الصورة وتزييف الوعي للانسحاب من غزة   
الأحد 1426/7/24 هـ - الموافق 28/8/2005 م (آخر تحديث) الساعة 15:19 (مكة المكرمة)، 12:19 (غرينتش)

- سقوط الإعلام في فخ الدعاية الإسرائيلية
- موقف الرأي العام الإسرائيلي

- عدم توازن تغطية الإعلام الغربي

- تأثير غياب السياق على التغطية الإعلامية


مالك التريكي: السلام عليكم، إن لم يكن قد أتاك حديث نهاية الاستيطان اليهودي التي لا تعني نهاية الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة ولكنها تعني استمرار الاحتلال هناك مع توسيع الاستعمار الكولونيالي في الضفة الغربية فكفا بك داءً أن تعلم أن هذا الحديث يُعد في عُرف الإعلام الغربي خروجا عن الموضوع وتشويشا على الإرسال، ذلك أن جوهر الموضوع على ما يبدو هو أن المستوطنين قد أُخرجوا من ديارهم وأنهم أتوا جهارا نهارا يبكون أمام عدسات التلفزيون بل لم يبق سوى الزعم لكثرة ما تكررت صور النحيب الاستيطاني أن الفلسطينيين أنفسهم قد ذابوا أو قد ذابت قلوبهم كمدا لهذا الفراق ولولا الحياء لهاج الفلسطينيين استعبار، فهل تستحق إعادة انتشار بضعة آلاف مستوطن.. مستوطن من أرض مغتصبة وكل هذه الحبكة المسرحية وكل هذه الضجة الإعلامية ولماذا سقط الإعلام الدولي وحتى العربي في شَرَك الدعاية الشارونية؟ وهل نجح إخراج الانسحاب الإسرائيلي في شكل تراجيديا تلفزيونية في تغييب حقيقة المأساة الفلسطينية؟ هذه بعض من المسائل التي سيعقد حولها الحوار مع ضيوفنا الكرام، في لندن رئيس تحرير صحيفة القدس العربي الأستاذ عبد الباري عطوان والمراسل السابق للـ(BBC) في الشرق الأوسط الأستاذ تيم لويلن ومن القدس أستاذ الإعلام والعلوم السياسية بالجامعة العبرية البروفيسور غادي وولفستيفلد وأبدأ الحوار بتوجيه سؤال إلى السيد عبد الباري عطوان، أستاذ عبد الباري عطوان كنت من أوائل المنتقدين للتغطية الإعلامية للانسحاب من غزة وقلت إن الانسحاب من غزة واستغلال رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون له هو مجرد سيرك إعلامي ضخم.

سقوط الإعلام في فخ الدعاية الإسرائيلية

عبد الباري عطوان – رئيس تحرير القدس العربي: ومازلت مع هذا الرأي حقيقة وأعتقد أن الإعلام العربي والمُتلفز منه على وجه التحديد سقط في فخ آرييل شارون وفي فخ الدعاية الإسرائيلية بمعنى إنه جرى تصوير هؤلاء المستوطنين على إنهم ضحايا على إنهم أبرياء وحتى أنه بعض الصحف أو بعض المحطات التلفزة قالت إنه (Jewish exits) يعني خروج يهودي مثل يعني الخروج اللي تم في التاريخ أو مثل حتى المجزرة اللي تمت لليهود أفران الغاز في ألمانيا، في الواقع يعني هذا أمر مرعب بكل المقاييس يعني إنه حتى شاهدنا إنه زعماء عرب بيتصلوا في شارون ويقدمون له التهاني على هذه الخطوة العظيمة على طريق السلام يعني كما لو إنه هذه المستوطنات هي أرض إسرائيلية يعني نحن نعرف أن هؤلاء لصوص، عمليا لصوص هؤلاء سرقوا هذه الأرض لمدة 38 عاما استغلوا هذه الأرض زرعوها، أخذوا هواءها، أخذوا ماءها ونحن نعرف أن الواحد وعشرين مستوطنة في قطاع غزة سيطرت على حوالي 40% يعني ثمانية آلاف مستوطن أخذوا 40% من القطاع ومليون ونصف المليون فلسطيني اللي هو الـ60% الباقية، في هذا البلد وفي أوروبا وفي أميركا الذي يتعامل مع بضاعة مسروقة هذا يعتبر مجرم، في القانون البريطاني أنا إذا ركبت سيارة مسروقة أو أنا لبست بذلة مسروقة يلقى القبض علي ويلقى بي في السجن، هؤلاء يتعاملوا مع بضائع مسروقة مع أرض مسروقة مع مياه مسروقة مع سمك مسروق مع هواء مسروق ومع ذلك شاهدنا من يتعاطف معهم، هل نتعاطف مع لصوص إحنا هل نتعاطف مع المجرمين؟ فهذا هو.. النقطة الأخرى إنه جرى تصوير إسرائيل على إنها يعني قدمت تضحية كبيرة من أجل السلام هذه ليست تضحية إسرائيلية من أجل السلام، هذه تضحية إسرائيلية للحفاظ على إسرائيل يعني شارون نفسه قال نحن نقدم على هذه الخطوة من أجل (Jewish supremacy) أو (Superiority) يعني اللي هو التفوق اليهودي في المنطقة فهم عملوها حبا في إسرائيل وحمايةً لإسرائيل وليس حبا بالفلسطينيين فهذا ما قصدته، النقطة الأخرى التي أود الإشارة إليها إذا سمحت لي هي أنه يعني هؤلاء الناس جرى تدليلهم.. الجيش الإسرائيلي تعلم على ضبط النفس والرقة في التعامل ولم يطلقوا لم يصيبوا واحد منهم لكن عندما هدموا بيوت الفلسطينيين في رفح في جنين في نابلس ما أعطوا الناس خمس دقائق حتى.. يعني إنه كان يعني تأتي الدبابات تأتي المجنزرات تدمر هذه البيوت وشاهدنا الأطفال أطفالنا في فلسطين وهم بيبحثوا عن كراريسهم وعن كتبهم في أوساط هذه الأنقاض.. ثلاثين ألف واحد أُجلوا من قطاع غزة أيضا أكثر من يمكن حوالي خمس آلاف بيت جرى تدميرها في قطاع غزة لوحده والناس شُردوا وجلسوا في العراء في عز البرد، يعني لم نشاهد الإعلام العالمي إنه يخصص تغطية حية كاملة للجرائم التي وقعت في رفح وفي جنين وفي.. أبدا يعني شاهدنا فقط إنه تدليل هؤلاء المستوطنين والتحدث عن تسامح الجيش الإسرائيلي عن تعامله بشكل جيد مع هؤلاء.. هذا هو الأمر بدرجة إنه زي ما.. إنه أصبح شارون هو المعتدل والفلسطينيون هم المتطرفون يعني هذه الحقيقة وإنه الأكثر من ذلك يطلب تعويضات من الرأي العام العالمي يطلب تعويضات من الولايات المتحدة الأميركية تعويضات.. الأرض 38 سنة وبده تعويضات يعني هذه المشكلة الأساسية والآن سيذهب إلى الأمم المتحدة وسيلقي خطابا في الجمعية العامة على إنه بطل وعلى إن هو رجل السلام وإحنا العرب إحنا السيئين وإحنا المتطرفين وإحنا اللي لا نستحق السلام وإنه الشعب الفلسطيني تحت الاختبار في غزة يعني دمروا البلد لم يتركوا فيها شيء والآن نحن تحت الاختبار وليس الإسرائيليين مازالوا بيعززوا المستوطنات في الضفة الغربية مازالوا بيقتلوا الناس مثلما حدث في مجزرة طولكرم مثلما بيوسعوا الاستيطان في معظم أنحاء الضفة هم هؤلاء رعاة السلام حماة السلام أما نحن فنحن المجرمون.

مالك التريكي: السيد تيم لويلن المشاهد للتلفزيونات الغربية خلال الأيام الماضية المشاهد العادي الذي ليس بالضرورة متخصصا في سياسة الشرق الأوسط ولا حتى في سياسة بلده، الانطباع الذي يرسخ لديه من كثرة مشاهدة الصور المتكررة لعمليات الإجلاء وللطريقة التي تعامل بها الجنود مع المستوطنين يرسخ لديه انطباع وأسأل رأيك هنا لأننا شاهدنا هذه التلفزيونات، يرسخ لديه انطباع كأن غزة هي أرض إسرائيلية وأن هؤلاء الأشخاص المستوطنين الذي أُخرجوا كأنهم طردوا من ديارهم واقتُلعوا من ديارهم هل كان لديك نفس هذا الانطباع أم كان لديك انطباع آخر؟

تيم لويلن - مراسل BBC في الشرق الأوسط سابقا: أعتقد أن التغطية الغربية كلها بدون بعض الاستثناء كانت خارج المحتوى، لماذا كان المستوطنون هناك وبينما هم في حالة سرقة دولية وهذه غير شرعية أي أن هذه الدراما كانت في غير محتواها هذه هي المشكلة في أجهزة التلفزيون التي تعرض أو شركات التلفزيون التي تعرض هذه الصور وبعثت بصحفيين ملحقين في غزة لينقلوا تلك الأخبار، أعتقد أن أي شخص عادي يشاهد هذه التغطية سوف يخرج بالانطباع بأن احتلال غزة وأن شارون قدم تضحيات كبيرة ومر في مراحل خطرة وقدم تضحيات من أجل الجلاء عن المستوطنات ولكن.. وبأن هذه خطوة كبيرة على خريطة الطريق والسلام في الشرق الأوسط، أعتقد أن الصحفيين هناك يعرفون أن هذا ليس صحيحا وأن شارون في أعين حكومته.. أن هذه الخطوة هي في الواقع نهاية لعملية السلام وهي محاولة لتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية وسرقة الماء والأراضي، الإسرائيليون يتخلصون من شيء لا يريدونه من أجل تكريس وجودهم في أراضٍ يريدوها الفلسطينيون، أعتقد أن هذه المعلومة كانت غامضة من التغطية أثناء الانسحاب من غزة.


موقف الرأي العام الإسرائيلي

مالك التريكي: شكرا السيد تيم لويلن وأتوجه بالسؤال إلى السيد البروفيسور غادي وولفستيفلد في القدس، بروفيسور وولفستيفلد هنالك تعليقات إسرائيلية تصب في نفس المصب ما تفضل به السيد عبد الباري عطوان والسيد تيم لويلن مثلا أحد المعقلين الإسرائيليين ذكر أخيرا إننا نشهد في هذه الأيام يقول في إسرائيل يتحدث عن الإعلام الإسرائيلي يقول إننا نشهد هذه الأيام أكبر مسرحية تُخرَج في إسرائيل وربما في العالم هذه مسرحية مُخرجة جيدا الدموع تسكب كالمياه والخصوم المزعومون يتعانقون على نحو يشبه ما يحدث في الأوبرا، هل تعتقد أن هذه الحبكة المسرحية لعملية الإخراج انطلت على الرأي العام الإسرائيلي؟

غادي وولفستيفلد - بروفيسور الإعلام في الجامعة العبرية: تعني أولا أن الجانب الذي سمعته من سيد تيم لويلن سياسي، بالنسبة للناحية الإعلامية إن ما شاهدناه هو أنه تصرف سياسي معتدل الكل لهم الحق أن يتصرفوا أمام عدسات التصوير الناس والمستوطنين والجنود لأن كل ذلك كان موجها إلى الرأي العام العالمي، الصراع حول شرعية كسب الرأي العام الإسرائيلي أنا أفهم ذلك وأتفهم لماذا لا يفهم ذلك الآخرون ولكن السؤال كيف سنتذكر ذلك في الرأي.. في الضمير الإسرائيلي أعتقد أنه لم يكن مفروضا استخدام العنف وقد أظهر الجنود بعض الحساسية ولكن حتى نكون واقعيين من الممكن طبعا أن ننتقد أي سياسي وطبعا في العالم العربي وفي العالم الغربي وفي إسرائيل وفي الولايات المتحدة السياسيون يمثِّلون أمام العدسات وهذا يحدث في كل الأماكن ولكن هذا لا يعني أن الدموع لم تكن حقيقية ولكن الناس كانوا حريصين طبعا حول الرسالة التي يقدمونها أمام عدسات التصوير، ما أثر ذلك على الرأي العام الإسرائيلي لا ندري حتى ولكن كثيرين من الإسرائيليين يقولون إنهم تعاطفوا مع المستوطنين ولكن حدثت حالات عنف ولكن من المبكر أن نتنبأ بالأثر ولكن هذه الحوادث أيضا عمليات سياسية كان الجميع يعون ما.. يعون ما يقولون أمام العدسات ولكن هذا جزء من العمل السياسي في كل العالم الغربي ولا أعتقد أنه ذلك في إسرائيل.

مالك التريكي: شكرا بروفيسور وولفستيفلد في القدس أستاذ عبد الباري عطوان لابد من الاعتراف بهذه الحقيقة الآن، الجانب الإعلامي أو التواصل الإعلامي الإعلام السياسي هو جزء لا يتجزأ من السياسة المعاصرة الآن وما فعله الجيش الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية هو كل ما تفعله الحكومات الغربية أنها تستخدم الإعلام لإيصال رسالتها واستخدمته بطريقة متقنة ربما وكان هنالك تحذير ما قبل حوالي عام لهذه المسألة لأنها تندرج في إطار استراتيجية سياسية فحسب البروفيسور وولفستيفلد أن الرأي العام الإسرائيلي لا يمكن الآن تقدير ما إذا كان قد انطلت عليه هذه العملية أم لا هنالك رهان هناك حول شرعية ما تم ويبدو أن الحكومة الإسرائيلية قد حققت أهدافها، بالنسبة لك أنت هل ترى أن من أهداف هذه المسرحية أو هذه.. هذا السيناريو هو تلميع صورة الجيش الإسرائيلي لأن الجيش الإسرائيلي صورته كانت أنه يكسر عظام الأطفال في الانتفاضة الأولى، الجيش الإسرائيلي هو الجيش الذي تظاهر ضده مئات الآلاف من الأوروبيين قبل عامين بعد مجزرة جنين هذا هدف رسمي بالنسبة للحكومة، أليس هدفا شرعيا بالنسبة للحكومة الإسرائيلية؟

"
الحكومة الإسرائيلية توظف الإعلام لخدمة أهدافها فالرسالة التي تريد إيصالها للعالم أن الانسحاب من غزة صعب جدا ومؤلم، لذلك سيكون الانسحاب من الضفة الغربية مستحيلا
"
   عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان: لا شوف يعني الحكومة الإسرائيلية من حقها أن تخطط وأن توظف الإعلام بما يخدم أهدافها الرسالة التي تريد هذه الحكومة إيصالها ليس فقط للإسرائيليين وإنما أيضا للعالم أنه الانسحاب من غزة صعب جدا ومؤلم فلذلك سيكون الانسحاب من الضفة الغربية مستحيلا يعني إذاً إجلاء ثمانية آلاف مستوطن أخذ كل هذا الألم في داخل إسرائيل مثل ما صوروه وداخل الجيش الإسرائيلي وداخل الحكومة الإسرائيلية وشفنا الأطفال وبكى وتعبئة فكيف سيكون إخلاء مثلا أربعمائة ألف مستوطن من الضفة الغربية هذه الرسالة اللي حبوا اللي حب الإعلام أو الحكومة الإسرائيلية توصلها للعالم وليس فقط للرأي العام الإسرائيلي، الخطورة أنه هذه للأسف هذا الطعم ابتلعه الإعلام العالمي يعني المشكلة أنه لما تشوف مثلا زي الـ(BBC) ولا الـ(CNN) ومثلا (Sky News) تغطية مباشرة لهذا كل خطوة كل مستوطن كل مثلا جندي كل واحد بيجروه على الأرض يعني ومؤثرة جدا ودون الالتفات إلى الرأي الآخر طيب الإعلام الغربي يقول إنه هو متوازن أنه إعلام يعني حيادي بشكل أو بآخر طيب الحيادية لماذا لم يذهب هذا الإعلام مثلا إلى رفح مثلا ويرينا اللي هي البيوت المدمرة على خط المواجهة زي مثلما يقولوا فيه مثلا، لماذا لم يذهب هذا الإعلام مثلا إلى جباليا وحيث ارتكبت مجازر من قبل هذا الجيش الإسرائيلي الرحيم الرؤوف بالمستوطنين، يعني طيب أنتو التوازن هو يعني مثلما يقولون من سمة الإعلام الغربي لكن في تقديري هذا الإعلام سقط لم يكن متوازنا، طبعا هناك بعض الاستثناءات يعني حتى أكون منصفا مثلا القناة الرابعة في التليفزيون البريطاني ذهبت إلى البيوت المدمرة في رفح وقالت هذا ما فعله الجيش الإسرائيلي وأيضا قالت إنه هذا الجيش لم يعط سكان هذه البيوت إلا خمس دقائق قبل تدميرها يعني هذا صحيح..

مالك التريكي [مقاطعاً]: وبعض القنوات أيضا ذهبت إلى عائلة محمد الدرة الطفل الذي قُتل.

عبد الباري عطوان [متابعاً]: طبعا بعدين أيضا يعني كمان المشكلة كمان بيوروا الجانب الإنساني للمستوطنين اللي بيعتقدوا أنه هؤلاء عندهم جانب إنساني مخرجون من بيوتهم، لم يقولوا إنه هؤلاء أخذوا تعويضات مجزية جدا، لم يقولوا إنه هؤلاء نقلوا بباصات مكيفة، لم يقولوا إنه هؤلاء نقلوا إلى فلل فخمة بينما لما عند أسرتي هُجرت من فلسطين عام 1948 وآلاف الأسر مثل أسرتي مثلا ما قالوش إنه ها دولا هُجروا بعد مذابح في دير ياسين ما قالوش إنه هؤلاء يعني لا كانت باصات مكيفة ولا كانت تعويضات ولا كان منازل ولا حتى خيم يعني الخيم جاءت في مرحلة لاحقة بعد ذلك يعني هذا كنا ما نريده من الإعلام أن يقول لا أنه لم يحدث، أيضا الشيء الثاني مثلا ما قالوش إنه منطقتين أو نصف قطاع غزة اللي خان يونس ورفح على وجه التحديد كان الشاطئ على بعد كيلومتر منهم ولم يستطيعوا أن يروا الشاطئ لمدة خمس سنوات تخيل خمس سنوات ممنوع أن ترى شاطئ البحر لأبناء خان يونس ولأبناء رفح ما قالوا هذا، تخيل لو هذا قالوه الإعلام الغربي أو الإعلامي قاله للمواطن الغربي اللي يحوِّش كل السنة عشان يروح له أسبوع عشان يشوف البحر هؤلاء.. البحر اللي تربوا عليه على بعد كيلومتر منهم ومش قادرين يشوفوه يعني هما ركزوا على إنسانية المستوطن ونسيوا اللي هو ضحايا هذا المستوطن نسيوا ضحايا دولة هذا المستوطن اللي ارتُكبت اللي يعني دمروا بيوتهم شردوهم من أرضهم وأيضا بس أريد أن أذكِّر بأنه قطاع غزة هذا قطاع غزة مائة وخمسين ميل مربع ثلاثمائة وستين كيلومترا مربعا هذا يجسد أقل من 2% من فلسطين التاريخية وبعدين ما حدش مثلا تحدث قال إنه هاي المستوطنات هذه المستوطنات كانت على خزانات المياه في قطاع غزة يعني أقاموها خصيصا على أحسن أرض أحسن شوارع على خزانات المياه يعني كان المستوطنين بيسبحوا في برك سباحة وبيتنعموا فيها بينما الفلسطينيين وعندهم البحر وبرك السباحة بينما الفلسطينيين ما عندهمش ماء يشربوا يعني هذا المأساة كنت أتمنى مثلا أن الإعلام الغربي الإعلام المحايد الإعلام الموضوعي الإعلام المتقدم أن يتحدث عن هذه..

مالك التريكي: يعطي الصورة بالتفصيل.

عبد الباري عطوان: يعني الصورة كاملة أيضا الإعلام العربي أيضا كنت أتمنى لو كان أكثر موضوعية في تغطية هذه الجوانب.


عدم توازن تغطية الإعلام الغربي

مالك التريكي: سيد تيم لويلن بالنسبة للتغطية الغربية تندرج في إطار نمط في التغطية معروف وهو قديم هو أن مسألة الضحايا لا ينظر إليها بنفس الدرجة عندما يكون الضحايا غربيين يصبح لهم أسماء وأعمار وقصص ونعرف عنهم كل شيء قُتل فلان الفلاني ابن فلانة الفلانية ونعرف كل شيء عنهم بحيث هناك عمق للشخصية.. للضحية، عندما يكون الضحية فلسطيني أو عراقي أو من العالم الثالث بصفة عامة يصبح إحصاء فيقال قتل 13، اليوم قيل قتل خمس فلسطينيين ليس لهم سُمك ليس لهم عمق.. ليس لهم عمق إنساني مثلا هدم البيوت في غزة وفي غيرها لم نسمع به في الغرب إلا عندما قُتلت ناشطة السلام الأميركية ريتشل كوري التي جرفتها جرافة إسرائيلية عندما تنسف البيوت وعندما قتل الشخص البريطاني توم هاندول الذي حاول.. كان ناشط سلام وحاول أن ينقذ طفل فلسطيني وعندما قُتل موظف في الأمم المتحدة البريطاني جيمس ميلر، أيضا هنالك الغرب والجرائد هنا بصفة عامة صارت تعطي نوع من العمق للموضوع، ألا يدل هذا عن نوع من التمركز حول الذات أننا نرى الأشياء بعمق وفي صورة كاملة عندما تحدث لناس يشبهوننا عندما تحدث لناس لا يشبهوننا لا ينتمون إلى ثقافتنا إلى حضارتنا فهي ليست مهمة؟

"
التغطية الإعلامية للأحداث في فلسطين محدودة ويعود السبب في ذلك إلى العوائق التي يواجهها الصحفي للوصول للضفة الغربية
"
           تيم لويلن

تيم لويلن: نعم استعملت أنت العبارة التي استعملتها أنا كثيرا بخصوص التغطية الإعلامية بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وهو أن إعلامنا ينتمي إلى أناس مثلنا يشبهوننا ويتعاطفون مثلا مع من يُقتل في قنبلة هنا أو طفل أمام محل.. متجر في لندن ونذهب إلى الجنائز ونرى الجنازات في إسرائيل ولكن إذا ما حدثت مآسٍ فلسطينية فإن الإعلام يكون محدودا مثلا وذلك ربما بسبب الحدود التي يواجهها الصحفي في الوصول إلى الضفة الغربية، نحن نرى أحيانا أشياءً لا نفهمها وتحتاج إلى شرح مثلا الضحايا الفلسطينيين لا يُعطون التفاصيل أو اللمسات الشخصية التي تعطى للضحايا الإسرائيليين، من الشكاوي التي قدمتها أنا حول التغطية هو أننا لا نغطي القصة بطريقة صحيحة أي أن الإعلام الغربي لا يغطي الضفة الغربية من الداخل، نرى مثلا الرواية الفلسطينية من خلال الإسرائيليين أعتقد أن وسائل الإعلام تتلاعب في هذا الشأن وتسير مع المسرحية التي صورتها إسرائيل وكنا نحتاج إلى تعليق من الطرف الآخر كما قال السيد عطوان، نحتاج إلى أن نعرف حول ماذا كل هذه الرواية وأريد أن أعلق على السيد وولتسفيلد أن هذه المسألة ليست فقط من أجل الإسرائيليين لأن الإسرائيليين يعلمون جيدا أن هناك ثلاثة آلاف صحفي يريدون أن يُظهروا للعالم في الخارج كم هم إنسانيون وشجعان ومسالمون الإسرائيليون في التزامهم في خارطة السلام، أعتقد هذه هي المسرحية وأعتقد أن الصحافة الغربية ساعدتهم في ذلك لكن أعتقد أن قدرتنا على انتقاد إسرائيل أقل من باقي إنحاء العالم.

مالك التريكي: هل القدرة النقدية عند الإعلام كانت أقوى قبل الحادي عشر من سبتمبر بمعاينتك وبحكم تجربتك؟

تيم لويلن: أعتقد أن هذا الميول في الصحافة الغربية وأتكلم عن الصحافة البريطانية مثبطة للهمم وأعتقد بأن ذلك بدأ منذ انتفاضة الأقصى وساء الحال أيضا منذ 11 سبتمبر الذي استغله الإسرائيليون وشارون وطبعا الآن واجهنا الصعوبات في لندن والمتفجرات، لا يمكن أن ننكر وجود هذا الميل بين الشعب البريطاني وبين الشعب المسلم، كل هذا لعب لصالح إسرائيل وكذلك الصحافة تعامل قضية الشرق الأوسط بحرص شديد.

مالك التريكي: شكرا السيد تيم لويلن، سيداتي سادتي أنتم تشاهدون برنامج أكثر من رأي، سوف نعود بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

مالك التريكي: أهلا بكم من جديد أنتم تشاهدون برنامج أكثر من رأي وحلقة اليوم مخصصة للانسحاب من غزة بين محدودية الحدث وهوليوودية المشهد وأتوجه بالسؤال إلى البروفيسور غادي وولفستيفلد في القدس، بروفيسور وولفستيفلد ما رأيك أنت ذكرت أن كل ما سميته بالإعلام السياسي.. الاستراتيجية التي انتهجها الجيش الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية في تغطية إخراج المستوطنين هي موجهة للرأي العام الإسرائيلي، الأستاذ تيم لويلن يقول لا بالنسبة للرأي العام الإسرائيلي الأمر محسوم والأمور واضحة أن هؤلاء المستوطنين يكلفون الدولة غاليا وكثير من الناس يريدونهم أن يخرجوا من هناك لكنها موجهة إلى الرأي العام الغربي لأن صورة إسرائيل والجيش الإسرائيلي تضررت تضررا بالغا خلال الأعوام الماضية خاصةً بعد مجزرة جنين؟

غادي وولفستيفلد: أولا أريد أن أوضح أنني لم أقل إنها موجهة فقط للشعب الإسرائيلي ولكن معظمها طبعا للشعب الإسرائيلي.. المستوطنون طبعا لم يتحدثوا للعالم لأنهم يعرفون أن العالم لا يتعاطف معهم، الجيش معك حق كانوا منضبطين بالنسبة للمستوطنين ولأنهم يعرفون أنهم يتحدثون للعالم، أعتقد أن مستقبل شارون السياسي في خطر وأنه ربما لن يُنتخب رئيسا للوزراء بسبب ما حدث، سوف يقرر الإسرائيليون أيضا بعد الانسحاب من الضفة الغربية وسوف نرى إذا كنا سنسير على طريق السلام أم لا، هذه ليست طبعا نهاية العملية ماذا سيحدث في المستقبل، أريد أن أشير أولا إلى مسألة الانحياز لأنني أشعر بقلق من النقاش الدائر.. كيف نشاهد التلفزيون؟ نحن نشاهده من حيث إن كل ما نقبله مقبول وكل ما نعترض عليه هو انحياز، لو وضعت مجموعة من الفلسطينيين في غرفة ومجموعة من الإسرائيليين في غرفة فإنك تسمع من لكل منهم رأيا مختلفا حول ما يشاهدونه، أنا طلبتي اليهود والفلسطينيين ليسوا هم أفضل القضاة على الانحياز، أعتقد أن المسألة تتعلق بما إذا كانت.. مثلا إذا كانت الصحف البريطانية موالية لإسرائيل كما يقال لماذا إذاً استفتاءات.. استبيانات الرأي للشعب البريطاني تشير إلى تأييد للفلسطينيين وليس لإسرائيل فكيف يقال إن الإعلام في بريطانيا مواليا لإسرائيل أو منحاز لإسرائيل؟ إذاً.. علينا إذاً أن نفترض أن الصحافة البريطانية لا أثر لها على الشعب.. مقياس الانحياز يختلف كثيرا والكل يريد طبعا يريد وجهة نظره أن تعرض على التلفزيون الأميركان والإسرائيليين والبريطانيين والفلسطينيين ولكن من الناحية الصحافية الأهم هو القصة نفسها، أين هي الدراما في القصة وفي كل هذه ما شاهدناه من الناحية الصحافية إلى جانب الأجندة السياسية هي ما هو أهم شيء في هذه القصة.. البعض يساعد طرف والبعض يساعد طرف آخر..


تأثير غياب السياق على التغطية الإعلامية

مالك التريكي: أنت سبق لك بروفيسور وولفستيفلد أنك نشرت كتابا بعنوان الإعلام والطريق إلى السلام ودرست فيه دور الإعلام في ثلاث عمليات سلام، عملية السلام أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين، عملية السلام بين الأردن والإسرائيليين وعملية السلام في أيرلندا الشمالية ووجدت أن دور الإعلام بصفة عامة في عملية أوسلو كان أقل إيجابيةً منه في العمليتين الأخيرتين للسلام، ما رأيك في هذا الدور الآن خاصة في ذكرك للسياق لأن مسألة السياق مهمة ليس بمجرد توسيع المدى الزمني لكن بالعمق السياسي والتاريخي؟

غادي وولفستيفلد: ما قلته في الكتاب هو أن هناك تناقض بين حاجات السلام وبين حاجات عملية السلام، السلام يحتاج طبعا إلى الهدوء ويحتاج إلى غياب العنف ولكن وسائل الإعلام تهتم طبعا بالعنف وهنا أيضا مثال كبير أن الإعلام يهتم بما يثير الإعلام.. الأهم أن الإعلام يهتم بالحالات الدرامية هناك إذاً تناقض أنه بمجرد أن ينهار السلام بين دولتان فإن الصحفيين يفرون معظم الناس في إسرائيل يعتقدون أن الصحافة كانت موالية لأوسلو لأنها أكدت على التطرف والكراهية من أجل أن تستقطب الجمهور، أعتقد أن التناقض بين صياغة الأخبار وبين صياغة عملية السلام تتناقض أعتقد أن الوضع مختلف لأسباب عديدة ذكرت أنا اثنتين، أولا هناك صحافة مشتركة مثلا ما يحدث في أيرلندا الشمالية مخالف.. يختلف عما يحدث هنا بين الإسرائيليين والفلسطينيين، في أيرلندا الشمالية الصحافة تخاطب الطرفين وتحاول أن تسد الثغرة بينهما ولكن بالنسبة هنا فإن الصحافة الإسرائيلية تتحدث للإسرائيليين والصحافة الفلسطينية تتحدث للفلسطينيين وكل منهما يؤيد وجهة نظر الآخر، أعتقد أن الصحافة الإسرائيلية أيضا تهتم بالإثارة مثل الصحف الغربية لأن هذا لا يساعد السلام.

مالك التريكي: شكرا البروفيسور وولفستيفلد في القدس، أستاذ عبد الباري عطوان مسألة (Context) ما ذكر عن السياق طبعا السياق مفهوم صحفيا فنيا مجرد أنه الموازنة موازنة ما بين رأيين وربما آخر بعد زمني بثلاثة أيام، نحن هنا نحكي عن مسألة عويصة وتستحق بعد زمني تاريخي عميق، عندما نرى الصورة، الصورة يقال عادة أنها تساوي ألف كلمة وهنالك اعتقاد سائد عند كل المجتمعات أن الصورة صادقة الصورة أمينة لأنها تعكس الواقع كما هو، الآن مع تطور تقنيات الإعلام صارت الصورة تعيد خلق الواقع لأن الصورة لا تصور واقعا، ما شهدناه مثلا في غزة هو فوق الواقع سريالي ولا علاقة.. لذلك أنا سميته مشهد هوليوودي بينما الحدث محدود، تفسير البروفيسور وولفستيفلد هو أن هذه طبيعة الإعلام والإعلام يبحث عما يثير ليس بالضرورة لأن له رغبة في الانحياز لهذا الطرف أو ذاك ويستغرب من قولك وقول الأستاذ تيم لويلن أن الإعلام البريطاني ضد الفلسطينيين أو مع إسرائيل لأنه يعتبره مؤيدا للفلسطينيين.

عبد الباري عطوان: شكرا، أولا أُجرت دراسة في جامعة أدنبرة وصديقي الزميل تيم لويلن كتب عرض عنها في جريدة الجارديان أثبتت بأنه 95% من نشرات الأخبار في محطة التلفزيون البريطانية الـ(BBC) منحازة لإسرائيل، هذه دراسة علمية موثقة من جماعة أدنبرة وأعتقد أن زميلي يعرف أكثر مني عن هذا الموضوع، النقطة الأخرى يعني أنا أختلف مع البروفيسور وولفستيفلد بأنه الإعلام يعني لا يبحث عن السلام لأنه السلام ممل بينما القتل فيه إثارة لعدة أسباب أنا في تقديري إنه الإعلام والإعلام الغربي على وجهة التحديد عنده أجنده.. أجنده مسبقة وهذه الأجندة.. أجندة وطنية تتبع سياسات الحكومات مثلا يعني في العراق فيه حرب في العراق فيه تفجيرات يوميا في.. الإعلام الغربي يعني لم يهتم بهذه التفجيرات بالقدر اللي اهتم به مثلا في الانتخابات في العراق بالقدر اللي أهتم فيه بالبرلمان اللي هي مسودة الدستور مثلا يعني الآن في اهتمام كبير جدا بمسودة الدستور بينما التفجيرات في العراق ربما تحظى بخبر سريع جدا، باكستان حاليا أفغانستان.. أفغانستان كانت في يوم من الأيام اللي هي في كل تلفزيون في كل إذاعة في كل صحيفة.

مالك التريكي: مقتطفات.

عبد الباري عطوان: إلى أن أحد يحكي عن أفغانستان رغم إنه في حرب في أفغانستان حرب وعمليات يوميا وناس تقتل وأمن منعدم ولوردات حرب سيطروا على البلد وإنتاج الأفيون تضاعف عشر مرات بلد في حالة فوضى كاملة فليس.. أنا في تصوري ليس صحيح إنه لسلام (Boring) أو ممل بينما الحرب مثيرة طبعا هذا صحيح لكن هناك أجندة خاصة زي ما في اللي هم دول بيحطوهم مع المزروعين مع القوات للسيطرة على الأخبار وفلترتها وتوجيهها نفس الشيء يعني فجأة أصبح فيه اهتمام كبير جدا في الإجلاء من غزة لأنه فيه أجندة.. فيه أجندة غربية تريد أن تقول للفلسطينيين وللعرب إنه صحيح إحنا متورطين معكم في العراق لكن إحنا نضغط على إسرائيل وهي إسرائيل تنسحب وتطبق خارطة الطريق يعني عمليا ليس كل ما نفعله نحن سيئا يعني، هذا الشيء اللي يريدوا إيصاله فأنا لا أختلف أن هناك أجندة وهذه الأجندة مدروسة بشكل عناية بشكل فائق والصورة أو التلفزيون تحاول تأكيد هذه الأجندة بطريقة أو بأخرى وتصب في نهاية المطاف في مصلحة المشروع الإسرائيلي وهذا ما أردت أن أؤكد عليه في هذا، نعم الصورة لا تكذب بس كمان يعني الصورة الفلسطينية الأخرى مش موجودة يعني مثلا لماذا لم تذهب التلفزيونات الآن إلى غزة بعد الانسحاب مثلا؟

مالك التريكي: أستاذ عبد الباري أنا هنا في إطار توجيه السؤال للسيد تيم لويلن أقول إن الصورة تقدر أن تكذبك لأنك عندما تأخذ صورة امرأة تبكي مثلا صورة مركزة كاميرا مركزة على امرأة تبكي إنسانيا ربما تتعاطف معها لكن هذه المرأة ربما تكون لأنها ظُلمت أو اقتُلعت من بيتها ربما تكون لأنها سرقت شيء وأن الشرطة ألقت عليها القبض فالسياق هنا مهم طبعا الصورة تقدر أن تكذب والمونتاج والتركيب الصوري يقدر أن يكذب؟

عبد الباري عطوان: أنا أعرف يعني نحن لما رأينا في حرب الخليج الأولى سنة 1991 مثلا قبل غزو العراق ماذا حصل للبطة اللي هي أيسلندا أو بتاعت ألاسكا.. بطة ألاسكا في التلفزيونات البريطانية جابت بطة ألاسكا وصورتها في وسط بحيرة نفطية وقالت إنه هذا في العراق أو هذا في الكويت على وجه التحديد وخدعت الصورة خدعت الملايين في أنحاء العالم نعم هذا وُظفت الصورة لكي تكذب؟ طبعا تكذب ونحن نعرف أنها توظف.. وفيه هناك إدارة خاصة في.. اللي هي وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون إدارة خاصة من أجل الكذب ومن أجل التضليل وأيضا هناك مليار ونصف المليار مرصودة لإصدار محطات تليفزيونية أميركية وإذاعات أميركية وتمويل صحف ومحطات عربية وتلفزيونات عربية حتى تقدم صورة تكذب.

مالك التريكي: إذاً غياب السياق يؤدي إلى اجتزاء المعنى وغياب السياق هنا لا نحكي عن السياق التاريخي مرة أخرى لأنه عميق لكن السياق السياسي وقد أتيت على ذكر دف فايس جلاس مستشار رئيس الوزراء آرييل شارون، الغريب أنه لم يأت ذكر لذلك أبدا لأن المقابلة الشهيرة التي أدلى بها دف فايس جلاس لصحيفة هآرتس يوم ثمانية أكتوبر من العام الماضي الشهيرة التي فضحت كل شيء أن مسألة غزة هي غزة أخيرا وأنها تندرج في إطار منع إمكانية المفاوضات مع الفلسطينيين وإمكانية مناقشة القدس وإمكانية مناقشة عودة اللاجئين وإمكانية قيام دولة إسرائيلية وحصر المسألة كلها في 42% من الأراضي المحتلة مع إخراج القدس منها هذه هي خطة شارون لم يأت ذكر عليها، من الذي يمكن أن يقوم بذلك في الإعلام الغربي؟

"
المؤسسات الصحفية يجب أن تقول الحقيقة بشكل نقدي وتحليلي وأن تشك فيما تراه من صور
"
           تيم لويلن

تيم لويلن: أعتقد أنه ذُكرت هذه القصة خاصة في الغارديان اليوم هناك مقال مطول حول غزة أولا وغزة أخيرا وأنه من الآن فصاعدا لم نر شيئا ونسبت إلى سياسيين إسرائيليين ذلك الكلام، بيلن مثلا أنه لن يحدث شيء في المستقبل وأن الوضع في الشرق الأوسط خطير، إنني أهتم ليس فقط كصحافي إذا كان 50% من البريطانيين مع إسرائيل أو ضد إسرائيل هذا ليس مشكلتي، إن ما يقلقني هو أن ما أراه في الـ(BBC) وفي غيرها من المؤسسات المصدر الرئيس طبعا هي الـ(BBC) وال(ITV) باستثناء القناة الرابعة طبعا التي هي أفضل أنهم لا يقولون الحقيقة كاملة أنا لا يهمني شخصيا ولكن المؤسسات الصحفية يجب أن تقول الحقيقة بشكل نقدي وتحليلي وأن تشك فيما تراه من صور، إن ما.. الانطباع الذي أخذته من شركات التليفزيون في غزة أنها ابتلعت تلك الحيل ولم تشكك فيها، أنا عندما كنت في الشرق الأوسط كنت أنظر في كل شيء بشكل انتقادي لأرى.. لأتأكد لماذا يظهرون هذا أو لا يظهرونه ما هي الخلفية حول ذلك كيف أضع ذلك في مضمون صحيح للمشاهدين وللذين يستمعون إليّ، أعتقد أنه من المؤسف أن الصحافة الغربية الآن فشلت كثيرا في ذلك، أنها ليست انتقادية ولا تنظر بعين الريبة إلى هذه الأشياء.

مالك التريكي: شكرا سيد تيم لويلن وأتوجه بالسؤال إلى البروفيسور وولفستيفلد في القدس، بروفيسور وولفستيفلد نحن نعرف الآن بالنسبة للمستوطنين أن ما تم بالنسبة لهم هو مثلما عبَّرت عن ذلك الصحافية الإسرائيلية عامير هاس هو تغيير عنوان سكنية يعني كانوا يسكنون في غزة والآن سيسكنون في أراضٍ أخرى في الضفة الغربية لا يحق لهم أن يسكنوا فيها أو في الجليل وفي النقب حيث تريد الحكومة الإسرائيلية أن تستقوى ديمغرافيا على الفلسطينيين لأنهم أكثرية هناك بحيث تعدل الكفة لأن تعتبر العرب الفلسطينيين مواطني إسرائيل خطر ديمغرافي، هل الإعلام الإسرائيلي يقوم بإيصال هذه الرسالة إلى الرأي العام؟

غادي وولفستيفلد: أعتقد أن مسألة عدد المستوطنين ليس كبيرا ولذلك فإنه لن يكون لهم أثر على البلد أثر كبير مرة أخرى أقول عندما يقول لي أحد أن الضغوط كثيرة فإنني أشعر أن هذا النقاش كله يدور حول إسرائيل وسياسة إسرائيل ولكن أيضا عليك أن تتوقع الصحافة في العالم العربي والفلسطينيين هذه نقطة هامة، النقطة الأخرى أنني أتفق أن جميع الصحفيين يهتمون طبعا بما.. بمن ينتمي إليهم، إسرائيل أيضا وضعت صحفيين ملحقين في بين قواتها وكذلك الأميركيين وضعوا صحفيين ملحقين معهم، النقطة الهامة هي أنه لا يبدو أن أحدا سعيد بما شاهد كل شخص يريد أن يقول شيء مختلف ولكن ما هو الشيء الذي لم نجده في ذلك العرض البعض يقول أن هذه مكافئة للإرهاب مثلا الانسحاب ويريدون تركيز أخر على أن الوعود التي أعطيت بالنسبة للسلام دعوني أعود إلى هذا الموضوع إذا كان السلام سيتم أم لا كم من الصحفيين مثلا حصلوا على جوائز دولية لتغطيتهم الصحفية حول موضوع السلام؟ ما هي الحوادث التي تجعل الصحفي مشهورا؟ هي أخبار الحرب.

مالك التريكي: معروف أستاذ وولفستيفلد طبعا معروف موتريزم بلوم الصحفي الأميركي القدير له تعبير عن هذا يقول إن الأخبار هي إما الانقلابات أو الكوارث والزلازل يعني العنف الطبيعي أو العنف البشري معروف هذا لكن بحكم تخصصك في الدراسات الإعلامية طبعا هنالك الرأي الشهير مؤكد لك اطلاع على ذلك الرأي الشهير لدي ديبور المحلل الاجتماعي الفرنسي في كتاب مجتمع الفرجة الذي يقول فيه أن الفرجة المشهد.. خاصة المشهد التليفزيوني هو الأيديولوجيا بلا منازع لأن الإنسان المعاصر ليس له تجربة مباشرة بالواقع الآن معظم تجربته تأتي عن طريق ما ينقله له التليفزيون بما أنه ليس له وسيلة للتحقق من كل شيء فهو يتأثر تأثرا كبيرا والانطباع العام الآن أن الإعلام ليس بريئا في ذلك وهنا نحكي عن الإعلام بصفة عامة.

غادي وولفستيفلد: أنا أتفق أن مسألة الإعلام في جميع الدول خلال خمسين سنة الماضية مسألة معقدة إلى أي مدى مثلا الإعلام يعزز القيم وإلى أي مدى يغير تلك القيم عادة التغيير السياسي يحتاج إلى تغيير إعلامي لقد قلت أن الإعلام عليه أن يروي قصة تهم المشاهد وتكون مقبولة ثقافيا أي أن العبارات المستعملة ومثل ما حدث في إسرائيل من مشاهد أعتقد يحدث في أي مكان آخر، أعتقد أن من القضايا الهامة التي حدثت في إسرائيل ولنتحدث عن غياب المضمون أو السياق هو أن هذا التركيز على القصص الشخصية جعل الناس لا يتساءلون عن المسائل التي نناقشها هنا ما هو المستقبل؟ أين هي خارطة الطريق؟ لأن القصص الشخصية كانت هي الأهم والأكثر إثارة، سأتحدث عن طغيان الصورة، إن ما حدث مثلا امرأة توفيت اليوم أحرقت نفسها حية احتجاجا على ما نسميه فك الارتباط التي تسمونها أنتم الانسحاب الإسرائيلي لأن ذلك لم ينشر على التليفزيون فإن أحدا لا يدري بهذه القصة حتى في إسرائيل لكنها لو صورت فإنها ستكون قصة رئيسة في كل الصحافة أي أن هذه هي قوة الصورة ما هي الصور التي أُخذت؟ ما هي الصور التي عرضت؟ هذه هي أهم من أي عقيدة أو ما سمعته تلميحا وجود مؤامرة من الحكومة أو كذا، أعتقد أنني دائما أسمع عن قصص مؤامرات.

مالك التريكي: شكرا البروفسيور وولفستفيلد في القدس ونختم بسؤال الأستاذ عبد الباري عطوان، بقى لنا دقيقتان مسألة ما سماه البروفسيفور وولفستيفلد بقصة ثقافية لها عمق ثقافي ما يسميه النقاد بالسرديات والمرحوم إدوارد سعيد كان له تحليلات في ذلك، نحن عربا ليس لنا سرديات كبرى لأننا لم نتقن الفن السينمائي على الأقل على المستوى الكمي إن هنالك نوعية كالفن السينمائي والفن المسرحي والفن الإعلامي ما زلنا لم نتقنه اتقانا كبيرا فقصتنا.. سردياتنا يعني قصتنا التاريخية بعمقها لا تصل للعالم، نحن مقصرون؟

عبد الباري عطوان: نعم نحن مقصرون لسبب بسيط لأنه إحنا لم نجد صناعة الإعلام لم نجد صناعة الإعلام لأن الأنظمة العربية وظفت الإعلام من أجل اللي هو خداع الشعب العربي يعني إحنا ما كانش عندنا إعلام حر ما كانش عندنا فن إعلام حتى ما كانش عندنا كليات إعلام حتى كليات الإعلام أصبحت بس في العشر سنوات الأخيرة انتشرت مثل الجدري في كل الجامعات العربية قبل ذلك لا يوجد، حتى الإعلامي نفسه ما كانش فيه تخصص شيء اسمه إعلام الدكتور ممكن يكون إعلامي المهندس ممكن يكون إعلامي الميكانيكي ممكن يكون إعلامي كل من يكتب مقال في الصحافة أصبح إعلاميا من أيضا يكتب مقال ممكن يكون رئيس تحرير أيضا من يكون رئيس تليفزيون يعني حتى شفت أن معظم القادة التليفزيون أو رؤساء التليفزيون كانوا من الجهلة حتى من رجال الأمن من رجال المخابرات وليسوا من أصحاب العلم يعني لم يتم بالاعتراف بالإعلام كمهنة إلا بس في العشر سنوات الأخيرة شاهدنا قنوات مستقلة أو شبه مستقلة تحاول أن تقدم سرديات اللي تفضل فيها يعني لا يوجد تراكميا، تراكمية إعلامية عند العرب بينما عند الإسرائيليين أتوا من مجتمعات متقدمة الأميركان طبعا اكتشفوا الإعلام وكانوا أساتذة في هذا الإطار بريطانيا نفس الشيء، النقطة الأخرى أن هو الإعلام أصلا بدون ديمقراطية لا يمكن يتقدم وإحنا ما كانش عندنا ديمقراطية ولا كان عندنا حرية القول ولا عندنا حرية الرأي ولا الرأي الآخر يعني ولا برلمانات فكيف سيكون هناك إعلام بس أن الرئيس يخاطب الشعب لمدة أربع ساعات.

مالك التريكي: شكرا الأستاذ عبد الباري عطوان، سيداتي سادتي بهذا يبلغ برنامج أكثر من رأي تمامه، لم يبق لي إلا أن أشكر الأستاذ عبد الباري عطوان رئيس تحرير القدس العربي في لندن والمراسل السابق للـ(BBC) في الشرق الأوسط الأستاذ تيم لويلن ومن القدس أستاذ العلوم السياسية والإعلام بالجامعة العبرية البروفسيور غادي وولفستيفلد، هذا مالك التريكي يحييكم من لندن، دمتم في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة