الإيمان من المظهر إلى الجوهر   
الجمعة 1427/10/11 هـ - الموافق 3/11/2006 م (آخر تحديث) الساعة 10:33 (مكة المكرمة)، 7:33 (غرينتش)

- ماهية الإيمان وأهميته
- العلاقة بين الإيمان والأمن والرضا بالقضاء

- الإيمان والعلاقة بالآخر والآخرين

- الإيمان والتحرر

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، يقول الله في كتابه العزيز {الَذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وهُم مُّهْتَدُونَ} صدق الله العظيم، إن الخدمة الجليلة التي يؤديها الإيمان للجماعة لا تقف عند تهذيب السلوك وتصحيح المعاملة وتطبيق قواعد العدل ومقاومة الفوضى والفساد فحسب بل إن له وظيفة إيجابية أعمق أثرا في كيان الجماعة، ذلك أنه يربط بين قلوب معتنقيه برباط من المحبة والتراحم لا يعدله رباط آخر من الجنس أو اللغة أو الجوار أو المصالح المشتركة كما يحمل على التسامح وحب الهداية للآخرين والإنصاف معهم، كما يحمل أيضا على الانتصاف من الظالمين سواء بسواء، لكن مع اختلال جوهر الإيمان والولع بظواهر الأمور ومظاهرها نطرح العديد من التساؤلات، كيف يحقق الإيمان الأمن؟ وكيف نعود بالعقيدة الإسلامية من فلسفة اليونان إلى أساليب القرآن؟ وما هي سبل تقديم معاني الإيمان للحياة لا للنزاع والشقاق؟ الإيمان من المظهر إلى الجوهر موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، أهلا بك فضيلة الشيخ وكل عام وأنت بخير.

يوسف القرضاوي – داعية إسلامي: أهلا بك يا أخ عبد الصمد.

ماهية الإيمان وأهميته

عبد الصمد ناصر: عيد مبارك إن شاء الله، فضيلة الشيخ لو بدأنا أولا بالتساؤل هل يمكن اعتبار الإيمان قضية جوهرية قضية مصيرية للإنسان؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن أتبع هداه وبعد، فقبل أن أجيب عن سؤالك يا أخ عبد الصمد أود أن أنتهز هذه الفرصة فرصة مرور عشر سنوات على استهلال قناة الجزيرة التي بدأ برنامجنا معها من أول يوم.. أنتهز هذه الفرصة لأهنئ القائمين على هذه القناة من مجلس الإدارة والإدارة العامة التنفيذية والمسؤولين في كل قسم من الأقسام والعاملين والعاملات من الفنيين والإداريين ومن يساعدهم، كما أهنئ يعني جمهور المشاهدين والمشاهدات في أنحاء العالم العربي والعالم الإسلامي وخارج هذه البلاد حيث يصل إليها هذا الصوت وهذه الصورة، هذا الحدث الذي ينبغي أن يهنئ بعضنا بعضا به، فقد كانت قناة الجزيرة حدثا هاما في الإعلام العربي والإسلامي لأنها قررت القاعدة التي كانت غائبة عن الناس الرأي والرأي الآخر.

عبد الصمد ناصر: على كل حال هذا الموضوع فضيلة الشيخ نعدك بأنه سيكون موضوع حلقة الأسبوع القادم.. تجربتك مع البرنامج، كل ما يتعلق ببرنامج الشريعة والحياة.

"
الإيمان هو سبب لنجاة الإنسان وفلاحه وفوزه في الدار الآخرة، وهو سر الحياة وروح الوجود وجوهر وجود الإنسان فردا أو جماعة
"
يوسف القرضاوي: لا هذا ليس خاصا بالبرنامج يعني الأسبوع القادم هيكون خاص بالبرنامج ولكن أنا أريد أن أسجيها تهنئة عامة لأصحاب الجزيرة والقائمين عليها جميعا والمشاهدين أيضا بهذا الحدث الجلل الذي أسأل الله أن يثبت خطى العاملين فيه والعاملات فيه وأن ينير لهم الطريق وأن يجعل يوم الجزيرة خيرا من أمسها وأن يجعل غدها خيرا من يومها، أما بالنسبة لسؤالك يا أ خ عبد الصمد وهو هل الإيمان قضية جوهرية أو قضية مصيرية أنا أقول الإيمان هو القضية المصيرية الأولى، هو أعظم قضية مصيرية، كل القضايا التي نقول عنها مصيرية تتعلق بمصير الإنسان في هذه الدنيا في قضية محددة في جانب معين، جانب اقتصادي، جانب سياسي، جانب اجتماعي، جانب ثقافي، فهي يعني مصير محدود، إنما المصير الذي يتعلق بنجاة الإنسان أو هلاكه، بخلوده في الجنة أو في النار.. هذه قضية يعني غاية الخطورة {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} إما أن يفوز الإنسان وإما أن يسقط هالكا {وإن مِّنكُمْ إلاَّ وارِدُهَا} جهنم {كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِياً (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِياً} الإيمان هو إما سبب لنجاة الإنسان وفلاحه وفوزه في الدار الآخرة وبفقد الإيمان يفقد هذا كله ويهلك فهذه هي القضية والإيمان يعني ليس خاصا بالفرد.. إنه ضرورة بالفرد، ضرورة له لينجو في الآخرة وضرورة له في الدنيا ليسعد ويتزكى، يصبح إنسان صالحا وضرورة للمجتمع ليتماسك ويترقى، فالإيمان هو سر الحياة وروح الوجود وجوهر وجود الإنسان فردا أو جماعة.

عبد الصمد ناصر: طيب تحدثنا في حلقة سابقة عن مسألة تنمية الإيمان كيف يزيد وكيف ينقص؟ هذا الإيمان قلنا "الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل"، سؤالي هنا ما هو جوهر الإيمان وما هو مظهره؟

يوسف القرضاوي: هذا أمر مهم في الحقيقة لأن كثيرا من الناس أساؤوا فهم الإيمان وتمسكوا بالقشور وتركوا اللباب، يعني الأشياء التي نجد بعض الناس يتمسكون بها وكأنها هي روح الإيمان ولباب الإسلام هي أشياء كثيرا ما تكون فرعية، من يهتم باللحية ومن يهتم بالثوب القصير ومن يهتم بالسواك ومن يهتم بوضع اليد في الصلاة هل تكون عند الصدر ولا عند الصرة ولا مرسلة وموقف رجله في الصلاة هل يلصقها كذا.. يعني أشياء كلها تتعلق بالشكليات والكيفيات ونسي الناس الإيمان الحقيقي الذي ذكره القرآن، من يقرأ القرآن يجد أن الإيمان.. أن القرآن يجسّد الإيمان في أخلاق، في أعمال، في تصرفات، من يقرأ قوله تعالى في أول سورة المؤمنين {قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) والَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) والَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} {والَّذِينَ هُمْ لآمَانَاتِهِمْ وعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) والَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} هؤلاء.. هذا الإيمان، في سورة الأنفال.. أوائل سورة الأنفال {إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَاناً وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقاً} ومن قرأ سورة الرعد ومن قرأ سورة الذاريات ومن قرأ سورة الفرقان في أوصاف عباد الرحمن ومن قرأ سورة الإنسان في أوصاف الأبرار كل هذه تجلية لحقائق الإيمان وأوصاف المؤمنين، الرسول عليه الصلاة والسلام قال "الإيمان بضع وستون أو بعض وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى من الطريق"، ألّف الإمام الحافظ البيهقي كتاب من سبعة عشر مجلد يذكر فيه هذه شعب الإيمان ما جاءت في الأحاديث وما جاء في القرآن الكريم من هذه الشعب كل ما يخطر ببالك من شؤون الحياة.. بر الوالدين، صلة الأرحام، الإحسان إلى الجيران، رعاية الأيتام، الإنفاق على الأقارب، إيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل، الجهاد في سبيل الله، السعي على المعيشة، التعفف عن الحرام، العمل المعروف وإشاعة الخير في الناس وحب الناس بعضهم لبعض.. أن يحب المرء لأخيه كما يحب.. كل هذه كل دي من شعب الإيمان، فشُعَب الإيمان ليست أشياء.. الناس تحرص على بعض الأشياء وكأنها هي كل الإيمان ولا يهتم بالأمور الأخرى حتى أصبح بعض الناس يسيء الظن بالتدين، يقول لك المتدينين مهتمين ببعض الشكليات.. يهتمون بالشكل ويتركون الجوهر أو يهتمون بالقشر ويتركون اللب أو يهتمون بالظاهر ويهملون الباطل، لا هذا ليس الفهم الصحيح.. النبي عليه الصلاة والسلام يقول "من لم يدع تقول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" مش المهم أنك تصوم وتجوع ولكن تقول الزور وتعمل بالباطل.. لا، يبقى فائدة الصوم إيه؟ رُب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والسهر ورُب.. إلا الجوع والعطش ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر، الإسلام يريد أن الجانب الإيماني والجانب العبادي يؤثر في السلوك، فحقيقة الإيمان لازم تتجلى في سلوك الإنسان.. سلوكه مع نفسه، كيف يذكي نفسه؟ سلوكه مع أسرته مع أبويه إن كان له أبوان، مع أولاده إن كان له أولاد.. أبناء أو بنات، مع زوجاته إن كان له أكثر من زوجة العدل مع الزوجات، مع أقاربه أعمامه وعماته وأخواله وخالاته وأبنائهم وبناتهم، مع الجيران سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين الجار ذي القربى والجار الجنب والجار البعيد سواء كان بعيد نسبا أو بعيد مكانا أو بعيد دينا.. كل هؤلاء الإسلام هذا..

عبد الصمد ناصر: يعني هذه ملامح عامة وردت في القرآن الكريم..

يوسف القرضاوي: القرآن والسُنّة..


العلاقة بين الإيمان والأمن والرضا بالقضاء

عبد الصمد ناصر: والسُنّة لصورة المؤمن، لو عدنا إلى الآية التي افتتحنا بها الحلقة أو التي قدمنا بها البرنامج {الَذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم} إلى آخر الآية نجد بأن هناك ترابط أو علاقة بين الإيمان والأمن، كيف نفهم فضيلة الشيخ طبيعة هذه العلاقة بين الإيمان والأمن؟

يوسف القرضاوي: الإيمان هو مصدر للأمن والسكينة.. سكينة النفس أو طمأنينة القلب، لا يجدها إلا المؤمنون {هُوَ الَذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إيمَاناً مَّعَ إيمَانِهِمْ} {الَذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ} الملاحدة والجاحدون لله وللدار الآخرة بل المتشككون حتى الذين ليس من الضروري.. إذا كانوا متشككين مرتابين ليس عندهم يقين بالله سبحانه وتعالى وبلقائه وحسابه وبعدله وحكمته ورحمته هؤلاء لا يجدون السكينة.. لا يجدون الأمن في أنفسهم، الشك والجحود والشرك والكفر مصدر المخاوف، غير المؤمن يخاف من كل شيء، يخاف من الفقر، يخاف من المرض، يخاف من الشيخوخة، يخاف من المستقبل، يخاف من المصائب، يخاف من الموت، يخاف من الإنس، من الجن، من الأشباح، كل حياته مخاوف، الإيمان يزيل كل هذه المخاوف يجعل الإنسان لا يخاف إلا الله وحده، لا يخشى إلا الله وكل هذه الأشياء.. المرض يعني {وإذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} إذا نزل به مصيبة يسأل الله أن يزيل عنه هذه المصيبة ويكشف عنه الغمة ويفرج عنه الكرب ويقول سيجعل الله بعد عسر يسرا {فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً (5) إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً} الإيمان يعطيك الأمل دائماً ولرُب نازلة يضيق بها الفتى زرعاً وعند الله منها المخرج، ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج ولذلك يقول اشتدي أزمة تنفرجي قد آذن ليلك بالبلج، الليل حينما يشتد ظلامه وسواده يؤذن بانبلاج الفجر، فهذا شأن الإيمان ولذلك هناك القرآن جاء بهذه الآية وهو يعقّب على ما قاله قوم سيدنا إبراهيم لإبراهيم لأنه جاءه قومه يعني يخوفونه بأصنامهم، أنت بتحطم الأصنام أو تتوعدها وتعمل كذا مش خائف لتضرك هذه الأصنام وتصيبك في نفسك أو في ولدك أو في مالك أو في كذا، فهو قال وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به سلطاناً، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون، من اللي يخاف المشرك ولا المؤمن؟ الشرك مصدر الرعب كما قال تعالى {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} مرعبون من كل شيء ولكن هم لا.. ثم عقّب القرآن على كلام سيدنا إبراهيم قال {الَّذِينَ آمَنُوا} بيقول أي الفريقين أحق بالأمن؟ قال {الَذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وهُم مُّهْتَدُونَ} {لَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ} الصحابة أول ما سمعوا الآية فهموا إيه ظلم يعني ظلم النفس بالمعصية، طيب ومن يسلم من المعصية؟ ففسرها لهم قال لا الظلم هنا الشرك، أما سمعتم قول العبد الصالح لابنه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم فمعنى {لَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم} لم يخلطوا إيمانهم بشرك، كان توحيدهم خالصاً لله، فالتوحيد أساس الأمن وأساس سكينة النفس وهذا ما يحتاج إليه البشر، البشر الآن يمكن وصلوا إلى القمر ويحاولوا أن يصلوا إلى الكواكب الأبعد إلى المريخ أو الزهرة أو الكذا وصنعوا الكمبيوتر وصنعوا الإنسان الآلي وفعلوا ما فعلوا ولكن لم يصلوا إلى طمأنينة النفس.

عبد الصمد ناصر: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ}.

يوسف القرضاوي: إلى السكينة يعني هذه شغل الإيمان.

عبد الصمد ناصر: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ} كما تقول الآية، طيب فضيلة الشيخ مما يتصل بمفهوم الأمن والإيمان مسألة الرضا بالنفس، مسألة الرضا بقضاء الله والثبات في المحن والشدائد وغير ذلك، كيف يتجلى الإيمان الحق في الشدائد؟ في الكربات؟ في الابتلاء وغير ذلك؟

"
الرضا من خصائص الإيمان فمن رزق الإيمان الصادق وليس الشكلي، رُزق جوهر الإيمان
"
يوسف القرضاوي: الرضا هو أيضاً من خصائص الإيمان ومن أثار الإيمان، إذا رُزق الإيمان الإنسان الإيمان الصادق.. الإيمان الحقيقي، ليس الإيمان الشكلي، إذا رُزق جوهر الإيمان وروح الإيمان رضي عن الله ورضي عن نفسه ورضي عن الكون من حوله، رُزق هذا وهذا يعني من أسباب الروح والراحة، جاء في بعض الآثر أو الأحاديث وإن كان حديث ضعيف هو "إن الله عز وجل بقسطه جعل الفرح والروح في الرضا واليقين" الروح راحة النفس "وجعل الغم والحزن في السخط والشك" غير المؤمن دائماً ساخط.. ساخط على نفسه، ساخط على أهله، ساخط على أصدقائه، ساخط على أعدائه، ساخط على جيرانه، ساخط على الأرض، ساخط على السماء، ساخط على كل شيء والمثل العربي يقول من غضب على الدهر طال غضبه.. إنه هيفضل غضبان على طول، لا المؤمن رضي عن الله فرضي عن نفسه ورضي عن حياته حتى تصيبه المصيبة لا تكسر ظهره لا تزعزعه يظل راسخاً كالطود، كما قال يعني سيدنا عمر ما أصبت ببلاء إلا كان لله عليّ فيه أربع نِعم، البلاء الذي يصيبني المصيبة اللي بتنزل بي أربع نِعم؛ الأول أنه لم يكن في ديني وكل مصيبة في الدنيا تهون مصيبة الدين هي اللي أشد اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، الأول أنه لم يكن والثاني أنه لم يكن أكبر منه النعمة الثانية أنه لم يكن أكبر كل بلاء في أكبر منه بعض الشر.. هناك بعض الشر أهون من بعض الناس تقول لك قضى أخف من قضى ومن رأى بلوة غيره هانت عليه بلوته، فبيقول لك النعمة الثانية في البلاء أنه لم يكن والنعمة الثالثة أني لم أحرم الرضا به، إن ربنا رباني، المؤمن بيفلسف المصائب والشدائد ويجعلها..

عبد الصمد ناصر: يهونها.

يوسف القرضاوي: تصبح نعمة، شوف جعل فيها أربع نعم والنعمة الرابعة أنني أرجو ثواب الله علي، إن ربنا سيثيبني على هذه المصيبة، أقل ما فيها إنها تكفّر الخطايا.. حتى الشوكة يشاكها يكفر الله بها من خطاياه، بعض السلف.. يعني امرأة من الصالحات دخلت عظمة في قدمها.. باطن قدمها خرجت من ظاهرها فابتسمت وقالت الحمد لله، فقال لها بعض من حولها فيكي كل هذه الوجع وتبتسمين وتحمدين، قالت لهم إن حلاوة ثوابه أنستني مرارة وجعي فهذا ولذلك أقوى الناس في الشدائد حينما تنزل الخطوب وتحيط بالإنسان الكروب الناس الذين يثبتون ولا ينهارون هم المؤمنون، نجد شعوباً وصلت إلى القمة في الناحية المادية، الناحية الاقتصادية وفي التضامن.. التكافل الاجتماعي، الإنسان كل ما إذا نزلت به شيء إذا أصابه كل شيء يكفله الدولة والمجتمع ومع هذا أكثر البلاد انتحاراً، ليه؟ لأنه لا يركن ظهره إلى هذا الركن الركين، لا يلوذ بهذا الحصن الحصين.. الإيمان، ما فيش جدار يستند إليه فأدنى حاجة يروح رامي نفسه من فوق أعلى عمارة أو يضرب نفسه بالرصاص أو يشرب سم أو يعمل كذا، الإيمان هو الذي يثبت الناس في شدائد الحياة..


الإيمان والعلاقة بالآخر والآخرين

عبد الصمد ناصر: طيب فضيلة الشيخ قلت بأن المؤمن بإيمانه هذا يتمتع بسكينة وبرضا وطمأنينة ولكن هناك كتب للأسف كثيرة تصور الإيمان وكأنه صراع مع العالم بأسره وأن العالم كله يكيد للمؤمن ويتآمر عليه وهذا التصور طبعاً لا يمكن أن يولد لدى هذا المؤمن الإحساس بالأمن، أين الخلل في هذا الأمر؟

يوسف القرضاوي: هذا سوء فهم لوظيفة الدين في الحياة، يعني إذا نظرنا نحن مثلاً إلى الإسلام كدين.. الإسلام جاء يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، هذا هو المنهج الذي رسمه القرآن في دعوة الناس {ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} يعني وأمر بالجدال بالتي هي أحسن بأحسن الطرق وضرب لنا أمثلة في الجدل في القرآن لا يتسع المجال لذكرها وأمر الإنسان بالصبر على من يدعوهم، يعني أسوة بالأنبياء الذين صبروا على قومهم سيدنا نوح دعا قومه ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً ومع هذا صبر عليهم، تعاورت عليه أجيال بعد أجيال.. أكثر من ثلاثين جيل، لو قررنا إن الجيل مثلاً ثلاثين سنة أكثر من 33 جيل مروا عليه جيل بعد جيل وكل جيل يأتي أسوأ من الجيل اللي قبله، يعني الطينة من الطينة والعجينة من العجينة حتى {قَالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً ونَهَاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إلاَّ فِرَاراً} الإسلام أمرنا أن نقتدي {أُوْلَئِكَ الَذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} بعد ما ربنا ذكر لنا 18 نبياً قال {أُوْلَئِكَ الَذِينَ هَدَى اللَّهُ} اقتدي بهؤلاء، اقتدي بنوح في صبره على قومه، فنحن هذا هو.. ولكن إذا اُعتدي على الإسلام، إذا فُتن الناس في دينهم، إذا اُضطهد المؤمن بسبب إيمانه وصب عليه العذاب وحوصر وجوّع كما فعل أهل مكة بالمؤمنين آذوهم أشد الإيذاء بل قُتل منهم من قتل تحت العذاب مثل سمية أم سيدنا عمار ابن ياسر وزوجها ياسر ماتا تحت العذاب ومر عليه السلام وهو يقول "صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة"، حين ذلك لابد أن يأتي وقت يدافع الدين عن نفسه، ظل الإسلام 13 عاماً وهو يصبر على الأذى والعذاب ثم أذن الله للناس أن يدافعوا عن أنفسهم بعد الهجرة فنزل وقله تعالى {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ} يعني شوف الإذن بالجهاد في الإسلام ليس فقط للدفاع عن حرية الدين الإسلامي بل عن حرية الأديان كلها لأنه ذكر الصوامع والبيع والمساجد كنائس النصارى وبيع اليهود وغيرهم، يريد الإسلام أن يقرر الحرية في الأرض حتى لا يضطهد أحد من أجل عقيدته، فمن أجل هذا شرع الجهاد في الإسلام والمسلم لا يتشوق إلى أنه يقاتل الناس بالعكس إذا مرت معركة بدون قتال القرآن يقول {ورَدَّ اللَّهُ الَذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وكَفَى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتَالَ} ويقول "لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية" هذا هو الإسلام..

عبد الصمد ناصر: على كل حال سنواصل الحديث عن مسألة أو محور الإيمان والعلاقة بالآخر والآخرين فضيلة الشيخ لكن بعد هذا الفاصل، نعود إليكم مشاهدينا الكرام بعد الفاصل فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلا بكم من جديد في برنامج الشريعة والحياة، حلقة اليوم حول برنامج حول موضوع الإيمان من المظهر إلى الجوهر، فضيلة الشيخ قبل أن نواصل الحديث عن الإيمان والعلاقة بالآخرين لو عدنا إلى موضوع الإيمان والأمن النفسي.. البعض يرى أن إيمان المرء يولّد له نوعا من القلق ويخلق له نوعا من الحالة التي ينظر بها بسوداوية إلى الحياة، هل هنا المشكلة في شكل إيمانه وتصوراته عن الله أم ماذا؟

"
القلق نوعان قلق مرضي يولد للإنسان نظرة سوداوية، والإيمان كفيل بطرده، أما القلق الثاني فهو القلق الصحي
"
يوسف القرضاوي: القلق نوعان هناك قلق مرضي وهناك قلق صحي، القلق المرضي هو الذي يصبح داخل النفس ويولّد للإنسان نظرة سوداوية وهكذا وهذا لا يأتي مع الإيمان أبدا الإيمان يطرد هذا القلق لأنه كما قلت يعني يورث الإنسان الأمن الداخلي..

عبد الصمد ناصر: كيف يصل المرء إلى هذه الحالة فضيلة الشيخ؟

يوسف القرضاوي: والرضا النفسي والأمل في المستقبل، إنما القلق اللي هو يعني محمود وهو قلق صحي حينما يقلق الإنسان هموم أمته، حينما يقلق حينما يرى استعلاء الباطل على الحق، حينما يرى ظهور المنكر واختفاء المعروف، حينما يرى أن الأخيار يختفون والأشرار هم الذين يسودون، هذا يقلق الإنسان.. هذا قلق محمود وهذه ظاهرة صحية..

عبد الصمد ناصر: وهذا قلق يدفع..

يوسف القرضاوي: بالعكس إذا الناس لم يقلقوا هذا القلق يبقوا مرضي، فالنوع الأول لا يوجد مع الإيمان إنما هذا النوع يوجد مع الإيمان ومن شأن الإيمان أن يصنع مثل هذه النفسية التي تثور على الظلم إذا وقع وعلى الباطل إذا تجبر في الأرض هذا..

عبد الصمد ناصر: يعني هذا قلق إيجابي..

يوسف القرضاوي: نعم إيجابي هذا نعم من غير شك..

عبد الصمد ناصر: يدفع نحو الإتقان نحو النجاح نحو الارتقاء، نعم ولكن القلق السلبي هذا كيف يصل بالمرء إلى هذه الحالة؟

يوسف القرضاوي: هذا إذا غلبت النزعة المادية والنزعة الحسية وغاب الجانب الإيماني كما نرى في الغرب بصفة عامة، في أميركا.. أميركا التي وصلت إلى ما وصلت إليه من الرخاء المادي والرفاهية الاقتصادية، أكثر البلد أكثر بلاد العالم عيادات نفسية، انتشار العيادات النفسية بالآلاف وعشرات الآلاف والقلق هناك وظاهرة الاكتئاب وظاهرة الانتحار وهذه الظواهر وذكر بعض العلماء يعني الذين عالجوا هذه الظاهرة بعض علماء الأطباء النفسيين مثل الدكتور هنري لينغ الذي ألف كتاب العودة إلى الإيمان، هذا كتاب تُرجم إلى العربية في أواسط الخمسينيات من القرن الماضي ترجمه الدكتور ثروت عكاشة وقال يعني إن هذا الكتاب في ذلك الوقت كان طُبع منه ثمانية وأربعين طبعة اسمه العودة إلى الإيمان، يقول إنه القلق الساري في ديار الغرب سببه انتشار النزعة المادية، غلبت المادة على الحياة، غلبت الإباحية على الحياة وليس له دواء ولا علاج إلا الإيمان، هو كان يعني يصف لمرضاه الإيمان والإيمان الذي يصفه لهم ليس الإيمان المسيحي.. يصف لهم إيمانا فطريا أمنوا بالله الواحد وكذا يعني أشبه كأنه بيصف لهم الإيمان الإسلامي من غير ما يعرف ويقول إني وجدت شخصية المتدين هي أقوى الشخصيات التي تتحمل أعباء الحياة وتتحمل الكوارث ولا تنهار لأول وهلة، فسبب القلق وسبب الاكتئاب وسبب الظواهر النفسية المرضية هذه كلها سببها انتشار النزعة المادية واختفاء النزعة الإيمانية..

عبد الصمد ناصر: فضيلة الشيخ يعني ربما قد يقول قائل إن من الإيجابيات ربما في هذه المجتمعات تعدد وكثرة هذه العيادات والمستشفيات المختصة في العلاج النفسي ربما لأن هناك وعيا بأن هناك أمراض نفسية تستدعي العلاج بينما نحن في المجتمعات العربية والإسلامية عندنا الكثير من هذه الأمراض ولكن الوعي الجماعي يربط هذه الأمراض بالجنس وظواهر أخرى..

يوسف القرضاوي: إحنا بحمد الله مجتمعاتنا..

عبد الصمد ناصر: ولا يعترفون بالعلاج النفسي فضيلة الشيخ؟

يوسف القرضاوي: لا.. لا، حتى الغربيون أنفسهم الذين عاشوا في المجتمعات الغربية كتبوا إن هذه المجتمعات تتمتع بالسكينة النفسية، لا يوجد هذه السكينة في تلك المجتمعات لأن مجتمعاتنا لا تزال تؤمن بالله، تؤمن بالقدر، يقول لك {لَّن يُصِيبَنَا إلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} قدر الله وما شاء فعل، يركن ظهره إلى حائط قوي، إنما هناك لا يوجد هذا، عندنا الأسرة.. الإنسان يجد أسرة يعني يلجأ عند الشدة، هناك لا يجد أسرة الابن لا يجد له أبا لا يجد له أما بيعرف أبوه وأمه يوم في السنة يوم أو يوم الأب ويمكن ما يروحش يزورهم يبعت لهم رسالة في الـ(DHL) ولا كذا ولا يكلف نفسه أنه يروح يزور أبوه، إحنا نقول يا بركة دعاء الوالدين، يا بركة رضا الوالدين وكل واحد يتمنى رضا أبيه ورضا أمه والجنة تحت أقدام الأمهات {فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} كل هذه أشياء موجودة عندنا ولا توجد في تلك المجتمعات..

عبد الصمد ناصر: نعم على كل حال هي قضية تقتضي أن تقف عندها كثيرا ولكن ليس في هذه الحلقة لأن هناك آراء أخرى مختلفة فضيلة الشيخ عن هذا الموضوع خاصة برؤيتنا نحن للغرب ومسألة الأسرة لأن هناك في المجتمعات الغربية مازالت هناك فئات فعلا تحافظ على الأسرة وتعتز بقيم الأسرة..

يوسف القرضاوي: حينما نتكلم عن هذه المجتمعات لا نتكلم عن الجميع..

عبد الصمد ناصر: وبشكل عام..

يوسف القرضاوي: ولكن نتكلم عن المجموع..

عبد الصمد ناصر: حالات يعني..

يوسف القرضاوي: نتكلم عن الشيء اللي يعتبر ظاهرة عامة لا ننفي أن يكون في كل مجتمع هناك أناس متدينون، هناك أناس محافظون على الأسرة، إنما هذا لا يمثل الأغلبية، عُملت إحصائيات مثلا في المجتمع الأوروبي وجد أن الذين يذهبون إلى الكنيسة في أيام الآحاد 5%.. أكثر شيء 5% وليس كل من يذهب إلى الكنيسة يذهب تدينا، بعض الناس يذهب لمجرد تغيير النمط نمط الحياة أو للالتقاء بأصحابه أو أحبائه أو أصدقائه أو صديقاته أو هذا، فهذا هو.. فلما نقول إن هناك نتكلم عن النمط السائد إنما لا ننفي أن يوجد في المجتمع أناس هذا المنطق العلمي والعقلي يقول هذا..

عبد الصمد ناصر: نعم، مؤخرا في هناك دراسة في الولايات المتحدة الأميركية أثبتت أن هناك نسبة عالية جدا من المؤمنين بالله في الولايات المتحدة الأميركية قالوا إنها تصل إلى نسبة 80% فضيلة الشيخ، لو عدنا إلى مسألة الأمن..

يوسف القرضاوي: لا 80% هذا مبالغ فيه هذا ليس صحيحا..

عبد الصمد ناصر: يعني هذا ما قالته هذه الدراسة، نعم مؤخرا صدرت هذه الدراسة.. فيما يخص الأمن يقول الله سبحانه وتعالى {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ} هل معنى هذا أن الإيمان يريد التسامح وسلامة الصدر ومن ثم يحصل الأمن؟

يوسف القرضاوي: نعم، الإيمان يدعو إلى التسامح والتعامل مع الآخرين بمنطق الحب لا البغض والسلام لا الحرب والتقارب لا التباعد الإسلام يدعو إلى الحب، يعني الرسول عليه الصلاة والسلام يقول "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"..

عبد الصمد ناصر: بل كان يدعو لقومه الكافرين "اللهم أهدي قومي فإنهم لا يعلمون"..

يوسف القرضاوي: يعني ومش بس أخيه المؤمن، الإنسان أخو الإنسان، يعني الإنسان يحب الإنسان، كل مسلم يتمنى الهداية للخلق جميعا كما قال صلى الله عليه وسلم عن قومه وقد آذوه أشد الأذى "اللهم اهدي قومي فإنهم لا يعلمون" وقد بلغوا من الإيذاء له مبلغا شديدا كان ممكن يدعو عليهم وربنا يريحنا من شرهم ولكن لم يفعل ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم وحينما مكنه الله منهم لم ينتقم منهم، قال ما قال يوسف {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، الإيمان يدعو إلى الحب الرسول عليه الصلاة والسلام يقول "دب إليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء والبغضاء هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين".. البغضاء الكراهية، الإسلام يحب جو الحب والمسلم يحب كل ما حوله يحب الله وهذا أعظم أنواع الحب ويحب الناس كل الناس، يحب الخير لهم، يحب الهداية لهم ويحب الحياة لأن الحياة مزرعة للآخرة وكل يوم يعني يزداد فيه الحياة النبي عليه الصلاة والسلام يقول "فإن كان محسنا فعسى أن يزداد وإن كان مسيئا فعسى أن يتوب" يحب الحياة ويحب الموت.. لا يكره الموت لأن الموت كما قال يحيى بن معاذ أحد السلف الصالح قال لا يكره الموت إلا مريب فإنه يقرب الحبيب من الحبيب، لا يكره الموت.. النبي صلي الله عليه وسلم يقول "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" والقرآن يذكر لنا {إنَّ الَذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا ولا تَحْزَنُوا وأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} فحتى الإسلام صرف طاقة البغض.. الإنسان طبعا يحب ويكره، فيه حب وفيه بغض إنما هناك طاقة يمكن يصرفها الإنسان في البغض وهو أن يكره الشيطان قال {إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُواً} بدل ما تعادي بني آدم عادي مصدر الشر وهو الشيطان الذي يعادي الإنسان ويحاول أن يفتنه وأن يجره إلى كل شر {إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُواً}..


الإيمان والتحرر

عبد الصمد ناصر: معنا على الهاتف فضيلة الشيخ بعض السادة المشاهدين عبد الواحد من الجزائر، تفضل عبد الواحد وباختصار من فضلك، عبد الواحد ليس جاهز الآن، أحمد هويس تفضل.

أحمد هويس- سوريا: السلام عليكم أخي عبد الصمد.

عبد الصمد ناصر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

يوسف القرضاوي: وعليكم السلام ورحمة الله.

أحمد هويس: تحية لك ولفضيلة الدكتور القرضاوي.

يوسف القرضاوي: حياك الله.

أحمد هويس: أعزك الله وأعز الإسلام بك يا سيدي الدكتور.

يوسف القرضاوي: بارك الله فيك.

أحمد هويس: أنا أحبك في الله ولك في قلوبنا في سوريا معزة وحضور، سيدي على مائدة المحبة والإيمان نلتقي، الإيمان هو في الوطن العربي وعند الحكام العرب هو الدينامو المحرك للمسلم المؤمن في سلوكه وعقيدته وهو مهماز إعلان العبودية لله يقينيا والإخلاص له والإخلاص له ربا وإلها، نحن ما عندنا ناسوت ولاهوت، نكتفي بربا وإلها فـ {اللَّهُ الصَّمَدُ} فنحن العبابدة وأبناء العبابدة إن شاء الله وهو نبراس التبعية لسيدنا محمد، طرفي المعادلة العبودية لله والتبعية لسيدنا محمد عباديا والإخلاص لسيدنا محمد، رباه عذرا جراحي في الهوا سكرت كما سكرنا بلا خمر ولا وتر، مسافر أنت في روحي وحنجرتي فيورق الكشف ملئ السمع والبصر، مسافرون تشرب الأمداء صبوتنا وزادنا الحب والإيمان بالقدر، إذا عرفت فللأسرار فلسفة وكل ستر نماه سر مستتر، هذا الصقيع وجودي بل هذا الصقيع يهودي ويرعبني وما الدوائر من حولي سوى ضجر، إذا وصلت فمن أمداء مطلقنا وإن كبوت فما لومي على قدري فما لومي على قدري والسلام عليكم.

عبد الصمد ناصر: وعليكم السلام شكرا لك أحمد هويس، محمد التونسي من ألمانيا.

محمد التونسي- ألمانيا: السلام عليكم.

عبد الصمد ناصر: وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

يوسف القرضاوي: وعليكم السلام ورحمة الله.

محمد التونسي: أني أحبكم في الله يا شيخ.

يوسف القرضاوي: أحبكم الذي أحببتمونا من أجله يا أخي بارك الله فيك.

محمد التونسي: يا شيخنا ليش الدول الإسلامية والعربية ما تكلموش بالنسبة للموضوع في تونس، يعني على الحجاب؟ يعني أننا نريد..

عبد الصمد ناصر: السؤال واضح يعني محمد فضيلة الشيخ كان له رأي وأدلى به في حلقة سابقة حول موضوع الحجاب حينما كانت هناك مداخلة لسيدة تونسية في الموضوع إذا كنت تتذكر، شكرا لك محمد، من معي الآن؟ عبد الواحد ليس جاهز لحد الآن، فضيلة الشيخ لو عدنا إلى موضوع الإيمان.. لو انتقلنا إلى موضوع الإيمان والحقيقة هناك أحاديث كثيرة تتحدث عن المؤمن القوي المؤمن الذي يحرص على الوقت المؤمن العامل وغير ذلك الوقت والعمل وهذه كلها من عوامل الإعمار في الأرض، كيف نربط الإيمان بإعمار الأرض؟

"
الإيمان أعظم دافع لإحسان الإنتاج وإحسان العمل لأن الإسلام يعلّم المسلم أن العمل هو قانون الله في الأرض
"
يوسف القرضاوي: قد يفهم بعض الناس أن الإيمان لا يوفر العوامل النفسية والفكرية والثقافية لإحسان الإنتاج، لتنمية المجتمع، لعمارة الأرض، لتجميل الحياة للنهوض بالأمة، ربما يفهم الكثير منا ولكن هذا الحقيقة يعني ليس له أصل في حقيقة الإيمان وحقيقة الإسلام الذي ننتمي إليه، الإيمان هو في الحقيقة أعظم دافع لإحسان الإنتاج وإحسان العمل.. للعمل وإحسان العمل، لأن الإسلام يعلّم المسلم إن العمل هو قانون الله في الأرض، لا يتحقق شيء بلا عمل، لا يمكن دخول الجنة إلا بعمل ولا يمكن الوصول إلى السعادة إلا بعمل ولا يمكن توفير الرزق إلا بعمل، صحيح ربنا ضامن للناس رزقهم {ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} ولكن الرزق ما بيجيش كدة كما قال سيدنا عمر لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ما ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، لازم يسعى {فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} {هُوَ الَذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وكُلُوا مِن رِّزْقِهِ} فلابد من المشي في.. لابد من العمل وليس مجرد العمل بل إحسان العمل، النبي عليه الصلاة والسلام يقول "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" الإحسان يعني الإتقان بمعنى كتبه يعني فرضه زي {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} أي فرضها عليكم فرضية مكتوبة موثقة، فإن الله كتب الإحسان.. الإحسان فريضة، إتقان العمل فريضة كفريضة الصيام كتبها الله "إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملا أن يتقنه" هذا هو المطلوب من المسلم أن يعمل وأن يتقن العمل، للأسف إننا يعني في بلادنا الإسلامية يقول لك ماشي ماشي يعني خليك على الله..

عبد الصمد ناصر: ارتخاء استسهال..

يوسف القرضاوي: كأنه الإسلام خليك على الله إيه أتقن عملك لازم يكون عملك بل أنا يعني دائماً أقول الإسلام مش بس بيطلب العمل الحسن بيطلب العمل الأحسن {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} فهذا هو ما يربي الإسلام عليه المسلم..

عبد الصمد ناصر: فضيلة الشيخ هذه الحالات البسيطة التي قد يستسهلها البعض هي جزء من حالة عامة حالة.. ضعف تعيشها الأمة تعاني منها الأمة، الأمة الآن مسيطر عليها سياسياً حتى مقدرتها ليست بيدها، أراضيها محتلة، هل هناك علاقة بين الوصول إلى حالة من القوة والغلبة والإيمان؟

يوسف قرضاوي: نعم، الإيمان هو مصدر القوة الحقيقي، الإيمان لو كنا مؤمنين حقاً لعملنا بقول الله تعالى {وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ومِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ} مش ده أمر إلهي، مقتضى الإيمان إننا ننفذ هذا {ودَّ الَذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً واحِدَةً} {وأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنَافِعُ لِلنَّاسِ} للأسف الأمة دائماً أقول هذه الكلمة أمة صناعة الحديد لم تتقن صناعة الحديد، لا أتقناه يعني عسكرياً ولا مدنياً لأن {بَأْسٌ شَدِيدٌ} إشارة إلى الصناعات العسكرية و{مَنَافِعُ لِلنَّاسِ} إشارة إلى الأمة لم تتعلم الإيمان الحقيقي، لم تؤمن الأمة، فالناحية المادية القوة المادية القوة الروحية النفسية الأخلاقية.. الإيمان مصدر لهذا لأن المؤمن يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى معه لا يخاف أحداً، الله.. المسلمون دخلوا معركة بدر وكانوا أقل من ثلث الأعداء في العدد ولم يكن كان معهم فرسين والآخرين معهم مائة فرس، يعني شوف واحد على خمسين كانوا يعني معهم سبعين بعير بيركبوه كل ثلاثة أربعة بيركبوا بعير والتانيين كل يوم يذبحوا ناقة، يعني عندهم ما شاء الله، هم لا يجدون الخبز أو التمر فالفرق بين الاثنين ومع هذا المسلمون انتصروا لأنهم يعرفون الله هو الذي يدير المعركة {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ومَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}.

عبد الصمد ناصر: فضيلة الشيخ القلوب وقتها كانت قلوباً حرة قلوباً متحررة من احتلال الثقافات الأخرى.

يوسف القرضاوي: ما الذي حررها؟ الإيمان، العرب كانوا يعبدون الأصنام وكانوا بيسجدوا لها ويطلبوا منها الرزق والخير وكذا، حينما جاء الإسلام وغرس في قلوبهم وصب في عروقهم معنى التوحيد إنه لا اله إلا الله لا يبغي غير الله رباً ولا يتخذ غير الله ولياً ولا يبتغي غير الله حكماً عناصر التوحيد يعني كلها التوحيد والمتابعة لمحمد صلى الله عليه وسلم هذه حقيقة الإيمان كما أشار..

عبد الصمد ناصر: فضيلة الشيخ هل يمكنك القول بأن..

يوسف القرضاوي: فهذا حررهم فأصبحوا أمة أخرى بعد أن كانوا رعاة الغنم أصبحوا رعاة الأمم.. أصبحوا يتكلون عليهم تحرير الأمم، حينما قال رستم لأحد يعني المسلمين البسطاء من الأعراب ربعي بن عامر.. قال له ما الذي أخرجكم من بلادكم؟ قال له عن الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فالإسلام أعطاهم نظرة عالمية، إنهم أصبحوا أساتذة.. هداة للعالم، رعاة للأمم هذا هذه القوة التي أعطاها الإسلام.. شوف المغيرة بن شعبة حينما التقى مع بعض الفرس في معركة وبعدين يقولوا إيه أنتم إيه؟ إيه اللي فعل فيكم هذا؟ قال لهم شوفوا نحن قدر الله، أنتم إيه؟ قال لهم نحن قدر الله، ابتلاكم الله بنا وابتلانا بكم، فلو كنتم في سحابة لارتفعنا إليكم أو لهبطتم إلينا، هذه.. ولذلك يقول محمد إقبال المسلم الضعيف يعتقد.. يعني يخاف من القدر ولكن المؤمن القوي يعتقد أنه هو قدر الله الذي لا يرد وقضائه الذي لا يغلب، نحن قضاء الله.. هذا هو المسلم، فالإيمان هو مصدر القوة الحقيقي ولن تجد أمتنا القوة الحقيقية المادية والروحية والأخلاقية والنفسية إلا إذا عادت إلى الإيمان الحقيقي واتخذت منه سنداً لها وملاذاًَ لها.

عبد الصمد ناصر: بارك الله فيك فضيلة الشيخ، وصلنا إلى ختام الحلقة، شكراً لك وشكراً لكم مشاهدينا الكرام لمتابعتكم ولكم في الختام تحيات المخرج منصور طلافيح وفي الإعداد معتز الخطيب ومني عبد الصمد ناصر ونلتقي في الأسبوع القادم بحول الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة