توني بلير.. السلام في الشرق الأوسط   
الاثنين 1429/2/12 هـ - الموافق 18/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:23 (مكة المكرمة)، 12:23 (غرينتش)

- السلام بين مؤتمر أنابوليس ومؤتمر باريس
- عن الإرهاب والحرب على العراق وأفغانستان

السلام بين مؤتمر أنابوليس ومؤتمر باريس

جمانة نمور
: أهلاً بكم، يسعدنا أن نستقبل في لقائنا لهذا اليوم السيد توني بلير رئيس الحكومة البريطانية الأسبق، الذي تولى رئاسة الحكومة البريطانية لثلاث فترات متتالية، بدأت بعام 1997 وانتهت هذا العام، عام 2007، وكان رئيساً لحزب العمال البريطاني منذ عام 1994. كُثُر كانوا يتساءلون ماذا سيفعل توني بلير بعد أن يغادر 10 downing street خاصة وأنه غادرها وهو مازال في الرابعة والخمسين فقط من عمره. الجواب لم يتأخر ليأتي، وجاءنا الآن إلى الشرق الأوسط كمبعوث للّجنة الرباعية للسلام. الأجندة عنده كانت حاشدة في الفترة الأخيرة، خاصة مع مؤتمر أنابوليس، وقبيل التحضير لمؤتمر باريس. ويقوم بجولة في المنطقة نلتقيه خلالها. أهلاً بك سيد بلير، لو تضعنا في أجواء جولتك الآن، ما الذي تنوي القيام به بعيد أنابوليس وقبيل باريس؟

توني بلير: مؤتمر أنابوليس في أساسه أعلن أن الفلسطينيين والإسرائيليين سيدخلون في مفاوضات لحل مسائل الوضع النهائي، أي لتجميع مسألة السلام. ولكن لكي نصل إلى دولة فلسطينية علينا أن نساعد الفلسطينيين على بناء مؤسسات تلك الدولة، في التعليم والصحة والثروة الاقتصادية والأمن والحوكمة وما إلى ذلك. إذاً مؤتمر باريس في الأسبوع القادم سيكون مؤتمراً للتعهد، يمكن بوساطته للأسرة الدولية أن تقف وراء الفلسطينيين لدعم الخطة التي يقدمها الفلسطينيون عندها ويدعمونها مالياً. فهناك نحو 5,6 مليار دولار من المجتمع الدولي لدعمها، لذلك أنا هنا في المنطقة لكي أطلب من الناس تقديم هذا الدعم للفلسطينيين. الأوروبيون والأمريكيون قدموا التزاماتهم وبريطانيا أيضاً فعلت ذلك، ومن الواضح أنه من المهم لدول الخليج أن تفعل ذلك أيضاً.

جمانة نمور: ولكن تقديم الدعم شيء وأن تصل هذه المساعدات إلى الفلسطينيين، كل الفلسطينيين، شيء آخر. أليس كذلك؟

توني بلير: نعم، من المهم أن نتأكد أن كل الفلسطينيين سيستفيدون من هذا. بعض هذه الأموال ستدخل في دعم الموازنة لدفع الأجور، وبعض منها للدعم الإنساني، والكثير منها سيدخل في أموال التنمية. الدولة الفلسطينية، إن كانت ستنجح، لابد أن تملك قدرات إدارة نفسها بالشكل الصحيح، ليس في الضفة الغربية فقط، وإنما في قطاع غزة أيضاً.

جمانة نمور: لكن السؤال، كيف ذلك؟ هناك واقع الآن مختلف على الأرض، أنت تتحدث عن مساعدات بملايين الدولارات تُقدَّم إلى الفلسطينيين، والفلسطينيون في غزة ليس لديهم ماء نظيفة للشرب، ليس لديهم كهرباء، ليس لديهم سيارات إسعاف، حياتهم على المحك، الحياة اليومية.

توني بلير: نعم إنها كذلك، من الصعب حقاً للناس. فالسؤال إذاً، كيف نحسّن حياتهم؟ وبرأيي علينا أن نعمل على ثلاثة أمور في وقت واحد. أولها، اتفاقٌ سياسي بين الإسرائيليين والفلسطينيين، هذا ما أطلقه أنابوليس مع وقت محدد لنصل إلى ذلك الاتفاق للمرة الأولى عام 2008. ثانياً، علينا إعطاء الفلسطينيين الدعم اللازم لكي يطوّروا بلدهم. وثالثاً، نحتاج أن تتغير الوقائع على الأرض. نحن بحاجة إلى زيادة قدرات الفلسطينيين، وإزالة تدريجية للوجود الإسرائيلي، وقدرة الفلسطينيين أن يكون لديهم وطنهم الخاص، دولتهم الخاصة يحكمون فيها أمورهم بأنفسهم. هذه هي الغاية، لكننا بحاجة لتلك الأمور الثلاثة مع بعضها، فبدون الاتفاق السياسي لن نحصل على قدرة الفلسطينيين لإدارة دولتهم، ودون ذلك أيضاً لن نحصل على تغيير حقائق على الأرض، فكل هذه الأمور يجب أن تحدث مع بعضها. أدرك حقيقة أن الناس شديدوا التشكك في هذه المنطقة إن كنا سننجح أم لا، ولكن علينا أن نحاول فليس هناك بديل لذلك سوى أن نُنجح هذا.

جمانة نمور: ولكن أليس أناس المنطقة معذورون إذا مارأوا أنه بُعَيد أنابوليس ماالذي جرى على الأرض؟ الذي جرى هو قرار بتوسيع مستوطنات أبو غنيم تحديداً، هو زيادة في الحصار وكأن شيئاً لم يكن. نتحدث عن السلام في أنابوليس بينما التصرفات من قِبل الإسرائيلين هي مختلفة على الأرض.

"
هناك سلسلة كاملة من الأمور التي علينا أن نفعلها لنغير الواقع الفلسطيني وألا يتخذ أي من فلسطين وإسرائيل خطوات لا تتوافق مع الاتفاق النهائي لأنابوليس وهذا ما نعمل من أجله
"
توني بلير:
في الواقع، المجتمع الدولي دعا إسرائيل أن تعود عن قرارها، ومن المهم أن لانتخذ خطوات، سواء كانت مراكز حدودية أو مستوطنات، لاتتوافق مع ما سيبدو عليه الاتفاق النهائي. ما أحاول القيام به هو أن أتأكد أننا سنحصل على مشاريع اقتصادية في الجانب الفلسطيني، مثلاً، حول أريحا، التنمية الزراعية الصناعية كاملة، مثلاً، مناطق صناعية، وعلى سبيل المثال مشاريع إسكان، فتح السياحة في بيت لحم، والتأكد مثلاً، في غزة مشاريع الصرف الصحي. هناك سلسلة كاملة من الأمور التي علينا أن نفعلها لنغير الوقائع على الأرض، وأوافق طبعاً، هذا مهم، أن لايتخذ أي من الجانبان خطوات لاتتوافق مع الاتفاق النهائي، وهذا مانعمل من أجله .

جمانة نمور: هل هذا ماتراهن عليه عندما تقول بأنه يمكن التوصل لاتفاق في نهاية العام 2008، أم أنك تراهن على شيء آخر لانعلمه؟

توني بلير: ليس هناك شيء آخر أعرفه أنا. نقطة البداية لهذا هو أن ندرك أن الناس، بما فيهم من يشاهدونكم، سيقولون، طوال أربعين عاماً الناس يتحدثون ولم يحدث شيء ولن يحدث أبداً فلماذا نزعج أنفسنا؟ وردي على ذلك، كان الناس يقولون لي عام 1997 عندما وصلت إلى السلطة، حول إيرلندا الشمالية، أنهم يتقاتلون طوال الوقت ولن يتوقفوا، فما الفائدة إذاً؟ الإجابة عندها كانت، وهي الآن نفسها في هذا الحال، ليس هناك بديل سوى المحاولة. والاختلاف هذه المرة هو، أنني أعتقد أنه للمرة الأولى من الواضح لكل المجتمع الدولي أن هذه أولوية، كما أنها أولوية لإسرائيل. إسرائيل ليس لديها أمن على المدى الطويل إن لم يُعط الفلسطينيين دولة صحيحة، وهذا سيتم بطريقة تحمي أمن إسرائيل، ولكن أيضاً بطريقة تعطي الكرامة والاحترام للفلسطينيين. ويالنسبة للعالم العربي، كله يريد حلّ هذه المشكلة فهناك أمور أخرى يريدون متابعتها، فإن جئت إلى هذه المنطقة سترى الإمكانيات الاقتصادية الضخمة، وإذا نظرت إلى هذا النزاع في هذه الأرض الصغيرة بين إسرائيل وفلسطين، التي تسببت بكل هذه الاضطرابات في كل العالم، فعلينا أن نسويها، وهذا ممكن وليس مستحيلاً إذا كانت لدى الناس الإرادة.

جمانة نمور: لكن السؤال هل يملكون هذه الإرادة، بحسب علمك وبحسب ماتسمع منهم؟ أولاً، وثانياً، تقول، المجتمع الدولي وعلى رأسهم الولايات المتحدة لديهم الأولوية الآن لحل هذا الصراع. لماذا تأخر الرئيس بوش ليأتي إلى المنطقة؟ لماذا انتظر إلى السنة الثامنة من ولايته؟ لماذا لم تكن أولوية قبل ذلك؟

توني بلير: أعتقد وإجابتي على هذا ستكون، يمكننا أن نتحاجج للأبد إن كان الرئيس بوش كان عليه أن يفعل شيئاً في وقت أبكر أم لا؟ ولكننا حيث نحن، والأمر المهم هو الآن، الآن وضع هذا الجدول الزمني، وبعد كل شيء كان هو أول رئيس أمريكي في أي وقت يلتزم بحل الدولتين. وهذا الجدول الزمني ليس مثل أوسلو أو المفاوضات الأخرى، إنه جدول زمني فعلي للتوصل إلى اتفاق حول كل المسائل الجوهرية المتعلقة بالوضع النهائي. إذاً أرى أن هذه خطوة طموحة جداً التي أُتخذت، ولكن أوافق، علينا أن نحقق ذلك، وهذه مهمتنا كلنا معاً أن نتأكد أننا سنحققها. يمكننا إما أن نجلس هنا ونقول، انظروا لا أمل. أو يمكننا أن نحاول، أنا أؤمن بالمحاولة.

جمانة نمور: ماذا تقول لمشاهد يتابع هذا الصراع منذ بداياته، وسمع بالقرارات الدولية 242 و 338 و 194، تحولت هذه القرارات عند الحديث عنها إلى، أوسلو، ما بعد أوسلو، إلى خارطة الطريق، التي رأى فيها العرب انحيازاً لإسرائيل، رغم ذلك إسرائيل لم تنفذها، والآن رؤية بوش، ثم وعد بوش لشارون. أين أصبحت تلك القرارات الدولية، لماذا لاتتم العودة إليها لتكون أساساً؟

توني بلير: أعتقد أن علينا أن نعود إليها، ولكن ليست هذه المسألة الحقيقية الآن، المسألة هي التالي، دائماً من المهم، إن أردت أن تسوّي نزاعاً من هذا النوع، يجب أن ترى الوضع من الجانبين، في بعض الأحيان من الصعب أن ترى وجهة النظر الأخرى. من وجهة النظر الإسرائيلية مايهمهم هو الأمن، يعتقدون أنهم محاطون ببلاد لاتريد لهم الوجود، كانوا قد خضعوا لبعض الهجمات الإرهابية من خارج إلى داخل إسرائيل. يمكن أن نحاجج لكل الأسباب التي تجعل وجهة النظر هذه غير منطقية، ولكن هذه وجهة نظرهم. بالنسبة للفلسطينيين، الحقائق لديهم، هو أنه نتيجة للهواجس الأمنية الإسرائيلية هناك الاحتلال، وهذا الاحتلال خانق للفلسطينيين، وهم يعانون نتيجة له. ما أريد القيام به هو أن كل هذه القرارات، كلها عظيمة، لكنها تقول، أين تريد أن ينتهي بك الأمر؟ وجهة نظري، كيف ننتقل من أين نحن الآن إلى تلك النقطة، وهذا لن يحدث إن لم تسر تلك النقاط الثلاث مع بعضها، أي تتفاوض على ما هو شكل الدولة الفلسطينية، وتبني القدرات الفلسطينية لتحكم تلك الدولة بشكل فعّال، فهذا له أهمية كبرى للهواجس الأمنية الإسرائيلية، وثالثاً وفي الوقت ذاته، تغيير مايحدث على الأرض، أي رفع القيود المفروضة، بينما يكتسب الفلسطينيون قدراتهم الأمنية، أي تطوير الجانب الاقتصادي. أي أن نضمن أن الناس يتصرفون ويتحركون بطريقة توافق مع الاتفاق النهائي. إذاً صحيح نحن نعرف كل هذه القرارت التي صدرت عن مجلس الأمن والأمم المتحدة وغيرها، كلها لن تنجح إلا ليكون على الأرض هناك تغيّر في الحقائق، وهذا ما أحاول القيام به الآن.

جمانة نمور: تتحدث باندفاع عن هذا الموضوع، وعن التغيير، وعن إمكانية أن يكون هذا التغيير واقعياً، في حين أن المبعوث السابق للّجنة الرباعية، قيل أنه أصلاً ترك منصبه من الإحباط، جيمس ولفينسون. أيضاً دور الرباعية كان معلقاً لثماني سنوات، كنت خلالها أنت رئيس وزراء بريطانيا، وكنت شاهداً على مايجري أيضاً في المنطقة، لم تكن بعيداً عنها. إذاً هذه المرة برأيك، هل خلفيتك وتجربتك في إيرلندا الشمالية فعلاً يمكن أن تطبق على المنطقة؟ أليس الوضع مختلف كثيراً؟ أليس هناك تعقيدات إقليمية ودولية تتشابك في هذا الموضوع؟

توني بلير: بالتأكيد هذه المنطقة معقدة، أتفق معك في ذلك. لكن هذا هو الاختلاف، عندما كنت رئيساً للوزراء في بريطانيا كنت قادراً على زيارة هذه المنطقة ربما لبضعة أيام كل مرة، ولكن لو كنت ممثلاً خاصاً تمكنت من أن أمضي وقتاً أطول الآن هنا، وهناك فهم أعمق للمشكلة. في الواقع، السيد ولفينسون قام بعمل رائع، لكن ما لدي أوسع من ذلك، ربما، وهذه مشكلة سياسية نوعاً، لذلك هناك مستوى من الانخراط السياسي الذي يمكنني الدخول به، نتيجة لخبرتي واتصالاتي التي كانت لدي كرئيس للوزراء، في نهاية الأمر، أهم شيء هو أن لدينا مؤتمر أنابوليس، يُطلق عملية، هي عملية، ولكنها عملية لها مواعيد. لدينا مؤتمر باريس للدول المانحة للفلسطينيين، وبعدها لدينا القطعة الأخيرة التي علينا أن نطبقها، وهي أن نتأكد أن هذا التغيير سيحدث على الأرض. آمل أننا خلال فترة قصيرة من الوقت يمكننا أن نري الفلسطينيين أن هناك تغيّر حقيقي يحدث، أن هناك إمكانية للتغيير، وعندها نصل إلى وقت حيث كل الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية يمكنهم أن يدعموا عملية السلام، ونحصل من خلاله على حل للدولتين تفي بحاجات الشعبين.

جمانة نمور: على كلٍ سوف نكمل نقاشنا معك حول قضايا أخرى أيضاً في المنطقة ولكن بعد هذا الفاصل.


[فاصل إعلاني]

عن الإرهاب والحرب على العراق وأفغانستان

جمانة نمور: نرحب بكم من جديد إلى هذا اللقاء مع رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير مبعوث اللجنة الرباعية للسلام في الشرق الأوسط. نتحدث الآن عن السلام في الشرق الأوسط بينما في السابق كنا عندما نقرأ الأخبار ونتحدث عن الحرب في العراق وقرار الحرب في العراق كان اسمك يرد دائماً، حينها قلت إنك لم تشارك في تلك الحرب فقط بناءً على صداقتك الشخصية بالرئيس بوش، أو لأنه أراد ذلك، بل لأنك كنت مقتنعاً بالأسباب الداعية لها. بعد كل الذي جرى في العراق، هل مازلت مقتنعاً بأن تلك الأسباب كانت تبرر ماجرى؟

"
كان من الصواب إزالة صدام حسين لأنه كان دكتاتورا قتل مئات الآلاف من شعبه، ومن الصواب إعطاء العراق فرصة لتكون دولة مستقرة لكن الذين يتدخلون فيها من الخارج سواء القاعدة أم العناصر الإيرانية هم المشكلة
"
توني بلير:
سأقول لك ما أعتقده، أعتقد أنه كان من الصواب إزالة صدام حسين لأنه كان دكتاتوراً قاسياً قتل مئات الآلاف من شعبه، وأيضاً أعتقد أن من الصواب إعطاء العراق فرصة لتكون دولة مستقرة، وأن أولئك الذين يتدخلون فيها من الخارج أن يتوقفوا، سواء أكان القاعدة أم العناصر الإيرانية، لقد أعطينا العراق إمكانية الحصول على الديموقراطية كاملة، وهناك دعم دولي كبير جداً، وعندما يقول لي الناس، الوضع هناك سيء جداً والناس يموتون هناك، أتفق مع ذلك. لكن من يقومون بالقتل هم الذين يدفعون السيارات المفخخة في أسواق مليئة بالناس، فالعراق لا يجب أن يواجه الاختيار بين وحشية العراق ووحشية الإرهابيين وقنابلهم، يجب أن يتمكنوا من الحصول على ما لدينا نحن.

جمانة نمور: هذا نظرياً، ولكن على الأرض العراق تحول أشلاءً بنظر البعض. حتى هناك تقرير بريطاني كان تخوّف بعد الانسحاب من البصرة أن تحكم المنطقة، ما سمّاها بعصابات إجرامية. للمرة الأولى نسمع وصفة من هذا النوع، وما رأى حرب وما إلى هنالك.

توني بلير: نعم لكن هذا هو سبب أن نتأكد من إيقاف هذا لكي لايحدث. في نهاية الأمر، هذا اتهام من نوع ما لكل المجتمع الدولي ومواقفه نحو العراق. إن تُرك العراقيون أمام اختيار بين وحشية صدام حسين أو بين وحشية الإرهابيين و الإجراميين، فأنا واثق أن غالبية العراقيين يريدون توحيد البلاد بأنظمة الحكم الصحيحة، وأعتقد أنهم سيصلون إلى ذلك. ولكن كما هو الحال مع الطالبان في أفغانستان، نحن أزلنا طالبان من أفغانستان لكنهم لازالوا يحاولون القتال والعودة، وعملنا، عندما يفعلون ذلك، أن نصمد في وجههم ولانستسلم، فهم يريدون سياسة رجعية، يريدون كبت الناس وقهرهم، يريدون وجهات نظر قديمة جداً بالية وحشية في أساليبها، وما أريده للناس سواء في العراق أو أفغانستان أو فلسطين أيضاً، أريد لهم أن يكونوا أحراراً في اختيار حكومتهم وأن يعيشوا حياتهم كما يريدون.

جمانة نمور: هل تعتقد فعلاً أنهم يعيشون حياتهم كما يريدون؟ أو أن هناك بارقة أمل بأنهم يمكنهم ذلك في المدى القريب؟ البعض يتهم الولايات المتحدة بأنها هي سبب اللا إستقرار في المنطقة، والآن تقدّم نفسها على أنها الضامن لهذا الاستقرار؟

توني بلير: نعم لكن فكرتي، أنا أوافق أنهم لم يحصلوا على تلك الحياة الآن، لكن من الذي يوقفهم، يمنعهم من ذلك؟ ليس نحن، نحن نحاول مساعدتهم.

جمانة نمور: كيف تحاولون المساعدة؟

توني بلير: لأننا نقول أن أولئك الذين ينخرطون في الإرهاب يجب أن نهزمهم، وأن الحكومة يجب أن يُسمح لها بحكم البلاد بالشكل الصحيح، ونحن على استعداد لدعم ذلك بالأموال من المجتمع الدولي. من المهم أن يسمع الناس وجهات النظر الأخرى في النقاش، أحياناً أسمع، حتى في بلادي البعض قد يوقفني ويقول، كيف يمكنك أن تلوم المسلمين لشعورهم بالغضب، أنظر ما فعلتم أنت وبوش في أفغانستان والعراق؟ وأقول لهم، مالذي فعلناه؟ أزلنا نظامي حكم دكتاتوريين، وأعطينا الأمم المتحدة عملية تدعم الديموقراطية، ومقداراً كبيراً من الأموال الدولية دعماً في ذلك. والإرهابيون، الطالبان والقاعدة وهذه المجموعة المختلفة في العراق جاءت بعد ذلك، ومن خلال تفجير الأبرياء ومحاولة قتلهم أوقفوا تلك العملية. ويقول الناس أنه ذنبنا، نحن ليس ذنبنا...

جمانة نمور(مقاطعةً): عفواً.. فقط تجدر الإشارة أنكم عندما شنّيتم الحرب، لم تقولوا لإزاحة صدام حسين، قلتم أن هناك أسلحة دمار شامل، وهذا لم تثبت صحته. الآن تقولون أن الأمريكيون يقولون أنهم في المنطقة لحمايتها من الإرهاب، البعض يرى بأن الإرهاب هو وجود الاحتلال في المنطقة، وأحد أوجه هذا الاحتلال هو وجود أمريكي مسلح، وماحصل عليه العراقيون هو اللا إستقرار. ربما كانوا لوسألتموهم يفضلون أن يبقى الأمن.

توني بلير: نعم، ولكن عندما يقول الناس أن جورج بوش هو الذي استفزّ هذا الإرهاب، دعونا نحلل هذا قليلاً، ما الأمر الفظيع في إزالة نظام حكم دكتاتوري؟ والآن نعطي الفرصة للناس لكي ينتقوا حكومتهم، كيف يستفز هذا ويثير الإرهاب؟ إنهم الإرهابيون الذين يقومون بالإرهاب. ومن الأمور التي علينا القيام بها أن نضع ذهنيتنا بعيداً عن إعطاء الأعذار لهذا الإرهاب، أو القول أن هؤلاء المتطرفين يمثلون المسلمين العاديين بشكل ما، فهم لايفعلون. ونصل إلى نقطة نتوحد فيها جميعاً، سواء كنا معتدلين في أي ديانة ضد المتطرفين الذين يريدون التسبب بالانقسام والطائفية وإعادة العالم إلى الوراء.

جمانة نمور: بعض أهالي المنطقة ليس لديهم مشكلة مع من تصفهم بالمتطرفين، لديهم مشكلة بنعت مقاومين بإرهابيين. على كلٍ، مفهوم الإرهاب لم يتفق عليه أحد في العالم. يبقى أن نسأل عن رؤيتك لما سيحدث في المنطقة، والأنظار الآن كلها متجهة نحو إيران؟

توني بلير: هذا أمر أستطيع أن أفهمه، لقد درست حركات المقاومة في التاريخ، ولدينا العديد منها خلال الحرب العالمية الثانية، أشخاص كبيروا الشجاعة. وعندما نتحدث عن حركات المقاومة في أفغانستان أو العراق، لدينا فرصة ليصوت الناس على حكومتم، فإذاً ماهي المقاومة بالتحديد؟ إن انتخبوا حكومة، والحكومة قالت لكل القوات الأجنبية أن تخرج، فستخرج. الحقيقة هؤلاء الناس يسمّون أنفسهم مقاومين لكنهم لايفعلون ذلك، إنهم يحاولون منع بلادهم من أن تُدار على يد الناس وإنما على أيديولوجيا تستند إلى تشويه حقيقي للإسلام، ومحاولة إعادة تلك البلاد إلى الوراء. مثلاً الطالبان في أفغانستان رفضون السماح للبنات بالتعلم في المدارس، ماهو نوع هذه الحركة من المقاومة؟ علينا أن ندرك أن أولئك الناس ليسوا مقاتلين للمقاومة.

جمانة نمور: هناك مقاومة احتلال إسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط، أيضاً البعض قد يَسِم بالإرهاب أعمالاً أخرى، يعني من وجهة نظر أخرى. هل أنت الآن بوصفك مبعوث للسلام تنظر إلى الأمور بطريقة مختلفة عن تلك التي نظرت بها في السابق؟ مثلاً موضوع قصف مكاتب إعلامية، كيف تصف هذا العمل؟

توني بلير: لست أتفق مع ذلك، لا أوافق على هذا، لست أدري أي مكاتب تعنين؟

جمانة نمور: مكاتب الجزيرة مثلاً في أفغانستان، في العراق؟

توني بلير: أولاً، دعيني أقول التالي، أنت سألتني عما تعلمته خلال وقتي كمبعوث للشرق الأوسط، أعتقد أن ماتعلمته هو، أنه من خلال التنقل حول أريحا ووادي الأردن والخليل، في الواقع تنقلي في الأراضي الفلسطينية، أنا أفهم وأتفهم الإحساس العميق بالظلم الذي يساور الفلسطينيين، ولست أتفق مع الإرهاب في أي سياق، لكنني عندما كنت أهاجم الناس، العراق وأفغانستان بالتحديد، أفهم لماذا يشعر الفلسطينيين بالغضب. الأمر المهم هو أن نغير هذا الوضع، وأنا لا أوافق على قصف الإعلام في أي وضع كان، على الرغم من وجود خلافات بيننا بين حين وآخر .

جمانة نمور: مادمنا قد ذكرنا الموضوع، البعض يشعر في الجزيرة أنه يدين لك بحياته، ماذا عن تلك المحادثة بينك وبين الرئيس بوش، والتي قيل أنك أقنعته خلالها بعدم قصف الجزيرة؟

توني بلير: لا أعتقد أنكم معرّضون لأي خطر حقيقي. إذاّ من اللطف منكم أن تشكروني، لكنه غير ضروري.

جمانة نمور: إذاً لم تجر هذه المحادثة؟ لم يكن هناك نية، أو أنها جرت بمحتوى آخر؟

توني بلير: سأصيغ الأمر على الشكل التالي، بحد علمي لم يكن هناك أي نية على الإطلاق لقصف الجزيرة. مايحدث في السياسة أنك تعيش حياتك مع نظرية المؤامرة، وبصراحة هناك مايكفي من المشاكل السياسية الحقيقية دون القلق بشأن ذلك. إذاً يؤسفني أن أقول لمشاهدينكم لكن هذه نظرية المؤامرة بشأن بوش غير صحيحة.

جمانة نمور: نحن بكل الأحوال نشكرك، نشكرك خاصة سيد توني بلير على كونك معنا اليوم، شكراً جزيلاً لك. نشكركم مشاهدينا على المتابعة وإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة