدها،كانت تخص الوطن العربي كله،إنما المعركة التي كانت تخص مصر في 1956م كان اسمها الكودي(قادش)،أنا أقول هذا لأن أناسًا كثيرين لا يعرفون التاريخ،ولا يعرفون دينهم،ولا يعرفون مسئوليتهم تجاه الإسلام.

أحمد منصور:

في الفترة من 5 يونيو إلى 8 يونيو،كانت البيانات تصدر من الإذاعة المصرية عن إسقاط عشرات الطائرات الإسرائيلية،بما كان يخالف الوضع الذي آل إليه الوضع في القوات المسلحة..من الذي أصدر القرار بهذا الانسحاب الذي تم بطريقة المذبحة؟

حسين الشافعي:

(عبد الحكيم عامر).

أحمد منصور:

أين كان الرئيس(عبد الناصر)؟

حسين الشافعي:

أين كان الرئيس(عبد الناصر)..قائد القوات يأخذ قرارًا لأنه..طبعًا..أنا لا أريد أن أقول لك أن القوات المسلحة هي التي جرت البلد في هذا المجال،وقد يكون أناس عندهم توافق مع الاستعمار بإسقاط(جمال عبد الناصر)..

أحمد منصور(مقاطعًا):

لكن صحيح،هل(جمال عبد الناصر)لم يكن يريد أن يدخل معركة يونيو؟

حسين الشافعي:

لم يكن يريد أن يدخل المعركة..

أحمد منصور(مقاطعًا):

صحيح-حقيقة-أنه أُجبِر،أو اضْطُرَّ،أو ضغط عليه لكي يقوم بمعركة،لم يكن عنده استعداد لها؟

حسين الشافعي:

والله،أنا لا أستطيع أن أجيب عن سؤال لا يستطيع أن يجيب عليه إلا(جمال عبد الناصر)نفسه.

أحمد منصور:

في يوم 9 يونيو أعلن(عبد الناصر)عن تنحيه،وخرجت المظاهرات في 9،10 يونيو تطالب(عبد الناصر)بالبقاء،هل درس(عبد الناصر)جيدًا معنى التنحي،وإعلان مسئوليته الكاملة عن الهزيمة؟

حسين الشافعي:

(جمال عبد الناصر)علاوة على أنه زعيم،وأنه لاعب ماهر،لا يمكن أن يقال أنه استدرج في 1967م،ولكن عملية التنحي تظهر أنه-في أدق الظروف-متمالك لأعصابه،وملكاته،ويعرف أبعاد التنحي،و-فعلاً-حقق-من خلال هذا التنحي- كل ما كان يجب أن يباشره من 1962م،تخلص من الازدواجية،وضع البلد أمام مسئوليتها،شحذ كل خلايا الأمة كي تعاون،وتشارك في هذا المجهود الذي لولاه لم تكن 1973م.

أحمد منصور:

أريد أسأل سعادتك:لماذا أعلن استخلاف(زكريا محي الدين)دون غيره من أعضاء مجلس قيادة الثورة في البيان الذي ألقاه في تنحيه؟

حسين الشافعي:

هذه كانت مناورة بارعة منه،لأن كان الاتفاق بين(عبد الحكيم)و(شمس بدران)أن(شمس بدران)هو الذي يتولى السلطة..

أحمد منصور(مقاطعًا):

يكون رئيس الدولة(شمس بدران)؟!..

حسين الشافعي(مقاطعًا):

يكون رئيس الدولة،وقال لو قرأت كتاب(عبد الله إمام)كتب هذا الكلام..

أحمد منصور(مقاطعًا):

(عبد الله إمام)؟نعم.

حسين الشافعي:

كتب هذا الكلام..

أحمد منصور(مقاطعًا):

أنا سوف آتي بالتفصيل في هذا في قضية المحاكمات..،في 11 يونيو نستطيع القول أن(عبد الناصر)أمسك زمام الأمور كلها في يده،بعد تحديد إقامة المشير أو الطلب إليه أن يلجأ إلى قريته ليستقر فيها بعض الشيء،وعودته مرة أخرى في شبه تحديد إقامة،هل نستطيع أن نقول أن(عبد الناصر)بدأ يمسك زمام الأمور في يده،ويدرك أن 1967م قد خلصته-فعلاً-من(عبد الحكيم عامر)؟

حسين الشافعي:

والله-كقدر-نعم..

أحمد منصور(مقاطعًا):

كتخطيط؟

حسين الشافعي:

كقدر نعم،وأنا عندما سمعت بخطاب التنحي،وأنا لم أكن أعلم بهذا الخطاب قبل سماعي مع باقي المستمعين،فأخذت نفسي وخرجت بالسيارة،في أقل من ربع ساعة كنت في(منشية البكري)،ووجدت البلد كأنها أصيبت بصدمة كهربائية جعلت الأولاد يمشون في الشوارع-وقت الخروج من المدارس-يصرخون بأعلى صوتهم،أخذت المسافة إلى منزل(جمال عبد الناصر)،لم أجد إمكانية للدخول من الباب..

أحمد منصور(مقاطعًا):

وأنت نائب رئيس الدولة؟!

حسين الشافعي:

من الزحام،مثلك عندما تأخرت عن الميعاد،لأن المواصلات وقفت في طريقك،ماذا تعمل؟..

أحمد منصور(مقاطعًا):

أنت عاتبتني كثيرًا على هذا(يا أفندم)،أذللتني بهذا التأخير.

حسين الشافعي:

فعندما ذهبت ووجدت الموقف بهذه الصورة،دخلت من كتيبة الحراسة،وجدت(جمال عبد الناصر)يقف في وسط مدخل البيت بقامته الفارعة،ويحيط به الذين يعملون معه،منهم من يبكي،ومنهم من يصرخ،ومنهم من أُلقِي على الأرض،وهل هذا جو..فتقدمت له،وسلمت عليه،وقلت له:"شد حيلك يا ريس،واعتبر الثورة قامت اليوم".

قال لي:"أي ثورة-يا(حسين)-بعد 15 سنةً غُلب،تقول لي الثورة قامت اليوم"،قلت له:"اليوم نحن أحسن مائة مرة من الذي كنا عليه في 1952م،لأن القائد يريد من يشد أزره في هذه المواقف،لأن أمامنا إعادة بناء،وأمامنا معركة لم تنته،وأمامنا عدو شرس لن يتركنا،حتى لو قلنا له السماح يا حضرة العدو،لن يتركنا،هو سوف يستمر في عمليته للنهاية"..

أحمد منصور(مقاطعًا):

ماذا كان رد فعله عليك؟

حسين الشافعي:

طبعًا،كان أقل شيء يسمعه من زميل مخلص يقف بجواره،يعتبر أن مصير الثورة معلق بمدى ثباتنا في هذه الشدائد مهما كانت صعبة.

أحمد منصور:

كانت علاقتك(بجمال عبد الناصر)مجرد علاقة زمالة،وصداقة،أم هناك خصوصية تجمع بينكما؟

حسين الشافعي:

لا،أنا كانت مجرد زمالة وتقدير.

أحمد منصور:

لكن أنت كنت محل ثقته في أشياء خاصة،لم يأتمن أحدًا غيرك عليها؟

حسين الشافعي:

كان-دائمًا-يُعَرِّضُني في المواقف التي تحتاج إلى جهد،وإلى بذل حقيقي،وإلى جدية،مثل(محكمة الثورة)كي يكون الوجه الذي يقابل الناس بعد هذه العملية،كذلك-بعد الانفصال-من يقوم بتأسيس الاتحاد الاشتراكي-كتنظيم سياسي-بعد أن قُضِي على الاتحاد القومي بالانفصال..لأن مثلاً في الانفصال فوجئ أن رئيس الاتحاد القومي في(دمشق)،هو على رأس الحكومة الانفصالية،فهذا ما جعله يقول لي:(يا حسين نحن كنا كلنا في الاتحاد القومي،وكنا هيئة التحرير،نحن نبني على قاعدة من المؤمنين،ويكفي 50.000)..

أحمد منصور(مقاطعًا):

هم بداية تكوين الاتحاد الاشتراكي؟

حسين الشافعي:

أنا أخذت هذا الكلام،و-شأني في أي قضية-رجعت إلى القرآن كي أرى المؤمنين ما مواصفتهم؟فوجدت آية تقول:(قالت الأعراب آمنَّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم)..(إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله)فكرًا ومبدأً،وهدفًا ومثلاً أعلى(ورسوله)القائد الذي تجسدت فيه هذه الأفكار وهذه المبادئ،وهذه القيم،وهذا المثل الأعلى.

ثم قال(ثم لم يرتابوا)تأكدوا من وعد الله وتأكدوا أنه يستطيع أن ينصرهم،إذا كانوا مرتبطين به،ثم قال(ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون)(وهذه هي المياه التي تكذب الغطاس)تقول لي أنا مؤمن،ماذا بذلت؟بقدر ما بذلت يصدق إيمانك(ليس الإيمان بالتمني،ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل)،ولذلك لا توجد آية تقو(الذين آمنوا)إلا ويتبعها(وعملوا الصالحات).

أحمد منصور:

كيف بدأت النهاية بين(عبد الحكيم عامر)،و(عبد الناصر)واستتبت الأمور(لعبد الناصر)في النهاية؟

حسين الشافعي:

في تصوري أنها كانت تتصاعد من 1962م،إلى 1967م،إنما هي بدأت في 1962م،وبعد الانفصال مباشرة في 1961م.

أحمد منصور:

بعد الهزيمة حُدِّدَت إقامة(عبد الحكيم)،واستطاع أن يحول بيته إلى(ثُكنة عسكرية)،كما جاء في كل المصادر التي اطلعت عليها،وأن تكون هناك مجموعة كبيرة من الضباط الموالين له،يقيمون معه في بيته،وأصبح هناك مخاطرة أن تقوم حرب أهلية داخلية،بين أنصار(عبد الحكيم عامر)،وبين أنصار(عبد الناصر)،ما هو الموقف الذي أخذتموه لاحتواء الأزمة؟

حسين الشافعي:

في يوم 24 أغسطس،أنا كنت في(الإسكندرية)،واتصل بي(محمد أحمد)مدير مكتب(جمال عبد الناصر)،ولم يحب أن يعطي أي تفصيل أكثر من أننا مطلوبون للالتقاء مع(جمال عبد الناصر)يوم 25 في(منشية البكري)،ذهبنا..وإذا به قد دعا(عبد الحكيم)،و(عبد الحكيم)تصور أنه سيحدث في هذه الجلسة مصالحة،مثل ما كل مرة،كان يحدث مصالحة،فنظرنا،فإذا(جمال عبد الناصر)قادم،هو و(عبد الحكيم)من مكتبه إلى الصالون،ونحن كنا موجودين أنا و(زكريا محيي الدين)و(أنور السادات)،واليوم الذي سبقه اجتمعنا،وكان معنا(علي صبري)،لكن في المواجهة استبعد(علي صبري)في يوم 25،وكانت المواجهة بما تم الاتفاق عليه من التآمر؛لأنه كان يوم 26 سيجتمعون من أجل الاجتماع الأخير قبل تنفيذ مخططهم..

أحمد منصور(مقاطعًا):

أرجو أن تقول لنا الذي تم في هذه المواجهة موجزه وخلاصته؟

حسين الشافعي:

طبعًا،كان هناك مواجهة،وكانت من(جمال عبد الناصر)،وقال له الحقائق التي وراء هذا التآمر..

أحمد منصور(مقاطعًا):

التحرك لانقلاب،وهكذا؟

حسين الشافعي:

بما لم يكن هناك مجال للشك والإنكار،وطبعًا كنا جالسين نستمع إلى التفاصيل،وطبعًا أنا-بعد ذلك بحكم أنني قمت برئاسة المحكمة-طبعًا عرفت تفصيل الخطة بالكامل.

أحمد منصور(مقاطعًا):

أنكر(عبد الحكيم)أن هناك خطةً للانقلاب؟

حسين الشافعي:

طبعًا،لابد أن ينكر،لكن واقع الأمر كان المفروض أن(صلاح نصر)يسلح مجموعة بأسلحة خفيفة من عنده من المخابرات،وتذهب لإحضار(عبد الحكيم عامر)من بيته،وتنتقل به إلى(أنشاص)حيث(كتائب الصاعقة)،ثم يأخذونه،ويذهبون به في القيادة في( الإسماعيلية)،ومن مركز القيادة(الإسماعيلية)كانوا يبحثون عن فرد يتولى قيادة الفرقة الرابعة المدرعة،فأخذوا يبحثون عن شخص،فبحثوا عن(عبد المنعم واصل)الذي أخذ يتهرب منهم.

ثم وقع اختيارهم على واحد اسمه(سعد عبد الحفيظ)،(سعد عثمان)متأسف،ثم عندما لم يستطيعوا الحصول عليه لجئوا إلى أن(شمس بدران)هو الذي يقود الفرقة،ويرسل منها(لواءً)إلى(جمال عبد الناصر)يطالبه أن يتخلى عن كذا،وكذا،وطبعًا عندما يرسل قوة كي تتقدم بهذه الطلبات..معناها أنه إذا لم يستجب فالقوة ستتعامل معه،وإذا استجاب يكون فقد اعتباره،وتكون ثورة جديدة قامت بقيادة مجموعة(عبد الحكيم عامر)..

أحمد منصور(مقاطعًا):

في الحلقة القادمة أتناول معك(محكمة الشعب)،وقبلها انتحار المشير(عبد الحكيم عامر)،ثم حرب الاستنزاف،ووفاة الرئيس(جمال عبد الناصر).

حسين الشافعي:

أنا يسعدني أن أقول كل هذه الحقائق،إنما نجعلها في سنة 2000م،إن شاء الله.

أحمد منصور:

سعادة النائب،اسمح لي أن نكمل،أنا أعرف أنك مللت مني.

حسين الشافعي:

لا..لا،من أجل أن ينتظر الناس شيئًا هل نقول كل شيء؟!

أحمد منصور:

سوف نذيعها في الوقت الذي تحدده.

حسين الشافعي:

لا،على سنة 2000م.

أحمد منصور:

اسمح لي –سعادة النائب-أن نكمل هذه الحلقات،أرجوك.

حسين الشافعي:

سافر،وتعال مرة أخرى.

أحمد منصور:

لا أستطيع،يرفدونني.

حسين الشافعي:

ألا تأخذ بدل سفر؟

أحمد منصور:

أنا لا أريد بدلات.

حسين الشافعي:

هل هذا الكلام مسجل أم لا؟..بدل السفر هذا..

أحمد منصور(مقاطعًا):

في الحلقة القادمة-إن شاء الله-نواصل الاستماع إلى ضيفنا(حسين الشافعي)وشهادته على العصر،شكرًا-سعادة النائب-وشكرًا-مشاهديّ الكرام-على حسن استماعكم،وفي الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج،وهذا(أحمد منصور)يحييكم،والسلام عليكم،ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة