بونواري   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

سامي كليب

ضيف الحلقة:

بونواري: مجند فرنسي سابق

تاريخ الحلقة:

08/08/2003

- مغزى اسم كتاب "الذابحون" وأسباب منع نشره
- أسباب ذهاب بونواري إلى الجزائر

- الفظائع التي ارتكبت من قبل الجيش الفرنسي ضد الجزائريين

- شجاعة السجناء الجزائريين وأنواع التعذيب التي تعرضوا لها

- عودته إلى فرنسا وردة فعل العائلة

سامي كليب: كما قد تنبت الوردة من صخرة كذلك قد يصحو الضمير في قلب المعركة، هذه كانت حال ضيفنا اليوم الذي ذهب في الستينات مقاتلاً إلى الجزائر في خلال حرب الاستعمار، لكن صحا ضميره فرمى البندقية، وأصبح ممرضاً، صحا الضمير حين كان الضابط يقول له ولرفاقه: اغتصبوا النساء، ولكن بالسر، واقتلوا رجلاً لمجرد أن كلبه قد نبح، عاد إلى فرنسا، وضع كتاب أثار ضجة كبيرة سماه "الذابحون"، ضيفنا اليوم هو بونواري.

في منزله الهادئ في الريف الفرنسي يتمتع بونواري اليوم بتقاعده بعد حياة بدأت بصور الحرب مع الألمان ثم المجازر في الجزائر، فالطباعة والطهي والنضال السياسي والاجتماعي، الرجل ذو الهامة المديدة كان سعيداً جداً بأن يستطيع مرة جديدة تقديم شهادة على ما رآه وسمعه في الجزائر، فكل شيء هدأ في حياته سوى الضمير، المستمر على اتقاده لعدم تكرار تلك التجربة الأليمة، فلماذا ذهب إلى الجزائر قبل الاستقلال؟ وما الذي رآه هناك؟ وهل فعلاً أن ما كتبه في كتابه يستحق هذا العنوان المرعب "الذابحون"؟

مغزى اسم كتاب "الذابحون" وأسباب منع نشره

بونواري: الذابحون بدا لي هذا الاسم بديهياً، فقد كثرت الأقاويل في تلك الفترة، وأُلقي اللوم كله على جبهة التحرير الوطنية، إلا أن الجيش الفرنسي مارس هذا فعلاً، لذا أظن أنه كان حساساً جداً من الناحية الدينية بالنسبة للجزائريين.

سامي كليب: إذن في تلك الأثناء كان رجال جبهة التحرير يسمون في فرنسا بالذابحين؟

بونواري: أجل، كانت تلك هي الصورة في أذهاننا عن المجاهدين أو الذابحين، كما سُميوا في تلك الفترة، وقد كنت في منطقة توكسانة، وهي مدينة قبائلية صغيرة، وكانت آنذاك تجري الكثير من محاولات إعادة السلام، في فترة كان فيها المجاهدون مهزومين عسكرياً، حدث ذلك بعد أن شعرنا أن هناك بعض محاولات لإجراء مفاوضات، ولكننا لم نعرف ذلك.

سامي كليب: سنعود طبعاً إلى كل هذه القصص في بداية الحرب، وأيضاً كل ما يتعلق بالسياسة، ولكن ما يهمنا في بداية هذه الحلقة لو سمحت مثالاً.. مثال واحد على الأقل حول الذابحين فعلاً، لماذا أسميتهم بالذابحين؟ هل من مثال واحد خصوصاً لنبرر اسم الكتاب الذي نشرته آنذاك؟ Les Egorgeurs أو الذابحون؟

بونواري: أجل، عندما وصلت إلى هناك كان لدي انطباع أن كل الفرنسيين كانوا في تلك الحقبة بمعنى أن المجاهدين كانوا ذابحين، إلا أنَّني أدركت بسرعة أن الفرنسيين كانوا يقومون بنفس الممارسات، كان هناك سجناء يعملون كمراسلين خلال العمليات، وكانوا خائفين جداً مما يمكن أن يحصل لهم، إذ كانوا يذهبون بحمولتهم إلى نقطة معينة. وبعد ذلك يتركون على الطريق ويذبحون..

سامي كليب: هل شاهدت بأُم العين مقاتلين جزائريين يُذبحون أمامك؟

بونواري: بالتأكيد، لقد رأيت للأسف عشرات النساء على الأقل، وقد يكون هذا ما دفعني إلى أن أضع للكتاب عنوان "الذابحون"، الذي أظنه يلخص كل همجية تلك الحرب.

سامي كليب: إذن مُنِعَ الكتاب بعد أربعة أيام فقط على صدوره في فرنسا هنا، من الذي منعه؟

بونواري: على ما أذكر صدر الكتاب يوم جمعة، ومنع يوم الثلاثاء لدى الناشر، أي في وقت قياسي، ولكن في ذلك الوقت كان هناك من بلغنا بقرار المنع، وعلمنا بعد ذلك أنه كان مفوض شرطة يملك مشاعر طيبة، وقد كان في كل مرة يُمنع فيها كتاب يخطرنا بذلك، فنقوم بسحب ما تبقى من الطبعة.

سامي كليب: ماذا كان المبرر الرسمي لمنع الكتاب؟

بونواري: في تلك الفترة لم تكن هناك حاجة لتبرير ما تم فعله، بل كانت المادة السادسة عشر من القانون الدستوري في عهد الجنرال (ديجول) تبيح للحكومة بمنع نشر كتاب، أو إيقاف عرض فيلم أو أي شيء آخر دون سبب معين، ولم توجه إلي أي تهمة.

سامي كليب: لم يحتفظ بونواري بالكثير من الذكريات الجزائرية، فباستثناء بعض صوره أثناء معالجة الجزائريين، وبعض من لقاءاته مع الرفاق، يبدو كل شيء في منزله الريفي المتواضع وكأنه بلا تاريخ، لولا المطبعة القديمة في جواره، ولكن بونواري يحتفظ بالمقابل برسالة وصلته من راهب فرنسي كان يعمل في الجزائر، الرسالة مهمة ليس فقط لمضمونها، ولكن أيضاً لما حلَّ بصاحبها، فماذا في المضمون أولاً؟

بونواري: إن شقيقتك (فرانسواز) التي تعيش في ديرنا الصغير هنا قرب الميدية أعطتني ما كتبته أنت بعد عودتك من حرب الجزائر، وأنا كنت مثلك ممرضاً في سعيدة جنوبي وهران، بين عامي 57، 59، إن كتابك ذكرني بأشياء مشابهة عشتها أنا، وشهدت حياتي تحولاً كما حياتك، وبعد عشرين عاماً من العمل كمربي في (نانت) الفرنسية أصبحت راهباً عام 1983 عن عمر خمسين عام، وكان سبب دخولي الدير ضابطٌ جريح من جبهة التحرير اسمه أحمد، وحصل ذلك عام 86 بعد ثلاثين عاماً من الحرب، وهذه الأيام نحن نفكر ونصلي حول جملة تقول "يا إلهي إنك أملنا على وجه كل حي" إنك عشت هذا يا بونوا بالأمس.. وتراه اليوم، وبالتالي فقد أصبحت أخي، قبلاتي لك.

سامي كليب: هذا مضمون الرسالة، أما كاتبها فقد قتلته حرب الجزائر الحديثة، أو بالأحرى قتله المتطرفون هناك.

نشاهد أيضاً في الواقع مقالاً في صحيفة "الخبر" الجزائرية مقال مترجم لك، ويقول في العنوان "الذابحون" شهد شاهد منهم هل يعني أنك كنت بين الذابحين أيضاً وانتقلت إلى موقع المشاهد؟

بونواري: بعدما وصلت إلى الجزائر الليلة الأولى، أول مشهد رأيته كان في بلدة (فيليب)، وجدت نفسي مع أحد رفاقي في معسكر، في حين كان اثنان من الجزائريين مقيدي اليدين، كانت هناك صعوبة في التحدث معهما، وعرفنا في اليوم التالي إنهما قتلا أثناء الليل، تم إعدامهما بالرصاص، لأنهما -باعتقاد الفرنسيين- ينتميان إلى جبهة التحرير الوطنية

سامي كليب: ما الشعور الذي انتابك في اليوم التالي لمقتل هذين الشخصين؟

بونواري: كنت أشك نوعاً ما بما يجري، كانت لدي بعض المعلومات، وذلك مما يقال من شخص إلى آخر، ولكن يصعب تصديق ما لم نشاهده بأعيننا، هنا وجدت نفسي في مواجهةٍ مع الحياة والموت معاً منذ اليوم الأول، فاتخذت قراري بعدم المشاركة، وسأفعل ما يمكن فعله، لكنني لن أشارك.

أسباب ذهاب بونواري إلى الجزائر

سامي كليب: لم يكن بونواري من الذابحين، بل على العكس تماماً فكتابه شاهد على صحوة الضمير باكراً، تماماً كما تصحو بين الحين والآخر الشمس في الريف الفرنسي، فيدعونا إلى الخارج وكأنه يريد مكاناً أفضل لذكريات قاتمة، ولكن لماذا قَبِلت بالذهاب إلى الجزائر؟ ألم تكن فعلاً قادراً على الرفض؟

بونواري: برأيي لو علمت ما ينتظرني هناك لفكرت في الهجرة إلى سويسرا أو ألمانيا بدلاً من ذلك، وأظن بالحديث على لسان أقراني من الأصدقاء، والذين بدءوا نوعاً ما بالتحدث عما جرى كانوا يرون بأننا لم نكن مستعدين أبداً للحرب، لاً من ناحية انتماءاتنا السياسية ولا تربيتنا كانت تؤهلنا للذهاب، وقتال أناس لا يرغبون بأن يكونوا فرنسيين.

سامي كليب: ولكن حين وصلت في العام 59 كان عمرك آنذاك 20 عاماً، أو 21 عاماً كنت تعرف أن الحرب مستمرة منذ خمس سنوات.

بونواري: تماماً بكل تأكيد، كنت نوعاً ما مُطَّلِعاً على الوضع أكثر من رفاقي، ولكن لنقل أنه كانت لدي ميول يسارية، وعلى الصعيد المهني كان الذين هم أكبر مني سناً يعودون من هناك رافضين الحديث عما يحدث، هذا ما زرع القلق في داخلي، فكرت أنه يجب أن أذهب وأعرف ما يدور هناك، وربما لم يكن عليَّ ذلك، ولكن في النهاية هذه الأشياء تحدث في الحياة، وفي سن العشرين عادة لا نستطيع ضبط أنفسنا، ذهبت ولم أكن واثقاً مما يجري، غير أن السؤال الذي قرأته في وجوه وعيون الناس في الجزائر كان يوحي بتلك القسوة.

سامي كليب: ماذا كان رأي والديك في الذهاب إلى الجزائر آنذاك؟ كانوا طبعاً من جانب المارشال (بيتان).

بونواري: كان والدي مقتنعاً أن واجبي يحتم علي الذهاب إلى هناك للدفاع عن الغرب وما إلى ذلك، وكنت قبل ذهابي إلى الجزائر قد ذهبت إلى ألمانيا لعامٍ واحد.

سامي كليب: الغرب آنذاك كان يعني طبعاً المسيحية أيضاً الدفاع عن المسيحية.

بونواري: أجل، هكذا كانت الأمور شديدة التوتر والعنف، فمن ناحية هناك الغرب، ومن ناحية أخرى هناك الهمجيون، أي الجزائريون حينها، ولكن رغم كل شيء كانت الجزائر فرنسية، وكان يجب الدفاع عن هذه المقاطعة ضد العدوان الداخلي الذي كان موجوداً حينذاك، ظننت أنني في ألمانيا سأقوم ببعض أعمال التحريض، ولكنني في اليوم الأخير التقيت بوالدي وبعض أصدقائه وهم جنود قالوا لي لا تقلق، سوف نُصلِّي من أجلك، وهكذا ذهبت إلى الجزائر إلى مدينة فيليب حيث شاهدت ما لا يمكن أن أنساه أبداً، رأيت رجلين مربوطين بالأغلال والأصفاد إلى السرير، وعرفت في اليوم التالي بأنهما قد قُتلا عند الفجر عدا عن هذه الصورة التي لم أدرك فظاعتها في حينه، إذ أنني عرفت التفاصيل لاحقاً، وأيضاً لأنني لم أرَ بأم عيني ما جرى لهما، كانت هناك الطريق الشمالية الجزائرية، حيث رأيت هذه الفئة من الناس تعيش على جانب فيلات كبيرة ذكرتها في كتابي، كانت البيوت شديدة البؤس حتى أنني قلت: إن هذا منتهى التخلُّف وكأنني دخلت عالماً مختلفاً.

سامي كليب: طبعاً في عمر عشرين عاماً لا يمكن أن نكون مسالمين منذ البداية، ربما فكرة الحرب تثيرنا قليلاً، ألم تثرك هذه الفكرة ضد من كنتم تسمونهم بالإرهابيين مثلاً من جبهة التحرير؟

بونواري: فيما يخصني لم تراودني أبداً الرغبة في الذهاب إلى الجزائر، قد يعود سبب ذلك إلى نشأتي أو إلى والدي، فنحن عائلة كبيرة العدد، تعودنا أن نذهب أثناء العطلات إلى معسكرات الحرب العالمية الأولى، برأيي يجب أن نتجنب اندلاع الحروب، فهي ليست من البطولة بشيء، شعرت منذ البداية بأنه يجب علينا القتال ضد الحرب، وأنني يجب أن أقاومها في مكانٍ ما، لذا عندما وصلت إلى الجزائر كان القليل الذي رأيته كافياً لأن أُقرِّر وفوراً أنني لن أحمل السلاح في يديَّ، لا بل على العكس ربما كان بوسعي القيامُ بشيء ما، وهذا ما حصل فيما تلا من الأيام.

سامي كليب: بعد وصولك مباشرة إلى الجزائر اُخترت من بين الذين اختيروا فيما يسمى -آنذاك- بفريق الكوماندوز، لماذا؟

بونواري: الكوماندوز هذه قصة أخرى، ولم أكن متأكداً مما إذا كنا في مدينة فيليب أو في (جيجري)، لقد وقع الاختيار علينا فقال لنا الجميع انتبهوا إنهم يأخذون أصحاب الشوارب فقط، لذا بادر كل ذي شارب إلى حلق شاربه، وقد أخذوا ما كان قويَّ البنية، وكنت واحداً منهم، حيث كان طولي 190 سنتيمتراً، وقع الاختيار عليَّ لأكون مع الكوماندوز، ومن المثير أن الجيش أضاف على بطاقتي العسكرية كلمة متطوع.

سامي كليب: ماذا كانت مهمتك الأولى في هذا الفريق من الكوماندوز؟

بونواري: فور وصولنا ومباشرة وضعوا البنادق في أيدينا إلا أنني قلت فوراً أرفض حمل السلاح وافعلوا بي ما شئتم، كانت هناك حالة من الركود واستمرت لشهر أو شهرين حيث كان الضابط المناوب في إجازة، وقد كان ملازماً في الجيش السري، وكان معروفاً بخسته ودناءته، قيل لي سوف ترى أنه مع الضابط سيكون الإيقاع مختلفاً، عند عودة الضابط من إجازته كنت مقتنعاً بذلك ككل الرفاق الجدد وقلت: لا، حسناً ها أنا هنا ولا أعرف السبب، إلا أنني أعرف أمراً واحداً هو أنني لا أريد المشاركة بما يحدث من أعمال اغتصاب وقتل وغيره، لذا أرفض المشاركة وافعل بي ما شئت، سأؤدي خدمتي العسكرية ككل الفرنسيين إلا أنني لا أريد أن أكون مسؤولاً عما يحدث، وكان الضابط من الذكاء بمكان بحيث عرض عليَّ العمل كممرض.

الفظائع التي ارتكبت من قبل الجيش الفرنسي ضد الجزائريين

سامي كليب: طبعاً قبل أن تصبح ممرضاً مررت بمشاهد عديدة، تحدثت عن رجل كان عُلِّق أو شُنق أمام منزله، عن امرأة عمرها أو فتاة عمرها سبعة عشر عاماً اغتُصبت من قِبَل العديد من الجنود، ما الذي شاهدته تحديداً لكي تنتقل وتختار التمريض مثلاً؟

بونواري: حتى بعد مرور أربعين عاماً لازالت الذكريات تراودني دائماً، كانت بالنسبة لي أوقاتاً كالكوابيس منذ عدت من هناك، فقد رأيت الكثير من مشاهد الاغتصاب والقتل وحتى القتل المجاني.

سامي كليب: مثلاً بعض المشاهد..

بونواري: كانت تلك هي المرة الأولى، وخلال عملية إعادة السلام كما كانت تسمى حينذاك، وفي نفس الوقت كانت هناك عمليات قنص من بعيد، كما أذكر قاموا بجرف منطقة بكاملها حيث كان هناك رجل مسن عاجز عن المشي، وكان من الصعب أخذه إلى المعسكرات مع بقية الناس الذين اعتقلناهم، تم ذبح هذا الرجل في مكانه ثم عُلِّق في زاوية منزله الذي قاموا بحرقه بعد ذلك، كان هذا المشهد بالنسبة لشاب في الحادية والعشرين من عمره قادماً من باريس إما أن يكون شأناً عادياً أو أمراً لا يطاق، وهو حمل يثقل كاهلي منذ أكثر من أربعين عام ولا يمكن أن أنساه قط.

سامي كليب: في محيطك خصوصاً من الذين كانت أعمارهم لا تتعدى العشرين عاماً مثلاً، هل كان هناك من هو متحمس لهذه المشاهد من الموت والذبح؟

بونواري: كانت الأمور من حولي أنه كانت هناك عوامل إرادية بالنسبة لكل المتآمرين والأنذال الذين كانوا مستعدين لذبح رجل ما من أجل المتعة فقط، أظن أن لدينا جميعاً ميولاً طيبة وأخرى شريرة، إلا أنني أظن أن غالبية عناصر أفراد الجيش السري كانوا إما حياديين لا يأبهون أو مشاركين يقنعون أنفسهم بأنه في النهاية لست أنا من يقوم بكل ذلك، والقليل القليل منهم من رفض رفضاً قاطعاً المشاركة في هذه الأعمال، ولكن بأي الوسائل؟ لم يملكوا أية وسيلة.

سامي كليب: كانوا يقتلون من أجل المتعة، ماذا تقصد تحديداً؟

بونواري: أظن أن هناك أناساً وُلدِوُا كي يقتلوا، وهناك بعض ممن رأيتهم بنفسي من رفاقي الذين قُتلوا على أيدي المجاهدين والذين كانوا يسمون بالحركيين، والذين حملوا السلاح ليقتلوا واحداً أو اثنين أو أكثر منا، أعرف ذلك إذ كنت موجوداً لأجمع الأشلاء الصغيرة للجثث، كنت أنظف المكان من الجثث، ولم تكن هذه مهمة رائعة، أعرف أنه قد تم اكتشاف الأمر من قبل ضباط قاموا بصف الجثث جنباً إلى جنب لتشكل طريقاً يؤدي إلى قرية قديمة.

سامي كليب: هل كان البعض مثلاً يتحدث عن أسباب أخرى غير سبب المتعة مثلاً من أجل قتل الآخرين؟

بونواري: لقد كان أصدقائي يرددون بأن كل العرب يجب أن يُقتلوا أو يُعذَّبوا إذ لم تكن لحياة العرب -بنظرهم- أي أهمية، أعرف أنني نجحت بتجنب المشاركة بعمليات الاغتصاب، وكنت أقول لرفاقي: لا يمكنكم القيام بذلك.

سامي كليب: حدثنا عن هذه القضية.

بونواري: في يوم من الأيام كنا في عملية معينة، وكنت أمشي حاملاً حقيبة الظهر وبداخلها كل عدة التمريض، كنت في غرفة الضابط وشاهدت اثنين من رفاقي يحاولان جر فتاة في طريق ضيق لاغتصابها، حملت بندقية، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أحمل فيها بندقية في حياتي، وقلت لهما: إذا لمستما الفتاة سوف أطلق النار عليكما، وصدَّقاني وكان يعرفان أنني قد أتحول إلى إنسان آخر، خاصة لأنهما كانا يعلمان أنني أنوي ذلك خصوصاً وقد رأوا الغضب الذي اعتراني فكفَّا عن ذلك، إذن كانت عمليات الاغتصاب عملاً منظماً ولم يحدث أن سمعت أو رأيت عن جندي عوقب بسبب اغتصابه لفتاة في مكان ما مثلاً.

سامي كليب: كيف كنَّ يعاملن تلك النساء حين يعرف أنهن حاملات من.. حوامل من جنود أو ضباط فرنسيين؟

بونواري: لم أرَ شخصياً فتاةً أو امرأةً حاملاً من جندي فرنسي، إلا أنني عرفت أنه بعدما تساء معاملتهن إلى أقصى حد من قِبَل الاثنين الجزائريين والفرنسيين، حيث أنهن كنَّ مهمَلات من كلا الجانبين، وتلك كانت إحدى مآسي الحرب الجزائرية، والباقون تم اتخاذ إجراءات بحقهم في وقت قريب.

سامي كليب: هل كان بعض الجنود والضباط يقبلون بأن يتبنوا هؤلاء الأطفال مثلاً فيما بعد؟

بونواري: لا، لم أعرف شخصياً أي أحد.

سامي كليب: المناطق الممنوعة التي تتحدث عنها في كتابك ماذا كانت تلك المناطق بالضبط؟

بونواري: في شمال القسطنطينية وهي منطقة جبلية ووعرة جداً حيث يختبئ فيها الثوار أو الحركيين كما كانوا يسمون، إذن كان الجيش الفرنسي بصدد عمليات كبيرة لإعادة السلام، وتم الإعلان عن هذه المناطق الجبلية كمناطق محظورة تمتد على آلاف الهيكتارات حيث لم يكن مسموحاً للجزائريين بالذهاب إليها، وفي حال حصول ذلك سواء مع جزائري مسلَّح أم غير مسلح وقُبض عليه في هذه المناطق المحظورة كان يؤخذ إلى ما كان يسمى -حينذاك- معسكرات التجمع، والتي كانت يمكننا تسميتها ما شئنا، إلا أنها تشبه إلى حد كبير معسكرات الاعتقال، وقد زرتها بنفسي لمعالجة المرضى، وكانت الظروف الصحية هناك ظروفاً لا يمكننا أبداً تخيلها.

سامي كليب: ما الذي رأيته في تلك المعتقلات؟

بونواري: مبدئياً رأيت أناساً كانوا يملكون حق الذهاب إلى هناك متى شاءوا ذلك، ولكن بشكل عام ما كنت أراه وأنا أتمشى حوالي الساعة الرابعة أو الخامسة فجراً كان فوق كل تساؤل، سوء تغذية، ندرة في المياه، أطفال أصابهم الجفاف، وقد نجحنا في إنقاذ الكثيرين منهم سواء بمباشرتهم من قِبل الضابط الطبيب أو بمساعدتهم بحقنهم بإبر المصل في البطن لمنع الجفاف إلا أنها كانت ظروفاً مرعبة.

سامي كليب: هل كان هذا النوع من عمليات الاغتصاب يمارس بشكل دائم إن كان على نحو فردي أم جماعي ضد جزائريات؟

بونواري: لنقل إن هذا لم يكن منهجياً، ولكن في النهاية كان هناك تساهل في هذه المسألة أو كان يتم تشجيعها في بعض الحالات، فقد كان الانطباع أنه بعد عمليةٍ ما يأتي وقت راحة المحارب، وقد سمعت أحد ضباط الطوارئ برتبة ملازم يقول: اغتصبوا ولكن افعلوا ذلك بسرية، إذن لا يمكننا القول إنها كانت ممارسة منهجية، ولكن مع ذلك كانوا يعرفون أنه لا يجب أن يرى أحد ما يفعلون، ولم يحدث أن عوقب جندي لاغتصابه فتاة في طريق ما مثلاً.

سامي كليب: حين أصبحت فيما بعد ممرضاً، هل واجهتك حالات من الاغتصاب كثيرة، وهل ساعدت نساء أصبحن حوامل بسبب اغتصابهن من قبل الجيش الفرنسي؟

بونواري: شخصياً لا أستطيع القول إنني رأيت ذلك بأم عيني، أولاً: لقد مكثت هناك سنة واحدة، إذن لا يمكنني الجزم بأنني رأيت نتائج هذه الاغتصابات، ولكنني كنت أعلم حينها أن هذا يحدث، حيث أنني كنت أعمل كذلك في المستوصف الصحي التابع للقرية، وكنت أعتني بالمرضى بين العمليات، فقد كانت النسوة تأتين للعلاج، والحقيقة أننا قابلنا العديد من النساء الحوامل.. وكنا نعرف أنهن لسنا حوامل من أزواجهن إذ أنهن لسن متزوجات، أو أن أزواجهن كانوا في صفوف المقاومة.

سامي كليب: تروي في كتابك مثلاً أنه في تلك المناطق أيضاً كان بعض السجناء يؤخذون إلى الغابات، يطلق سراحهم لكي يقتلوا بالرصاص من الظهر، ما الذي كان يدفع الضباط والجنود إلى ذلك فقط المتعة مثلاً؟

بونواري: أظن أننا نجد هنا الاثنين معاً، فهؤلاء السجناء كانوا إما ثواراً أحياناً كانوا كذلك، وغالباً ما كانوا يعذبون، ومع ذلك ما كانوا يدلون بأي معلومات، وقد بيَّن ذلك أن التعذيب لم يكن وسيلة جيدة لاستنطاقهم، إذ أن السجين كان يقول أي شيء فقط لينتهي مما هو فيه، وأظن أنهم في مرحلة ما أصبحوا غير ذي فائدة بالنسبة للجيش، لذا كان يتم إخراجهم والتخلص منهم بسرية تامة، أي اغتيالهم إما بذبحهم أو برميهم بالرصاص، وفي الحالتين وهذا غالباً ما كان يحدث، كان يتم اتهامهم بخيانة جبهة التحرير الوطنية، مما كان يسمح للجيش الفرنسي فيما بعد بالادعاء بأن هذه هي طريقة جبهة التحرير الوطنية مع أعدائها.

سامي كليب: اسمح لي بأن أعود للسؤال في كل مرة، ولكن هل أنت رأيت هذا النوع من الممارسات بأم عينيك مثلاً؟ أناس يقتلون في الغابات؟

بونواري: الحقيقة أن وضعي كممرض كان يجبرني على الخروج يومياً بمعنى أنه كانت هناك ثلاثة أقسام من الكوماندوز يخرجون يومياً، وكنت الممرض الوحيد الذي يساعد في العمليات، لذا كنت أخرج معهم، وتقريباً ليس في كل مرة، ولكن غالباً كان هناك سجناء يحملون الحمولات إما حمولات غذائية أو حتى النقالات، وعندما لا يكون هناك حاجة إليهم كانوا يتركون في مكانهم، وبالتالي يموتون في الغابة، وكان ذلك بمثابة ممارسة عادية، ليس دائماً ولكن في معظم الأحيان، وقد سردت هذا في دعوى قضائية، دعوى ضد هارب من الجندية في باريس، وكنت بمثابة شاهد أدليت بأنني شاهدت منذ أقل من سنة، ومن سنة تقريباً مئات الموتى الذين قتلوا إما ذبحوا أو..

سامي كليب: بالعودة إلى ما رويت في كتابك رواية لسجينين كانا يسيران معكم في مسافات طويلة، سقط أولهما من التعب فذُبح، والثاني ذُبح رغم أنه وُعِدَ من قِبل الضابط أن يطلق سراحه فيما بعد، هل لك أن تروي لنا هذه القصة؟

بونواري: إنك تتحدث هنا فعلاً عن حالة لامستني بالصميم، إذ إنني في الحادثة الأولى لم أعرف ما أفعل، وفي الحادثة الثانية ظن الرجل أنه سينجو من التعذيب قال ما عنده، لا أحد يحب أن يكون في تلك الحالة، وليس علي أن أحكم، وفكر بأن يخلص نفسه، لا أدري ما الذي قاله تحت التعذيب، وقد نفى الضابط أنه وعده بإطلاق سراحه، كان تلفظ بألفاظ قاسية جداً، وأمر بالتخلص منه، وتم قتله بطريقة مروعة، فقد ذُبِحَ من الوريد إلى الوريد، وفي الوقت نفسه تم تهشيم وجهه بعقب البندقية بغرض أن تختفي معالمه، كان هذا الضابط معروفاً بساديته.

سامي كليب: لماذا كان يقتل هؤلاء السجناء طالما أنهم كانوا يساعدونكم مثلاً؟

بونواري: إما إن لهم ضلعاً في شيء ما، أو كانوا أكثر فائدة، وعدا ذلك يكونون غير ذي نفع، وبالتالي يجب أن يختفوا.

سامي كليب: طبعاً في كتبك في البداية لم تنوِ أن تذكر أسماء الذين كنت تتهمهم بممارسة هذا النوع من التعذيب، ولكن فيما بعد هل خطرت لك فكرة أن تلتقي بهم مثلاً وتناقشهم بما فعلوا هناك من عمليات تعذيب وقتل؟

بونواري: لا.. لا يمكنني القول إنني رأيت أحدهم بعد ذلك، ولكن ضابطي المباشر رأيته في إحدى المرات في حانة صغيرة من حانات باريس، كان باللباس المدني، ولم يكن له أي هيبة، وقد تعرف علي فوراً، في حين لم أتعرف عليه بسهولة، فقد كنت في تلك الأيام منكباً على عملي فقط وطوال الوقت، كما أنني حينها كنت راغباً بالنسيان، ولم تنتابني الرغبة بالتوجه نحوه عندما رأيته، وإلا لكنت عدت إلى تلك الحقبة وفعلت أي شيء، لقد قابلت مرتين أو ثلاث ضباطاً قاموا بأفعال دنيئة، وكنت عاجزاً عن مواصلة حواري معهم، كما أذكر محصل الأجرة في أحد الباصات قال لي: كنت أنت أنت الممرض، وادعيت بأنني لست الممرض المزعوم، ومع ذلك تعرف إليَّ، وكانت جملته الأخيرة لي: لقد تمتعنا كثيراً هناك، وبعد ذلك بسنوات قابلت جندياً لم تربطني به سابق معرفة، لكنه كان في موقع مسؤول، وبدأ يحدثني عن الجزائر، وتحققت عندها من إنه كان مسؤولاً عن عربة كان بداخلها مائتا ميت، ذكرتهم في كتابي.

سامي كليب: طبعاً إلى جانب هذه الاتهامات للجيش الفرنسي، اتهمت أيضاً الحركيين أي الذين قاتلوا من الجزائريين إلى جانب الجيش الفرنسي ضد بلادهم، وتروي قصة أحد الحركيين الذين في الواقع ذهب وقتل أحد السجناء، وأنت كنت تنوي معالجته، قلت له سأعطيه حقنة لكي أهدئ من آلامه، قال لك أعطيته هذه الحقنة، إذن قتله قبل الوصول إليه، كيف جرت هذه الحادثة؟

بونواري: أذكره جيداً، كان اسمه بوسالم، يمكنني الكلام عنه لأنه ميت الآن، وكما عرف أنه قد قتل وقطع إلى أجزاء في أحد الأسواق بعد استقلال توكسانه تلك البلدة التي كان قد خدم فيها لسنوات عدة، كان هذا الرجل قذراً يستمتع بتعذيب الآخرين، وكان مشهوراً بتوحشه وضراوته، كان لديه سجيناً رغبت بإنقاذه بأي ثمن ولم أستطع، في حين تمكنت من إنقاذ آخرين، كنت منشغلاً بإعداد حقنة عندما وصل بوسالم وسبقني إليه، وقام بذبحه وأشياء كثيرة حدثت لازلت أتساءل كيف استطعت الخروج من هناك دون أن أفقد صوابي؟ أظن أن مشاهدتي لكل تلك الجرائم هي ما دفعني إلى استجماع شجاعتي واتخاذي القرار بالإدلاء بشهادتي.

سامي كليب: هل الحركيون كانوا أكثر قسوة حيال الجزائريين من الفرنسيين مثلاً في بعض المرات؟

بونواري: في بعض الحالات نعم، إذ لدي الاعتقاد بأنه يجب وضع الأمور في نصابها، بدأ الحديث عن مفاوضات أو سلام أو أشياء حول هذا القبيل، فقد شعروا بأن ليس هناك ثمة ما يمكن أن يخسروه، لذا باعتقادي تضاعفت قسوتهم، وكدت أنا أيضاً أكون ضحيتهم، لأن العيون كانت ترصدني، لأنني كنت قد اكتشفت وطبيب الوحدة بأن هناك نقطة استرجاع للأدوية بالنسبة للأفراد في الجبهة، حيث كانت العيادة تكون مقفلة، وليس هناك نوافذ، إذن كان يتم تحضير الأدوية بسرية تامة، وفي الليل يأتي رجال المقاومة للاستفادة منها، إذن كنا نعرف ذلك، غير أننا لم نستطع أبداً إثباته، تم عرضي على محكمة عسكرية اتهمتني بكل شيء، ولكن كانت هناك أمور مبهمة بالنسبة لهم.

سامي كليب: أنت أيضاً حاولت في بعض المرات من أن تقتل في الواقع بعض السجناء لأنك شعرت أنهم يتعذبون بشكل كبير، ولا يتحملون ذاك العذاب، كيف حصل ذلك تحديداً لو سمحت؟

بونواري: هناك حدثت قصة في أحد الأيام عندما جاء أفراد مكتب الاستخبارات إلينا يقولون إليك هذا السجين، ونريده أن يتعافى، كانت العيادة تحت إشراف طبيب مجند للطوارئ، ويتصرف بطريقة غريبة، لا أعرف كيف يفكر، بوصوله انتهى أمر السجين، ولفترة 48 ساعة قضاها تحت أعقاب أقدام العناصر، لم يكن سبب ذلك هو ضابط الاستخبارات، إذ لا يجب أن ننسى دور عناصر أفراد الشرطة في الجزائر، والذين قاموا بحصتهم من أعمال العنف، كان هذا الرجل على وشك أن يفقد عقله، وقد تعذب بقسوة، وداست الأقدام رأسه، لا يمكنكم أن تدركوا ما يعنيه هذا، وقال حينها ضابط الاستخبارات المرافق لأولئك الجنود: حسناً أريدكم أن تعالجوه إذ أحتاج أن أستجوبه، في حين قال لي الطبيب بيير: انظر كم تعذب؟ لا يمكننا معالجته الآن، فأجبت لا.. لن نعالجه، لا داعٍ لذلك، إذ أنهم سيعذبوه من جديد، وأمضينا الليل في المناقشة، وعند الفجر خلصناه من ذاك العذاب، فحقنته بجرعة مورفين وتركته يموت بسلام، وآمل أن يكون مثواه الجنة.

سامي كليب: كانت تلك المرة الأولى التي مارست فيها هذا النوع من الموت الرحيم إذا صح التعبير؟

بونواري: كانت تلك هي المرة الأولى والأخيرة، وربما كان يجب أن أفعل ذلك عدة مرات، ولكن كان يصعب فعله في أوقات ما، لست أحاول تأنيب ذاتي إذ أظنني قمت بما كان عليَّ القيام به، كان يمكن القيام بما هو أكثر أو بما هو أقل، أو عدم القيام بشيء على الإطلاق، فهذا ما فعله الأغلبية من الناس.

سامي كليب: ولكن من بين الروايات في الواقع المأساوية، والمستغربة في كتابك أنه كان يذبح رجل لكي يتم جذب مثلاً حيوان لقتله.. لأكله مثلاً؟

بونواري: لا، لم تكن الحياة البشرية عندهم ذات أهمية تذكر، فما كان متفقاً عليه هو أن حياة الجزائريين لم يكن لها أي أهمية، في يوم من الأيام ولم أشهد بنفسي هذه الواقعة، بل عرفتها بالتواتر أن الجنود الفرنسيين وأثناء قيامهم برحلة صيد شنقوا سجيناً وجعلوه طعماً يجلب برائحته الحيوانات، ليسهل اصطيادها، عندما نسمع بهكذا حوادث ونحن في سن الحادية والعشرين ولازلنا نتمتع بقليل من السذاجة، فإما أن يجعل ذلك منَّا بهائم قاسية، أو أن نتسلح لنحتاط لمواقف مماثلة قد تتكرر في الأيام المقبلة، وفي حالتي أنا سأكون دائماً ضد هذه القذارات حتى آخر العمر، إذ لا يمكن للمرء العمل بردة الفعل، وهؤلاء الجنود هم أناس انتهوا كأوغاد أنذال، أريد القول إنهم أشخاص أوغاد يتمتعون الآن بحياة هادئة، وعندهم الأطفال والأحفاد.

سامي كليب: فقط نتوقف لنشير إلى (أوساريس) الذي ذكرته، من هو؟ كان جنرال في الاستخبارات الفرنسية، وخدم وعذب الكثير في الجزائر، وقد حوكم مؤخراً، نظراً لأنه اعترف بكل تلك المجازر في فرنسا.

بونواري: أجل أوساريس وكان مثله الكثير، ما أريد الإشارة إليه هو وجود دوافع منحرفة، وعلينا أن نعترف لشعب بأكمله بأنه عملياً تم استخدام طرق ووسائل -كما يقال- لا يمكن تصنيفها إلا بأنها طرق فاشية متوحشة وبربرية، ونحن الذين كنا نتهم الجزائريين في تلك الحقبة بالبربرية، حسناً أظن أنه ليس هناك ما نحسدهم عليه بعد الذي حصل.

شجاعة السجناء الجزائريين وأنواع التعذيب التي تعرضوا لها

سامي كليب: في.. في الواقع في العودة إلى.. إلى حرب الجزائر حين تتحدث عن السجناء الجزائريين، دائماً تتحدث عن شجاعتهم، تقول إنهم لم يتحدثوا حتى تحت التعذيب، هل فعلاً كانوا جريئين إلى هذا الحد؟

بونواري: من البديهي إذن أنني لم أشارك في عمليات التعذيب ورفضت، فهذا أمر طبيعي، بل أنقذت أناساً تعرضوا للتعذيب، أناساً خرجوا لتوهم من المعسكرات وأعرف تماماً ما تعرضوا له، في وقت كان فيه بعض الجنود يتباهون بتلك الفظائع، وكثيراً ما أُرسل إلي سجناء عُذبوا، كانوا يساعدونني في حمل النقالة التي كانت دائماً بحوزتي في العمليات، بما تعرضوا له أثناء التعذيب، ولا يسعني تكرار ما قالوه ببساطة، ما كنت أقوله هو أنه في عملية التعذيب لا نعود نعرف ما هو المهم، وما يقال ليس بذي أهمية، فقد كان كثيرون من السجناء يعمدون إلى الإقرار بأشياء ليست صحيحة على الإطلاق، وقد أدركنا منذ وقت بعيد أن المعلومات المنتزعة انتزاعاً تحت التعذيب لم تكن -في معظم الأحيان- لم يكن لها أي قيمة، إذن سواء تحدث هؤلاء أم لم يتحدثوا فإننا قد نقول الحماقات لننقذ أنفسنا، لذا لا أحكم على إنسان ولم أتعرض في حياتي للتعذيب، ولكنني لا أتمنى ذلك لمخلوق، فالتعذيب بالفعل يحقِّر الإنسان ويفقده آدميته.

سامي كليب: فقط للحديث عن حالات التعذيب أنت في الواقع تتحدث عن حالات تعذيب كثيرة في كتابك، ما هي أنواع التعذيب التي كانت تمارس في خلال الحرب الجزائرية؟

بونواري: أكثر الوسائل المعروفة كانت التعذيب بالكهرباء، حيث يكون هناك مسارات كهربائية توضع على العضو التناسلي وعلى الصدر والأذنين والرأس منكساً في الماء، الوسيلة الثانية هي المغطس، ينكَّس رأس المشتبه به في الماء إلى أن يختنق فيموت، وهناك أيضاً الضرب بالعصا حيث يربط الرجل إلى طاولة التعذيب وتمرر ركبتاه من تحتها، ويبدأ بعدها الضرب على أخمص القدمين، كان هذا تنكيلاً فاحشاً وآثاره مرعبة، إذ بعدها لا يتمكن المرء من السير على قدميه، فهذا عذاب لا يمكن تحمُّله.

بوصولي إلى الجزائر رأيت ما كان يحدث، وقلت: لا أستطيع المشاركة في هذه الحرب، فافعلوا بي ما شئتم، ولكن لا يمكنني أن أكون جندياً، وهنا -كما ذكرت سابقاً- كنت محظوظاً إذ صادفت ضابطاً ذكياً في تلك الأنحاء، وعرض عليَّ أن أكون ممرضاً وقبلت عرضه فوراً، وهذا ما ذكرته في كتابي، وهي الفرحة الوحيدة التي شعرت بها في حياتي العسكرية، وقد تعلمت بسرعة قياسية جداً في غضون خمس عشرة يوماً كل مبادئ التمريض، تعلمت إعطاء الحقن، القيام بالتجبير وأخيراً الجراحات الصغيرة، تعلمون أنه عندما يكون لدينا رغبة بشيء نتعلم بسرعة، وهذا ما مكنني من القيام بمجموعة لا بأس بها من الأشياء، منها صراعي ضد هذه الحرب التي لم يكن لها اسم.

سامي كليب: هل في بداية عملك كممرض قابلت حالات موت كثيرة بعد حالات التعذيب التي تعرض لها مناضلو جبهة التحرير مثلاً؟

بونواري: أجل الأموات، لقد رأيت الكثير منهم، كثيراً جداً رأيت بعض الفرنسيين كانوا بالواقع أصدقاء لي ماتوا، إذ قتلوا في معارك واثنين منهم قتلا على أيدي ناشطين جزائريين.

سامي كليب: طبعاً أنقذت الكثير من الحالات أيضاً، هل يمكن أن تذكر لنا بعض الحالات التي استطعت أن تنقذها غير التي أوردتها منذ قليل؟

بونواري: هذا الأمر يؤثر بي أعمق التأثير، إذ أننا تراسلنا على مدى سنوات عدة، إحداها رسالة من عبد القادر كانوش، كان قد جُرِحَ في إحدى المواجهات وكُسرت ساقاه الاثنتان، قمت بتجبيرهما ومن ثمَّ قمت بتهريبه من طريق مدني استطاع منه أن ينجو بحياته، قابلته بعد ذلك في نهاية الحرب، وسرنا الطريق بكامله حملته على ظهري لمسافة تزيد على عشرين كيلو متراً.

سامي كليب: عدت إلى الجزائر في العام 62، أي مباشرة بعد الاستقلال، ما الذي دفعك للعودة إلى هذا البلد مباشرة بعد حالة الاستقلال؟

بونواري: لنقل بأنني هناك أقمت صداقات مع كثير مما كانوا يقاتلون بشكل أو بآخر، أو أولئك الذين كانوا ببساطة دون موقف محدَّد، وكنت أقول لهم بكل الأحوال بلدكم جميل جداً، وسأعود بعد انتهاء الحرب، وكانوا يجيبونني: آه، إنك تقول ذلك إلا أنك لن تعود أبداً، ولكن في سبتمبر عام 62 عُدت إلى القرية، وتعرَّف إليَّ الجميع من النظرة الأولى، وأسعدني كثيراً أن ألتقيهم من جديد، لقد استطاع هؤلاء قراءة كتابي في الأدغال، حيث نجحت بإعادة نشره عن طريق مسؤول في فرنسا أعرفه، وتم استقبالي بالفعل كقائد من قِبل أهل القرية حيث كنت في السابق، فبكل بساطة لست أبحث عن الكسب ولا عن الشرف، بل قلت سأعود والتزمت بكلمتي، وصلت عند صديق لي اسمه زازوا، وكان خبَّازاً، وفي إحدى الأمسيات قال لي المجاهد الباريسي هو أنت، فقد كان ذاك هو اسم الشهرة الذي أطلقوه عليَّ هناك، منحني إياه أصدقائي في الكوماندوز، فقد كنت أقابل الناس كنت المجاهد الباريسي، وهكذا.

سامي كليب: ما الذي دفعك إلى كتابة هذا الكتاب؟ هل نوع من أزمة الضمير عذاب الضمير مثلاً، أم نوع من المعالجة النفسية الذاتية أم لكي لا تكرر الأجيال المقبلة الذي فعله أبناء جيلك مثلاً؟

بونواري: في الواقع إن الوعي بما يحدث تأتى لي في الجزائر منذ البداية ومباشرة، هناك قلت لنفسي حسناً ماذا يمكنني فعله الآن؟ على الصعيد الشخصي لا أستطيع القيام بشيء على الإطلاق، إذ كوَّنت ملاحظات وقررت سأشهد ضد كل الأحداث، وفعلت ذلك على طريقتي بكلماتي، وهكذا قمت بنشر كتاب كان وقعه سيئاً، حيث تم منعه، وأظن أن هذا سمح لي وبسرعة بالقيام دون أدري بعلاج أنقذني من الجنون الكلي، فقد كانت كلمة جنون هي ما يمكن استعماله حيال ما شاهدناه إلا إذا كنا نتمتع بالغباء الكامل لا يمكن الخروج من تجربة مماثلة سالمي العقل، وأعرف الكثير من الأصدقاء الذين أصابهم الجنون ولم يتفوهوا بكلمة.

عودته إلى فرنسا وردة فعل العائلة

سامي كليب: كيف كانت ردة فعل عائلتك بعد عودتك إلى فرنسا، هناك قصة حصلت مع الوالد على ما يبدو؟

بونواري: لا يمكن القول إنني استقبلت أحسن استقبال، بطبيعة الأمر استقبلتني أمي كما تستقبل أم ولدها، كانت تعرف أنني عانيت الأمرين، وقد ساندتني طوال الحرب دون إعطاء سبباً لذلك، كانت تكتب إلي، وهذا كان بحد ذاته أمراً رائعاً بعكس أبي، الذي استقبلني ناظراً إليَّ قائلاً: لا تأنق ولا تزيين، كانت هذه جملته الأولى والأخيرة، وأظن أنني لم أشاركه بشيء حتى مماته، وكانت ردة فعله على الكتاب بمنتهى السوء، فبالنسبة له كان الأمر خيانة، كان يريدني أن أكون.. كان يمكن أن أكون أي شيء إلا..

سامي كليب: بالنسبة له هل كان ينبغي أن تبقى الجزائر فرنسية؟

بونواري: آه، نعم كان يجب الدفاع عن الغرب ضد الأجانب، ولم أستطع فهم ذلك أبداً بنفس الطريقة، بل دافعت عن وجهة نظري كما أدافع عنها بعد أربعين عاماً.

سامي كليب: سندخل إلى المطبعة لنرى أين عملت أيضاً فيما بعد بعد عودتك إلى هنا، عملت في الطباعة مجدداً.

بونواري: حسناً.

سامي كليب: هذه المطبعة قديمة جداً؟

بونواري: إنها مطبعة، وعلى هذه الأجهزة ومع هذا النموذج من المواد بدأت عام 1956 كان ذلك منذ خمسة وأربعين عاماً، أجل عام 56، 57، هناك تجد كل مواد التأليف، فهناك الأحرف التي نضعها جنباً إلى جنب في مصف الحروف، نمررها بعد ذلك فوق هذه الآلة، إنها طرق متخلفة نوعاً ما، ولكنني كنت أستمتع كثيراً بذلك، وأستمتع بعدها بالقيام بأشياء صغيرة، أشياء لا قيمة لها.

سامي كليب: هل تعمل دائماً هنا في هذه المطبعة؟

بونواري: أجل.. أجل، بدأت أستجمع نفسي شيئاً فشيئاً، استفدت من تقاعدي، وبدأت القيام بأشياء صغيرة، مثل كتب صغيرة، أنشر نصوصاً صغيرة، أعيد إنتاج رسومات صغيرة أيضاً، هنا هذه منشورات بأكلشيهات قديمة.

سامي كليب: هل تعد لكتب أخرى حول مرحلة الجزائر بعد هذا العمر الطويل؟

بونواري: عن الجزائر لا، ولكن حول ذاك الموضوع إذ أنه على أي حال كانت تلك تجربة تضع بصمتها على الحياة كلها، لا يمكن نسيانها، وأظن أن الحرب الجزائرية قد تكون المثيرة، ولكنها بالنسبة لي لها إسقاطات، كما ساعدتني في خياراتي الحياتية وخياراتي الاجتماعية، ساعدتنا أيضاً على الاستمرار بالقيام بأعمال مفيدة، -بين قوسين- هكذا وجدت نفسي في مواجهة مع مشكلة المخدرات أمضيتها وعلى مدار خمسة عشر عاماً بعلاج مدمني المخدرات، وأعتقد أنني كنت أقوم بذلك كاحتجاج على الفوضى، على الحرب، على الغباء، على النسيان، وأعرف تماماً أن حياتي برمتها قد اتخذت شكلها بفضل الجزائر، وأعرف أن أجمل إطراء قُدِّم إليَّ كان من أبنائي عندما قرءوا الكتاب الطبعة الثانية وقالوا لي: الحقيقة إننا فخورون بك، كان ذلك أفضل إطراء سمعته على الإطلاق.

سامي كليب: هل حين أنت بنفسك تشاهد هذا الكتاب تندم على شيء ما اليوم بعد حوالي أربعين عاماً؟

بونواري: الندم الوحيد أنه لم يُقرأ في حينه، ولكن لم يكن باليد حيلة، كان الوضع السياسي والنظام السياسي يريدان أن ألتزم الصمت حول ما جرى في الجزائر وإلا لكانت الأمور اتضحت في وقت مبكر، أما الآن فيجري الحديث عن التوبة، وأنا لا أؤمن بذلك، بل أظن أن وسائل العلاج هي التوبة الحقيقية، إذ يجب إعادة بناء التاريخ الماضي سواء للفرنسيين أو للجزائريين، إذ أن الجزائريين أيضاً قتلوا كثيراً.

سامي كليب: سأستفيد من هذه الفرصة لأطلب منك أن تتوجه إلى الجزائريين مباشرة عبر تليفزيون (الجزيرة)، ماذا تود أن تقول لهم اليوم؟

بونواري: برأيي أنا أحب أن أقول لهم إن بلدهم خلاَّب، وهو بالنسبة لي بلدي الثاني حقاً أفكر به كل يوم، يؤسفني أنه لا يمكنني الذهاب إلى هناك بحرية، إذ أنني لا أعرف على أي محمل سيؤخذ هذا الأمر، ولكنني أعرف ليس الجنود الفرنسيين أم الجزائريين ليسوا هم من سيحل المشاكل الإنسانية، وأعتقد أن الجزائريين يملكون بلداً ساحراً ذي ينابيع، أفكر بكل الجزائريين الشُّبان، وآمل أن يتمكنوا في يوم ما من الاستفادة القصوى من بلدهم.

سامي كليب: كان لديَّ الكثير من الأسئلة أطرحها على بونواري، وكانت الشمس الخافتة أصلاً تودِّع الريف الفرنسي، وكان الرجل راغباً بتقديم كل ذكرياته لحماية المستقبل، وعاب على رفاقه ما فعلوه، ولعل هدأة الريف المناقضة تماماً لاتقاد ضمير الرجل هي التي دفعتني لأقول له شكراً مرات عديدة، مرة لما فعله في الجزائر ومرات أخرى لأنه يذكرنا بأن الإنسانية لا تزال حاضرة تدق على أبواب همجية البشر، وإلى اللقاء في الأسبوع المقبل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة