جيل مونيه .. الموقف الفرنسي تجاه العراق   
الجمعة 1425/4/15 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 6:07 (مكة المكرمة)، 3:07 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

ميشيل الكيك

ضيف الحلقة:

جيل مونيه: الأمين العام للجنة الصداقة الفرنسية العراقية

تاريخ الحلقة:

04/12/2002

- تطورات الموقف الفرنسي تجاه العراق
- أسباب التوجه الفرنسي نحو العراق والمصالح الفرنسية هناك

- مستقبل العلاقة الفرنسية العراقية في ظل الحرب الأميركية على العراق

- تأثير تفاوض المعارضة العراقية مع أميركا بشأن النفط في فرنسا وأوروبا

- رؤية فرنسا المستقبل المنطقة العربية في ظل الظروف الراهنة

ميشيل الكك: أهلاً بكم إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج (لقاء اليوم) التي نستضيف فيها (الأمين العام للجنة الصداقة الفرنسية العراقية) السيد جيل مونيه، فأهلاً بكم.

سؤالي الأول يتعلق بالموقف الفرنسي حيال العراق، كيف تطور موقف باريس عبر مختلف الأزمات مع العراق وصولاً إلى القرار الدولي الأخير؟

تطورات الموقف الفرنسي تجاه العراق

جيل مونيه: منذ عدة سنوات كان الموقف الفرنسي حيال العراق سيئاً وتحديداً في عهد الاشتراكيين، وأثناء اتخاذ القرار الدولي 1284 رغم أن فرنسا امتنعت حينها إلا أنها عادت وطالبت باحترام هذا القرار، لكن مع عودة اليمين إلى تسلم زمام الأمور نلاحظ أن موقف فرنسا تغير لا سيما مع إعادة انتخاب (شيراك) في نهاية فصل الربيع الماضي وإجراء الانتخابات التشريعية في البلاد، ثم توالت الأزمات مع العراق، لكن سرعان ما تشكلت حكومة جديدة في فرنسا، وهي التي عملت على اتخاذ مواقف متباعدة عن الأميركيين من حيث إظهار أن العالم ليس مقسوماً بين محوري الخير والشر، ومن حيث عدم اتباع الأميركيين في رغبتهم في مهاجمة العراق، من دون المرور بالأمم المتحدة، أي مهاجمة العراق فقط انطلاقاً من المصالح الأميركية، لا بل من مصالح بعض الأميركيين، لأنني لا أريد أن أكون مناهضاً للأميركيين بشكل عام، بل أقصد جماعة أميركية موجودة اليوم على رأس السلطة خصوصاً، وأنه توجد في الولايات المتحدة مجموعة من اللوبيات المختلفة، ومنها اللوبي النفطي الذي لديه مصالح خاصة، أي الجماعة الموجودة حالياً في الحكم والتي تخدم مصالحها الخاصة، ونحن نرى أن هذه المصالح لا تتلاءم تماماً مع مصالح فرنسا.

ميشيل الكك: لكن إزاء ما جرى هل يمكننا أن نتحدث عن نصر سياسي حققته فرنسا في موقفها الأخير إزاء العراق؟

جيل مونيه: لا أريد أن أتحدث عن انتصار سياسي لفرنسا، لكنني أرى أن فرنسا استعادت صورتها الحقيقية، وهي أصبحت بالنسبة إلى الكثيرين فرنسا الديجولية التي يعرفها الجميع، لكن على مستوى الصورة فقط، هناك وجهان للسياسة الفرنسية، وجه يتعلق بالصورة التي تعطيها فرنسا عن نفسها ووجه ثانٍ هو وجه ذلك البلد الذي تربطه علاقات واتفاقات ومصالح اقتصادية مع عدة دول غربية، وتحديداً مع الولايات المتحدة، فمنذ حرب الخليج هناك تقاسم للأدوار كما في الأفلام الأميركية، هناك دائماً الرجل الشرير والرجل الطيب أو اللطيف، الشرير هو الأميركي، واللطيف هو الفرنسي، الآن بالنسبة إلى الأميركيين اللطيف هو الخبيث، وكما في أفلام (جيمس بوند) هناك دائماً ممثل فرنسي، لكنه يلعب في الفيلم دور الخبيث الذي لا يثق به أحد.

ميشيل الكك: هل هي اللطافة، أم الدبلوماسية، أم اللياقة الفرنسية أم أنه الخبث الدبلوماسي الفرنسي، حتى أن العراقيين أنفسهم انتقدوا الموقف الفرنسي عام 98

أثناء قصف العراق، ووصفوه بأنه موقف مخادع؟

جيل مونيه: أنا أعتقد أنه يوجد الكثير من الخبث في العمل الدبلوماسي، وهذا يدخل أصلاً في قلب اللعبة الدبلوماسية، وإذا رأينا ماذا حدث مؤخراً في الأمم المتحدة من خلال مفاوضات استمرت أسابيع طويلة نجد أن هناك من أضاع أوراقاً، وهناك من كسب أوراقاً أخرى، ولا أعتقد أن فرنسا ربحت أشياء كثيرة، ولو حصل هذا الربح فإن ذلك سيعني بأنه وفي حال قامت الولايات المتحدة بشن هجوم على العراق فإن فرنسا ستدين أميركا وهذا لن يحصل.

ميشيل الكك: هل برأيكم ستشارك فرنسا في عمل عسكري من خلال تدخل واسع، أم أنه سيكون عملاً محدوداً ولوجستياً كما فعلت فرنسا في أزمات دولية سابقة كما حدث في أفغانستان وفي حرب الخليج الثانية قبل ذلك؟

جيل مونيه: كل شيء سيكون مرتبطاً بالحرب الإعلامية وبطريقة الاستفزاز الأميركية التي ستحدث في الأسابيع المقبلة، وهنا أخشى أن يؤثر ذلك على موقف فرنسا لجرها للمشاركة في هذه الحرب، ونحن كفرنسيين لا نريد ذلك.

ميشيل الكك: وما هي مخاطر المشاركة الفرنسية برأيكم؟

جيل مونيه: سيكون أمراً سيئاً جداً لنا في العالم العربي، وسيكون أمراً سيئاً في فرنسا لأن غالبية الفرنسيين كانوا أصلا ضد حرب الخليج الثانية، نحن لم ننتخب شيراك حتى يشن الحرب، وعلينا أن نعود إلى البرلمان، وعلى النواب أن يناقشوا ما إذا كنا سنشارك في مثل هذه الحرب، كما أن أي قرار من هذا النوع يجب أن يخضع لتصويت البرلمان الفرنسي، وما أخشاه هو أن فرنسا المرتبطة بمصالحها مع الدول الغربية ونتيجةً لثقل الوجود الاقتصادي الأميركي في فرنسا، ما أخشاه هو أن تتبع بلادنا الولايات المتحدة بطريقة أو بأخرى، وسنعمل كل ما في وسعنا لمنع ذلك.

أسباب التوجه الفرنسي نحو العراق والمصالح الفرنسية هناك

ميشيل الكك: إذا عدنا إلى العلاقات الفرنسية العراقية أريد أن أسأل هنا: لماذا هذا التوجه الفرنسي القوي نحو العراق؟ ما هي مصالحكم هناك؟ وهل يمكننا الحديث مجدداً عن اللطافة الفرنسية، أم عن خبث فرنسي في هذا المجال؟

جيل مونيه: لأن العراق كان دائماً بوابة الشرق الأوسط، وهو كذلك اليوم، وما نفعله باتجاه العراق ينعكس على مستوى الشعوب العربية، ليس فقط على مستوى الشعوب، وإنما على مستوى القادة العرب الذين ينبغي عليهم أن يأخذوا بعين الاعتبار الأمور التي تفكر بها شعوبهم، وإذا كنا نتكلم عما ستفعله فرنسا، فعلينا أن نتكلم أيضاً عما سيفعله القادة والمسؤولون العرب، وما الذي يمكن القيام به على مستوى الجامعة العربية لمنع هذه الحرب؟ وما الذي يجب عمله فعلياً على الأرض؟ صحيح أن لفرنسا مصالح في المنطقة، ومنذ أسابيع شجع المسؤولون الرسميون الفرنسيون المؤسسات والشركات الفرنسية على التوجه إلى بغداد والمشاركة في المعرض المقام فيها، حيث توجد أكثر من 90 شركة فرنسية، وهذا أكبر وجود غربي في العراق، كذلك فإن فرنسا كانت في السنوات الماضية على رأس اللائحة في التجارة الخارجية مع العراق، ثم تراجعنا بعد ذلك بسبب الموقف الرسمي الفرنسي الذي تقارب مع الأميركيين في عهد رئيس الحكومة الأسبق (جوسبان)، ثم عادت العلاقات لتتحسن مع العراق، لكننا للأسف مازلنا نلاحظ أن التعامل الفرنسي مع العراق يعتمد لغتين، فإذا توجه أي سيناتور أو شخصية فرنسية كبيرة إلى العراق، وأراد أن يكون جاداً في تعامله مع هذا البلد نجد أن الخارجية الفرنسية تنتقد وتطلب منه عدم الذهاب إلى هناك، لماذا؟ لأنه لا يجب إعطاء الانطباع للأميركيين بأننا نذهب إلى العراق من أجل دعم مصالحنا والحفاظ عليها، لكن في الحقيقة ماذا يفعل الأميركيون أصلاً؟ إنهم يدعمون مصالحهم الاقتصادية، وليس مخجلاً أن نعمل نحن على الحفاظ على مصالحنا الاقتصادية والثقافية، ومصالح الجيران، ففرنسا لها علاقات اقتصادية مستمرة وتدوم منذ مئات السنين مع هذه المنطقة، وهذا الوضع لا ينطبق على الأميركيين، نحن جيران العراق وأوروبا جارة للعراق، فإذا انضمت تركيا غداً إلى الاتحاد الأوروبي فالعراق يصبح جارنا الأقرب، أما الأميركيون فهم موجودون على بعد عشرة آلاف كيلو متر، إن كل ما يجري في العراق سينعكس على العالم العربي، وسينعكس على أوروبا، وربما على الولايات المتحدة، لكن هذا الأمر لا يهم مباشرة الأميركيين، فكل ما يريدونه هو خلق مشاكل لنا مع جيراننا.

[فاصل إعلاني]

ميشيل الكك: إن المصالح الفرنسية في العراق تتمثل الآن من خلال الشركات الفرنسية، لكن إذا تحدثنا عن المستوى الرسمي الفرنسي كيف يمكن وصف هذه العلاقة مع العراق؟ ذكر أن هناك حركة للموفدين الرسميين الفرنسيين، غير أن الخارجية الفرنسية نفت وجود أي مبعوث رسمي، لكن يبدو أن القنوات السياسية والدبلوماسية ناشطة بين الجانبين لأية أسباب.

جيل مونيه: إن المشكلة هي منذ زمن طويل في تنقل العديد من الفرنسيين في هذه المنطقة، ومن بينهم العديد من الشخصيات السياسية الفرنسية التي تقول إنها تحمل رسائل، ومن بينهم أيضاً العديد من الصحفيين الفرنسيين الذين توجهوا بكثافة إلى العراق، والكثير منهم كان يعبر عن نفسه أكثر مما يعبر عن موقف رسمي فرنسي، لكن للأسف لا يوجد أي مسؤول رسمي فرنسي في العراق منذ عملية ثعلب الصحراء، وعدة رحلات كانت مقررة إلى العراق عن طريق دعوات تلقيناها، تم تعليقها في عهد الاشتراكيين الفرنسيين، كذلك تم إلغاؤها، وأعتقد أنه من المهم جداً أن يتم إيفاد ممثل رسمي إلى العراق، وأنه حان الوقت للقيام بمثل هذه الخطوة للتباحث مع المسؤولين العراقيين، فالعلاقات كانت ممتازة مع فرنسا، والسيد طارق عزيز تم استقباله من قِبَل (شيراك) قبل عملية ثعلب الصحراء بقليل، ولا أدري لماذا لا يتم استقباله اليوم.

مستقبل العلاقة الفرنسية العراقية في ظل الحرب الأميركية على العراق

ميشيل الكك: هل تعتقد بأن الرئيس شيراك يحلم بأن يجدد أواصر صداقته مع الحكم الحالي في العراق، خصوصاً وأن هذه الصداقة المتينة كانت قائمة في السابق بقوة بين شيراك وصدام حسين، حتى أن الفرنسيين هم الذين سلحوا الجيش العراقي، وهذا كان سبب انتقادات شديدة اللهجة ضد فرنسا، وفرنسا اليوم هل هي جاهزة برأيكم لربط أواصر العلاقة مجدداً مع الحكم الحالي كما هو في العراق؟

جيل مونيه: إن لشيراك علاقات وصداقات كثيرة في العالم، ولا أعتقد أن الرئيس العراقي صدام حسين هو الذي تَغيّر، بل إن الذي تغير بنظري هو موقف الدول الغربية تجاه صدام، أما بالنسبة إلى شيراك فصحيح أنه يحاول التخلص من هذه الصورة التي أُلصقت به بأنه صديق قديم لصدام حسين، حتى أن الحملة التي استخدمت ضد شيراك في وسائل الإعلام ركزت على التقارب في لفظ الكلمتين شيراك، عراق، كذلك نرى أن شيراك يحاول التنصل من كل ذلك، حتى لا يتم اتهامه بوجود أي صلة بينه وبين صدام حسين، وذلك بعد إظهار أن صدام هو رجل شرير وشيطاني، وهذه هي كل المشكلة بعد حرب الخليج الثانية، وحتى قبلها، وتحديداً عندما حقق العراق بعض التقدم على جبهة الحرب مع إيران، كنت حينها في العراق، ولاحظت أن موقف الدول الغربية تجاه بغداد بدأ يتغير، ولمست أن هناك طبخة تحضر لعمل جديد، فجاءت حرب الخليج الثانية، وفي كل الأحوال أعتقد أن فرنسا هي البلد الغربي الوحيد الذي له أكبر تمثيل دبلوماسي في بغداد، ويكفي أن تعود العلاقات الدبلوماسية إلى عهدها، لكن توجد الآن حملة دولية ضد النظام البعثي في بغداد، وأعتقد أن هناك إرهاباً فكرياً، بمعنى أن لا أحد يجرؤ أن يمشي ضد التيار، ضد اللوبي الإسرائيلي أو ضد اللوبي المؤيد لأميركا، بمن فيهم شيراك، لكني أتساءل ربما يستطيع شيراك أن يفعل ذلك، خصوصاً وأن مستقبله الرئاسي قد يمتد لسنوات مقبلة، وهذا ما حاولت فرنسا عمله في مجلس الأمن من خلال معارضتها للولايات المتحدة، وهذه مرحلة أولى نأمل أن تكون لها توابع، وألا تقف مساعي فرنسا الأخيرة عند هذا الحد.

ميشيل الكك: أقول ذلك لأن الخلافات الفرنسية الأميركية بشأن العراق تتمحور تحديداً حول النظام العراقي، الفرنسيون لا يريدون الإطاحة بالنظام، على عكس الأميركيين، وهذه نقطة أساسية في الخلاف بين باريس وواشنطن.

جيل مونيه: سياسة فرنسا لم تقم أبداً على قلب الأنظمة في العالم.

ميشيل الكك: الفرنسيون يقولون أساساً لا مشكلة لدينا مع نظام صدام حسين، فهل تعتقدون أن الفرنسيين يستطيعون أن يتعاملوا في المستقبل بشكل جيد مع النظام الحالي في بغداد؟

جيل مونيه: ليس لدى الفرنسيين أي مشكلة في التعامل مع النظام الحالي، لكن الأميركيين زرعوا في عقول الجميع بأنه لا يجب التعامل معه، بل معهم، لأن صدام حسين انتهى وأصبح من الماضي، كما أن النظام العراقي لم يعد موجوداً، وهذا الأمر شعرنا به منذ عملية ثعلب الصحراء وقبلها عندما كنا نقوم مع الشركات الفرنسية بالتوجه إلى العراق منذ العام 91، وكانوا يقولون لنا منذ ذلك الحين لماذا تذهبون إلى العراق، لأن النظام سيسقط في الأسابيع القليلة المقبلة؟ وكانوا يقولون للشركات لماذا تذهبون للتفاوض مع ممثلين عراقيين؟ بل يجب التفاوض مع ممثلين أميركيين إذا أردتم الحصول على حصتكم من قالب الحلوى، ونعود اليوم إلى نفس السيناريو، وها هم يقولون للفرنسيين إن القوة الأعظم هي نحن، أنتم تأتون في الدرجة الثانية، وإذا أردتم الحصول على فتات السوق عليكم أن تتعاملوا معنا وليس مع النظام الحالي في العراق، وليس أيضاً مع النظام الذي سيأتي بعده، والذي سيكون برأيي نظاما فاسداً إذا تم تأسيسه بوصاية أميركية.

ميشيل الكك: لكن برأيكم هل يمكن لمصالح فرنسا في العراق أن تمر بشكل أفضل في المستقبل مع حكومة عراقية مفروضة من قِبل الأميركيين أو مع النظام بشكله الحالي كما هو في بغداد؟

جيل مونيه: إذا وقع ما نخشاه وإذا انهار النظام العراقي وهذا أمر قد يحدث نظراً لعدم توزان القوى، وبما أن الولايات المتحدة دولة جبارة عسكرياً فإنه بإمكانها أن تنتصر في هذه الحرب، حتى إذا أرادت أن تشن الحرب على فرنسا فهي من المؤكد أنها ستربح هذه الحرب، وأن بلادنا ستهزم، وفي كل الأحوال فعند قيام نظام عراقي جديد فإن فرنسا لن تحصل إلا على الفتات، ماذا وعد الأميركيون الرئيس السابق (ميتران) من أجل أن يشارك في حرب الخليج الثانية؟ لقد شاركنا فيها، لكن ماذا حصدت فرنسا؟ لا شيء.

ميشيل الكك: وهذا هو الهدف الأبعد للأميركيين.

جيل مونيه: إن الهدف الأميركي هو إبعاد الأوروبيين بشكل تام عن الأسواق النفطية وهذا ما عبر عنه الأميركيون تكراراً وعادوا ليقولوه بطريقة أو وبأخرى، ولن يتركوا لنا إلا القليل، لكن ماذا سيكون عليه سعر السوق بعد ذلك؟

تأثير تفاوض المعارضة العراقية مع أميركا بشأن النفط في فرنسا وأوروبا

ميشيل الكك: لذلك فإن أية مفاوضات بين المعارضة العراقية والشركات الأميركية على اتفاقات خاصة باستثمار النفط قد يكون أمراً مزعجاً ومؤذياً للفرنسيين والأوروبيين.

جيل مونيه: هل هي المعارضة العراقية التي تتفاوض مع الأميركيين أم أن الأميركيين هم الذين يقومون بكل شيء، في كل الأحوال إنهم يحاولون عرض أشياء لا يملكونها في الأصل، وبرأيي فإن النفط العراقي هو ملك للشعب العراقي وليس ملكاً لأشخاص يقيمون في الخارج ويحاولون الآن فرض آرائهم.

ميشيل الكك: لكن المعارضة العراقية هي التي ستقود البلاد في مرحلة لاحقة إذا حدث أي تغير.

جيل مونيه: إذا تسلمت المعارضة العراقية الحكم وأقول (المعارضة العراقية) -بين قوسين- من الأكيد فإنه توجد في العراق معارضة كما في العديد من دول العالم، لكن أي معارضة تصل على متن قطار أجنبي فهي ليست بالنسبة لي معارضة ومن يصل عن طريق الأجانب لا يمكنه أن يعيش طويلاً.

ميشيل الكك: أوحيت بأنك متشائم حول ما يمكن أن يفعله الفرنسيون لأنهم سينقادون وراء الأميركيين بشكل أعمى.

جيل مونيه: إنني متشائم لأن التجارب السابقة علمتني هذا التشاؤم، فمنذ عشر سنوات ماذا فعلت فرنسا؟ هي قدمت العديد من الوعود للعراقيين، وقالت لهم: افعلوا هذا ولا تفعلوا ذاك، وإن الحظر سيرفع عنهم، ولكن ماذا جرى؟ حتى الآن لم يرفع الحظر، حتى أنه وأثناء عملية ثعلب الصحراء لم يطلب أحد رأي فرنسا من أجل الذهاب إلى العراق وضربه، ونحن نرى اليوم فرنسا تحاول أن تستعيد صورتها الديجولية وذلك من خلال تدخلها عن طريق مجلس الأمن في القرار الأخير الذي تم تبنيه، لكنها قد تكون لعبة لا نعرف إلى ماذا ستؤول، لأنه في نهاية المطاف قبلنا ببعض البنود الأميركية التي قلنا في السابق بأننا لم نقبلها، كذلك قلنا سابقاً بأنه ليست هناك حاجة لقرار دولي جديد حول العراق نظراً لوجود قرارات عديدة وكافية بخصوص ذلك البلد منذ أكثر من عشر سنوات.

وتساءلنا: لماذا هذا القرار الجديد علماً بأن الأميركيين يمكنهم التغاضي عنه إذا أرادوا هم القيام بما يخططون له.

ميشيل الكك: تحدثنا قبل قليل عن نصر سياسي لفرنسا في تمرير القرار 1441 لكن في الحقيقة قد يكون انهزاماً سياسياً لها، لأن الأميركيين سيقولون للفرنسيين والروس والصينيين لاحقاً: إن الولايات المتحدة كانت محقة منذ البداية في ضرب العراق.

جيل مونيه: سيكون نصراً دبلوماسياً لفرنسا إذا نجحنا في منع الأميركيين من التصرف.

ميشيل الكك: في المرحلة الأولى فقط.

جيل مونيه: لكن إلى متى؟ فهناك من يريد أن يكسب الوقت وعدة أمور تتغير، بوش اليوم هناك قد لا يكون موجوداً، فالظروف كلها تتغير.

رؤية فرنسا لمستقبل المنطقة العربية في ظل الظروف الراهنة

ميشيل الكك: إذا أردنا أن نختم هذه المقابلة معكم نعرف الآن أن نظرتكم متشائمة، وبما أنكم تعرفون العراق جيداً وتعرفون المنطقة جيداً، ماذا يمكن أن تقولوا في النهاية حول مستقبل هذه المنطقة؟

جيل مونيه: إنني متشائم نظراً لعدم وجود توازن بين القوى التي تتنازع، خصوصاً وأن الرئيس الأميركي بوش وضع كل الطاقات والإمكانات المالية في خدمة التصنيع العسكري الأميركي، حتى إن فرنسا والدول الغربية الأخرى تبدو كالأقزام أمام القوة الأميركية على الصعيد العسكري بشكل خاص، لذلك فأنا متشائم، وكان بإمكاننا أن نكون متشائمين أكثر منذ ثلاثين سنة بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، لكننا نجد اليوم بأن الشعب الفلسطيني انتفض في كل مكان على الأرض الفلسطينية، وما كان قائماً منذ 20 أو 30 سنة لم يعد صالحاً اليوم، وفي كل الأحوال فإن الشعب العراقي سوف يقاوم المحتلين من أجل الحفاظ على مصادر رزقه وعلى ثقافته.

ميشيل الكك: وهل يمكن لفرنسا أن تفعل أكثر مما فعلته لتحاشي الحرب؟

جيل مونيه: صحيح أنني متشائم لكنني مرتاح لأنه فرنسا دخلت مجدداً في لعبة التفاوض على الساحة الدولية، رغم أنني غير مرتاح للقرار الدولي بالشكل الذي صدر به، وأتمنى أن لا تكون مساعي فرنسا بمثابة خطوة عابرة، ولاحظنا ليس فقط لدى اليمين الفرنسي وإنما لدى العديد من الفرنسيين الاشتراكيين من خلال رئيس الحكومة السابق جوسبان والكتلة الاشتراكية في مجلس النواب بأن هناك استيعاباً من قِبَل الفرنسيين كافة بأنه لا يجب السماح للأميركيين بأن يفعلوا كل ما يحلوا لهم، وبأن العراق هو بلد جار لأوروبا وبأنه مهد لثقافتنا.

وإذا سمحنا للولايات المتحدة ولإسرائيل بأن تعملاً على تحقيق ما تسعيان إليه في هذه المنطقة فإن هذا سيؤدي إلى اختناقنا، وهذا ما قاله (سكوت ريتر) عندما جاء قبل أشهر قليلة إلى فرنسا، لقد قال: إننا في الولايات المتحدة نبحث عن مصالحنا ولن يتبقى من النفط ما يمكن استخدامه لأكثر من 30 عاماً، و لكن لنا فقط وليس لكم أنتم الأوروبيين، لقد قالها بلهجة متشددة كأي رجل عسكري.

ميشيل الكك: شكراً للسيد مونيه، وشكراً لمشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، وإلى اللقاء في حلقة أخرى من برنامج (لقاء اليوم).

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة