المفاوضات التركية الأميركية، مؤتمر لندن، القمة الفرنكوأفريقية   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:34 (مكة المكرمة)، 23:34 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

جميل عازر

ضيف الحلقة:

فيصل جلول: كاتب ومحلل صحفي

تاريخ الحلقة:

22/02/2003

- المفاوضات التركية الأميركية حول المساعدات في الحرب على العراق.
- كوريا الشمالية وتحديها للعالم.

- مؤتمر لندن للمجموعة الرباعية ومناقشة خارطة الطريق.

- أهداف ودوافع القمة الفرنكوأفريقية في باريس.

- الأزمة القبرصية بين طرفيها اليوناني والتركي.

جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى جولة جديدة في (الملف الأسبوعي) وفيه:

تركيا ومفاوضات الدفع مقدماً، أنقرة تمسك بساعة العد التنازلي، وواشنطن تحاول التسريع.

كوريا الشمالية تغتنم الانشغال بالعراق، وتتحدى واشنطن وسول وطوكيو.

والمؤتمر الفرنكو إفريقي في باريس محاولة لحل مشاكل إفريقيا أم لاستعادة الهيبة الفرنسية في القارة؟

المفاوضات التركية الأميركية حول المساعدات في الحرب على العراق

حدد هانز بليكس (رئيس لجنة المراقبة والتحقق والتفتيش) موعداً لكي تبدأ بحلوله بغداد بتدمير ما طورته من صواريخ الصمود 2، التي يتجاوز مداها الحد المسموح به في اتفاقية وقف إطلاق النار عام 91، ورغم استمرار عمليات التفتيش والحشد العسكري، والحديث عن قرار جديد من مجلس الأمن الدولي تركز الاهتمام الإعلامي على الدور التركي في الحرب المحتملة، ويبدو أن الثمن الذي طلبته أنقرة لقاء فتحها الأراضي التركية أمام القوات الأميركية وضعها في موقف حرج، ولكنه مهم في تحديد ساعة الصفر للهجوم الأميركي المنتظر، ولا أحد سيفاجأ في ظل الظروف الراهنة إذا توصل الجانبان إلى اتفاق ما، خاصةً وأن ما تطلبه تركيا ثمناً للتعاون يسيل له لعاب أي دولة تعاني من مثل المتاعب الاقتصادية التي تواجه أنقرة.

رئيس الوزراء التركي
تقرير/ سمير خضر: تعرف تركيا تمام المعرفة أنها كانت وستبقى لاعباً أساسياً في كل ما يدور من أحداث في المنطقة، وقد يكون هذا اليقين هو الذي يزعج واشنطن أكثر من أي شيء آخر، لكن البيت الأبيض يدرك أيضاً أن عملية غزو العراق لا يمكن أن تتم باليسر والسهولة المتوخاة دون مشاركة فعالة من جار العراق الشمالي، فعلم الحرب -كما عرفه الإنسان منذ غابر الأزمان- يؤكد أن أفضل طريقة للقضاء على الخصم هي حصره بين فكي كماشة، والكماشة الأميركية لا تملك اليوم إلا فكاً واحداً جنوبياً انطلاقاً من الكويت، ولذا فهي بحاجة ماسة إلى ذراعها الثانية الجزء الشمالي التركي، أنقرة تعرف ذلك، وتريد الثمن وفوراً، فالإسلاميون -أو هكذا يقال- يسيِّرون اليوم دفة الحكم في تركيا، ويتذرعون بمعارضة الشارع التركي لأي عمل عسكري ضد العراق تساندهم في ذلك المؤسسة العسكرية التي لها كلمتها فيما يجري من مفاوضات مع الحليف الأميركي.

مفاوضات يرى فيها الأميركيون نوعاً من الابتزاز المالي والعسكري والسياسي، في حين لا يرى فيها زعيم حزب العدالة والتنمية سوى توازناً دقيقاً يحفظ المصالح التركية في منطقة شديدة الاضطراب، ولكن عاجلاً أم آجلاً ستحصل أنقرة على المليارات التي طلبتها، وهل يتصور أحد أن واشنطن ستدفع هذه المليارات من جيبها؟

وقريباً أيضاً ستعطي أنقرة الضوء الأخضر لانتشار عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين على أراضيها، وعندها لن يتبقى أمام واشنطن سوى تحديد ساعة الصفر بعد تحييد ما تبقى من معارضة دولية تتزعمها فرنسا، ولذا أعلنت واشنطن أنها ستتقدم بمشروع قرار جديد إلى مجلس الأمن يجيز لها اللجوء إلى القوة ضد العراق على أمل ألا تصل حدة الخلاف مع باريس إلى درجة دفعها إلى استخدام حق النقض (الفيتو)، بل على الأرجح الاكتفاء بالامتناع عن التصويت.

أما روسيا والصين فإن مصالحهما الاقتصادية مع الولايات المتحدة تمنعهما -على الأقل ظاهرياً- من الدخول في مواجهة سافرة مع واشنطن، وحتى لو لم تستطع واشنطن الحصول على الضوء الأخضر من مجلس الأمن فإنها ستمضي كما يبدو قدماً في مشروعها العسكري، فقد تجاوز عدد الجنود الأميركيين المرابطين حول العراق مائتي ألف، ناهيك عن الكميات الضخمة من الآليات والمعدات، وهذا ما يُسمى في العلوم العسكرية، النقطة الحرجة، نقطة اللاعودة، فهذه القوات لا يمكنها البقاء خاملة لفترة طويلة بانتظار قرار قد لا يأتي أبداً، فالصيف بات على الأبواب، ودرجات الحرارة آخذة بالارتفاع، ومن الصعب، بل ربما من المستحيل سحبها وإعادتها إلى قواعدها، وإلا فقدت الإدارة الأميركية مصداقيتها أمام العالم وأمام شعبها وناخبيها، أما الدبلوماسية فقد بدأ صوتها يذوب في صوت صخب الحرب وضجيجها.

كوريا الشمالية وتحديها للعالم

جميل عازر: وقد كثر الحديث عن مقارنة بين موقف واشنطن من العراق وموقفها من كوريا الشمالية، فالأول مهدد بحرب وشيكة الوقوع رغم نفيه وجود أسلحة دمار شامل فيه، والثانية تنسحب من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وتعيد تشغيل مفاعلاتها، وتتحدى جيرانها والأميركيين، وتعتبر فرض عقوبات دولية عليها بمثابة إعلان حرب، وإمعاناً منها في التحدي ترسل طائرة على الأقل لاختراق أجواء كوريا الجنوبية، ومع ذلك عاد وزير الخارجية الأميركي إلى الحديث عن استئناف المعونات الغذائية (لبيونج يانج) التي أوقفها قبل ثلاثة أشهر، قائلاً: إنه يريد أن يوضح أن الولايات المتحدة لا تستعمل الغذاء سلاحاً سياسياً، ولكن الأميركيين يجدون أنفسهم مع ذلك في مأزق بين الكوريتين.

الزعيم الكوري الشمالي
تقرير/ حسن إبراهيم: كوريا الشمالية ترمي قفازها وتتحدى، والولايات المتحدة تعلم أنها مقيدة بحربها المحتملة ضد العراق، رغم ادعاء وزير الدفاع الأميركي بأن بلاده يمكن أن تنتصر في جبهتي قتال في الوقت نفسه.

رئيس جمهورية كوريا الجنوبية المنتخب (نوه مو هايون) يدعو إلى حلٍ ثنائي للأزمة مع كوريا الشمالية، وهو بالطبع يخالف بدعوته هذه الإرادة الأميركية، لكن يبدو أن المناورات التي تجريها القوات الجوية الأميركية والبريطانية والتايلاندية والسنغافورية قد استفزت بيونج يانج إلى اختراق المجال الجوي لكوريا الجنوبية بطائرة (ميج 19) المعدلة، لكن رد كوريا الجنوبية لم يتجاوز الاحتجاج، ولم ترد بالمثل، وهو ما يغضب صقور اليمين في الإدارة الأميركية، الذين يعتقدون أن ممارسة الضغط على كوريا الشمالية سيجذبها إلى طاولة المفاوضات وبأقل المطالب، لكن الأحوال المعيشية في كوريا الشمالية في وضع شديد التردي، وسوء التغذية قد وصل حدود الكارثة، ويمكن تصور فداحة الكارثة مع قطع الولايات المتحدة للمعونات الإنسانية والإغاثات التي كانت ترسلها، والتي كانت تمثل 68% من إجمالي المساعدات، وما يحسبه الصقور وسيلة ضغط، قد يدفع حكومة (كيم جونج إيل) إلى الهروب إلى الأمام أو بلغة أخرى التصعيد العسكري، حيث أنه لا شيء يمكن أن تخسره الجمهورية الشيوعية إن حُوصرت تماماً، خاصة أنه مهما ساءت الأوضاع فبوسع الحكومة تحميل الضغط الغربي مسؤوليتها، لذا تكتسب دعوة الرئيس المنتخب (هايون) إلى الحل الثنائي شعبية في بلاده التي تمتلئ بمشاعر العداء ضد الولايات المتحدة وتشيع الارتياح في صفوف القيادة في كوريا الشمالية، وقد يكون في استئناف رحلات جمع الشمل بين الأسر التي فرقتها الحرب الكورية في أوائل الخمسينات مؤشراً إيجابياً، فحوالي مليون أسرة في البلدين اضطرت إلى العيش في شقي شبه الجزيرة الكورية، ولم تتح لهم فرص اللقاء منذ عام 53، واختيرت 550 أسرة كوريةً جنوبية لتسافر إلى منتجع (كون جانج) في جبال كوريا الشمالية لهذا الغرض. مشاهد كهذه لن تؤثر كثيراً على المواضيع العالقة بين البلدين، والأهم من ذلك بين كوريا الشمالية ومجلس الأمن الدولي الذي قبل الدعوى التي رفعتها وكالة الطاقة الذرية ضد كوريا الشمالية لاستئنافها تخصيب اليورانيوم في مفاعلاتها النووية لأغراضٍ عسكرية، وكانت بيونج يانج قد طردت مفتشي وكالة الطاقة الذرية من أراضيها، وهددت بأن فرض أي عقوبات عليها ستعتبره إعلان حربٍ، ويبدو أنها المستفيد الأكبر من الانشغال الأميركي بالتصعيد مع العراق.

دعوة (نوه مو هايون) إلى الحل الثنائي لاشك تكتسب مصداقية في الشارع الكوري الجنوبي الذي يتوق إلى الانعتاق من الهيمنة الأميركية، ولو أتى (هايون) بطاقم جديد يؤمن بنفس الأفكار فربما يسدل الستار على واحدةٍ من أكثر قضايا العالم تعقيداً.

مؤتمر لندن للمجموعة الرباعية ومناقشة خارطة الطريق

جميل عازر: عاد الحديث عن خطة العمل، أو خارطة الطريق في المؤتمر الذي عقدته المجموعة الرباعية في لندن، حيث أكد المجتمعون على تأييدهم للخطة التي ترتأي قيام دولةٍ فلسطينية بحلول عام 2005، ولكن الحديث عن الخطة شيء، والالتزام بتنفيذها شيءٌ آخر، وهذا ما يدركه الفلسطينيون قبل غيرهم، إذ مروا في تجارب عديدةٍ سابقة، انطوت على وعودٍ واقتراحاتٍ وتأكيدات لم ترَ النور على أرض الواقع، وهذه الخطة التي يعترض (شارون) على أكثر من 40 نقطةً فيها يلفها الغموض طالما أنها لم تنشر بعد، وطالما بقيت واشنطن منشغلة بالملف العراقي دون غيره من القضايا التي ربما تكون في نظر الكثيرين أكثر إلحاحاً وخطورة.

دبابات إسرائيلية بجوار جثتي فلسطينيين
تقرير/ سمير خضر: خارطة طريقٍ دون خطة ودون طريقٍ تفضي إلى حل، هذا ما يعيبه الفلسطينيون على مقترحات الرئيس (بوش) لتسوية النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، ستةٌ من الوزراء الفلسطينيين شاركوا في مؤتمر لندن للدول المانحة، والذي ناقش بشكل رئيسٍ خارطة الطريق هذه، وأكثر ما ساءهم كثرة الحديث عن هذه الخطة والثناء عليها، والشروط التي تضعها على الجانب الفلسطيني في حين أن أحداً لا يتطرق إلى سبل وضعها موضع التنفيذ أو حتى تحديد جدولٍ زمنيٍ لها.

البريطانيون بشكلٍ خاص يبدون اهتماماً كبيراً لتفعيل المسار الفلسطيني الإسرائيلي لأنه يشكل برأيهم شرطاً أساسياً لدعم جهود واشنطن ولندن المشتركة لتأليب الرأي العام العربي والدولي ضد العراق، تمهيداً لغزوٍ محتمل، ولندن تجيد مثل هذه التحركات السياسية والدبلوماسية الشاملة، لكنها فشلت حتى الآن في إقناع الحليف الأميركي بضرورة سلوك هذه الطريق حتى بعد موافقة الرئيس الفلسطيني على مبدأ تعيين رئيسٍ للوزراء يتمتع بسلطاتٍ واسعة، إذ تبدو الإدارة الأميركية اليوم وكأنها فقدت الاهتمام بكل ما لا علاقة له بالشأن العراقي، وبدأ شخص صدام حسين يسلبها المنطق السليم إلى درجة عدم الوعي على أخطارٍ شتى من قبيل القاعدة أو الإرهاب أو كوريا الشمالية أو حتى التدهور المتسارع لحالة الاقتصاد الأميركي، وبعد أن تذرعت واشنطن بالانتخابات الإسرائيلية لتأجيل النظر في خارطة الطريق ها هي اليوم تتحدث عن ضرورة الانتظار حتى يتمكن شارون من تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، وربما تتذرع لاحقاً بمجريات الحرب المنتظرة في العراق، ومن ثم بإعادة ترتيب المنطقة، ومن بعدها الحملة الانتخابية الأميركية، وهكذا.

الفلسطينيون لا يرون في كل ذلك سوى مماطلةً لا هدف لها إلا إفساح المجال أمام شارون لتنفيذ خططه الرامية إلى تصفية السلطة الفلسطينية نهائياً، وفرض أمرٍ واقعٍ جديد يمنح الفلسطينيين حكماً ذاتياً محدوداً قد يتطور لاحقاً إلى دولة أو دويلةٍ هزيلة منزوعة السيادة، وربما لو تمخض غزو العراق عن تغيير في خارطة الشرق الأوسط إلى تهجير الفلسطينيين من بلادهم على حساب دولٍ أو كياناتٍ أخرى في المنطقة، وبانتظار أن تتضح الرؤية يبقى الحال على ما هو عليه في الأرض الفلسطينية، مقاومة للاحتلال، ومقاومة للقتل والتدمير لا ترى فيهما إسرائيل وواشنطن سوى شكلٍ آخر من أشكال الإرهاب الذي لن يؤدي إلى تحقيق حُلم الفلسطينيين في دولتهم الموعودة من خلال السير على هدى خارطةٍ بلا طريق.

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيه أيضاً بعد فاصل:

قبرص تراوح مكانها بين رئيسٍ قبرصيٍ يونانيٍ جديد، وتصلب زعيمٍ تركيٍ قبرصيٍ كهل.

[فاصل إعلاني]

أهداف ودوافع القمة الفرنكوأفريقية في باريس

جميل عازر: وإلى باريس التي استضافت قمةً إفريقية أثارت الكثير من التساؤلات حول أهدافها ودوافعها الحقيقية، ودرءاً لاتهامات الدولة المضيفة بدوافع ذاتية وراء جمع عددٍ كبير من القادة الأفارقة سارع الرئيس الفرنسي (جاك شيراك) إلى التعهد بالعمل على تشجيع وليس الإملاء على الدول الإفريقية أن تتبنى النهج الديمقراطي، وإذ انعقدت القمة الفرنكو إفريقية وسط محاولات الرئيس الفرنسي لتبوُّء مكانةٍ مؤثرة في تطورات الأزمة العراقية من خلال تبنيه موقفاً معارضاً للحرب، كان لابد أن يبرز في الأذهان التسابق على خطب ود الأفارقة بين باريس ولندن وواشنطن وغيرها من الأطراف التي لها مصالح في القارة الإفريقية.

الرئيس جاك شيراك مع زعماء وممثلي الدول الفريقية
تقرير/ حسن إبراهيم: لا يمكن فهم التجمع الموسع للرؤساء الأفارقة في باريس بمعزلٍ عن الصراعات الدولية وعن المنظور الفرنسي للعلاقات مع المستعمرات السابقة، ففي ظل الالتهام الأنجلوسكسوني لمناطق النفوذ الفرنسي السابقة توارت فكرة فرنسا الأم الرؤوم الحازمة لتنبثق فكرة فرنسا الشريكة، ويبدو في ظل التفجر المستمر للنزاعات الإفريقية وتفاقم المآسي التي تحيق بإنسان إفريقيا أن الجميع يبحثون على دولةٍ قويةٍ تقبل بالدخول طرفاً كي تنقذ ما يمكن إنقاذه، أما وقد اكتسب الرئيس جاك شيراك مصداقيةً بموقفه من الحرب المحتملة على العراق فيبدو أنه أصبح مؤهلاً ليقترح خطوطاً عريضة قد تعيد بعضاً من العقلانية إلى قارةٍ تنزف دماً، ومما يدل على عمق التقدير الإفريقي لشيراك هو إجماع المجتمعين على تأييد الموقف الفرنسي من الأزمة الأميركية العراقية، لكن المهمة مستعصية للغاية فالجراح مازالت تثخن الجسد الإفريقي، وأحدثها في ساحل العاج، ومازالت الحرب مستعرة في الكونغو وأوغندا والسودان ورواندا وبورندي، ومازالت سيراليون تتململ رغم الصلح الذي عُقد بين الحكومة والمتمردين منذ عامين، وها هي ليبيريا مُرشحة للانفجار مرة أخرى مع دخول الخلافات بين بارونات الماس مرحلة حرجة.

الإيدز الذي يضرب بأطنابه في القارة بأجمعها يصل مراحل كارثية في أنجولا وناميبيا وزامبيا وزيمبابواي وجنوب إفريقيا، وعندما نعلم أن 30% من السكان في أنجولا مُرشحون للموت، بسبب الإيدز قبل نهاية العقد الأول من القرن الحالي ندرك عمق المأساة، وفوق كل تلك الكوارث تثبت أنظمة الحكم في القارة الإفريقية عجزها في مجال الديمقراطية وفي مجال التخطيط لتنمية مستدامة تقي المواطن الإفريقي شر التخبط والفاقة، فهل يستطيع شيراك تقديم أجندة فرنسية تعيد تشكيل علاقة بلاده مع إفريقيا بدون التورط فعلياً في برامج مساعدات باهظ التكاليف وصراعات مسلحة تستنزف فرنسا كما تستنزف الدول الإفريقية؟ يبدو من كثافة الحضور بمن فيهم رئيس الجمهورية الزيمبابواي المثير للجدل (روبرت موجابي) أن فرنسا جادة هذه المرة في طرح حلول جادة، واتهام فرنسا بتجاوز العقوبات التي فرضتها بريطانيا والاتحاد الأوروبي على زيمبابواي في ظل ما يحدث للمزارعين البيض في زيمبابواي أثار الغضب في لندن، ولكنه لم يمنع رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير) من إجراء محادثات مع الرئيس الفرنسي حول الموقف من موجابي ومن العراق أيضاً، ولكن جاك شيراك أشار إلى أهمية الاستماع إلى زيمبابواي والتعاون معها، للتوصل إلى مخرج من أزمة المزارعين، كما أنها وغيرها من الدول الإفريقية تعاني من الفقر وتفشي الإيدز، ولا يجوز استبعادها من هذا التجمع بسبب مشكلة بينها وبين مستعمريها السابقين.

وإذ كان الاستعمار القديم مسؤولاً عن الكثير من الأزمات في القارة الإفريقية، فإن المنافسة بين المستعمرين السابقين لن تأتي بحلول لمشاكل الأفارقة، حتى لو انتقلت قممهم من باريس إلى لندن أو واشنطن.

جميل عازر: ومتابعة لهذا الموضوع ينضم إلينا من باريس (الكاتب والمحلل السياسي) فيصل جلول، أستاذ فيصل، كيف يمكن النظر إلى القمة الفرنكو إفريقية هل في إطار العلاقات الفرنسية - الإفريقية أم في إطار التنافس بين الدول الكبرى على مناطق نفوذ؟

فيصل جلول: والله يمكن للسببين أن يكونا حاضرين تماماً في هذه القمة فمن جهة يعني القمة تمثل جزء من عرض سياسي للقوة يدبره الرئيس جاك شيراك مقابل العرض العسكري للقوة الذي يدبره الرئيس (جورج بوش) في الأزمة العراقية، في هذا المجال يعني يمكن القول: أن الرئيس شيراك بات مطمئناً إلى أن صوت غينيا وصوت الكاميرون لن يذهبا لصالح الولايات المتحدة الأميركية، هناك تردد بالنسبة لأنجولا، لكن مادام هناك ضمانة للصوتين، فأعتقد بأن فرنسا ستتجنب تجرع كأس الفيتو في مجلس الأمن، هذا من جهة.

من جهة ثانية: هناك يعني تنافس في القارة بين فرنسا وأميركا وبريطانيا، هذا أكيد وواضح، والتنافس يدور حول المناطق الإفريقية الغنية بالمواد الأولية.. عفواً، وفي هذا المجال يمكن القول: بأن فرنسا يعني لديها أسبقية ولديها يعني أوراق قوة أكبر بكثير من الأوراق الأميركية، لأن أميركا يعني مهتمة حديثاً بهذه القارة، مسعى القمة.. عفواً، أيوه.

جميل عازر: طيب، هل.. هل.. هل هذا التحرك الفرنسي يدل على أن باريس تخطط لاستراتيجية جديدة في تعاملها مع القضايا الدولية، خاصة على ضوء الموقف الذي يتخذه الرئيس شيراك من الأزمة العراقية؟

فيصل جلول: هذا واضح تماماً يعني لاحظنا ذلك في مجلس الأمن، لاحظنا ذلك في الحلف الأطلسي، لاحظنا ذلك في المساعي التي تبذلها فرنسا لدى الدول العربية، كي تتخذ موقفاً لصالح الحل السلمي للأزمة العراقية، لاحظنا ذلك.. سنلاحظ ذلك، ولاحظناه أيضاً في مؤتمر دول عدم الانحياز، سنلاحظ ذلك على صعيد آخر أيضاً، هناك في الاتحاد الأوروبي مسعى فرنسي بات ثابتاً حول أن يكون الاتحاد الأوروبي منافس جدي وقوي للولايات المتحدة الأميركية على الصعيد العالمي، لكن في المسألة العراقية بالذات يبدو لي أن رئيس.. الرئيس شيراك الذي يطالب بالحل السلمي تنصَّل من صدام حسين، وقال بأنه يتمنى أن يختفي صدام حسين، يعني أخشى أن نكون أمام لعبة ((bad boy- good boy من جهة رئيس المعسكر السلمي يطالب بإسقاط النظام العراقي سلماً ومن جهة أخرى الرئيس بوش يطالب بإسقاط النظام العراقي بصورة.. بطريقة عسكرية...

جميل عازر[مقاطعاً]: طيب أستاذ فيصل.. أستاذ فيصل.

فيصل جلول[مستأنفاً]: لا.. لا أخفيك..

جميل عازر: أستاذ فيصل، لماذا لم نشهد مثل هذا التحرك على الصعيد الفرنسي في الولاية الأولى لشيراك؟ لماذا الآن بعد فوزه في الانتخابات الأخيرة؟

فيصل جلول: كما تعرفون، الولاية الأولى لشيراك انطوت على خطأ كبير، تمثل بحل المجلس النيابي الفرنسي بصورة مبكرة ومستعجلة، فجاء الناخبون الفرنسيون بمجلس نيابي ذات أغلبية اشتراكية ونشأت حكومة تعايش بين اليمين واليسار، هذه الحكومة كبَّلت الرئيس الفرنسي وكبلت مشاريعه الاستراتيجية، الآن هو متحرر تماماً لديه.. انتخب بأكثرية 82% من الناخبين الفرنسيين، يمين ويسار وانتُخب على أساس أنه يمثل القيم الجمهورية بمواجهة اليمين المتطرف، وأيضاً دخل إلى الاتحاد الأوروبي بقوة بوصفه المدافع عن المزارعين، ثم بادر إلى قضية التحالف الألماني - الفرنسي إذن في الولاية الثانية شيراك متحرر ولديه تطلعات استراتيجية ويرغب في تنفيذ هذه التطلعات.

جميل عازر: طيب.. طيب على صعيد القمة الفرنكو إفريقية ما الذي يمكن أن تقدمه فرنسا إلى الدول الإفريقية ونحن نعرف المصائب التي تعاني منها دون أن تقحم باريس نفسها في خضم قضية مساعدات لا يمكن أن تفي بها؟

فيصل جلول: الاستنتاج الموجود في السؤال صحيح للغاية، لكن أعلن شيراك صراحة أنه سيساعد الدول الإفريقية على تثبيت أسعار المواد الأولية وهذا أمر في غاية الأهمية بالنسبة لبلد.. لبلدان مثلاً تنتج مواد أولية فقط مثل الكاكاو أو مثل الحديد بالنسبة لموريتانيا أو النفط أو ما شابه ذلك، عندما تثبت أسعار المواد الأولية فهذا يؤدي إلى استقرار مالي في هذه الدول ويؤدي إلى نوع من الإفادة الإفريقية عموماً من هذه المسألة، هذا أولاً.

ثانياً: سيقترح شيراك على قمة الدول الصناعية سيقترح أن يكون مؤشر خدمة الدين الإفريقي مرتبط باستقرار أسعار المواد الأولية وبتسعير هذه المواد، بمعنى إذا كان تسعيرها منخفضاً خدمة الدين تنخفض، وإذا كان تسعيرها مرتفعاً خدمة الدين ترتفع، في هذه الناحية يمكن لفرنسا أن تساعد إفريقيا بقوة.

من ناحية أخرى، أعلن شيراك أيضاً -وهذا أمر مهم- أن إفريقيا عليها من الآن فصاعداً أن تتعامل ليس فقط مع فرنسا وإنما مع كل الدول الأخرى بوصفها اتحاد وليس من دولة إلى دولة، وفي هذا المجال يعني جنوب إفريقيا تلعب دور مهم وتسعى لأن يكون السوق الإفريقي الضعيف والمجزَّأ والمفتت والمشوب بحروب أهلية تسعى لأن يكون سوق واسع وموحد ويستطيع من خلال توحده أن يتعامل بقوة أكبر مع الشركاء العالميين ومن ضمنهم فرنسا، إذا استطاعت فرنسا أن تحقق لإفريقيا هذه الشروط أعتقد بأننا يمكن أن نشهد نقلة كبيرة إلى الأمام.

جميل عازر: أستاذ فيصل جلول في باريس، شكراً جزيلاً لك.

الأزمة القبرصية بين طرفيها اليوناني والتركي

وإلى قبرص يُهرع الأمين العام للأمم المتحدة (كوفي عنان) في محاولة لإنقاذ الخطة التي أعدتها المنظمة الدولية لإعادة توحيد الجزيرة المقسمة، وقد دخلت القضية في خانة الإلحاح نظراً إلى أن هناك موعداً نهائياً لكي يتفق الطرفان القبرصيان بحلوله على إعادة توحيد الجزيرة قبل انضمامها موحدة أو انضمام جزئها اليوناني فقط إلى الاتحاد الأوروبي، وهنا يكمن مصدر الضغط على الجانبين، خاصة وأن الزعيم القبرصي التركي (رؤوف دنكتاش) يعترض على عدة نقاط في الخطة المقترحة رغم الضغوط الداخلية عليه للقبول بها، بينما يجد الرئيس القبرصي المنتخب (تاسوس بابادوبلوس) فيها تنازلات كثيرة من الجانب اليوناني لا ينبغي تقديمها.

فشل جلافكوس كلاريدس في الفوز بالرئاسة لفترة ثالثة
تقرير/ أسامة راضي: فشل (جلافكوس كلاريدس) في الفوز بمدة رئاسية ثالثة في الشطر اليوناني من قبرص قد يكون نتيجة لما رآه الناخبون تنازلات قدمها للجانب التركي خلال المفاوضات التي كان يُفترض أن تنتهي في أيام، فالناخب القبرصي اليوناني اختار (تاسوس بابادوبلوس) الذي يمثل الخط المتشدد إزاء قضية إعادة توحيد الجزيرة، ويبدو أن انتخاب بابادوبلوس قد لا يفي بالمهلة الزمنية التي حددتها الأمم المتحدة لطرفي القضية للتوصل إلى حل، فالوقت ضيق أمام الرئيس الجديد لاختيار طاقمه والشروع في مفاوضات على هذا الجانب من الأهمية، خاصة أنها ستبنى على رؤية سلفه لخطة التسوية التي اقترحتها الأمم المتحدة والمرتبطة بانضمام الجزيرة موحدة للاتحاد الأوروبي، فوفقاً للخطة يجب على الجانبين التوصل إلى اتفاق في الثامن والعشرين من الشهر الجاري لتمكينهما من تنظيم استفتاء شعبي على الاتفاق وعلى الانضمام إلى الاتحاد.

وفي حال سير الأمور في الاتجاه المقترح فإن قبرص الموحدة ستوقع اتفاق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في أبريل القادم، على أن تحصل على عضوية كامل في مايو من العام القادم. الرئيس القبرصي الجديد سيتسلم مهامه في الأول من مارس القادم، لكن سلفه كلاريدس سوف يُسلم له قبل ذلك ملف الخطة الدولية المقبولة من جانبه كأساس للتفاوض، لكنها -كما يرى بابادوبلوس- تنطوي على تنازلات يونانية زائدة عن الحد في قضيتي إعادة التوطين وتوزيع الأراضي، فالخطة المطروحة للتفاوض تقضي بإقامة دولة كونفدرالية بين كيانين يوناني وتركي وبمجلس رئاسي تناوبي مشترك، وتُعيد الخطة توزيع الأراضي الخاضعة لسيطرة الجانبين مما يقلص الشطر التركي إلى 28% من مساحة الجزيرة بدلاً من الـ40% حالياً، كما تنظم الخطة عملية إعادة توطين قبارصة يونانيين نزحوا منذ بداية التقسيم من الجانب التركي وهو ما يرى فيه اليونانيون قيوداً على عدد المسموح لهم بالعودة إلى ديارهم.

الرؤية الجديدة للتسوية التي جاء بها بابادوبلوس لم تلقَ ترحيباً في الشطر الآخر، إذ اعتبر رؤوف دنكتاش فوز بابادوبلوس اليميني المدعوم من اليسار انعكاساً لمزاج متشدد يسود الشطر اليوناني وقد يقوض فرص التوصل إلى اتفاق لإعادة توحيد الجزيرة.

دنكتاش هو الآخر كرر مخاوفه من ابتلاع اليونان للجزيرة في حال الموافقة على الخطة دون تعديل وحاول إقناع أغلبية الأتراك القبارصة المؤيدين للخطة بأنها لن توفر لهم الرخاء المنتظر في ظل الاتحاد الأوروبي، المخاوف المتبادلة بين الجانبين والتي تهدد بنسف جهود الأمم المتحدة للتسوية تبدو أنها تدفع شطري القضية إلى انتظار تعديلات على الخطة خلال زيارة عنان القادمة إلى أنقرة وأثينا ونيقوسيا والتي تأتي في إطار الضغط على الجانبين لإغلاق ملف قبرص المقسمة منذ نحو 40 عاماً ودخولها إلى الاتحاد الأوروبي دولة واحدة.

جميل عازر: وبهذا نأتي إلى ختام هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) نذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت أو الكتابة إلى عنوان البرنامج الإلكتروني، على أننا سنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، تحية لكم من فريق البرنامج وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة