الصادق المهدي.. تداعيات الوضع في دارفور   
الأحد 1426/3/15 هـ - الموافق 24/4/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:43 (مكة المكرمة)، 9:43 (غرينتش)

- أزمة دارفور وتدويل الشأن السوداني
- العنف.. الضغط الخارجي وأزمة الحكم

إسلام صالح: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته نرحب في هذا اللقاء بالسيد الصادق المهدي رئيس الوزراء السابق ورئيس حزب الأمة السوداني المعارض، سيد الصادق في ظل اهتمامنا بالشأن السوداني نرى أن الوضع المتأزم في دارفور قد فرض ضغوطا دولية على الحكومة السودانية وفي هذا الإطار يوافق حزبكم على قرار مجلس الأمن أو يؤيد قرار مجلس الأمن القاضي بإحالة المسؤولين عن جرائم الحرب في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، نريد أن نعرف ما هي الحيثيات التي انبنى عليها موقف حزب الأمة من هذا القرار؟

أزمة دارفور وتدويل الشأن السوداني

الصادق المهدي – رئيس حزب الأمة السوداني المعارض: شكرا يا أخ إسلام، نحن نشكر الجزيرة على اهتمامها بالشأن السوداني ونقول الشأن السوداني الآن محاصر بالقرارات والاهتمامات والمتابعات والوصايات الدولية، اتفاقية السلام نفسها.. دعك من دارفور اتفاقية نصت على طلب الأمم المتحدة أن تلعب دورا شاملا كاملا في الشأن السوداني بعدد كبير من القوات المسلحة والشرطة وهذا ما تم إقراره في مجلس الأمن ولم يقف مجلس الأمن في حدود طلب المفاوضَين.. الحكومة والحركة بالدخول في الشأن السوداني بموجب الفصل السادس وإنما تعدى ذلك للدخول في الشأن السوداني بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وهذا خطير جدا لأنه يعني انتداب، الشأن السوداني بخلاف ذلك الآن موزع على عواصم العالم، أشياء آتية من ألمانيا وأشياء آتية من أوسلو وأشياء آتية من نيفاشا وأشياء آتية من القاهرة وأشياء آتية من جانبنا وأشياء آتية من أبوجا، الشأن السوداني كله الآن شأن خارجي مدوَّل هذا واقع الحال، نحن وصلنا إلى هذه المرحلة التدويل صار ضرورة بسبب العجز، أما مسألة دارفور فهي الآن تشكل وجها آخر من وجوه التدويل ووجه خطير لماذا؟ لأن العجز في إدارة المشكلة.. العجز في إدارة الأزمة في دارفور أدى إلى حالة من المأساة الإنسانية غير المسبوقة في السودان، هنا التدويل دخل من باب هذه المسألة المأساة الإنسانية، نحن أصلا كنا قبل هذه التطورات نقول يجب أن تقوم في العالم محكمة جنائية دولية، درسناها وطالبنا بها حتى قبل أن تُجاز دوليا لأن منطقتنا معرضة لمثل هذه النوع.. هذا النوع من المخالفات والتعديات على حقوق الإنسان فعندما أقرَّت الأسرة الدولية المحكمة الجنائية الدولية أيدناها وطالبنا السودان أن ينضم إليها ويصادق عليها ثم جاءت مشكلة دارفور والمأساة في دارفور وكنا أيضا منذ أكثر من عام طالبنا بضرورة تقويم لجنة نتفق عليها جميعا.. قومية للتحقيق العادل ولإنصاف المظلومين ولكن سُفِّهت كل هذه الآراء.

إسلام صالح: لماذا أيدتم هذه المقترح؟ يعني كان بإمكان الحزب أن يؤيد الموقف الذي يدعو إلى تقديم هؤلاء المسؤولين إلى القضاء السوداني؟

الصادق المهدي: كان ممكن لكن القضاء السوداني يا أخي منذ أن جاء هذا النظام وهذا النظام اعتدى على أشياء كثيرة، قومية القوات المسلحة، قومية الخدمة المدنية وضمن ما اعتدى عليه من أسس اعتدى أيضا على استقلال القضاء، أعفى عدد كبير من القضاة وعيَّن قضاة من ذوي التزام حزبي، المهم أنه ضمن كل ما تفعل القوى أو الحكومات الشمولية، هذه مسألة طبيعية الحكومات الشمولية لأنها شمولية لا تعترف بالفصل بين السلطات وتجعل من السلطة السياسية سلطة حاكمة على كل شيء لهذا السبب قَوَّضت استقلال القضاء، صحيح بعد ذلك في عام 1998 أجازوا دستورا أقرَّ استقلال القضاء ولكن هذا حدث بعد أن كانوا قد أفرغوا القضاء من كثير من القضاة وأدخلوا فيه كثير من القضاة الملتزمين سياسيا وهذه مسألة معلومة لدى.. السودان دُفع في الدراسات ويعلمون هم من كان منتميا ومازال منتميا حزبيا، على كل حال فيه شبهة.. نقول شبهة الالتزام الحزبي، ثانيا المحكمة الجزائية الدولية محكمة ذات صفات خاصة لأن قانونها يجعلها تحاكم أنواع من الجرائم غير موجودة في قوانين عادية، يعني أربع أنواع من الجرائم شن الحرب العدوانية،الإبادة الجماعية، الجرائم ضد..

إسلام صالح [مقاطعاً]: نعم وهذه المواد ليست موجودة في القضاء..

صادق المهدي: ليست موجودة في قانوننا.

إسلام صالح: نعم.

"
تكوين المحكمة لا يشكل اعتداءً على السيادة والمحكمة ستكون عادلة ومستقلة عن أي نفوذ عليها لذلك نحن نعتقد أنها آلية لاقتضاء العدالة أفضل من غيرها
"
صادق المهدي: الشيء الثالث وهو المهم أن عددا من المتهمين هم من المقاومة المسلحة وهؤلاء يقفون موقفا أصلا خارج القانون السوداني فلا يمكن أن يحاكَموا بالقانون السوداني، هم خارج القانون السوداني ثم هناك مواطنون غير سودانيين، لهذه الأسباب مجتمعة المنبر الأفضل هو المحكمة الجزائية الدولية، السؤال المشروع هل تكوين هذه المحكمة يشكل اعتداءً على السيادة؟ نقول لا لأن عدد كبيرا من الدول دخلت فيها باختيارها، السؤال الثاني هل هي محكمة عادلة ومستقلة من أي نفوذ عليها؟ الجواب نعم لذلك نحن نعتقد أنها آلية لاقتضاء العدالة أفضل من غيرها.

إسلام صالح: نعم لكن سيد الصادق البعض هنا يقارن بين موقفكم وموقف السيد محمد عثمان الميرغني الذي رفض قرار مجلس الأمن الذي يدعو إلى إحالة هؤلاء المتهمين إلى المحكمة الجنائية الدولية وكأن البعض ينظر إلى موقف حزب الأمة وكأنه يرحب بتدخل دولي ليحسم الصراع الدائر في السودان لصالح حزب الأمة.

صادق المهدي: أنا والسيد محمد عثمان لسنا توءمين..

إسلام صالح: نعم.

صادق المهدي: كلٌ بطريقته، السيد محمد عثمان مسؤول عما فعل ولكن.. لكن حزبه.. يعني نائب رئيس الحزب السيد على محمود حسنين جاءنا وقابلنا وقال إنه يقف مع هذه المحاكمة، السيد سيد أحمد الحسين الأمين العام للحزب قال كذلك فهذا موقف الحزب واتصل بي السيد السر.. حاتم السر الناطق الرسمي باسم التجمع الوطني الديمقراطي وقال كلاما مماثلا، فإذاً إذا تحدثنا عن المؤسسات التي.. المعنية بهذا الأمر، المؤسسات موقفها واضح في هذا الصدد، أما إننا نريد أن نصفي حسابات أو أننا نريد التدويل لأن الأسرة الدولية نريدها أن تقوم بواجبنا هذا شيء نحن نرفضه لأننا أصلا لا نعتقد أن هذا الأمر فيه تدويل بالمعنى الخبيث، الحقيقة إنه لا يستطيع هذا النظام أن يشكو من التدويل في الشأن السوداني بموجب القرار 1593 بينما أخضع البلاد لأنواع من التدويل المباشر التي لا يمكن لحكومة تخاف وتخشى على السيادة الوطنية أن تقبلها.

إسلام صالح: إذاً لماذا لم يحاول حزب الأمة الاستفادة من قاعدته الشعبية العريضة في دارفور لكي يسهم هذا الحزب في حل سلمي لأزمة الإقليم؟

صادق المهدي: حاولنا ألف مرة، كتبنا واتصلنا وطُفنا واقترحنا وجمعنا وحددنا ولكن لا حياة لمن تنادي، يعني طبعا نحن لا نملك السلطة التنفيذية ولا نستطيع أن نؤثر على قرار السلطة التنفيذية ولكن كل فكرة يمكن أن تساعد على حل المشكلة الإنسانية والمشكلة السياسية والمأساة القائمة في دارفور طرقناها وفي بعض هذه المذكرات قلنا للنظام قوموا بإجراءات عاجلة لبناء الثقة وحددناها ثلاثة أشياء يجب القيام بها فورا لبناء الثقة.

إسلام صالح: نعم وبماذا كانت الإجابة؟

صادق المهدي: أقول لك وقلنا لابد من اجتماع جامع يجمع كل الأطراف المعنية لاتخاذ قرار في أجنده دارفور وحددنا هذه الأجندة وقلنا للنظام في ذلك الوقت إذا وافقتم نحن سنسعى ونعتقد إننا سنجد استجابة من حركات المقاومة المسلحة في ظرف 72 ساعة لحسم هذه القضية سُفِّه الرأي، النظام مُصرّ على أن يحل المشاكل من زاويته، وحدة ينفرد بالحلول وده كله.. هذه نظرة عامة ينفرد بالحلول ويقسو على المعارضين ومُصر إصرارا كبيرا جدا إنه إذا سمح لأطراف أخرى أن تدخل في الأمر فلا تكون أطرافا سودانية تكون أطراف أجنبية، يعني مستعد أن يُدخل العالم كله في الشأن السوداني إلا السودانيين لأنه يعتبر أن دخولهم سوف يشركهم في الفضل، سوف يشركهم في ماذا؟ لا أدري لكن المهم يصر على إبعاد السودانيين ويهفو ويتلهف لإدخال غير السودانيين في الشأن السوداني.

إسلام صالح: نعم، على ذكر الجماعات المسلحة وصلتكم بها نود أن نسأل عن حقيقة علاقتكم بهذه الجماعات المسلحة في دارفور لكن نستمع للإجابة بعد الفاصل.


[ فاصل إعلاني]

العنف.. الضغط الخارجي وأزمة الحكم

إسلام صالح: مشاهدينا الكرام نجدد الترحيب بالسيد الصادق المهدي زعيم حزب الأمة السوداني المعارض، سيد الصادق كنا نسأل عن طبيعة علاقة حزبكم بالجماعات المسلحة في دارفور وهناك بعض العناصر الفعالة في حركة تحرير السودان مثلا وربما في حركة العدل والمساواة معروفة بانتمائها إلى حزب الأمة، هل يتبنى الحزب موقفين مختلفين عمل مدني سياسي داخل الخرطوم وعمل مسلح في منطقة دارفور؟

الصادق المهدي: طبعا لا، نحن منذ أن انفجر الوضع في دارفور اتخذنا موقفا واضحا، نحن ضد أساليب العنف لأننا اخترنا ما سميناه الجهاد المدني وصفتنا لهذا الجهاد المدني هو العمل بكل الوسائل ما عدا العنف ولكن عندما انفجر الوضع نحن جمعنا كل أبناء دارفور من داخل حزب الأمة ومن خارج حزب الأمة وجمعنا أيضا الدارفوريين في القوى السياسية الأخرى بمن في ذلك الذين في المؤتمر الوطني في دارنا وقلنا لهم يجب أن نبحث هذه القضية قضية دارفور ونحوْل دون هذا الانفجار واتفقنا على أننا نؤيد أن في دارفور مظالم وأنه ينبغي أن تُحل هذه المظالم وتعالج بصفة فورية ولكن لا نوافق على أسلوب العنف ولا أنفي أن يكون في داخل الحركتين أفراد كانوا في حزب الأمة ولكن ما فعلوه ليس ضمن التزامهم بحزب الأمة وإنما حرية الحركة من حزب إلى حزب وهذه موجودة في السودان كثيرا.

إسلام صالح: نعم، بعد صدور القرار الدولي الذي تقدمت به فرنسا لإحالة مجرمي الحرب إلى المحكمة الجنائية الدولية سارعتم بزيارة باريس، هل كان الهدف من هذه الزيارة هو الاستفادة من المناخ الدولي الضاغط على الحكومة السودانية؟

الصادق المهدي: رحلتي لباريس كانت مبرمجة قبل شهر من هذه التطورات وهي ضمن دعوة لحضور لقاء في اليونسكو في باريس لا دخل لها بالحديث مع الحكومة الفرنسية ولكن الحكومة السودانية للأسف تصرفت مع الفرنسيين بصورة غير رشيدة لأن الفرنسيين يشكلون خيارا آخر في المجال الدولي وهم استفادوا من هذه الحقيقة وكان الفرنسيون يعتبرون أنفسهم أصدقاء للحكومة السودانية والحقيقة هم استغربوا جدا لأنهم يعتقدون أن ما فعلوه بإحالة الموضوع للمحكمة الجنائية الدولية التي هي محكمة مستقلة ولا تخضع لأي إرادة خارجية، اعتقدوا أن في هذا حماية للنظام السوداني من المحكمة الخاصة التي كان يدعو لها الأميركيون التي يمكن أن تخضع لنفوذ دولة أو دول.

إسلام صالح: السيد الصادق دعنا نعود لأصل القضية.. أصل قضية الأزمات التي يمر بها السودان هي أزمة الحكم وافتقار البلاد لما يمكن أن يسمى بالإجماع الوطني وفي هذا الإطار الحكومة السودانية دائما كانت تُحمِّل السيد الصادق المهدي مسؤولية فشل عمليات الحوار بين المؤتمر الوطني الحاكم وحزب الأمة منذ توقيع اتفاق جيبوتيل الحكومة كانت دائما تقول إن السيد الصادق يتنصل من الوعود والتعهدات باستمرار الحوار.

"
نحن حكمنا السودان برضا أهلنا وبانتخابهم وليس بالدبابات وليس بالمفاجآت الليلية كما فعلت الحكومة الحالية
"
الصادق المهدي: لا يا أخي الحقيقة ليست كذلك، الحكومة اعتدت علينا، نحن حكمنا السودان برضاء أهلنا وبانتخابهم وليس بالدبابات وليس بالمفاجآت الليلية كما فعلوا، فهنا في البداية هم على باطل لأنهم وصلوا الحكم بأسلوب غير ديمقراطي لكن مع هذا نحن حاولنا قدر المستطاع أن نحاورهم، أما فيما يتعلق بأننا نغير رأينا ليس هذا صحيحا، نحن.. أولا أنا لا أتخذ قرارات وحدي، قراراتي كلها قرارات أجهزة وقرارات جماعية ونحن كان واضحا لدينا أن الحكومة تريد حلا، فيه أن تشركنا في الحكومة دون تغيير أساسي في الدستور ودون تغيير أساسي في القانون ودون تغيير أساسي في أي شيء، يعني ندخل نحن في مجلس الوزراء كضيوف والمجلس الوطني نحن غير ممثلين فيه، جهاز الدولة نحن غير ممثلين فيه، نحن ضيوف عليهم ويستطيعون أن يدخلونا وأن يرفتونا كما يشاؤون كما فعلوا مع آخرين، هذا الإذلال لا يمكن لحزب يبلغ قوى أضعاف.. أضعاف المؤتمر الوطني أن يقبل هذه الإهانة لنفسه، كنا دائما نقول يجب أن نبحث ليس فيمن يحكم السودان بل كيف يُحكم السودان ونريد أن نتفق على الدستور وعلى القانون وعلى قومية المؤسسات وضمن هذا نشترك ولكن كانوا يرفضون ذلك، النظام يريد أن يتفق مع الآخرين على أن يُبقي لنفسه السلطة والثروة وشركات أقاموها بصورة عجيبة جدا وهذا الأمر غير مقبول ليس لحزب الأمة ولكن لأي شخص يحترم نفسه سياسيا لا يمكن أن يقبل المشاركة في وضع هو فيه في قسمة بايظه.

إسلام صالح: سيد الصادق المهدي في ظل هذه الظروف أزمة دارفور وضع شائك، مازال في الجنوب وضع قد يتأجج في أي لحظة في شرق السودان، أزمة حكم في الخرطوم، كيف تنظر للسيناريو المحتمل الذي يمكن أن يفضي إليه المصير السوداني؟

الصادق المهدي: فيه سيناريوهات كثيرة بعضها أحمق وخطر جدا ممكن ناس يفكروا في انقلاب، ممكن ناس يفكروا في وسائل ثانية لكن كنا ولا زلنا نقول النظام يجب أن يقتنع أن حل مشاكل السودان ضمن رؤاه باحتقار السلطة والثروة وإبعاد الآخرين أو المناورة مع الآخرين إلى آخر هذه الأشياء، يجب أن تنتهي هذه الذهنية نهائية وأن يدركوا أن الإنقاذ بعهدها القديم وصورتها القديمة الاحتكارية الإقصائية للآخرين انتهت، إذا كان لهم عمر جديد فسيكون هذا العمر الجديد ضمن ما يمنحه لهم الشعب السوداني عبر انتخابات عامة حرة، في هذا الإطار نحن نقول الحل هو في ملتقى جامع ينظر لهذه المشاكل كلها ويدعو كل أهل السودان برعاية دولية لحسم مشاكلهم نهائيا وقفل الباب أمام مزيد من التدويل وقفل الباب أمام مزيد من تمزيق الوطن وقفل الباب أمام مزيد من الخطورة على البلاد.

إسلام صالح: السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة السوداني المعارض شكرا جزيلا لك وشكرا لكم مشاهدينا الكرام والسلام عليكم ورحمة الله.


جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة