عطاف يوسف.. سنوات الأسر والنفي   
الاثنين 1427/1/29 هـ - الموافق 27/2/2006 م (آخر تحديث) الساعة 17:04 (مكة المكرمة)، 14:04 (غرينتش)

- التوجهات السياسية والاندفاع للمقاومة
- الاعتقال والتعذيب

- الحياة في السجن

- سنوات المنفى وصدمة فقدان الزوج

- الغربة في الوطن

سامي كليب: مرحباً بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة تنقلنا هذه المرة إلى عمّان، تصوروا أن ناشطة فلسطينية كانت تهُم بوضع قنبلة فقبض عليها الضابط الإسرائيلي بالجُرم المشهود، تصوروا ماذا سيكون مصيرها؟ السيدة نفسها قيل لها إن الرجل الذي ستتزوجه سيموت بعد فترة قريبة بالسرطان ولكنها تزوجته، إنها قصة المناضلة الفلسطينية السيدة عطاف يوسف.

التوجهات السياسية والاندفاع للمقاومة

عطاف يوسف- مناضلة فلسطينية: هذه الصعاب التي واجهتني وأنا صغيرة جعلتني أكبر بسرعة وأعطتني نمط من الشخصية يختلف عن بنات جيلي وهذه الصفات المتمثلة في عدم الخوف وتحمُل المسؤولية والشجاعة والنظام أصبحت جزء من شخصيتي في كل الأدوار التي قمت ومازلت أقوم بها حتى الآن، أتمنى أن أمتلك هذه الشجاعة لأكتب روايتي ليس كعطاف يوسف وإنما كنموذج للفتيات في ذلك الزمن الجميل، فرغم كل صعوباته فإنه ترك ذكريات جميلة رغم جروحه الكبيرة.

سامي كليب: تكتب عطاف يوسف الكثير من جروحها بحبر الصحافة فهي تعيش اليوم من مهنة الكتابة وتهتم بولديها اللذين أنجبتهما من الرجل المناضل مثلها والذي أحبته وهي تعرف أنه يوماً ما سيموت. وهذه المناضلة الفلسطينية التي اعتقلت وعُذِّبت كانت قد ترعرعت بين أشجار التين واللوز والعنب والزيتون في قرية الجاني التي هاجر الكثير من أهلها بعد نكسة عام 1967 واحتل المستوطنون أبرز أراضيها ومنها انتقلت إلى رام الله لإكمال دراستها وهناك ورغم صغر سنها فقد تفتحت عيناها على التنظيمات الفلسطينية والتظاهرات وكانت أولى التظاهرات لمناسبة وفاة الزعيم المصري جمال عبد الناصر.

عطاف يوسف: أكثر شيء ربطني بعبد الناصر في حينها في الـ 1967 وقت الخطاب اللي تنحى فيه فكان في كل القرية يمكن في ترانزيستور واحد صغير، كان الرجال كلهم متجمعين.. الرجال قرايبنا متجمعين في أحد البيوت وأنا أصررت إني أكون موجودة بينهم ففجأة يعني ما كنتش كثير سامعة ولا فاهمة شو اللي عم بيحكيه بس فجأة شوفت الكل يبكي وكانت يمكن أول مرة في حياتي أشوف الرجال يبكوا، فبعديها سألت إنه ليش؟ قالوا لي عبد الناصر استقال وبده يتركنا فمن حينها أنا بدأت أحس إنه عبد الناصر شيء مهم، هلا بعديها..

سامي كليب [مقاطعاً]: كان عمرك عشر سنين؟

عطاف يوسف: كان عمري عشر سنين هلا، بعديها أنا صرت أنا كثير بحب القراءة يعني فكنت أقرأ كثير فعرفت عن عبد الناصر أشياء أكثر وفعلا تأثرت بموته، يعني فيك تقول أحسست يمكن أول مرة بأحس باليتم يعني لهذه الدرجة فثاني يوم فجأة لقيت حالي بألبس أسود وروحت على المدرسة لابسة أسود اليوم اللي بعديه كان كل بنات المدرسة لابسين أسود.

سامي كليب: طيب طبعا آنذاك كانت أيضا موجة التنظيمات السياسية الفلسطينية ولكن كان العمل في معظمه عمل سري لكي لا يُكشف في أثناء المقاومة، يعني وفق ما قرأت في الواقع لم أجد لكي انتماء سياسي في تلك المرحلة يعني كان عمرك تقريبا أربعة عشر عام فيما بعد فهمنا من خلال العملية التي سنتحدث عنها إنك شاركتِ بالعملية باسم فتح ثم في داخل المعتقل كنتِ جبهة ديمقراطية، هل دخلتِ تنظيم سياسي في بداية حياتك؟ وهل ما يقال عن ميولك الشيوعية في البداية صحيح كنتِ من التنظيم الشيوعي في فترة معينة؟

"
بدأت حياتي التنظيمية الفعلية مع فتح وكانت لفترة قصيرة جدا لم تتعد الأشهر وذلك لاعتقال الشخص المسؤول عن تنظيمي وانقطاع صلتي به
"
عطاف يوسف: مضبوط يعني أنا في بداية الحياة التنظيمية الفعلية كنت مع فتح أول مرة بس كانت لفترة قصيرة جدا لم تتعدى الأشهر لأنه اللي كان مسؤول عني بحكم العمل السري كان فقط كل واحد يعرف بس المسؤول عنه ما يعرف حتى.. فاعتُقل الشخص اللي كان مسؤول عني وانقطعت الصلة، فأنا بهذه الفترة كنت أنهيت التوجيهي والتحقت بمعهد المعلمات في معهد المعلمات تعرفت على..

سامي كليب [مقاطعاً]: ست سنوات بالتوجيهي برام الله وسنتين في معهد المعلمات..

عطاف يوسف: أثناء وجودي في المعهد تعرفت على ناس من التنظيم الشيوعي فاشتغلت معهم لفترة، تكون عندي بدأت بدايات الفكر والقراءات والتثقيف والمضبوط ظللت متأثرة بهذا الفكر بس بنفس الوقت كان مسيطر على العمل الفدائي والعمل العسكري فالتنظيم الشيوعي ما أرضى طموحي، أرضاني فكريا لكن ما أرضانيش عمليا.

سامي كليب: وين رحتِ؟

عطاف يوسف: رحت على فتح..

سامي كليب: فتح، طيب تدربتِ عسكريا لفترة طويلة؟

عطاف يوسف: لا كانت فترة قصيرة ليوم واحد فقط.

سامي كليب: في سوريا؟

عطاف يوسف: في سوريا.

سامي كليب: طيب الغريب إنه رغم التدريب الصغير فيما بعد ثبت إنك قمتِ بالعديد من العمليات وضع متفجرات، نقل أسلحة وما إلى ذلك، يعني كانت هذه العمليات بالنسبة للطلاب مثلك شغلات طبيعية دون تدريب دون تجهيز دون دراسة؟

عطاف يوسف: يعني شوف هي كان عملية.. المشكلة عملية التصنيع اللي كانت تحتاج للتدريب لكن عملية وضع العبوة وتنفيذ العملية بالتأكيد كانت بحاجة لتدريب من نوع آخر لكن ما كنتش شيء معقد.


الاعتقال والتعذيب

سامي كليب: لم تكن العمليات شيء معقد أو هكذا خُيّل للشابة الفلسطينية عطاف يوسف التي تبدو اليوم في منزلها كأي سيدة عربية عادية تقوم بأعمالها المنزلية الطبيعية، فعطاف يوسف ذات الملامح الخجولة المسالمة كانت تنقل القنابل والمتفجرات دون خوف وكانت تضع دمها على كفها وتسير بين الحواجز بغية تحرير أرضها من غاصبيها ولكن اللحظة الحاسمة في حياتها حلَّت في الثالث والعشرين من شهر أيار/ مايو من عام 1979 فآنذاك ذهبت عطاف يوسف إلى المحطة المركزية للباصات بشارع يافا وما أن وضعت القنبلة وهمت بمغادرة المكان حتى وقع ما لم يكن في الحسبان.

عطاف يوسف: العملية كان المفروض إنه تكون بشارع يافا بالقدس الغربية في محطة الباصات المركزية فكان المُتفق عليه إنه يعني يكون في تجمع ميكروباص وإذا كان جنود بيكون أفضل، إنه يتم وضع القنبلة بسلة المهملات هناك عندهم بيحطوا على العمدان يعني سلات مهملات.

سامي كليب: وموقف الباصات كان للمدنيين والعسكريين على السواء؟

عطاف يوسف: هو مشترك بس يعني كانت التعليمات بتقول إنه إذا كان في عسكريين أكثر بيكون أفضل لأنه إحنا دائما ما كان هدفنا إنه استهداف المدنيين يعني حتى بهاديك الفترة المبكرة، فمشيت حسب التعليمات ووصلت للمكان المناسب أو اللي وجدت إنه مناسب ووضعت القنبلة في سلة المهملات لكن فوجئت إني وأنا برفع.. يعني أنا القنبلة ما بقدر أرميها رمي فلازم أنزل على أساس أضعها بشكل اللي ما تخبط بالحديد وكده يعني أولا ممكن تنكشف ممكن تنفجر.

سامي كليب: وهي من النوع التي تنفجر عن بعيد؟

عطاف يوسف: لا هي تنفجر بساعة توقيت، يعني كان المفروض بعد ربع ساعة من وضعها تنفجر. فأنا نزلت ووضعت القنبلة وأنا عم برفع فكان حد بيمسكني من كتفي ففوجئت إنه اللي عم بيمسكني مخابرات، قال لي كيف وليش وكل هذه الأسئلة اللي دارت بذهني في حينها، بصراحة لم أجد جواب حتى الآن..

سامي كليب: يعني كأنهم كانوا ينتظرونك؟

عطاف يوسف: يعني هكذا كان يبدو لكن ما بأعرفش ليش، يعني لا أشكك بحد من اللي كانوا معي أو اللي كانوا يعرفوا.

سامي كليب: شو السبب ليش سبب عدم التشكيك؟

عطاف يوسف: يعني الناس أنا اشتغلت معهم فترة وناس ثقة وبعدين أحدهم يعني أحد الأشخاص كان معي كان برفقتي كان يسبقني بخطوات، بيني وبينه خطوات كان المفروض إنه نمشي مع بعض يكون هو سابقني بحوالي مش أكثر من عشرة أمتار وبعدها أنا أقوم بالمهمة ونلتقي ونرجع مع بعض، فيعني إذا كان هو بده يحكي عن حاله فهو كان راح يضر حاله بنفس الوقت، نفس الشيء كان في شخص آخر بيعرف شخص ثقة جدا يعني ما ممكن بس..

سامي كليب [مقاطعاً]: طيب بس ممكن أنكِ كنتِ مراقبة لأنه كان لكِ سوابق أمنية.

عطاف يوسف: ممكن هذه واحدة إنه كنت أنا شخصيا مراقبة، ممكن إنه بالفترة اللي أنا عملت فيها لـ 27/5/1967 اللي هي تلي لي ذكر النكبة 15/5/1967 يعني فترة قصيرة وهذه السنة شهدت عدد من العمليات وتقريبا كانت معظم العمليات تتم بنفس الأسلوب، فلذلك ممكن يكون المنطقة مراقبة ممكن يكونوا قدروا أمنيا إنه ممكن يصير في هذه المنطقة شيء فكانوا ينتظروا.

سامي كليب: طيب طبعا الضابط وضع يده على كتفكِ وقبض عليكِ، قبل السؤال عن كيف تصرف معكِ يعني وددت أن أسألكِ كفتاة في عز الشباب آنذاك حين كنتِ تضعين هذه القنبلة وتعرفين أنه في موقف الباصات سيكون هناك مدنيون تماما كما سيكون هناك عسكريون ربما يعني ما كان عندك ولا أي وخذ ضمير إنه ستقتلين مدنين مثلا؟

"
كل تفكيري كان منحصرا في احتلال إسرائيل لأرضنا
وما يجب أن نوقعه بهم من أذى كبير أو على الأقل إقلاقهم
"
عطاف يوسف: يعني شوف ما كانش بهذه الفترة في عمق من التفكير اللي أفكر بهذه القضية، يعني كل التفكير كان منحصر إنه إسرائيل احتلتنا فإحنا يجب أن نقلق إذا ما قدرناش إنه نوقع أذى كبير في إسرائيل على الأقل نقلقهم، يعني التفجير حتى لو ما قتلش حدا كان بيعمل لهم هزة إنه بيخلخل الأمن عندهم حتى أمام مواطنيها، فزي ما قلت قبل ما كان.. يعني أنا ما كنت أروح بهدف إني أقتل ولا عمري كنت أفكر إنه.. وهذا السؤال سألوني إياه بالتحقيق إنه افرضِ طيب هذه المنطقة فيها عرب افرضِ كان في عرب يعني وانفجرت القنبلة ومات عرب، ما بأعرف يعني في حينها جاوبتهم لو كان في عربي بيكون نصيبه فما كان عندي هذا عمق التفكير أفكر في الأبعاد وإنه ضميري يحاسبني أو ما يحاسبني، أنا كنت بشعر إن أنا بأؤدي واجبي.

سامي كليب: طيب لما جاء الضابط وقبض عليكِ بالجرم المشهود يعني يمكن يتخيل المرء إنه منطقة فيها كثير من الإسرائيليين..

عطاف يوسف [مقاطعةً]: موقف باص..

سامي كليب [متابعاً]: في موقف باص لأنه كيف سيكون..

عطاف يوسف: لأنه مش موقف باص واحد، مجمع كيف بنحكي هون مجمع..

سامي كليب: مجمع وعرفوا إنك تضعين قنبلة؟

عطاف يوسف: آه طبعا.

سامي كليب: كيف تصرفوا معكِ الناس والشرطة؟

عطاف يوسف: والله تصرفوا معي بوحشية كثير كبيرة وضابط المخابرات كان بإمكانه يمنعهم بس يبدو إنه كان يرغب في.. يعني أشي كان يشد شعري أشي يبصق على أشي يضربني شلاليت برجليه من الوراء ومشَّاني مسافة، هلا يجوز أنا كون اللحظة أحسست إنه المسافة طويلة هلا هي ممكن ما تكونش طويلة بس كم الشتائم والضرب وشد الشعر اللي أنا تعرضت له خلاني أحس إنه أنا مشيت مسافة طويلة وطلعت حوالي ثلاث طوابق على الدرج والناس ورائي يعني والكل.. تعرضت لكثير يعني لدرجة أني أنا لما أدخلني الغرفة كان جسمي جدا منهك، منهك من الضرب، الطريقة اللي تم فيها الاعتقال وما حصل بعد للحظات الأولى تقريبا عشت فترة بأقدر أسمها فقدان الإحساس يعني، كأنه هيك مخي سكَّر زي ما بنقول إحنا ما عدت قادرة أفكر بأي شيء كيف بدي أواجه، متى أخذت نفسي وهديت؟ بعد ما حطوني بسيارة المخابرات قعد واحد جنبي من هون وواحد جنبي من هون، طبعا كانوا حاشريني بشكل كثير مزعج بس يعني أحسست حالي أنه خلاص لازم تبدي تفكري.

سامي كليب: طب بالساعات الأولى ما الذي حصل الساعات الأولى للاعتقال؟

عطاف يوسف: الساعات الأولى انهال عليّ المحققين بشكل كان الهدف منه الإرباك وإنهاك القوى يعني أول لحظة بالتحقيق دخل عليّ 13 محقق.

سامي كليب: هذه عادة عندهم يعني أنه كل واحد يسأل سؤال وكل واحد يصرخ.

عطاف يوسف: دخل 13 محقق كلهم كانوا يسألوا بنفس الوقت وكلهم بدهم إجابة مني بنفس الوقت، فأنا ردة فعل عكسية كان عندي أنه صمت تام وبالآخر قلت لهم أنا بأقدر أجاوب على محقق واحد وعلى سؤال واحد ما بأقدر.. بأقدرش أسمع كل الأسئلة وبأقدرش أجاوب عليها.

سامي كليب: في خلال الأسئلة الأولى كان يترافق ذلك مع الضرب مع الإهانات مع..؟

عطاف يوسف: بالتأكيد يعني كان ضرب.. الغرفة كانت كثير صغيرة وكانت مزدحمة كثير فيهن فكانوا مقعديني على كرسي كثير قريب من الحائط، الحائط ما كانش أملس كان خشن في إيشي مبوز فكان دائما يخبط رأسي بالحائط فبعد فترة يعني أنا أحسست بإيشي عم بينزل على رقبتي فيعني تبين أنه رأسي مليان خزوق وكانت كلها بتنزل دم، هلا إيشي ثاني كان حلقي مُلتهب فأحسوا من خلال كيف أنا بأحكي أنه في صعوبة فبيسألني مريضة بأقول له أه، قال لي شو بيوعجك قلت له حلقي بيوجعني فضربني هيك بهذا الشكل هون ففورا بدأ الدم ينزل من أنفي ومن فمي وتركوني بدون أي إسعاف وبنفس اللحظة بدهم إياني أجاوب على الأسئلة، يعني الدم عم بيتدفق من فمي ومش عارفة شو أعمل وبدهم إياني أجاوب على الأسئلة كان عدا عن هيك يعني هذه اللي إحنا بنسميه ما يتعارف عليه بالشَبْح.

سامي كليب: الشَبْح اللي هو..

عطاف يوسف: الشبح، الشبح هو يعني أنه بيطلعوك على ساحة بيربطوا أيدك من جهة بكلابشة وبيربطوها بماسورة بحيث أنك تكون واقف بس رؤوس أصابعك اللي على الأرض يعني مش كل رجلك وأيدك مرفوعة وعلى رأسك في كيس طبعا أنت بتظل شايف إيشي عدا عن هيك هذا الكيس بيكون فيه روائح، روائح كثير سيئة يعني، أحيانا بيكون فيه دم، أحيانا بيكون فيه قيء بيكون في كثير أشياء فهذه ممكن تقعد كمان لساعات يعني وأنت بهذه الطريقة، فأيش بتعمل؟ بتعمل تيبس للأطراف وبتعمل بتأثر على العمود الفقري وكمان ممكن تأثر على العيون وعلى الرأس بشكل عام يعني، فهذه أحد أساليب التعذيب اللي كانوا يستخدموها بس الأسوأ من كل أساليب التعذيب الجسدية اللي هي مهما كانت قسوتها بس ممكن المعتقل يعني اللي عنده اللي هو دخل لقضية يعني يؤمن بقضية ممكن تخلق عنده تحدي بس الأخطر منها اللي هي الأساليب النفسية.

سامي كليب: مثلا؟

عطاف يوسف: يعني مثلا حرمانك من النوم مع أنه هذا جسدي لكن تأثيره نفسي، انك تقعد مثلا ثلاث أيام بدون أكل.

سامي كليب: الحرمان من النوم بأي طريقة يعني كل..؟

عطاف يوسف: التحقيق متواصل يعني هن بيتبدلوا، المحقق بيتعب بيروح بيرتاح بيجي غيره والسجين قاعد أمامهم يعني هو موجود وهن بيتبدلوا وبيرتاحوا فثلاث أيام بدون نوم مثلا.

سامي كليب: طب لو حاولتِ تنامي شو؟

عطاف يوسف: ما في بيجي بيمسكك وبيصحيك بيجي بيكب عليك مياه، مياه باردة عشان تصحي يعني الأكل اللي كانوا بيقدموه يعني بيقدموا لك أكل في أكل مش أنه ما فيش أكل بس أكل بحيث أنك ما تأكله، يعني مثلا يجيبوا لك قطعة دجاج طرف الجناح وعليها الريش أو يجيبوا لك الأكل وأمامك يطفئ السيجارة فيه، يطفئ السيجارة يكون يدخن فيك وكل هلا في البداية يعني أنا كنت أقرف وبعدين لقيت أنه لا، يعني فهمت اللعبة عشان السيطرة لاحقا على الذهن وعلى أنه يصير في انهيار جسدي عند المعتقل ومتى صار عنده انهيار جسدي يعني ممكن كمان يصير انهيار بالاعترافات وبكل القضايا.

سامي كليب: تم تعذيب عطاف يوسف في الأيام الأولى للاعتقال واخترعت قصة خيالية حول الشخص الذي نظمها وصدقها المحققون ثم اكتشفوا أنها تضللهم وكان نتيجة ذلك أن نسفوا منزل أهلها وهدموها وسمعت نبأ هدمه من تليفزيون سجانيها وصارت عطاف تنقل من سجن إلى آخر حتى حُكم عليها في الرابع عشر من شهر أيار مايو من عام 1998 بالسجن عشرين عاما.

عطاف يوسف: إحنا قدمونا لمحكمة مدنية مع أنه إحنا المفروض نتقدم لمحكمة عسكرية، القصة طويلة يعني بس باختصار كان أحد أفراد المجموعة طالع على أميركا فكان إسرائيل بده إياه تستلمه من الأميركان وبما أنه الاتفاقية ما بتسلم سياسيين بتسلم فقط مدنيين ولذلك حولوا كل المحكمة.. محكمة المجموعة كلها لمحكمة مدنية فلذلك..

سامي كليب [مقاطعاً]: يعني كأنكم مجرمين؟

عطاف يوسف: كأنه مجرمين بالضبط كأنه زينا زي تجار المخدرات وغيرهم، فإحنا كنا نرفض المحكمة يعني كانوا لما يطلعونا.. إحنا كنا بالمناسبة أربعة شاب وثلاث نساء اللي تقدموا مع بعض إلى المحكمة فكنا أول ما نطلع على المحكمة لما يجي حد يقول محكمة نرفض نوقف ونرفض نعترف بالمحكمة ونقوم نهتف فيجي الجيش يطلعنا من المحكمة وتستمر المداولات، هلا آخر جلسة اللي كانت جلسة النطق بالحكم طلعوني لحالي، يعني ليش اختاروني أنا ما بأعرف بس المهم طلعوني لحالي أول إيشي فكان نفس الموقف اللي كنا نتخذه جماعة وحتى بأذكر الهتاف اللي هتفته.

سامي كليب: شو هتفتِ؟

عطاف يوسف: قلت نموت واقفين ولا نركع مادام لنا طفل يرضع، فجاء الجندي سحبني وطلع بعديها طبعا أصدروا الحكم زملائي كان كل واحد مؤبدين وعشرين سنة وأنا كنت أقلهم حكما المضبوط عشرين سنة..

سامي كليب: لأنك لم تقتلي.

عطاف يوسف: فعرفنا لأنه ما كانش في اعترافات بالقتل عرفنا وإحنا بزنزانة المحكمة يعني طابق أبصر قد أيش تحت الأرض يعني كان بنحس أنه بننزل كثير تحت الأرض فجاؤوا حكوا لنا، فأنا أول ردة فعل عندي كانت أنه حسبتها إيه إحنا 1979 اعتقلت أنا بأطلع بـ1999 فقلت لهم ليش ما حكموني للألفين، فكان هيك يعني شوف إحنا كنا متوقعين أنه راح يكون حكم عالي فما كان مفاجئ يعني.


الحياة في السجن

سامي كليب: طيب في السجن طبعا بدأتِ تعتادين على حياة السجن بعد فترة الحكم وعدتي إلى القراءة يبدو أنك كنت تحبين جدا القراءة والتعلم وطلبت أن تتعلمي أكثر، أن توسعي المجال حتى بعد الإفراج يبدو كان الأمر صعب، حياة السجن كانت حياة منظمة حياة صعبة حياة مسيَّسة خصوصا أنه على ما يبدو أنك انتقلت إلى العمل مع الجبهة الديمقراطية داخل خلف القضبان؟

عطاف يوسف: لا حياة السجن منظمة جدا وفيها مجال للاستفادة لدرجة أنه ممكن تنسى أنه سجن.

[فاصل إعلاني]

سامي كليب: طبعا حياة السجن طويلة وصعبة وفي أحيان كثيرة مملة وما إلى ذلك ولكن أيضا فيها محطات كما تفضلتِ محطات تعليم، محطات إعادة بناء النفس والذات وما إلى ذلك ولكن ما هي أصعب لحظة عشتيها داخل السجن؟

عطاف يوسف: أحد اللحظات اللي كانت كثير صعبة أنه جاءت ضابطة الأمن أما إحنا كان في سجينات يشتغلوا بأشياء يعني جوه السجن، مثلا كان في مخيطة مغسلة المطبخ كذا فجاءت طلبت مني انه ما تطلعي اليوم على الشغل فأنا استغربت ليش، فبعد نصف ساعة بتيجي بتطلع فيا هيك وتروح فكان واضح أنه في شيء غريب ولما هي مش عم تحكي لي إيشي وأنا ما بأعرف يعني ليه ما أطلعش على الشغل يعني مش عقاب مثلا ما أخذتني على الزنازين أني أنا عاملة إيشي بدها تعاقبني، فبعد حوالي ساعتين من التوتر والقلق إلا جاءت بتقول لي يلا هلا اطلعي على الشغل قلت لها شو أنا لعبة فهميني ليش من الأول ما أطلعش على الشغل وليش هلا بدي أطلع على الشغل، فبكل بساطة عم تضحك بتقول لي والله إحنا جاءنا خبر أنه أبوكِ مات وطلع مش أبوكِ طب كيف؟ كيف أبوي مات ومش أبوي، يعني فالمهم طلعت فهلا ما كانش أمامي هلا هي فسرت لي للأمانة يعني بعديها أنه كان في كمان واحدة في السجن أسمها عطاف واللي صدف أنه محاميتي ومحاميتها نفسها.. فأهل السجينة الثانية اللي أسمها عطاف اتصلوا فيها أنه أبونا توفي فإذا بتقدري تطلعيها تحضر الجنازة، فهي فكرت المحامية أنه أنا وصار على أساس أنه أطلع أحضر الجنازة ولا ما أطلعش أحضر الجنازة هلا (Ok) أنا صدقت الجزء الأول أنه أبوي مات لكن ما صدقتش الجزء الثاني فهلا كان الزيارة باقي لها أسبوع عشرة أيام يعني وما فيش وسيلة اتصال، يعني ما فيك تتأكد من الخبر فاللي صدف أنه لما جاءت الزيارة الثانية أبوي ما جاش جاءت أختي وأمي وحد ثاني يعني ما جاش أبوي، فأنا في حينها يعني شبه انهرت فبأسألهم وين أبوي بيقولوا لي ليش بتسألي هيك؟ يعني أبوكِ في الدار فبقول لهم متأكدين أنه أبوي موجود قالوا أه ليش؟ بأقول لهم حكيت لهم أنه صار هيك قالوا لا أبداً أبوكِ صحته جيدة وكل شيء تمام فقلت لهم الزيارة الجاية لازم أبوي يجي فقعدت استني كمان برضه ما صدقتش أهلي يعني كان كثير سيطر علي..

سامي كليب: وجاء بعد كم وقت؟

عطاف يوسف: بعد شهر لأنه كل أسبوعين الزيارة كانت فيعني بس صدقت لما أنا شوفته.


المنفى وصدمة فقدان الزوج

سامي كليب: عطاف يوسف التي اعتقلت وسجنت وهي في ربيعها الثاني والعشرين كانت مخطوبة وتركها خطيبها بعد دخولها إلى المعتقل وهي حتى اليوم لا تعرف عنه شيئا ولكن بعد خروجها من السجن في أعقاب عشر سنوات خلف القضبان كان نصيبها أن تتزوج من شخص مرشح للموت كان اسمه عبد المنعم قطان وعُرف باسم خضر كان مناضلا صلبا وسُجن طويلا في المعتقلات الإسرائيلية وخرج من السجن مريضا يصارع الموت بسبب السرطان.

عطاف يوسف: هذه الصورة اللي هي موجودة في كل مكان عندي في البيت اللي هي الصورة الوحيدة اللي أنا بأمتلكها له لوحده كانت وهو إنسان يستحق يعني كل ما عملته عشانه وحتى فترة الثلاث شهور اللي كانت متبقية له بالحياة حسب رأي الأطباء يعني كانت حتى لو كانت ثلاث شهور أنا كنت مستعدة لأخذ هذا القرار والزواج منه لأنه إنسان يستحق، إنسان قدَّم كل شيء للوطن فكان يستحق يلاقي امرأة واحدة إنه تقبل فيه زوج وتسعده ولذلك أنا قررت الزواج منه رغم معرفتي إنه فرصته في الحياة ما كانت كبيرة.

سامي كليب: اهتمت عطاف يوسف بالملف الطبي لهذا المناضل الفلسطيني وصارت تتابع وضعه الصحي بعد خروجه منهكا من المعتقلات الإسرائيلية ومصابا بالسرطان، كانت التقارير الطبية تقول إنه سيموت بعد ثلاثة أشهر وإن الأدوية الكيميائية التي يتناولها تمنعه من الإنجاب وهي أصلا كانت تستعد للزواج من شخص آخر وفوجئت بأن عبد المنعم قطان يطلبها للزواج.

عطاف يوسف: فكرت كثير والآخر طبعا وُجِهت بمقاومة يعني أي حد كنت بحكي له إنه في مشروع كذا كذا يقول لي أنتِ مجنونة مباشرة يعني إذا وافقت بتكونِ مجنونة.

سامي كليب: بما فيهم الأهل أكيد؟

عطاف يوسف: بما فيهم الأهل، بما فيهم من الأصدقاء حتى الرفاق يعني الكل يقول شو مجنونة هلا، قلت شهر ستة صار لي ماضي ثلاثة شهور يعني تتزوجي واحد بس عشان ثلاث شهور، فكان يعني صعب أقرر بس كان في عندي هيك شيء داخلي إحساس اللي بيحكوه الدكاترة مش صح لأن أنا شايفاه على أرض الواقع إنه يعني عم يتقدم بشكل كثير سريع وأحد المرات قال لي الدكتور هذا البني آدم يعني يا إما معجزة يا إما في شيء، عنده حب حياة بشكل كثير كبير لذلك ممكن إن هو عم يستجيب للعلاج بشكل كثير كبير، فبالآخر خلاص حسمت الموضوع يعني أخذت معي ثلاث أيام تفكير وبالآخر قلت خلاص أنا موافقة.

سامي كليب: وتزوجته؟

عطاف يوسف: وتزوجته.

سامي كليب: كم سنة عاش.

عطاف يوسف: تزوجنا بشهر12 كان باقي له على حساب الدكاترة عشرة أيام.

سامي كليب: عشرة أيام.

عطاف يوسف: أو خمسة عشر يوم تزوجنا بـ 14-12.

سامي كليب: كيف كان الأيام الأولى؟ كانت صعبة يعني ألا يمكن يعتقد الإنسان يتصور إنه شخص ربما سيموت وفق تشخيص الأطباء وتتزوجيه ويعني حتى شهر عسل ما في لأنه ما في عشر أيام.

عطاف يوسف: الأمانة كان وضعه الصحي يعني لما تزوجنا كان الموضوع الصحي..

سامي كليب: تحسن.

عطاف يوسف: كثير يتحسن يعني لدرجة إنه خفف كثير من الأدوية اللي كان يعني بطَّل يأخذ جلسات الكيماوي الإبر فكان يأخذ بس حبوب بهذه الفترة.

سامي كليب: كم سنة عاش؟

عطاف يوسف: عاش تسع سنوات.

سامي كليب: وأنجبتما ولدين؟

عطاف يوسف: أنجبنا ولدين.

سامي كليب: حين كنا نُصور هذه الحلقة مع السيدة عطاف يوسف فوجئت بأنها حين زارت قبر زوجها في الأردن حيث دُفن بسبب رفض السلطات الإسرائيلية إعادته إلى أرض أجداده وأهله ليدفن فيها فوجئت بأن السيدة عطاف يوسف لم تعد تعرف تماما أين دَفنت زوجها قبل سنوات وكأنما العشب الذي نبت على قبره يريد دفنه مرتين مرة تحت الأرض وأخرى في الذاكرة، هو الذي دافع عن الأرض لتبقى الذاكرة.

عطاف يوسف: دُفن في الأردن يعني لأن إحنا كنا عايشن بالأردن ولأنه هو أصلا منفي، يعني إحنا الاثنين لما طلعنا من السجن كان شرط خروجنا إنه إحنا نكون منفيين، هو توفى بالـ 1993 وكنت أنا عايشة معه هون بالأردن ودُفن طبعا في مقبرة سحاب، أنا بـ1995 رجعت للبلاد أيام ما كنت أنا عايشة يعني خلال السنتين بين ما توفي وبين ما أنا رجعت لفلسطين كنت تقريبا أروح كل أسبوع إذا مش أكثر فكنت كثير يعني بسرعة أنظر لهذا القبر بس أنا هلا بالفترة الأخيرة يعني كل ما بآجي على الأردن بأروح على القبر يعني بس آخر زيارة كانت قبل حوالي سنة ونصف، المشكلة إنه المقبرة كبرت يعني من 1993 لهلا كبرت كثير ونفس النظام، حتى يعني كل مرة بأحاول إني أحط علامة معينة لي عشان المرة الجاية أتذكر بألاقي العلامة متغيرة.

سامي كليب: طيب بشو أوصاكِ قبل وفاته تقريبا وهل كان شاعر إنه سيموت بعد فترة قصيرة بعد مرور السنوات التسع يعني بالعيش المشترك؟

عطاف يوسف: هو مضبوط يعني ما شعرش بالموت إلا آخر شهرين، شوف هو طوال التسع سنوات لم يُشعرني يوم من الأيام إنه هو راح يموت بالحكي لكن هو كان عارف إنه راح يموت.

سامي كليب: كانت الحياة طبيعية.

عطاف يوسف: كانت الحياة يعني طبيعية بحدها إذا ما فيش مستشفى إذا هو ما بدوش مستشفى يعني إذا مش مريض فكانت طبيعية جدا لكن كان كثير يدخل المستشفى يعني هادول التسع سنوات، هو دائما كان يتصرف على إنه هو مش مُعرض للموت، إيش بداخله؟ ما بأعرف بس بعلاقته معي بعلاقته مع الأولاد بس أنا كنت أشعر بهذا بطريقة تعلقه بالأولاد وطريقة تعامله مع الأولاد أو معي، يعني ما فيّ أوصف قد إيش كان هذا البني آدم يعني لدرجة كنت أصفه أقول معقول في بني آدميين زيه، قد إيش كان حنون وقد إيش كان متفاني لآخر درجة يعني أذكر أحد المواقف كان بمستشفى الجامعة وكنت متفقة أنا وياه إني أخذ الأولاد كان طالب إني أجيب الأولاد فأنا ما كنت بعرف إنه بهاديك اليوم راح يكون في عنده عملية ولا هو كان بيعرف، يعني عملية بمعنى إنه بدهم يستأصلوا له أشي من تحت إبطه، فالأولاد كان ممنوع يدخلوا داخل المستشفى فكنا بالعادة لما آخذ له الأولاد نلتقي بره بالساحة فكان وصلنا كان بانتظارنا يعني بالساحة بيستنانا فابني كان عمره بحدود ستة الصغير فقال له بابا ارفعني لفوق فهلا حمل الولد ورفعه لفوق ودار لي ظهره، هلا أنا ما انتبهت ليش دار لي ظهره ليش دار ظهره لي يعني، فهلا كمان مرة الولد بابا ارفعني كمان مرة فرفعه فأنا كنت صرت لفة فكان عم بيتألم بشدة لأنه في جروح صار له ساعتين أو ثلاثة يعني بس بنفس الوقت يعني دار ظهره عشان أنا ما أشوف إنه بيتألم وعشان ما أعرف إنه عامل عملية عشان ما أخذش الأولاد منه إنه يعني أبعد الأولاد، كان إنسان كثير عاطفي أنت سألتني بإيش وصاني مش وصَّاني قبل موته بيوم أو يومين يعني لما شعر إنه تعب، وصاني بشغلتين، وصاني على الأولاد ووصاني إني أخذ الأولاد وأروح على فلسطين أي لحظة، أي لحظة بتسمح لي أروح قال لي أولادي.. تأخذي الأولاد وبتروحِ على فلسطين وتحديدا أكون واضحة أكثر قال لي بتروحِ بتأخذي الأولاد عن أخوالهم لأنه كان بيعرف قد إيش أخوالهم حنينين عليهم.

سامي كليب: يعني صعب الواحد يسألك عن حياتك بعد وفاته حتى لو كان الإنسان مستعد يعني لهذه الوفاة ولكن تغير الكثير بحياتك مع الأولاد بعد أن غاب بعد ما توفي؟

عطاف يوسف: آه طبعا، يعني أولا هو بالنسبة لي كان كثير أشياء يعني لمّا فقدته مش فقط زوجي يعني أنا لما فقدته مش بس فقدت الزوج هلا كان كثير أشياء، كان يقوم بكل ما احتاجه بكل أدوار الناس اللي بأتمناها يكون بحياته كان فيه يعني إن احتجت لأخ كان يلعب دور الأخ إن احتجت لأب أم صديق أي شيء طبعا (OK) ما كنتش في الأول.. كان في مشاعر حب بس مجرد ما قلت آه إن أنا موافقة على الزواج يعني صرت أحبه كثير وكل يوم كنت أعيش معه كنت أحس إن أنا أحبه أكثر وأكثر لدرجة إنه مرات يعني كنت أقف بيني وبين نفسي إنه بيكفي لأنه كنت عارفة شو راح يصير بعدين، إنه ما تتعلقي فيه زيادة عن اللزوم بس طبعا ما كانش الأمر يعني بأيدي فتعلقت فيه لدرجة كبيرة فلما فقدته أحسست الحياة بتروح مني يعني كلها.


الغربة في الوطن

سامي كليب: توفي المناضل الفلسطيني تاركا خلفه السيدة عطاف يوسف وولديه يواجهون صعوبة الحياة لوحدهم، توفي وفي قلبه غصة ألا يُدفن في أرض الوطن وعطاف يوسف نفسها كانت أصلا قد خرجت من الوطن إلى المنفى حين تم الإفراج عنها قبل سنوات فهي نقلت مع رفاقها إلى مصر ثم الجزائر فالأردن حيث عاشت طويلا بعيدا عن أرض أهلها وأجدادها، شعرت بأن الحياة خلف القضبان قد تكون أسهل من حياتها خارجها.

عطاف يوسف: يعني في البداية ما أعتقدش إنه في سجن خاصة اللي بيطوِّل شويه بالسجن يُصدم في كل شيء، يعني يُصدم بالتغيير اللي بيصير أنا تعرضت لصدمة مرتين مرة لما طلعت من السجن وجئت على الأردن ومرة لما رجعت من الأردن على فلسطين، أولا أنت بتكون معزول عن العالم، طبيعة العلاقة بالسجن بين الناس علاقة جدا نقية ما فيها مصلحة، يعني أنت إذا تحب شخص في السجن.. سجينة بتحب سجينة أخرى ما فيش مصلحة إنه تحبها عشان بدها تحقق لها مصالح لأنه الاثنين سجينات أو الاثنين سجناء يعني ما في أي علاقة، ما فيش مادة وما فيش مصالح بتحكم، بس لما أنت بتطلع من السجن تلاقي إنه لا وين في فرق شاسع يعني إنه في مصلحة بتتحكم، في أجهزة أمن بتتحكم، في سياسة بتتحكم، في كثير شغلات أنت لازم تعملها طبعا. أنا قبل أقل من سنة التقيت مع أحد اللي كانوا بالسجن لفترات طويلة فيقول لي لساكي بترددي المقولة بتقول له آه، هذه المقولة اللي أنا بأرددها أنا ما عمري كنت حرة قد لما كنت أنا كنت بالسجن، الحرية مش بس إنك تكون تطلع وتفوت الحرية لها معاني كثير.. الحرية كيف أنت تفكر بحرية بدون ما تخاف من أي شيء، فعمليا إنه لما أنت تطلع من السجن تلاقي مش الناس مش الناس، طبيعة العلاقات تختلف فيها مصالح، فيها مادة، فيها سياسة يعني أي كلمة ممكن تُحسب عليك أي موقف ممكن يُحسب عليك.

سامي كليب: طيب حضرتك يعني خرجتِ من السجن وعلمتِ مباشرة إنه الخروج لن يكون إلى أرض الوطن وإلى القرية، إلى النفي يعني كانت لحظة صعبة بتصور الإنسان؟

عطاف يوسف: ربما تكون أصعب من السجن نفسه إنه.. خاصة إنه سبقها عملية تبادل، يعني سبقنا عملية تبادل وكانت بالـ 1979 وكان في جزء من الأسرى طلع بره وجزء بقي في فلسطين وإحنا كنا نتوقع إنه هيك راح يكون وخاصة أنا كنت بأحمل هوية ما كنتش جاية من الأردن أو أي مكان آخر، أنا بأحمل الهوية.. أنا ما طلعتش أصلا من فلسطين يعني بـ 1967 لا أنا ولا عائلتي طلعنا فكان توقعي إنه أبقي، كانت صدمة كثير كبيرة يعني لدرجة إنه كان ممكن لو خيروني أن أقعد كمان خمس سنوات بالسجن وما أطلع واطلع على فلسطين بالتأكيد كنت بأختار أقعد كمان خمس سنوات لأنه كثير صعب إنك أنت تكون بلدك على مرمى حجر منك، أنا أما كنت أنزل على البحر الميت كان كثير أده كان أنا عم بطلع كم كيلومتر كلهم وأريحا قبالي بس أنا ما أقدرش أعدي هذه المنطقة.

سامي كليب: بعد أربع وعشرين سنة من السجن والنفي عادت عطاف يوسف إلى أرض الوطن وحين صوّرنا هذه الحلقة في الأردن كانت قد عادت لتوها إلى عمان لزيارة قبر زوجها وللقاء بعض الأهل ولكن أيضا للقاء بعض زميلتها وزملائها الذين رافقوها في رحلة النضال والسجن ومن بينهم تريز هلسا ومحمد القاق حيث كان حديث الذكريات عن المعتقل ولكن أيضا عن الرحلة إلى الجزائر بعد الإفراج.

محمد القاق: إحنا في المعتقلات يعني كرجال كنا يعني بنتراوح بين ست إلى سبع آلاف لكن الفتيات كان عددهم محدود وكنا نعرفهم بالأسماء وكان.. وكنا نتبادل رسائل بطرق يعني لا نريد أن نكشف السر عنها الآن.

تريز هلسا [مقاطعةً]: كشفت السر.

محمد القاق [متابعاُ]: لكن كنا أسماء الفتيات بالمعتقل ولما طلعنا إلي الجزائر التقيناهم وزادت المعرفة (Face to face) يعني وجها لوجه وبالتالي يعني بتظل الذكريات لا تمحي وإن كانت لأيام قليلة للأمانة يعني.

سامي كليب: عملت عطاف يوسف في الصحافة وكتبت عن شؤون المرآة الفلسطينية وشجونها وقبل أن أودعها سألتها في نهاية هذه الحلقة هل تشعر بألم المناضل الذي غالي في أمله فقتله الواقع؟ هل تشعر بالندم وهل تشعر بالغربة في الوطن العربي الذي غالبا ما يقفل حدوده ومطاراته في وجهها؟

"
الوضع الفلسطيني الذي  نعيشه الأن لا يوازي الطموحات والأحلام التي كنا ننتظرها، وما تحقق لا يوازي إلا نسبة قليلة مما كنا نطمح إليه
"
عطاف يوسف: الذي يؤلمني الوضع الفلسطيني اللي عم بنعيشه يعني في الفترة الأخيرة، الوضع السياسي أولا يعني الطموحات والأحلام اللي إحنا نظرنا على شنها يعني بصراحة ما تحقق لا يوازي نسبة قليلة جدا من اللي إحنا كنا نطمح له، لا أشعر بالندم لا لأنه أنا بأعتبر إنه أنا قمت بواجبي مش أكثر وأصلا أنا ماكنتش باستني أي ثمن مقابل اللي أنا عملته بس كان في عندي أمل إنه في نهاية لهذا العذاب يعني وإني أعيش حتى لو فترة قصيرة من هذا إنه ننعم بالحرية بالآخر، إحنا هدفنا من الأول كان الحرية.

سامي كليب: بيزعجك اللي في خلال عبور عبر المطارات العربية إنه في بعض المرات تتعرضن كمناضلات سابقات لنوع من الشبهة الملاحقة المراقبة.

عطاف يوسف: هذا مش بس بيزعجني فقط يعني بيسبب إلي ألم كبير إنه ليه.. السؤال ليه؟ هل اللي بيناضل ضد إسرائيل يشكل خطر على الدول العربية؟ هذا السؤال أنا دائما يدور في ذهني يعني لمّا كنت أنا أتغلب في المطارات أو انتظر أو على أي حدود، يعني في قصة ما بأعرفش إذا رويتها لك إنه ثلاثة يعني إحنا لما طلعنا من الجزائر قلنا نجي على الأردن كنا قضينا ثلاثة اشهر من السجن مش شافيين أهلينا وكذا فإحنا كان المفروض بنمر عبر تونس فكان ما بين طائرتنا من الجزائر اللي وصلت تونس الطيارة اللي بني نجي فيها على الأردن كان في يومين، هذين اليومين إحنا قضيناهم على الكراسي في المطار، رفضت تونس تعطينا التأشيرة لنقعد يومين بفندق أو حتى يعني كان مكتب منظمة تحرير ممكن يستضيفنا، رفضت تعطينا هذه التأشيرة وقعدنا يومين على الكراسي بدون ملابس وبدون أكل وبدون فلوس فهذا يعني إحنا.. المجرمين عم بيدخلوا أسهل منّا يعني، بس ما بأعرف يعني تقريباً اعتدنا إنه ما عدنا نتوقع شيء لا من العرب ولا من غير العرب ويبدو إنه خلاص على رأي المثل ما بيحك جلدك إلا ظفرك، يبدو إن إحنا تُركنا كفلسطينيين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة