مستقبل الهيمنة الأميركية على العالم بعد أحداث سبتمبر   
الجمعة 16/4/1425 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 3:14 (مكة المكرمة)، 0:14 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

أحمد منصـور

ضيف الحلقة:

د. عبدالله النفيسي: الأمين العام للمؤتمر الشعبي لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني في الخليج والجزيرة العربية

تاريخ الحلقة:

18/09/2002

- أسباب التوتر والفزع لدى الإدارة الأميركية
- مدى نجاح أميركا في القضاء على القاعدة
- تأثير الهاجس الأمني الأميركي على مستقبل الهيمنة الأميركية
- تأثير سيادة منطق القوة والعسكرة على الهيمنة الأميركية
- أثر الخلط بين الإرهاب على مستقبل أميركا
- ضرب العراق كهدف تكتيكي.. الأهداف والأبعاد
- أسباب عدم إسقاط أميركا لنظام صدام حسين أثناء حرب الخليج الثانية

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم على الهواء مباشرة وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج (بلا حدود).

تبدو الولايات المتحدة الأميركية اليوم أنها قد فقدت التفكير في كل شيء سوى أنها أصبحت القوة الطاغية ذات الجبروت العسكري الهائل التي ينبغي للعالم أن يخضع لها ويُذعن لنفوذها، من هذا المنطلق فإن أميركا تنظر لمن حولها نظرة عداوة مُطْلقة أو ازدراء واحتقار أو استكبار وتعاظم كما هو حالها مع حلفائها الأوروبيين، فالرؤية السائدة لدى المسؤولين الأميركيين –والتي عبَّر عنها كثير من الكتَّاب والمفكرين الموالين لهم –هي أن الولايات المتحدة لديها من القوة والجبروت ما يجعلها تفعل كل ما تريد.

أما أوروبا فهي من المنظور الأميركي ضعيفة عسكرياً وتتخبط في سياساتها، حيث تستخدم الدبلوماسية والتنازل والتفاوض مع القوى الظلامية في العالم، لأنها لا تملك بديلاً عن ذلك، هذه أوروبا الحليفة لأميركا من وجهة نظر الولايات المتحدة.

أما العرب –كما جاء في تقرير نُشر مؤخراً عن نظرة البنتاجون لهم- أنهم ليسوا سوى عالم من المتخلفين لا يصلح معهم غير لغة القوة.

تساؤلات عديدة حول مستقبل الهيمنة الأميركية على العالم أطرحها في حلقة اليوم على المفكر السياسي البارز الدكتور عبد الله النفيسي.

وُلد الدكتور عبد الله النفيسي في الكويت عام 1945.

حصل على البكالوريوس في العلوم السياسية من الجامعة الأميركية في بيروت عام 67، وعلى الدكتوراة من كلية (تشرشل) في جامعة كمبردج في بريطانيا عام 72.

عُين رئيساً لقسم العلوم السياسية في جامعة الكويت بين عامي 74، 78 حيث ترك الجامعة وانتقل للتدريس في جامعة (اكستر) في بريطانيا بين عامي 80، 81. ثم إلى جامعة العين في الإمارات من العام 81 وحتى العام 84.

أصبح بعد ذلك عضواً في مجلس الأمة الكويتي عام 85، غير أن المجلس حُلَّ عام 86.

انتقل النفيسي بعدها للعمل أستاذاً زائراً للعلوم السياسية في جامعات أميركية مختلفة، مثل جامعة (ستان فورد) ومعهد (هوفر) لدراسات الصراع في الشرق الأوسط في جامعة (هارفارد)، كما عمل أستاذاً زائراً في جامعتي بكين وموسكو وعضواً مؤسساً في المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وأميناً عاماً سابقاً للمؤتمر الشعبي لمقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني في الخليج.

صدر له حتى الآن ثمانية عشر كتاباً، من أهمها "دور الشيعة في تطور العراق السياسي" و"الإطار السياسي والعسكري لمجلس التعاون الخليجي" و"إيران والخليج جدلية الدمج والنبذ" و"الإنزال العسكري الأميركي في الخليج" و"الكويت الرأي الآخر".

ولمشاهدينا الراغبين في المشاركة يمكنهم الاتصال بنا بعد موجز الأنباء على الأرقام التالية: 4888873 (00974) أو على رقم الفاكس: 4890865 (00974).

وعبر موقعنا على شبكة الإنترنت:www.aljazeera.net

دكتور مرحباً بك.

د. عبد الله النفيسي: أهلاً وسهلاً.

أسباب التوتر والفزع لدى الإدارة الأميركية

أحمد منصور: اتفقنا على موضوع هذه الحلقة وموعدها قبل ما يقرب من خمسة أشهر، وسؤالي الأول حول الخوف الذي تعيش فيه الولايات المتحدة بعد مرور أكثر من عام على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، رغم مرور أكثر من عام لازالت أميركا تعيش حالة من التوتر والفزع دفع الإدارة الأميركية إلى تجديد قانون الطوارئ عاماً آخر لدولة تعودت على الحرية وعلى ما يُسمى بالحقوق المدنية وحقوق الإنسان، لماذا لم تخرج أميركا إلى اليوم من حالة الفزع والخوف التي تعيشها منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟

د.عبد الله النفيسي: بسم الله الرحمن الرحيم، أتصور أنها لم تخرج من حالة التصعيد والتوتر لخمسة أسباب:

السبب الأول: أن الإدارة الأميركية الحالية لم تحقق نتائج كبيرة في الكشف عن المسؤولين الفعليين من.. في.. في 11/9، أو على الأقل لم تتمكن من القبض على مجموعة كبيرة منهم ولو كانت..

أحمد منصور [مقاطعاً]: حتى الآن، عفواً.

د.عبد الله النفيسي [مستأنفاً]: حتى الآن.

أحمد منصور: حسب أحد المحامين الأميركان -الذي الذي شارك معنا في البرنامج- لا يوجد متهم بأحداث 11 سبتمبر سوى شخص واحد هو الموسوي والآن يقولوا أنهم قبضوا على ابن الشيبة فربما يكون الثاني.

د.عبد الله النفيسي: طيب، وحتى ابن الشيبة الآن هناك التشكيك في أن الشخص الذي قُبض عليه في كراتشي هو ابن الشيبة، وعلى أية حال، أنا أتصور أنه الإدارة متوترة لخمسة أسباب:

السبب الأول: أنها لم تحقق نتائج كبيرة في القبض على المسؤولين الفعليين في 11 سبتمبر.

السبب الثاني: لو تأملت بالجدول اليومي للرئيس (بوش) الجدول اليومي من الصباح الباكر إلى.. إلى المساء ستلاحظ أنه يبدأ يومه العملي الساعة 8 على الطاولة يكون فيه ورقة يسمونها ورقة تقدير الموقف الأمني، اللي هي الـ Threat Assessment هذه بين خمس صفحات إلى 25 صفحة، ينغمس الرئيس بوش في قراءة هذه الورقة كل صباح الساعة 8، يتتبع أخبار الليل وما ورد إليه من الـCIA والـ FBI حول التهديدات المنتظر أن يواجهها كمسؤول عن الدولة، فيشعر الرئيس على مدى طويل يوماً إثر آخر من خلال قراءته لهذه الورقة التي يضعها الـCIA والـFBI، أن التهديدات ينبغي أن تشغل رأي الإدارة وتهمل القضايا الأخرى، ولذلك الإدارة في حالة توتر مستمر.

فيه سبب ثالث وهو: أنه الرئيس بوش والإدارة خايفين من المساءلة الداخلية، حتى الآن –أخي أحمد- لم تتم مساءلة الإدارة.

أحمد منصور: صحيح.

د.عبد الله النفيسي: عن 11 سبتمبر، يعني عادة مجتمع منفتح كالمجتمع الأميركي عريق في مؤسساته الديمقراطية مرَّ بكثير من الكوارث مثل غرق (التيتانيك) سفينة التيتانيك..

أحمد منصور: في بداية القرن.

د.عبد الله النفيسي: سنة 1912، (بيرل هاربر) في الأربعينات، اغتيال كيندي، كل حادث من هذه الحوادث تُشكل بعده يعني لجنة للتحقيق وللبحث وللمساءلة وللتساؤل وتُوضع تقارير ويستقيل من يستقيل ويُقال من يُقال..

أحمد منصور [مقاطعاً]: أشهرها فضيحة (وترجيت) مثلاً.

د.عبد الله النفيسي: وترجيت.

أحمد منصور: الرئيس نفسه راح فيها.

د.عبد الله النفيسي: الرئيس نفسه (نيكسون) لأنه سرق فقط شريط من حزب.. الحزب الديمقراطي حوسب..

أحمد منصور [مقاطعاً]: (مونيكا لوينسكي) العالم تابعها على.. على التليفزيونات. نعم.

د.عبد الله النفيسي: حوسب.. (كلينتون) نفسه حُوسب على ما قام به من.. من مغامرات شخصية خلافه.. حتى الآن لم يطبق المجتمع الأميركي قانون المساءلة على بوش، ولذلك بوش خوفاً من هذه المساءلة يُشغل المجتمع الأميركي بالعدو الخارجي ويشغل الإدارة الأميركية بالتهديد القادم من أفغانستان أو من غيره أو من العراق حتى، هذا سبب ثالث.

السبب الرابع: الإدارة الأميركية أصبحت منزعجة من انطفاء التعاطف الدولي مع الأميركان، يعني كلنا يذكر أنه في سبتمبر عندما رأى العالم هذا المشهد يعني اهتزَّ الوجدان العالمي، وبدأ التعاطف، مع إنه أنا يعني أنا عندي رأي آخر في هذا الموضوع.

أحمد منصور: حتى عنوان إحدى الصحف الفرنسية صدر 12 سبتمبر يقول: ضُربنا في أميركا.. يعني..

د.عبد الله النفيسي: ضُربنا فإذن الآن لا أبداً، الآن فيه انطفاء للحالة هذه، هذا سبب يزعج الإدارة ويدفعها للتوتر.

السبب الخامس والأخير يا أحمد: إنه الإرهاب عدو غير مرئي، عدو ليس له.. مُجسَّم، عدو ليس له حجم، ليس له لون، ليس له (Uniform) زي عسكري، ليس له عَلَم، ليس له مقر، ليس له دبابات، ليس له شيء ظاهر، عدو..

أحمد منصور [مقاطعاً]: كما قال بعض الكتاب الأميركيين أشباح، إحنا بنطارد أشباح.

د.عبد الله النفيسي: بالضبط.. بالضبط عدو غير مرئي والعدو غير المرئي لا تستطيع أن تجزم إنك ضربته في الصميم، إنه استطعت أن تخترق صفوفه، إنه يعني فعلت به ما تريد، لأنه غير مرئي ولذلك الآن بيحاول بوش التحول من العدو الغير المرئي اللي هو ما يسميه الإرهاب أو تنظيم القاعدة، إلى العدو المرئي اللي هو صدام حسين والعراق اللي هو جيش ودولة وأرض وسفارات وشرعية دولية، شيء مجسم يستطيع أن يمسك بتلابيبه ويحقق نتائج.. نتائج في مواجهته قبل الانتخابات القادمة، لذلك الرئيس بوش والإدارة الأميركية حاطين في الاعتبار مسألة الانتخابات القادمة وتحقيق نتائج في هذا المضمار قبل الانتخابات القادمة.

مدى نجاح أميركا في القضاء على القاعدة

أحمد منصور: بعد الإعلان عن القبض على ابن الشيبة طلعت تصريحات في الولايات المتحدة يقول بأننا نجحنا في قصم ظهر القاعدة، بعد أكثر من عام تعقُّب القاعدة وطالبان، هل نجحت أميركا فعلاً في القضاء على القاعدة؟

د.عبد الله النفيسي: أشك في ذلك، القاعدة حقيقة تصرفوا بمنتهى العقلانية عندما بدأت الحرب الأفغانية.

أحمد منصور: كيف؟

د.عبد الله النفيسي: آه، هناك ثمان مبادئ للحرب يا أحمد، ثمان مبادئ..

أحمد منصور: لأي حرب؟

د.عبد الله النفيسي: لأي حرب، يعني..

أحمد منصور: مهما كان الفوارق بين القوي والضعيف؟ بين..

د.عبد الله النفيسي: نعم.. نعم مُعلم.. مُعلم..

أحمد منصور: بين حد بيستخدم ليزر وقنابل نووية وبين حد قاعد في كهوف وجبال؟

د.عبد الله النفيسي: هناك.. هناك.. هناك علم اسمه علم الاستراتيجيا، وعلم الاستراتيجيا، شيخ العلم هو (كلاوزافيتس) الألماني يقول كلاوزافيتس بأن هناك ثمان مبادئ للحرب، أهم مبدأ في هذه المبادئ الاقتصاد في القوى، لما تشوف أنت إن المواجهة غير متكافئة من الأحسن إنك تنسحب ولا تواجه وهذا مفهوم..

أحمد منصور: يا سلام! مهما كانت قوتك؟

د.عبد الله النفيسي: ابعد، طالما هناك خسائر وهناك هزيمة عسكرية على الميدان انسحب بشكل منظم وهذا ما فعلته القاعدة وهذا ما فعلته طالبان، وهذا..

أحمد منصور: يعني معنى ذلك إن القاعدة وطالبان أنت على قناعة أو هذا.. من خلال هذا التحليل إنهم لازالوا موجودين فقط انسحبوا؟

د.عبد الله النفيسي: أنا أعتقد إنهم موجودين والآن يلملموا صفوفهم حتى في داخل أفغانستان، وظهور حكمتيار مؤخراً على التليفزيون..

أحمد منصور: أمس.

د.عبد الله النفيسي: أمس.

أحمد منصور: أمس على (الجزيرة)..

د.عبد الله النفيسي: أو إعلانه بأن إحنا الآن سنتحرك من داخل الأراضي الأفغانية ضد الوجود الأميركي بالمعونة..

أحمد منصور: هناك بيان على الملا عمر.. للملا عمر وُزع على شبكة الإنترنت.

د.عبد الله النفيسي: فأنا أعتقد بأن هناك وجود للقاعدة لازال ووجود منظم، ووجود ليس في أفغانستان فقط، بل وجود خارج أفغانستان، يعني كانت القاعدة في منطقة في بؤرة جغرافية محددة عندما تم الهجوم عليها انتثرت هذه القواعد إلى أصقاع متعددة ما بين (جاكرتا) و(نواكشوط)، حتى في موريتانيا موجودين.

أحمد منصور: معنى ذلك إن القاعدة الآن موجودة في كل مكان بالفعل؟

د.عبد الله النفيسي: أنا أعتقد بأن حظوظ تواجدها الآن أفضل من حظوظ تواجدها قبل الهجوم الأميركي.

أحمد منصور: معنى ذلك أن هذا أيضاً يصعب المهمة الأميركية.

د.عبد الله النفيسي: أنا أتصور ذلك، أنا أتصور ذلك، ثم بعد ذلك لازم لا ننسى إنه حتى الآن الأميركان ما استطاعوا أن يضعوا أيديهم على أي عنصر قيادي ويحاكموه في المحاكم الأميركية ويحكموا عليه، كلنا يذكر الرئيس بوش كيف كان يقول we will smoke out of their caves يعني راح نظهِّرهم كلهم، هه.. راح نقبض عليهم وراح نجيبهم إلى محاكمنا وراح نحكم عليهم، هناك الآن في جوانتانامو –يا أحمد- خليني أكمل النقطة هذه..

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: أما جوانتانامو يا دكتور.

د. عبد الله النفيسي: آه، في مسألة جوانتانامو هناك لا يقل الآن عن 600 مُعتقل تقريباً، أنا أعتقد إن الأميركان لايصين فيهم ومو.. مو واخدين مصلحة من وراهم.

أحمد منصور: على فكرة من بينهم أحد مصوري (الجزيرة).

د. عبد الله النفيسي: الله يعينه.

أحمد منصور: اعتقلوه، هو كان يغطي الأحداث في قندهار..

د. عبد الله النفيسي: الله يعينه.. الله يعينه، هذه..

أحمد منصور: يعني لا.. لم نعرف بوجوده هناك إلا مؤخراً. نعم.

د. عبد الله النفيسي: هذه المجموعة يا أحمد، هذه المجموعة اللي تقريباً 600 لو كانت من القاعدة فعلاً لحاكموهم محاكمة في المحاكم الأميركية وحكموا عليهم، لكن معظمهم لا علاقة لهم بالقاعدة، يعني على الأقل 500 منهم لا علاقة لهم بالقاعدة، ناس في الإغاثات الإسلامية، ناس كانوا قريبين من مركز الاعتقال، محتفظين فيهم لكي يأخذوا نذر من المعلومات عن القاعدة من خلال التحقيقات والاعترافات، ربما بطريق الصدفة يطبوا على واحد عنده شيء من المعلومات الفعلية عن قيادة القاعدة وعن تنظيم القاعدة، وهي قيادة موجودة وحية، بل تنبض بالحياة وتتحرك وتتصرف وتصدر البيانات، وتصدر الأوامر، وهناك الآن تفكيك للتنظيم يبدو من تنظيم مركزي إلى تنظيم لا مركزي، بحيث هذه الخلايا أصبحت تتمتع باستقلالية..

أحمد منصور: هذا يصعب المهمة على أميركا؟

د. عبد الله النفيسي: باستقلالية تنظيمية، شيء آخر يا أحمد لازم نأخذه بالاعتبار إنه لو رصدنا عمليات القاعدة منذ 93 إلى الآن إلى 2001، سنلاحظ أن هناك دائماً في مدى زمني سنتين، ثلاث سنوات بين كل عملية وأخرى، يعني مركز التجارة الدولي 93، الخُبر 96، نيروبي ودار السلام 98، كول 2000 يعني دائماً بين العملية والأخرى سنلاحظ فيه سنتين، ثلاث سنوات، وهذا دليل على أن هذا التنظيم يخطط تخطيط على مهل لكل عملية، وإذا ضرب.. ضرب ضربته وغادر الساحة ليُعد لعملية أخرى، ولذلك الآن الأميركان مرتبكين، خايفين من إنه فيه عملية قادمة أخرى ستكون بحجم مركز التجارة الدولي، ولذلك حركتهم حركة غير سوية، يعني يخبطوا خبط عشواء الآن.

أحمد منصور: من خلال دراستك هذه المعمقة لتنظيم القاعدة وتحركاته والرعب الذي تعيش فيه الولايات المتحدة حتى إن هاجس الحادي عشر من سبتمبر سيطر بشكل كبير جداً على الولايات المتحدة في يوم 11 سبتمبر كان فيه طوارئ أول مرة ينشروا الصواريخ منذ الأزمة الكوبية من الستينات، بعد أربعين سنة اضطروا ينشروا صواريخ في العاصمة واشنطن، مع هذا التخوف، مع بناء القاعدة بالشكل الذي تتحدث عنه هل يمكن للقاعدة وهي في هذه الظروف أو بعدها بقليل أن تكرر عملية ضخمة أخرى ضد الولايات المتحدة؟

[موجز الأخبار]

أحمد منصور: دكتور، تحدثت عن القاعدة، عن عمليات القاعدة خلال العشر سنوات الماضية واستراتيجية القاعدة في العمليات وأكدت أن القاعدة لم تنته وإنما هي منتشرة وربما تُعد لشيء آخر، وسؤالي لك كان: هل بإمكانية القاعدة أن تُعد لشيء بضخامة ما قامت به -إذا كانت قامت بالفعل- بما حدث في الولايات المتحدة في 11 سبتمبر؟

د. عبد الله النفيسي: أنا بودي أن.. أن.. أن.. أن نترك عن هذا التنبؤ والتنجيم ونجيب على السؤال: هل استطاعت الولايات المتحدة بعد مرور عام من 11 سبتمبر أن تقضي على تنظيم القاعدة؟

أحمد منصور: هكذا يقولون.

د. عبد الله النفيسي: هكذا يقولون، بس الواقع يخالف ذلك، الإعلام الأميركي يوحي بذلك، الملاءة الإعلامية الأميركية العالمية عندها من الأسلحة النفسية والسيكولوجية والإعلامية ما يمكنها من تعميم هذا الإحساس وهذا الشعور، لكن واقع الأمر يقول العكس، القيادة موجودة، الشيخ أسامة موجود، والدكتور أيمن موجود، وخالد الشيخ موجود وحتى هذا الذي قالوا بأنه رمزي بن الشيبة الآن حتى الإعلام الأميركي يقول بأنه ليس رمزي بن الشيبة، سليمان بوغيث الناطق الرسمي باسم التنظيم موجود، فالطاقم القيادي الفريق القيادي موجود ويتحرك من هنا وهناك، أضف إلى ذلك أن التنظيم استطاع أن يرسخ مقولته الاستراتيجية العسكرية والدينية.

أحمد منصور: كيف؟

د. عبد الله النفيسي: اللي هي.. اللي هي تؤكد على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أحمد منصور: عليه الصلاة السلام.

د. عبد الله النفيسي: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"

أحمد منصور: دول جايين يا دكتور بالملايين.

د. عبد الله النفيسي: يأتوا ولكن هذه المقولة وهذا الحديث الشريف راسخ في نفوس هذه الأمة وتتحرك القاعدة الآن وستتحرك في المستقبل أجيال لتبني وتلقف هذه العقيدة، هذه عقيدة ليست رأي.

أحمد منصور: يعني ليس بالضرورة أيضاً أن من يتحرك بها يكون تابع لتنظيم القاعدة.

د. عبد الله النفيسي: ليس بالضرورة ولا يهم تنظيم القاعدة من يتحرك لتحقيق هذه الغاية، العقيدة الاستراتيجية التي يقوم عليها أساس فكرة تنظيم القاعدة هو حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي ورد في البخاري، ومسلم، موطأ مالك، مُسند أحمد والسنن وغيرها من كتب الحديث: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب "هذه آخر وصية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو على فراش الموت، هذه المقولة.. هذه العقيدة الاستراتيجية يعمل من أجلها تنظيم القاعدة، وهو..

أحمد منصور: طيب الآن في.. في ظل هذه الصورة، في ظل أن الولايات المتحدة الأميركية رصدت 400 مليار دولار كميزانية عسكرية، في ظل 200 مليار دولار كما صرح مساعد بوش الاقتصادي بأنها مرصودة للحرب التي يمكن أن تتم ضد الولايات المتحدة، في ظل تصريح وزير الأمن الداخلي الأميركي (توم ريدج) أُنفق خمس مليارات دولار فقط في العام الماضي على أمن الطيران داخل الولايات المتحدة، في ظل هذا ما الذي ينبغي أن تفعله أميركا من أجل القضاء على القاعدة؟ كيف يمكن لها أن تقضي على القاعدة؟ ما هو السبيل؟

د. عبد الله النفيسي: أعوذ بالله.. يعني لا.. لا أود أن أخوض في هذا وأتمنى أن تكون الولايات المتحدة لايصة إلى أذنيها في هذا الموضوع.

أحمد منصور: لايصة..!

د. عبد الله النفيسي: وأتمنى أن تتكرر أخطاؤها ويهتز أمنها ولأن إحنا غيورين على المسلمين وليسوا.. ومعاذ الله أن نكون غيورين على مصلحة الولايات المتحدة.. أنا أتصور يا أخي أحمد بأن..

أحمد منصور: لأ.. أنت تعتقد إن أميركا لايصة الوقتي؟

د. عبد الله النفيسي: أنا أعتقد لايصة.. أنا أعتقد لايصة على مستوى داخلي، وأعتقد لايصة على مستوى علاقاتها في الأطلسي داخل الحلف الأطلسي، وأعتقد لايصة في علاقاتها في العالم الثالث، وأعتقد لايصة مع الصين، وأعتقد..

أحمد منصور: لكن هم بيقولوا نحن نملك القوة والهيمنة.

د. عبد الله النفيسي: نعم، لاشك.

أحمد منصور: من يملك القوة والهيمنة يستطيع أن يفعل كل شيء.

د. عبد الله النفيسي: لا أبداً، يملك القوة والهيمنة شيء ويستطيع أن يفعل كل شيء.. شيء آخر تماماً.

العالم بيتعقد يا أخي أحمد، والقرار السياسي العالمي أصبح كثير التعقيد الآن وليس بسيط، وانفراد الولايات المتحدة بالقطبية الدولية هذه أصبح يُعقد عليها مهامها ولا يبسطها يعني هناك الآن.. هناك الآن يعني.. يعني أود المخرج أن.. أن.. أن يركز على هذا الكتاب، هذا..

أحمد منصور: ثبته، ثبته يا دكتور.

د. عبد الله النفيسي: هذا الكتاب صدر في أميركا وصدر في أوروبا هذا الصيف.. هذا الصيف.

أحمد منصور: Beyond September

د.عبد الله النفيسي: Beyond September 11 وضعه 34 من الخبراء الأميركان والإنجليز والكنديين، نرويجيين.. اسكتلنديين، أيرش من كله، كلهم من القطاع الغربي العالمي.

أحمد منصور: مين مشهور من الشخصيات يا دكتور؟

د. عبد الله النفيسي: (تشومسكي)، (روبرت فيسك)، (بولفووت)، (مايكل مندل) اللي هو خبير القانون الدولي الذي يقول في هذا الكتاب أن الحرب على أفغانستان وما يسمى بالحرب على الإرهاب هو في حد ذاته جريمة دولية يعاقب عليها القانون، وهي حرب غير شرعية ولن تحقق نتيجة في صد الإرهاب على مستوى مستقبلي، يعني هادولا غربيين يقولون...

أحمد منصور: إحنا بنرتب لعمل حلقة معه.

د. عبد الله النفيسي: يقولون هذا الكلام، أنا أعتقد إنه الاتحاد السوفيتي – يا أحمد- كان يتمتع بالقوة ويتمتع بالإمكانية، وعنده الجيش الأحمر وعنده صواريخه وعنده وعنده وعنده، ولكن عندما بدأ النظام من الداخل يفقد مبررات وجوده، انهار الاتحاد السوفيتي، في.. في لحظات أصبح 17 جمهورية أو 15 جمهورية، ولذلك أنا لا أستبعد إطلاقاً إن الولايات المتحدة يعني.. بادية في طريقها إلى العزلة الدولية، وليس السيطرة على العالم، وهذا ما يقوله (هنتنجتون) (هنتنجتون) عنده مقالة خطيرة جداً بيسمي أميركا القوة العالمية الانفرادية التي تعاني من الوحدة، بيسميها موthe only super power يسميها The Lonely super power ، اللي بتعاني من الوحدة وضائقة من هذه الوحدة.

أحمد منصور: تأكيداً لهذا (سبين بريجيسكي) مستشار (كارتر) للأمن القومي كتب مقالاً في 9 سبتمبر الماضي في "نيويورك تايمز" نشرته "الحياة" في 9 سبتمبر، قال فيه: إن الولايات المتحدة تواجه خطر العزلة، بدل أن تجد نفسها على رأس تحالف ديمقراطي. وأيضاً (جرهام فولر) كان ضيف عندنا في البرنامج وكتب في "لوس أنجلوس تايمز" يوم الثلاثاء 3/9 ونشرتها "الشرق الأوسط" قال: إن أميركا تحمل بذور التراجع من بعد الحادي عشر من سبتمبر.

د. عبد الله النفيسي: هذا يؤكد كلامي ولا ينقضه يا أحمد.

أحمد منصور: اللي.. اللي.. أيضاً في نفس الإطار (ديفيد هويل) عضو مجلس اللوردات البريطاني اليوم منشور له مقال في صحيفة "الخليج" الإماراتية، بيقول فيه: إن الولايات المتحدة تملك 13 أسطولاً في منطقة آسيا وحدها، تضم حاملات طائرات وآلاف الجنود، ومع ذلك عجزت عن القبض على أسامة بن لادن، مما يعني –كما قال- سذاجة كبيرة لاعتبار الحجم العسكري الهائل قريناً للسلطة والقوة.

د. عبد الله النفيسي: هذا يؤيد كلامنا، و.. وبل يرسخ قناعتنا بأن الولايات المتحدة تعيش في حالة من الفوضى في القرار الاستراتيجي، وإنها تتجه نحو العزلة الدولية، وفرق كبير بين إنك تمشي الدول بالكرباج –يا أحمد- وبين إنك تضمها في تحالف تشاوري عن قناعة.

أحمد منصور: "نيوزويك" على فكرة في عددها الأخير.. أنت قلت أميركا لايصة، أنا قدرت ألاقي يعني تعبيرات لمسؤولين أميركيين تكاد تحمل نفس المعنى..

د. عبد الله النفيسي: تكون قريبة.

أحمد منصور: الذي ذكرته، لأن لايصة يعني هو معنى يفهم بشكل عميق جداً للحالة اللي تعيشها أميركا، عدد 17 سبتمبر الحالي نائب وزير الأمن الداخلي الأميركي قال في الـ "نيوزويك" إننا يمكن أن نقوم بحماية البلاد لدرجة إفلاسها.

عبد الله النفيسي: إفلاسها، طيب.

تأثير الهاجس الأمني الأميركي على مستقبل الهيمنة الأميركية

أحمد منصور: أيه هو تأثير الهاجس الأمني المغرق على المسؤولين وعلى السياسة الأميركية وعلى البلد لدرجة أنفقوا 5 مليار على الطيران لوحده؟ ما أثر هذا على مستقبل هيمنة الولايات المتحدة، عظمة الولايات المتحدة، قوة الولايات المتحدة، الأمني الداخلي للمواطن الأميركي نفسه؟

د. عبد الله النفيسي: أنا أعتقد سيكون أثره كبير جداً، يعني هذه الدولة التي يعني في مكنتها أن تسير هذه الأساطيل وأن تجيش هذه الجيوش وأن تعد هذه العدة العسكرية وأن تعجز عن.. عن مواجهة عصبة أو طائفة من المسلمين اللي تحركوا بغيرة دينية ضد هيمنة وغطرسة الولايات المتحدة لأسباب أقولها موضوعية، ولأسباب تاريخية مشروعة، فهمت كيف؟ هذه القوة الضاربة عاجزة عن مواجهة هذا الخطر اللي بتسميه إرهاب، أنا أعتقد دليل عجز كبير وسينعكس حتماً وقد بدأ انعكاسه على صعيد اقتصادي وعلى صعيد ثقافي وتعليمي، وعلى صعيد نفسي، وعلى صعيد إعلامي، اليوم فيه.. فيه.. فيه تدمير لكل الجسور في العلاقات بين الولايات المتحدة والدول الحليفة لها، اليوم فيه طلبة سعوديين مسجلين في الجامعات الأميركية.

أحمد منصور: لم يذهبوا إليها.

د. عبد الله النفيسي: لم يستطيعوا الذهاب إلى هناك، فيه طلبة كويتيين.

أحمد منصور: فيه فريق كرة قدم لبناني تأخرت تأشيراته أيضاً حتى على مستوى.

د. عبد الله النفيسي: يعني خلينا نقول كرة القدم يعني..

أحمد منصور: فريق.. هو لعبة رياضية، لا أذكر كرة القدم.

د. عبد الله النفيسي: آه، بس.. بس ناس أصبح مرتبط مستقبلهم في..

أحمد منصور: آلاف الطلبة العرب.

د. عبد الله النفيسي: آلاف الطلبة العرب الآن.

أحمد منصور: صحيح، السعوديين على وجه الخصوص، 150 طيار سعودي قاعدين في البيت الآن.

د. عبد الله النفيسي: بس.

أحمد منصور: لمنع الولايات المتحدة.

د. عبد الله النفيسي: وهذا.. هذا دليل على أن الكيان هش، وليس كما نتصوره كيان قادر على السيطرة وقادر.. يعني الضربة الفنية التي استطاعت..

أحمد منصور [مقاطعاً]: عندي جملة يا دكتور تساعد في هذا المفهوم لو تسمح لي بها.

د. عبد الله النفيسي: اتفضل.

أحمد منصور: بيتفق اللي بيقول هذا المعنى (توم ريدج) وزير الأمن الداخلي الأميركي، في عدد "نيوزويك" الأخير، يقول: إن مشكلة تقييم الطريقة التي قامت بها الحكومة الأميركية بحمايتنا منذ الحادي عشر من سبتمبر هي أن الشيء الوحيد الذي سيلاحظه الشعب الأميركي دائماً هو الفشل.

د. عبد الله النفيسي: آه، تفضل! هذا توم ريدج!!

أحمد منصور: وزير الأمن الداخلي الأميركي.

عبد الله النفيسي: طيب، يعني هذا كلام أيضاً بيؤكد ما نذهب إليه.

أحمد منصور: إذا هذا وزير الأمن الداخلي الأميركي، لماذا تتجاوز الولايات المتحدة، وتصر على أن تتعامل بالمنطق الأمني في قضاياها وعلاقتها بالآخرين من بعد 11 سبتمبر إلى الآن؟ حتى إن فيه احتجاجات قدمت في السعودية تحديداً فالقنصلية قالوا إحنا الأمن.. القنصلية قالت للطلبة المتأخرين الأمن مقدم على كل شيء في الولايات المتحدة.

د. عبد الله النفيسي: يا أخي أحمد، لو كل الدول تفعل ما تفعله الآن الولايات المتحدة وتتخذ نفس المبررات لأصبح العالم في حالة من الفوضى، أعطيك مثل فيه تنظيم في أيرلندا –كما تعرف- اسمه التنظيم الجيش الإيرلندي السري الـ IRA صح أو لا؟

أحمد منصور: نعم.

د. عبد الله النفيسي: هذا التنظيم تنظيم يجد في المجتمع الأيرلندي في (دبلن) حاضنة، صح أو لأ؟

أحمد منصور: نعم.

د. عبد الله النفيسي: هذا التنظيم Circus ضرب قلب لندن ضرب ليفربول Street Station، ضرب أكسفورد سيلكس، لا بل نسف فندق كانت تقطن فيه (مارجريت تاتشر) بغية اغتيالها، صح أو لا؟

أحمد منصور: نعم.

د. عبد الله النفيسي: هذا تنظيم أيرلندي دخل إلى لندن وضرب لندن، هل اتخذت الحكومة البريطانية هذا مبرر لقصف أيرلندا وتخريب دبلن؟

أحمد منصور: بالعكس هي تفاوضت معهم.

د. عبد الله النفيسي: تفاوضت مع هذا التنظيم.

أحمد منصور: صح.

د. عبد الله النفيسي: ليش؟ لأن فيه شق سياسي اللي هو (جيري أدامز) اتصلوا ووسطوا حتى (كلينتون)، كلينتون لأنه أصلاً أيرشي.

أحمد منصور: وكان بيستقبل جيري آدامز في البيت الأبيض وهو على خلاف مع الحكومة البريطانية.

د. عبد الله النفيسي: استقبل، لا بل إن الرئيس كلينتون تجمعه بجيري آدامز صداقة قديمة أوحت إليه بأن يوعز للأقلية الأيرلندية داخل الولايات المتحدة بأن يجمعوا تبرعات للجيش السري الأيرلندي، ومع ذلك ما حصل أي قصف، وما حصل أي تدمير، كل ما فعله الإنجليز.. والإنجليز أهل ذو خبرة وعندهم مهارة دبلوماسية وعندهم ذراع دبلوماسي طويل وتاريخي، فأوعزوا لهذا الذراع بأن يتكلموا مع الـ IRA، واستطاعوا أنهم يشدوا الـ IRA عبر سنوات من المفاوضات، إلى درجة أنهم وقعوا مع الـ IRA ها..، الاتفاق الأخير الذي رضي به الطرفان، أما أن يذهب الأميركان ويدمروا الأرض بما عليها ومن عليها في أفغانستان بحثاً عن تنظيم، هم يقولون بأنهم شرذمة، طيب إذا كانوا شرذمة لا يستدعي الأمر كل هذا القصف في تورابورا وفي غيرها خوست..

أحمد منصور: الـ "نيوزويك" قيل 4 أو3 أعداد عملت تحقيق عن المذابح اللي ارتبكت في أفغانستان وكم..

د. عبد الله النفيسي: لأ، ارتبكت مذابح يجب أن يجرم الأميركان من أجلها، ويجب أن يحاكم المسؤولين الأميركان في جرائم الحرب من أجلها، أنا أعتقد..

أحمد منصور [مقاطعاً]: هم لأجل ذلك واقفين بقوة ضد المحكمة.. المحكمة الجنائية الدولية.

عبد الله النفيسي: طبعاً.. طبعاً.

أحمد منصور: ويعني طلبوا باستثناء الأميركان لمدة سنة الآن من العسكر الأميركان من إنهم يخضعوا لهذه المحكمة وبيحاولوا يجددوها. صحيفة "التايمز" البريطانية نشرت مقالاً في نهاية يوليو الماضي، أشارت فيه إلى أن إدارة بوش تعتزم تجنيد 11 مليون أميركي للعمل كجواسيس ومخبرين محليين، لرصد كافة التحركات اللي بيقوم بها المواطنين الأميركيين في محطات الطاقة في الشوارع، في محطات الكهربا، في المؤسسات، في المصانع، العدد دا بيمثل 4% من عدد الشعب الأميركي، يعني كل 25 أميركي.

عبد الله النفيسي: لهم واحد.

أحمد منصور: هيبقى عليهم مخبر.

أحمد منصور: يعني إحنا هنا في نعمة.

عبد الله النفيسي: آه طبعاً.

أحمد منصور: إحنا ما عندناش 25.. كل 25 فينا عندهم مخبر.

عبد الله النفيسي: هذا صحيح، يا ريت تعمل حلقة على الأجهزة الأمنية العربية.

أحمد منصور: نعمل إن شاء الله.

عبد الله النفيسي: تبقى يعني فتح.. يعني من فتوحاتك يعني.

أحمد منصور: طب حضرتك تبقى الضيف فيها.

عبد الله النفيسي: أنا يسعدني ذلك.

أحمد منصور: طيب خلاص إن شاء الله.

عبد الله النفيسي: لأن عندنا كلام كثير.

أحمد منصور: بس هتورطني، أنا غلبان أنا.

عبد الله النفيسي: لا.. لا أبداً.. لا.. أبداً.

أحمد منصور: أنا سؤالي هنا يعني هل يمكن أولاً إن الـ 11 مليون دول اللي هيجندوهم مع كل اللي عاملينه في الأمن، هل يمكن دا إنه هو يحمي أميركا؟

د. عبد الله النفيسي: إطلاقاً.. إطلاقاً، مسألة الأمن لها شقها السياسي، يعني المسألة ليست بالكم من المباحث أو بالكم من كلاب البوليس أو الزنزانات أو السجون أو الطيارات أو B52، أبداً، المسألة الأمنية لها شقها السياسي، إذا استطعت أن تعالج شقها السياسي استكملت حكاية الأمن، أما إنك تركز على الأمن وبس، وتهمل شقة السياسي والتباساته السياسية، سياقاته السياسية، هذا ما يفعله الأميركان الآن، ولذلك هم فاشلين، أنا أعتقد بأن القضية التي يتحرك من أجلها تنظيم القاعدة لها سياقها السياسي، لها خلفيتها السياسية.

أحمد منصور: طيب تنصح الأميركان بأيه يا دكتور؟

عبد الله النفيسي: ما أنصحش الأميركان.

أحمد منصور: ليه؟

عبد الله النفيسي: إن شاء الله يجعلهم في.. في.. في بؤرة الفشل.

أحمد منصور: دول غلابة مساكين.

عبد الله النفيسي: فأنا أعتقد هم ليسوا بحاجة إلى نصيحتنا، وإحنا لسنا مكلفين بنصح هؤلاء، أنا أعتقد بأن مقاومة الامتداد الأميركي في المنطقة، يجب أن يأخذ مداه الزماني والمكاني، يعني اليوم ممكن أنت تقول إن أميركا قادمة، وأميركا مسيطرة، وأميركا ستضرب العراق، وأميركا ستغير النظام في العراق، كل هذا ممكن، لكن هذا لا يعني إطلاقاً إنه أميركا سيستقر لها القرار في المنطقة، إن لم..

أحمد منصور: هم يعدوا..

عبد الله النفيسي: إن لم تعالج الشق السياسي للموضوع.

أحمد منصور: هم يعدوا..

عبد الله النفيسي: وهذا ما يرفضونه.

أحمد منصور: يعدوا للبقاء في العراق 20 عاماً كما ذكرت خطتهم.

عبد الله النفيسي: الله يتولاهم، أنا لا أعتقد بأن الولايات المتحدة ستوفق أو ستنجح ما لم تعالج الشق السياسي للقضية.

أحمد منصور: الحكومات موافقة، السعودية غيرت موقفها 180 درجة في.. في أيام معدودة، الفرق ما بين ما ذكر في مؤتمر وزراء الخارجية العرب وما بين المواقف التي بدلت في نيويورك وواشنطن، أيام معدودات!!

عبد الله النفيسي: يا أحمد الأيام دُوَل، والحال لا يبقى على ما هو عليه، والتغير قادم والولايات المتحدة وقوتها لها حدودها، كل قوة لها محددات.

أحمد منصور: دكتور، التغير قادم إزاي ويعني أميركا تتعامل معنا -نحن العرب- إحنا الآن عمالين نتابع على شاشة التليفزيون ما قاله (رامسفيلد) في.. في الكونجرس قبل ساعات معدودة مصيرنا عمال يحدد وكأننا.. إحنا لو قطيع من الغنم، لن يفعل بنا كما يفعل بنا الآن!

د. عبد الله النفيسي: وهذا إحنا نستحق ذلك، يعني نحن نستحق ذلك، نحن تخلينا عن كل مسؤولياتنا التاريخية، نحن الآن نتعاطف يعني بشكل كمي كدول مع المجهودات الأميركية، وأنا أعتقد نحن بحاجة اليوم وفي هذه اللحظة التاريخية إلى ما أسماه أستاذنا طارق البشري "تحرير الوعي العربي والإسلامي"، يا أخي، إن لم نستطع أن نحرر دولنا من التبعية واقتصاداتنا من التبعية وأجهزة أمننا من التبعية ومستقبلنا من التبعية، فعلى الأقل خلينا نحرر وعينا، وعينا وفهمنا من التبعية لأميركا.

أحمد منصور: كيف؟

د. عبد الله النفيسي: كيف؟ أن نعي بأن هذه قوة عالمية لها مرتجاها ولها أهدافها ولها مصالحها التي تسعى لتحقيقها وليس بالضرورة أنه مصالحنا ملتقية معاها، يعني هذا الحماس الذي نشاهده في الصحافة العربية في مؤازرة المتابعة الأميركية لتنظيم القاعدة وغيرها، أنا شايفها إنه شيء يدعو إلى الخجل ويدعو إلى الفشل، أنا أعتقد إنه القاعدة هؤلاء جماعة أعداء للولايات المتحدة، هذا صحيح، لكن ما الذي يدفع هذه الجماهير من القراء لمتابعة السعي الأميركي في القبض على هؤلاء أو تعذيبهم أو العجز عن مساندة هؤلاء السحناء، أو إعاقة أي مساعي للإفراج عنهم، أو إعطائهم فرصة لمحاكمة عادلة؟ أنا أعتقد نحن بحاجة إلى تحرير وعينا، بحيث نعرف إنه إحنا لنا مصالح غير مصالح أميركا، وأنه هذا عدو أميركا بس مو عدوي أنا، ليش؟ لأنه لم يفعل شيء يضر بي أنا شخصياً، يضر بي أنا كدولة، يضر بي أنا كمجتمع مسلم.

أحمد منصور: كثير من التحليلات بتقول إن ما فعلته القاعدة –إذا كانت قد فعلت ذلك- أضرت بواقع المسلمين.

عبد الله النفيسي: هذا رأي.. هذا رأي.

أحمد منصور: وأضرت بحاضر المسلمين وجلبت الأعداء على المسلمين وحركت كل القوى ضد المسلمين.

عبد الله النفيسي: أخي أحمد، أخي أحمد.. أخي أحمد كم قتل في عملية البرجين؟ كم؟

أحمد منصور: 3600.

عبد الله النفيسي: 3000.. 3000؟ لأ قول 4000، لأ 5000، حسب تقارير الـ UN، الأمم المتحدة يموت في العراق كل شهر 6000 نسمة، إما بسبب التغذية السيئة، أو المياه الملوثة، أو غياب وجود الأدوية، أو لأسباب أخرى كثيرة، 6000 كل شهر، اضربها في 12، يعني سنوياً 72 ألف نسمة يموتون في العراق، هذا تقارير الـ UN، مو تقارير أميركية أو تقارير عراقية أو عربية، ماذا فعلت إسرائيل في الشعب الفلسطيني؟ وكم قتيل وكم جريح على مدى الـ 50 سنة من التحالف الاستراتيجي بين الأميركان واليهود في إسرائيل؟ ألوف مؤلفة، فلماذا إحنا ندبج هذه المقالات ونرسل هذه الوفود للتعزية وننسى هذه الجرائم اللي قامت بها الولايات المتحدة في منطقتنا وأصابت فلذات أكباد المسلمين من عرب ومسلمين وغيرهم، في أقطارنا وفي جغرافيتنا؟!! أنا أرى بأنه إحنا بحاجة إلى تحرير الوعي، بحيث نعرف بأنه.. أنا.. أنا معجب جداً بالتجربة اليابانية، اليابانيين.

أحمد منصور: كيف؟ قل لنا باختصار.

د. عبد الله النفيسي: اليابانيين، اليابانيين حتى اليوم لم ينسوا جريمة هيروشيما حتى اليوم.

أحمد منصور: غرقانين مع الأميركان.

عبد الله النفيسي: ما يخالف، على صعيد تجاري وغالبينهم وبينافسونهم في أسواقهم، صح أم لأ؟ وكسبانين من أسواق الأميركان، لكن على صعيد قومي، وعلى صعيد نفسي وعلى صعيد سياسي لازالوا يتكلموا عن مذبحة وجريمة هيروشيما، أول دولة في التاريخ تلقي على مدينة قنبلة ذرية، الولايات المتحدة، قنبلة ذرية ألقتها على هيروشيما وناجازاكي، وراحت ألوف مؤلفة، والآن اليابانيين عندما يتكلمون عن مأساتهم هذه في هيروشيما يلومهم الأميركان، لماذا تتكلمون عن هذا الموضوع؟ انتهى هذا الموضوع، فأعتقد أن إحنا بحاجة إلى تحرير وعينا، بحاجة إلى تحرير الوعي والفهم إذا لم نكن قادرين على تحرير دولنا، واقتصاداتنا وتبعيتنا الثقافية لأميركا، على الأقل نحرر وعينا لفهم مشكلتنا مع أميركا.

تأثير سيادة منطق القوة والعسكرة على الهيمنة الأميركية

أحمد منصور: أعود للمحور اللي كنا بنتكلم فيه وهو تغافل التعامل بالدبلوماسية والسياسة، والتركيز على التعامل الأمني الذي تقوم به الولايات المتحدة، ما أثر سيطرة سيادة منطق القوة والعسكرة والأمن وتغليبها على منطق السياسة ومنطق التفاوض؟

عبد الله النفيسي: كبير جداً، (كيسنجر) وهو مهندس السياسة الخارجية الأميركية لفترة طويلة من الزمن، كيسنجر له كتاب حول هذا الموضوع اسمه "الشراكة المضطربة"، الشراكة المضطربة يبحث في المشكلة بين الأميركان والأوروبيين داخل الحلف الأطلسي، ويقول بإن إحنا عندنا مشكلة مع الأوروبيين، هؤلاء يغلبون السياسة، وإحنا نغلب العسكرة، لأن الأميركان ما عندهم غير العسكرة، ما عندهم خبرة سياسية، أميركا عمرها كم يا أحمد؟ عمرها كم؟

أحمد منصور: 200 سنة.

عبد الله النفيسي: 200 سنة.. 300 سنة، يا أخي الكويت عمرها 200 سنة.. 300 سنة معايا أم لأ؟ بس أوروبا بخبراتها التاريخية، بعراقتها، بتاريخها ألوف السنوات من الخبرة السياسية، ولذلك معظم الدبلوماسيين الأميركان الآن يكون تدريبهم بأوروبا وفي.. في المعاهد الأوروبية في دراسة الدبلوماسية، أنا أقول..

أحمد منصور [مقاطعاً]: ولكن.. ولكن عفواً يا دكتور، أميركا داست على ذلك، معروف.. كان من المعروف، يعني ربما حتى أيام أو شهور خلت إن سياسة أميركا في الشرق الأوسط ترسم في وزارة الخارجية البريطانية، الآن أميركا داست حتى على بريطانيا حليفتها.

د. عبد الله النفيسي: صحيح الآن.

أحمد منصور: في مقال (ديفيد هويل) النهاردا في "الخليج" بيدل على ذلك وبيعطي إيحاء أيضاً أن الأميركان ينظرون باحتقار إلى الأوروبيين.

د. عبد الله النفيسي: الآن.. الآن فقط.

أحمد منصور: نعم.

د.عبد الله النفيسي: الآن، ليش؟ لأنه بلغ.. بلغ.. بلغت فيهم غطرسة القوة بحيث أصبحوا لا يرون هناك مخرج لمأزقهم مع موضوع الإرهاب إلا القوة، وهم مخطئين في ذلك يا أحمد، مخطئين تماماً، الأوروبيين لهم اتجاه آخر تماماً، إحنا كثيري التردُّد على أوروبا، ولنا علاقاتنا بما إن إحنا تخرجنا من.. من.. من جامعة أوروبية، والسفر إلى أوروبا سهل، اللقاء بالمسؤولين هناك في الأحزاب الحاكمة والأحزاب المعارضة سهل، تستطيع أن تحصل على كارنية كعضو شرفي في حزب حاكم أو حزب معارض بسهولة في أوروبا، في ألمانيا، في إنجلترا، في فرنسا، وتصبح عضواً في الحزب، يعني شرفياً وتحصل على منشوراته وتتكلم معاهم وتأخذ وتعطي معاهم، ومن يتابع هذه العملية السياسية في أوروبا يجد أن.. أنها عملية غنية وثرية، بينما العملية السياسية في.. في أميركا عملية تقوم على المال أساساً وليس على الفكر وليس على المبادئ.

أحمد منصور: لكن يعني أما تعتقد أيضاً إن القوة كما يقول الأميركان هي التي تمكن من فعل كل شيء؟ وهنا المؤرخ الأميركي البارز (بول كيندي) صاحب كتاب "نشوء وسقوط القوى العظمى"، كتب مقال في "الفاينانشيال تايمز" في 3 سبتمبر الماضي، قال: أصبح معهوداً لنا اليوم أن تكون ميزانية البنتاجون تساوي مجموع ميزانيات الخمس عشرة دولة التي تلي الولايات المتحدة من حيث القوة العسكرية. بعبارة أخرى أميركا تنفق من 40 إلى 45% من حجم الإنفاق العسكري العالمي اللي هو الـ185 دولة على السلاح، علاوة على إن ميزانية البنتاجون لأعمال البحث والتطوير ربما تساوي من 70 إلى 80% من مجموع ما ينفقه العالم في هذا الحقل، سؤالي هو كيف يمكن لهذه القوة أن تفقد هيمنتها على العالم؟

د.عبد الله النفيسي: تفقد..، الهيمنة –يا أحمد- العسكرية المحضة آيلة للسقوط.

أحمد منصور: يعني ما فيه بحر إلا وتمخر فيه عباب السفن العسكرية الأميركية، ما فيه قارة الآن إلا ويتواجد فيها الأميركان بكثافة وبقوة.

د.عبد الله النفيسي: يا أخي الفاضل، الهيمنة لا يمكن أن تستمر فقط بالعسكريتارية، ادرس التاريخ، كل أمة اعتمدت على العسكرة فقط دون متكآتها الفكرية والعقدية والسياسية وغيرها تفقد هيمنتها، الرومان، الإغريق، كل إمبراطوريات العصور الوسطى، الصين، الهند، كل هذه الدول العريقة القديمة عندما استأسدت بالعسكرة سقطت، حتى الدولة الإسلامية عندما اتسعت عسكرياً، وبدأت تهمل دورها اللي تتكئ عليه القوة العسكرية الإسلامية فقدت الأندلس، وتراجعت إلى ما نراه اليوم إلى دول قُطرية متشرذمة، ولذلك عملية الهيمنة لا يمكن أن تقوم فقط على أساس عسكري، ينبغي أن تقوم على متكآت أخرى تشمل جوانب الحياة كلها بما فيها الاقتصاد، بما فيها الثقافة، ولذلك الأميركان بادئين يحسون بالمشكلة هذه يا أحمد، بادئين يحسونها الآن، لكن أعتقد بأن ضربة 11 سبتمبر أربكت عليهم حركتهم.

أحمد منصور: سمير يقول لك على الإنترنت: تحية لك. يقول: عندما تحدثت عن 11 سبتمبر، قلت أن لك نظرة خاصة لما حدث، ولكن لم تذكر تفاصيل نظرتك إليها، يرجو توضيح وجهة نظرك.

وفي نفس الإطار لُبنى من السودان تقول لك: هل في رأيك أن أحداث 11 سبتمبر خدمت المسلمين؟

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: لديك تعليق على هذا، لا سيما وأنك أفضت في بعض الجوانب حول هذه القضية؟

د.عبد الله النفيسي: نعم، أنا لا أود أن.. أن أخوض في.. في الرؤى الخاصة في.. في الحدث هذا، وننطلق إلى.. إلى.. إلى ما هو أهم الآن، إلى مستقبل الهيمنة الأميركية.

أحمد منصور: في.. في موضوع الهيمنة هناك محور هام وهو محور الإرهاب.

د.عبد الله النفيسي: أيوه.

أثر الخلط بين والمقاومة على مستقبل أميركا

أحمد منصور: ليس هناك تعريف واضح للإرهاب، هناك خلط أميركي بين محور الشر، أفغانستان، القاعدة، دخلت فيها المقاومة الفلسطينية، دخل فيها حزب الله، دخلت فيها إيران، دخلت فيها كوريا، مع ضياع مفهوم الإرهاب وتحديده، والخلط ما بين المقاومة المشروعة للاحتلال وما بين الإرهاب، الولايات المتحدة تظل [تُصر] على أن تتجاهل طلبات عربية ودولية بعقد مؤتمر لتحديد مفهوم الإرهاب.

د.عبد الله النفيسي: جيد.

أحمد منصور: ما هو أثر هذا الخلط أيضاً على مستقبل الولايات المتحدة؟

د.عبد الله النفيسي: الولايات المتحدة عارضت ولازالت تعارض كل دعوة عربية أو إسلامية أو حتى أوروبية لعقد مؤتمر دولي لبحث موضوع الإرهاب، وذلك مخافة أن يعقد هذا المؤتمر ويُفتح الملف السياسي اللي هو الشق السياسي لموضوع ما تسميه الولايات المتحدة الإرهاب، الشق السياسي واسع جداً يا أحمد، يعني إذا فُتح هذا الملف فستغرق فيه الولايات المتحدة، ولذلك تفضل الولايات المتحدة ألا يُعقد هذا المؤتمر الدولي لبحث موضوع الإرهاب، تذكر ويذكر جميع المشاهدين إن مصر من فترة طويلة وهي تنادي بعقد هذا المؤتمر لبحث موضوع الإرهاب، وتعريف الإرهاب، لكنها وقتها لم تكن الولايات المتحدة ذات مصلحة في هذه الدعوة، الآن عندما ضربت الولايات المتحدة هذه الضربة، ما عندها وقت إنها يعقد مؤتمر لبحث هذا..

أحمد منصور: ليس من بين خياراتها على الأقل.

د.عبد الله النفيسي: ليس من بين خياراتها، ليش؟ لأنه سيقيد حركتها، أولاً: سيتم تعريف الإرهاب تعريفاً علمياً موضوعياً، وهذا سيقيد بالتالي حركة الولايات المتحدة، الولايات المتحدة تريد أن يستمر هذا الخلط بين المقاومة والإرهاب، تريد أن يستمر هذا الاستضعاف في الدول التي تكون ضحية للتحرك الأميركي، تريد أن ترتبك الحركة الدولية ولا أن تنتظم في أي موضوع من المواضيع، ليش؟ لأن عندها العضلات والقوة اللي تمكنها من استغلال الفرص واستغلال الضعف عند الدول.

الولايات المتحدة عندما تنظر للقارة.. للكرة الأرضية لا ترى بشر، ولا ترى دول، ولا ترى تاريخ ولا أديان ولا عقائد، ترى أحزمة من النفط، أحزمة من المطاط، أحزمة من الخامات هذه، أحزمة من القمح، أحزمة من القطن، أحزمة من الممرات.

أحمد منصور: والإنسان..؟!

د.عبد الله النفيسي: الإنسان لا قيمة له في الرؤية الاستراتيجية كما ورد في كتب كيسنجر، كيسنجر يقول في كتاب الدبلوماسية.. كتاب الدبلوماسية اللي هو الـDiplomacy هذا كتاب الأم.

أحمد منصور: مترجم إلى العربية.

د.عبد الله النفيسي: مترجم، ها.. يقول في هذا الكتاب: ليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تحل أي مشكلة في العالم، لكن من مصلحتها أن تمسك بخيوط المشكلة، وتحرك هذه الخيوط حسب المصلحة الأميركية القومية.

أحمد منصور: يا سلام..!!

د.عبد الله النفيسي: وهذا ما تفعله الآن بالقضية الفلسطينية، وهذا ما تفعله في موضوع الإرهاب، وهذا ما ستفعله بنا هنا في الخليج في موضوع العراق، أنا أعتقد أن العراق سيكون ضحية لضربة أميركية.

أحمد منصور: فعلاً؟

ضرب العراق كهدف تكتيكي.. الأهداف والأبعاد

د.عبد الله النفيسي: ولكن لن تتوقف الولايات المتحدة عند هذا، الضربة الأميركية للعراق تكتيكية، وأنا أتصوَّر ستعقبها ضربة استراتيجية سياسية للمملكة العربية السعودية، وبعد ذلك ستسقط مصر كجائزة لهذا التحرك، ضربة تكتيكية في العراق، وضربة استراتيجية في المملكة العربية السعودية، والجائزة في النهاية مصر.. القطب العربي الذي يعتمد عليه العرب كقوة عسكرية وكقوة بشرية وكمضمار تاريخي للأمة العربية.

أحمد منصور: السيناريو ده خطير لكن "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية في تحليل نشرته في 6 سبتمبر الجاري حول هذا الموضوع، تحليل كبير على أكثر من نصف صفحة، قالت إن الهجوم العسكري ضد العراق هو هدف تكتيكي.

د.عبد الله النفيسي: تكتيكي، نعم.

أحمد منصور: أما السعودية فهي هدف استراتيجي.

د.عبد الله النفيسي: استراتيجي.

أحمد منصور: ومصر هي الجائزة الكبرى.

د.عبد الله النفيسي: بس، هو هذا.

أحمد منصور: ومعنى ذلك –حسب الصحيفة- إن فريق العمل بيسعى لتغيير أنظمة الحكم هذه، حتى إن نفس الصحيفة قالت في نفس المقال: إن أميركا تسعى لتغيير وجه الشرق الأوسط، الفلسطينيون سيرحلون إلى الأردن، سوف يتم دمج العراق والأردن أو تقسيم العراق، هذا السيناريو المرعب..

د.عبد الله النفيسي: هذا السيناريو موجود –يا أحمد- من سنة 75 عندما أقدمت الدول العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بحظر النفط عن الولايات المتحدة بعد حرب 73 رمضان 73، عندما اتخذت الإمارات والمملكة العربية السعودية بحظر النفط عن الأميركان بدأ الأميركان يتكلمون بالعلن وفي الكونجرس من إنه ضروري يتم احتلال آبار النفط في الخليج، والآن في مكتبة الكونجرس أي واحد يروح ويطلع في الطابق المختص في الشرق الأوسط، ويسأل عن واحد اسمه جورج عطية، ويقول له: يا جورج يا عطية وريني الكتاب الأبيض هذا الصغير اللي بيسموه آبار النفط كأهداف عسكرية Oil Fields as Military Targets آبار النفط كأهداف عسكرية

أحمد منصور: ما حدش هيروح يلاقي جورج عطية، وجايز الكتاب ما يلاقيهوش.

د.عبد الله النفيسي: لأ، أبداً هذا من أوراق الكونجرس، وهذا تشتريه بدولار ونص، دولار ونص.. الخطة الاستراتيجية كما ناقشتها لجنة الدفاع والأمن في الكونجرس الأميركي سنة 75 لاحتلال آبار النفط هناك، وإسرائيل تكفلت بالقيام بهذا الدور، ونوقشت في الكونجرس وموجودة أوراقها في الكونجرس، ويستطيع أي واحد يروح يقرأ هذه الخطة لاحتلال آبار النفط، أنا أعتقد بأن هذا المشروع الآن يتم إحياؤه.

أحمد منصور: مع تعديلات.

د.عبد الله النفيسي: مع تعديلات بعد الضربة التكتيكية هذه للعراق سيأتي دور هذا المخطط للاحتلال المباشر لآبار النفط.

أحمد منصور: هل هذا التكتيك كان سبباً في تغيُّر الموقف السعودي مؤخَّراً بنسبة 180 درجة تقريباً؟ القرارات التي خرج بها وزراء الخارجية العرب في القاهرة وتصريحات وزير الخارجية السعودي قبل أيام التي تصدرت الخبر الأول في كل النشرات

د.عبد الله النفيسي [مقاطعاً]: أول أمس فقط.

أحمد منصور [مستأنفاً]: العالمية ليست العربية فقط حول.. يُقال أن الولايات المتحدة هددت السعودية بشكل مباشر، وقالت نحن لا نغير حكام فقط، وإنما نغير أنظمة حكم.

د. عبد الله النفيسي: هذا ليس بعيد عن الأميركان، الأميركان هم.. هم اللي هندسوا كل الانقلابات في العالم العربي من القاهرة (مال سكوبلاند) قالها في كتابه "لعبة الأمم" إلى كلمة (روزفلت) في طهران صح أو روزفلت أم لأ؟

أحمد منصور: نعم.

د.عبد الله النفيسي: وإسقاطهم لمصدق، وغيره.. وغيره.. وغيره، والخلاف الأميركي الإنجليزي في هذا الموضوع خلاف تاريخي، يعني الأميركان يؤمنون بتغيير النظام ككل، الإنجليز عندهم فن.. فن آخر اللي هو الثورة داخل القصر، صح أم لأ؟ التغيير داخل القصر، ولذلك يقول الإنجليز الآن إن لو ملف العراق يترك للإنجليز لتمكنوا من إحداث هذا التغيير داخل النظام العراقي دون الدخول في عملية عسكرية، لكن الأميركان رافضين تماماً إعطاء هذا الملف والريادة فيه للإنجليز.

أحمد منصور: بالنسبة للاستراتيجية الأميركية، أو مستقبل الاستراتيجية الأميركية في ظل هذه الهيمنة والقوة على دول المنطقة، على العراق.. على السعودية، على مصر، أيه السيناريوهات التي يمكن أن تحدث؟

د.عبد الله النفيسي: مثل ما قلت لك ومثل ما قالته "يديعوت أحرنوت" أنه هناك ضربة تكتيكية في العراق وتغيير استراتيجي في السعودية والثمرة مصر في النهاية، هذا هو الترابط بين السيناريوهات الثلاث.

أحمد منصور: في ظل هذا السيناريو يا دكتور، هل أقدار الشعوب وأقدار الأمم بهذه البساطة من خلال ناس قاعدين على طاولات يرسموا خطط يتم تطبيقها؟

د.عبد الله النفيسي: طالما.. طالما الشعوب قاعدة وتمارس التثاؤب يعني التاريخي، وما عندها أي اهتمام في قتلوا فلان أو خطفوا فلان، وما لنا شغل.

أحمد منصور: الشعوب هتعمل أيه؟ دا الحكومات راضخة التي في يدها القوة!

د.عبد الله النفيسي: لا.. لا.. لأ، أنا أعتقد.. أعتقد بأن مسؤوليتنا التاريخية كبيرة كأفراد وكجماعات وكأحزاب وكمنظمات، وكيعني منظمات أهلية، وكمجتمع مدني إذا جاز التعبير، كل هذه الألفاظ وكل هذه المصطلحات مسؤولة عن التحرك، وإلا يعني سيحدث بنا كما حدث لبغداد أيام التتار.

أحمد منصور: أخ محمد العنزي من الكويت، اتفضل يا أخ محمد، آسف تأخرت عليكم، أخ محمد معنا، محمد العنزي.

خالد الزهراني من السعودية، اتفضل يا أخ خالد.

خالد الزهراني: السلام عليكم.

أحمد منصور: عليكم السلام.

خالد الزهراني: مساك الله بالخير، ونشكرك لاستضافة الدكتور عبد الله النفيسي الباحث الإسلامي، يعني سعيدين لما نشوفه، أنا عندي سؤال يا دكتور عبد الله

أحمد منصور: تفضل.

أسباب عدم إسقاط أميركا لنظام صدام أثناء حرب الخليج الثانية

خالد الزهراني: يعني لماذا لم.. يعني الأميركيين لم يغيروا النظام في حرب الخليج بعد تحرير الكويت مع أنه كان بإمكانهم التغيير؟ لماذا بالذات يعني في هذا الوقت؟ يعني كان بإمكانها تغيير النظام في ذلك الوقت، لماذا إصرارهم في هذا الوقت بالذات؟ إحنا نعرف إنه نظام صدام يعني نظام إجرامي، لكن لماذا العراق هذا..

أحمد منصور: سؤالك.. سؤالك.. سؤالك هام يا أخ خالد، شكراً لك.. تفضل.

د.عبد الله النفيسي: أنا أعتقد بأنه الأميركان سنة 91 في توقفهم عن الدخول إلى العراق والإقدام على تغيير النظام ما كان عندهم صورة واضحة عن الداخل العراقي، وكانوا يتخوفون من موضوع الشيعة والسنة، ودخول إيران على الخط، يعني من.. من المخاوف الأميركية التي وجدت صدى في الصحافة الغربية سنة 91 إنه لماذا توقف الجيش الأميركي عند الناصرية ورجع؟ أنه كانوا يتخوفوا من أنه لو سقط النظام وقتها في إطار التمرد الشعبي اللي كان حصل، وهو تمرُّد جنوبي أساساً، والجنوب العراقي في معظمه جنوب سني.. عفواً شيعي، كانوا يتخوفوا من إنه إيران تدخل على الخط ويُشكل كيان شيعي...

أحمد منصور [مقاطعاً]: بل يُقال إنهم ساعدوا في وأد أو قمع الثورة الشيعية التي قامت..

د.عبد الله النفيسي [مستأنفاً]: ساعدوا في ضرب.. فكانوا الأميركان متخوفين من العامل هذا الأساس، فأعانوا النظام العراقي وقتها في قمع التمرُّد الشعبي، لهذا السبب –في تصوري- توقف الزحف الأميركي على العراق سنة 91.

أحمد منصور: مريم عبد الله من الإمارات.

مريم عبد الله: السلام عليكم ورحمة الله.

أحمد منصور: عليكم السلام، اتفضلي.

مريم عبد الله: بس عندي سؤال لحضرة الدكتور.

أحمد منصور: اتفضلي.

مريم عبد الله: هل القاعدة فعلاً هي المسؤولة عن اللي صار في أميركا أم لا؟ وشكراً.

أحمد منصور: شكراً لكِ، ما أعتقدش عندك إجابة يا دكتور بتسألك عن القاعدة.

د.عبد الله النفيسي: ما عندي.

أحمد منصور: (لوران سيلنزي) مستشار بوش للشؤون الاقتصادية، ذكر في تقرير نُشر أول أمس في "وول ستريت جورنال" أن تكلفة حرب العراق ربما تصل إلى مائتي مليار دولار، إحنا نعرف إن حرب الخليج الثانية اتكلفت 61 مليار، دفعت الدول العربية معظم هذا المبلغ أو كله، من الذي سيدفع هذه الفاتورة؟ هل ستشارك أيضاً هذه الدول العربية فيها؟

د.عبد الله النفيسي: قطعاً.. قطعاً، هذه الدول وخاصةً دول مجلس التعاون الخليجي ما عدا يمكن البحرين، فهمت كيف؟

أحمد منصور: اشمعنى؟

د.عبد الله النفيسي: لأنها غير قادرة على أنها تشارك في دفع هذه الفاتورة.

أحمد منصور: بس تشارك بالقواعد.

د.عبد الله النفيسي: آه، طبعاً تشارك في القواعد في.. في الإدارة العسكرية، ولكن..

أحمد منصور: قطر قواعد ودفع.

د.عبد الله النفيسي: آه، والكل.

أحمد منصور: الكويت، السعودية، الإمارات، البحرين، عمان.

د.عبد الله النفيسي: والكل.. الكل.. الكل، الكل أنا أعتقد مسؤولة حسب الكلام اللي يقولونه الأميركان وحسب التصريحات المخيفة اللي بيصرح عنها.. فيها ها الأيام رامسيفلد، رامسفيلد يقول أمس بأن هناك دول تقول: إحنا ضد الضربة للعراق وبين الأربع جدران يقول.. يقولون لنا كلاماً آخر، إحنا مع الضربة أهلاً وسهلاً.

أحمد منصور: فضحهم..!!

د.عبد الله النفيسي: أهلاً وسهلاً، ويرحبوا بالضربة، فيقول رامسفيلد: إحنا الآن يعني نعرف بالضبط إنه الأرض التي نقف عليها أرض يابسة، والقواعد مفتوحة، والأراضي مفتوحة.

أحمد منصور: منين والدول دي ديونها ضخمة، السعودية 72 مليار حسب صندوق النقد العربي، مصر 68.. يعني..

د.عبد الله النفيسي: نفطها.. نفطها، يعني النفط يعني أنت هل تذكر كيف تعامل الروس مع عبد الناصر؟ تعاملوا من خلال محصول الأرز والبصل والقطن، صح أو لأ؟ يعني رهنوا هذه المحاصيل لفترة طويلة من الزمن لكي يسدِّد عبد الناصر ديونه للاتحاد السوفيتي.

أحمد منصور: يعني لن يكتفوا بإفلاسنا، وإنما حتى النفط لن نملكه بعد الآن.

د.عبد الله النفيسي: أتصور ذلك.

أحمد منصور: باقي دقيقتين. بعد عام من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، باختصار كيف تنظر إلى مستقبل الهيمنة الأميركية على منطقتنا وعلى العالم؟

د.عبد الله النفيسي: ربما تتمكن وتتأكد هذه الهيمنة خلال المنظور القليل من السنوات، ولكن هذا في حد ذاته سيولد وضع آخر مناقض ومتقاطع مع هذه الهيمنة على مدى بعيد، وأعتقد إنه هذا المدى البعيد سيكون لمصلحة تحرك التنظيمات الشعبية التي تحمل –خاصة في الجزيرة العربية- تحمل العقيدة الاستراتيجية التي يقول بها تنظيم القاعدة حالياً على مدى بعيد، أما على مدى قصير لأ، ستتأكد هذه الهيمنة.

أحمد منصور: معنى ذلك إن الأيام القادمة أيام سوداء بالمنظور التشاؤمي يعني..

د.عبد الله النفيسي: أنا بطبعي.. بطبعي أميل إلى تأكيد الجانب

أحمد منصور: التفاؤل.

د.عبد الله النفيسي: الواقعي اللي حاصل، ولا أتعلق كثير بالآمال يعني.

أحمد منصور: دكتور، أشكرك شكراً جزيلاً على هذا، وأعتذر لمشاهدينا الذين لم أتمكن –لضيق الوقت- من أخذ مداخلاتهم.

في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم بلا حدود، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة