ملف تأسيس دولة إسرائيل ج3   
الاثنين 1427/3/26 هـ - الموافق 24/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 10:29 (مكة المكرمة)، 7:29 (غرينتش)

- الاحتجاجات العربية
- مواقف الدول العظمى من فلسطين

- أطروحات وخطط تقسيم فلسطين

- الحركات الشيوعية بفلسطين


خطاب روزفلت إلى الملك عبد الله- مارس 1944: فيما يختص بفلسطين فلي السرور أن أنقل إليكم التأكيدات بأنه ليس في نية الولايات المتحدة الأميركية أخذ أي قرار بتغيير الوضع الأساسي في فلسطين بدون مشورة العرب واليهود التامة.

[تعليق صوتي]

داخل الأرض المقدسة كانت أحلام الاستقلال ومخاوف ضياع الوطن مشاعر متباينة تقض مضاجع أبناء تلك الأرض الحُبلى بهمومهم وبدلا من محاولات بناء المستقبل الآمن في الوطن كان التشبث به هو منتهى الأمل لكل مَن عاش هناك.

[تعليق صوتي]

ظلت الأحلام والأماني غير كافية لبناء دولة أو إبقاء الأرض تحت أقدام أصحابها، فما يحفظ الأرض من الزلزلة كان طريق شاق بدا مملوءًا بالصعاب والأشواك التي لم يقدر الكثيرون على مواصلة المشي فوقها إنها أشواك السياسة القاسية والمصالح المتداخلة كانت اللعبة كبيرة ولكل لعبة شروط.

الاحتجاجات العربية

[تعليق صوتي]

بعد استعراض المحاولات العديدة لقادة الحركة الصهيونية بمطاردة الاستراتيجية السوفييتية في الشرق الأوسط ودفعها إلى الارتماء في أحضان المشروع الصهيوني لإقامة الوطن القومي في فلسطين كان التساؤل الذي يلحّ على أذهاننا هو أين كان العرب وسط تلك الأنواء التي تتلاعب بمصير عرب فلسطين؟ ومن أجل العثور على إجابة كان الأرشيف السوفييتي هدف رئيسي للبحث والتنقيب عن إشارات حول هجوم عربي مضاد نحو السوفييت لجذب هذا العملاق الناهض إلى الأحضان العربية عِوضا عن انجرافه نحو رجال الوكالة اليهودية وهكذا حصلنا على بعض الشظرات التي ترفع عن العرب تهمة الغفلة عن رؤية المخطط، حيث يحفظ أرشيف وزارة الخارجية السوفييتية رسالة من نوفيكوف المبعوث السوفييتي في مصر إلى كافتراتزا نائب وزير الخارجية السوفييتية بتاريخ الخامس عشر من أبريل/ نيسان عام 1944 والتي تقول، في الأيام الأخيرة وردت إلى البعثة من كافة أنحاء مصر قرابة مائتين وثلاثين رسالة احتجاج على المحاولات لتحويل فلسطين إلى دولة يهودية والعدد نفسه من الرسائل تقريبا احتجاجا على تحويل الجزائر إلى مقاطعة فرنسية عن طريق منح الجزائريين الجنسية الفرنسية وقد بعثت بهذه الرسائل تنظيمات جماعة الإخوان المسلمين في المحافظات والأقاليم والمناطق المصرية ويتسم مضمون هذه الرسائل حول قضية فلسطين بما يلي؛ إن فلسطين بلد عربي إسلامي يعود إلى العرب أصلا بحكم غزوهم لها، لا يتمتع اليهود بأية حقوق تاريخية أو معنوية للمطالبة بفلسطين، إن إقامة دولة يهودية في فلسطين في قلب العالم العربي ترمي إلى تمزيق الوحدة العربية، إن تقديم الحلفاء المساعدة في إقامة الدولة اليهودية في فلسطين يتجافى مع الميثاق الأطلسي ويقضي على آمال وثقة العرب في التعامل مع الحلفاء، إن جميع الأفعال والمناورات الرامية إلى حل القضية الفلسطينية على حساب العرب مآلها الفشل لأن العرب على استعداد للدفاع عن حقوقهم المشروعة في فلسطين، تؤيد جماعة الإخوان المسلمين كليا احتجاج الحكومة المصرية وتشير بامتنان إلى الموقف الصلب الذي اتخذته جميع الأقطار العربية من قضية فلسطين.

ليونييد جوخوفيتسكي- كاتب ومؤرخ: علينا هنا القول إنه بعد الحرب وحتى فترة قيام إسرائيل لم تُذكَر كلمة فلسطين قط في الصحافة السوفييتية ولم يكن أحد يعلم شيء عن الفلسطينيين العرب أو يُعْنَى بمصيرهم أو حتى بمصير العرب كلهم.

[تعليق صوتي]

تذكر الرسالة السوفييتية إنه قد أُرْسِلت رسائل مماثلة إلى جميع البعثات والسفارات الأجنبية وتُقَرِّر أن رسائل الاحتجاج هذه على هجرة اليهود إلى فلسطين تشكل رد فعل على تأييد مجلس الشيوخ والصحافة الأميركية لقيام دولة يهودية في فلسطين، إنها تمثل الرد على الحملة الصهيونية لتعبئة الرأي العام لدى الحلفاء من أجل إلغاء الكتاب الأبيض والسماح بهجرة اليهود إلى فلسطين بلا قيود وأخيرا على الأفعال الأخيرة للمتطرفين الصهاينة في فلسطين.

أوليج فيتي- خبير سياسي مختص في مسألة الصراع العربي اليهودي: يكمن التشخيص الرئيسي في التناقض بين الولايات المتحدة وإنجلترا، فإنجلترا الاستعمارية سوف تحصل بعد تأسيس دولة إسرائيل على عدو لها مُمثَّل بتلك الدولة وليس على حليف.


مواقف الدول العظمى من فلسطين

[تعليق صوتي]

يستمر الاهتمام السوفييتي بالقضية الفلسطينية بل ويزداد أكثر حيث تُكَلِّف الخارجية السوفييتية ماكسيم ليتفينوف رئيس لجنة إعداد الاتفاقيات السلمية والنظام الجديد بعد الحرب في منتصف عام 1945 بإعداد تقرير عن المسألة الفلسطينية والذي جاء فيه إذا كانت سياسة إنجلترا في فلسطين يؤثر عليها بشكل رئيسي الانتباه لمصالح العرب فإن الحكومة الأميركية تتعرض أكثر لتأثير اليهودية الأميركية القوية ويجب تذكر أنه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة رأى الحزبان الجمهوري والديمقراطي ضرورة نشر إعلان يوضح علاقاتهما بالمسألة الفلسطينية وطالب الحزبان في هذا الإعلان بعدم وضع قيود على هجرة اليهود وعلى شرائهم للأراضي الفلسطينية في نفس الوقت من غير المحتمل أن ترغب حكومة الولايات المتحدة في الشجار مع العرب حيث خطوط نقل النفط من السعودية والتي تهم الأميركيين تمر عبر مئات الكيلومترات في الأراضي العربية وهكذا نرى أن الحكومة الأميركية أيضا تجد نفسها في نفس وضع الحكومة البريطانية تقريبا.

بول سكام- متخصص في الشؤون الإسرائيلية: البترول لم يكن جزءًا من المعادلة في مرحلة الانتداب البريطاني وأعتقد أن الأمر تعلق أكثر بالسيطرة على الممرات الاستراتيجية مع قناة السويس والتجارة عموما.

[تعليق صوتي]

يواصل التقرير السوفييتي الذي كانت شروطه للمحبة حينها هي مصالحه الاستراتيجية دونما اكتراث لا بالمغازلة اليهودية أو بالحقوق العربية، يمكن افتراض أن حل المشكلة الفلسطينية يمكن أن يتولاه الاتحاد السوفييتي المتحرر من التأثير العربي أو اليهودي على حد سواء، هذا الوضع يعطيه على أقل تقدير الحق في طلب منحه حق الوصاية المؤقتة على فلسطين حتى يأتي الحل الأكثر جذريا لهذه المشكلة، إن فلسطين التي تحمل مشارف نحو قناة السويس والتي يمر عبر أراضيها النفط العراقي هي غالية تماما بالنسبة إلى إنجلترا ومن ثم لا يجب توقع موافقتها على انتقال فلسطين من بين أياديها إلى أيادي دولة أخرى وخاصة إذا كانت هذه الدولة هي الاتحاد السوفييتي، في حال رفض الطلب السوفييتي سوف تطرح نفسها تلقائيا مسألة نقل فلسطين إلى نظام وصاية جماعية لثلاث دول الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية وإنجلترا، شروط الوصاية الجماعية لا يجب أن تكون مرتبطة لا بوعد بلفور ولا بأي وعود أخرى معطاة في السابق من قبل إنجلترا كدولة انتداب وهذا سيُمَكِّن الإدارة الجماعية من حل المشكلة الفلسطينية بشكل عادل وبصورة تتفق ومصالح مجمل السكان والمتطلبات الجديدة للحياة السياسية والأمن الشامل. رئيس اللجنة ماكسيم ليتفينوف.

نايغل آشتون- مؤرخ متخصص في تاريخ الشرق الأوسط: كان ذلك سيناريو مرجحا بقدر ما أراد الاتحاد السوفييتي أن يفرق بين خصومه الغربيين، لقد رغب بالتفريق بين الولايات المتحدة وبريطانيا ووجد في الشرق الأوسط فرصة ممتازة لتحقيق ذلك.

يوري أفنييري- مفكر وناشط سلام: كانت هنالك حاجة لمنع الصواريخ في الشرق الأوسط وطرد البريطانيين من أرض إسرائيل ومن الشرق الأوسط عامة، كان هذا جزءً من المواجهة، فيجب النظر إلى كل ذلك على خلفية الوضع الاستراتيجي كما كان قائما في سنوات الأربعينيات الأخيرة.

[تعليق صوتي]

يعج الأرشيف بأكوام من المكاتبات والرسائل المتبادلة بين أركان وزارة الخارجية السوفييتية في تلك الفترة والتي تتناقش حول القضية الفلسطينية والمصالح السوفييتية هناك والتي يجدد من خلالها شروطه للمحبة السوفييتية تجاه أطراف تلك المعادلة، ففي رسالة سولود السفير السوفييتي في لبنان إلى ساميروفيسكي رئيس قسم الشرق الأدنى بالخارجية السوفييتية بتاريخ الثالث من يناير عام 1946 يشرح، يجب إرجاع بداية الفترة الحالية من التوتر إلى تصريحات الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية في عام 1944، المقصود مشروع القرار الذي اقترحه النائبان بالكونغرس فاغنار وتافت في الأول من فبراير من عام 1944 والذي يطالب بأن تقوم الولايات المتحدة باتخاذ الخطوات الرامية إلى فتح الباب أمام هجرة اليهود بشكل حر إلى فلسطين وتحويلها إلى دولة يهودية ديمقراطية، هذه التصريحات أثارت القلق لدى البلدان العربية وهذا يفسر إرسال روزفلت خطابات مارس إلى الملك عبد العزيز بن سعود والرئيس السوري شكري القوتلي بعد مباحثاتهما مع روسفيلد في القاهرة أثناء العودة من مؤتمر يالطا.

أوليج فيتي: أريد أن أشير إلى أن محاولات وقف الزحف والتدخل السوفييتي من جهة أضيفت إليها من جهة أخرى التناقضات بين الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة، لكنني أشير إلى أننا اليوم لا نجد ما نقرأه عن تلك المبارزة الأميركية البريطانية.

نهاد الغادري- مفكر مؤرخ: كان التسابق في هذا الموضوع على كسب الأقلية اليهودية النشطة ذات الحضور العالمي في مواجهة أكثرية نائمة غافية بليدة متمسكة بالتراث بالتاريخ بمفاهيم خارج العصر، كان التسابق لكسب هذه الأقلية بين الدول الكبرى طبيعيا.

[تعليق صوتي]

يستكمل السفير سولود شرح بعض أبعاد الموقف الدولي حيث يذكر، ظهرت الفترة الثانية من الجدل حول فلسطين نتيجة تصريحات الرئيس ترومان الذي قال فيها إن المسألة الفلسطينية جرت مناقشتها بين الأميركيين والإنجليز في مؤتمر بوتسدام في أغسطس عام 1945 وفي إطار هذا الجدل ينبغي الإشارة إلى ملاحظة الأمين العام لجامعة الدول العربية عبد الرحمن عزام الذي قال إنه لا يفهم لماذا لا يشارك الروس في حل المسألة الفلسطينية إذا كانت هذه المسألة تعتبر دولية.

كريس دويل- جامعة ورويك: كان واضحا منذ البداية أن جوزيف ستالين أراد خروج البريطانيين لكنه لم يرغب بدخول الأميركيين وربما في الحقيقة فضّل بقاء الإنجليز على استبدالهم بالأميركيين فقد كانوا يتنافسون معهم لقد كانتا قوتين كبيرتين تدخلان ثانية بمسار الحرب الباردة لذا كانت هناك فترة قصيرة ظن ستالين خلالها أن إسرائيل يمكن أن تخدم المصالح السوفييتية.

[تعليق صوتي]

يستكمل السفير السوفييتي شرحه للموقف الدولي من القضية الفلسطينية حيث يذكر، أما الموجة الثالثة من النشاط حول المسألة الفلسطينية والتي تتواصل حتى وقتنا الحاضر اشتعلت في أواسط سبتمبر عندما أصبح معروفا مقترح ترومان بضرورة السماح لمئة ألف يهودي بالهجرة من أوروبا الغربية إلى فلسطين.

نايغل آشتون: كانت وزارة الخارجية أشد تعاطفا مع النهج البريطاني ولم تشأ أن تلحق الأذى بعلاقات الولايات المتحدة مع العالم العربي أما الرئيس ترومان قد لاحظ أهمية هذه الآراء لكن أيضا انتابه شعورا قوي لأن الوضع كان وضعا إنسانيا فالوقت كان في أعقاب المحرقة النازية وحاجة اليهود إلى وطن.

مايكل فيشباخ- مؤرخ متخصص في شؤون الشرق الاوسط: كان ترومان رئيس قويا وكان على علم بالواقع السياسي ومن هنا كانت جملته المشهورة بأن عليَّ أن أستجيب لمئات الآلاف من الناخبين اليهود ولكن ليس لدي مئات الآلاف من الناخبين العرب.

[تعليق صوتي]

في نهاية رسالته أخذ السفير سولود يردد نفسه الدواعي اليهودية لتدخل السوفييت في المشكلة حين يذكر، بغض النظر عن طبيعة حل المسألة الفلسطينية وهل سيمكن للأميركيين إزاحة الإنجليز أم لا نعتقد أنه في كلتا الحالتين سيكون حل القضية الفلسطينية بدون مشاركتنا غير مفيد لنا ولذلك يجب أن نطالب بالمشاركة في حل هذه المسألة لأن اليهود في أوروبا لا يوجدون فقط في مناطق الاحتلال الإنجليزي الأميركي بل ويتواجدون في المناطق السوفييتية أيضا علاوة على ذلك فإن فلسطين نفسها لا تقع فقط على طريق المواصلات للإمبراطورية البريطانية بل وتقع أيضا عند الخطوط السوفييتية للمواصلات البحرية مع مختلف موانئنا. توقيع السفير سولود.

"
معظم القادة اليهود كانوا نتاج مخاض الاشتراكية وليس الفكر الشيوعي
"
            بول سكام

بول سكام: ما ساعدهم في هذا هو أن معظم القادة اليهود من أجل التقرب إلى الاتحاد السوفييتي كانوا يتحدثون الروسية بلغة عامة وأيضا كانوا نتاج مخاض الاشتراكية وليس الفكر الشيوعي.

[تعليق صوتي]

يتعمق السفير السوفييتي في لبنان في تحليله لشروط المحبة الأميركية في الشرق الأوسط حيث يرسل في التاسع عشر من فبراير من عام 1947 إلى ساميروفيسكي رئيس قسم الشرق الأدنى بالخارجية السوفييتية قائلا إن السياسة الأميركية في القضايا التي تمس الشرق الأدنى يمكن تحديدها على النحو التالي عدم إعاقة الإنجليز في القيام بأعمالهم وفقا لرؤيتهم وبالتوازي مع تحركات الإنجليز وحسب الإمكانية يجب أن نضع في أيدينا جميع المواقع الاقتصادية الأساسية في البلدان العربية، ينبغي تأمين مرور خطوط نقل نفط الجزيرة العربية إلى الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط ونقل النفط إلى المكان الذي يمكن أن يكون أرخص اقتصاديا للنقل بالبواخر وأخيرا يجب أن يكون هذا المكان متحررا من التأثير الإنجليزي المباشر.

نايغل آشتون: الهدف الرئيسي لحكومات بريطانية متتالية أولا حكومة البلاد أيام الحرب ثم الحكومة العمالية بعد الحرب كان بما علمناه هو تدويل المشكلة بحيث يتم الحصول على دعم الولايات المتحدة للمواقف البريطانية، هذا ثبت أنه أكثر أهداف السياسة الخارجية البريطانية في تلك الفترة مدعاة للإحباط لأن الحكومة البريطانية أخفقت في كل محاولة في الحقيقة لتأمين الدعم الأميركي لسياستها في فلسطين.

[تعليق صوتي]

يواصل السفير السوفييتي شرح الموقف الأميركي من فلسطين قائلا ويبدو أن الرئيس ترومان يعكس وجهة نظر تلك الدوائر الأميركية التي تعتبر حتى اللحظة أنه من بين كل البلدان في الشرق الأدنى الأكثر تلبية للشروط المذكورة أعلاه هي فلسطين ففي فلسطين بجانب العوامل الأخرى يسهل تماما التمركز دون ارتكاب بمخالفات حقوقية لمسائل السيادة والاستقلال وذلك رغم وقوعها تحت الانتداب البريطاني ومن ثم بحجة وضعها تحت وصاية الأمم المتحدة يصبح سهلا الاستيلاء على فلسطين في أيدينا وخاصة عن طريق توسيع الهجرة اليهودية هذه التصريحات لترومان أثارت في العالم العربي انتقادات حادة ونداءات بعدم الاكتفاء بالتصريحات فقط بل وبالعمل على مقاطعة البضائع الأميركية وقطع العلاقات الاقتصادية والثقافية مع الولايات المتحدة ويجب الإشارة أيضا إلى أن هذه الاحتجاجات الحادة والشجاعة جرت بتشجيع من الإنجليز الذين أرادوا إثارة نزاع بين العرب والأميركيين بهدف إرغام الولايات المتحدة على عدم ممارسة سياستها الخاصة والمستقلة في البلدان العربية، أما الصهاينة الذين باركوا موقف ترومان فقد قرروا أنه قد حان الوقت لتحديد موقفهم من حل المسألة الفلسطينية ووفقا لتصريح وزير الخارجية الأميركية دين أتشيسون فقد نقل الصهاينة إلى الحكومتين البريطانية والأميركية خطتهم لحل المسألة الفلسطينية وتكمن النقاط الرئيسية لهذه الخطة في تخصيص قسم لليهود في فلسطين وفقا لمشروع لجنة المملكة البريطانية لعام 1937 وتأسيس دولة يهودية في هذا القسم والسماح بهجرة مائة ألف يهودي إلى هذه الدولة تحت حماية الجيش والبحرية الأميركية وتحويل الوكالة اليهودية إلى حكومة لهذه الدولة وفي قراره بتاريخ التاسع والعشرين من أكتوبر قام المجلس الصهيوني يقصد المجلس العام للمنظمة الصهيونية العالمية الذي تواجد معظم أعضائه في تلك الفترة في فلسطين بتأييد هذه الخطة من حيث الجوهر كما أن هذا المجلس وقبل إقراره لهذه الخطة بدأ في تطبيقها عن طريق تأسيس 12 كيبوتزا في القسم الجنوبي من فلسطين.

نايغل آشتون: أعتقد أنهم أدركوا وجود العوامل التي أثرت في الموقف الأميركي لكنهم مع ذلك شعروا بالخيبة وخصوصا أن بيفن وزير الخارجية البريطاني الذي أطلق علنا عدد من التعليقات حول السياسة الأميركية والذي اشتملت على تصريحات حول سياسة ترومان من قبيل أنه أراد للاجئين اليهود أن يذهبوا إلى فلسطين لأنه لم يشأ لهم أن يأتوا إلى الولايات المتحدة مثل هذه الآراء التي لم تحظَ بالثناء في الولايات المتحدة وجعلت بيفن بلا شعبية هناك تعكس الشعور القوي بأن الولايات المتحدة أضعفت الموقف البريطاني في فلسطين.

مايكل فيشباخ: كانت الحكومة الأميركية معادية للنظام الاستعماري وربما ضد الإمبريالية ولكنها كانت معادية للاستعمار، كان هناك شعور عام بوجوب انفتاح الإمبراطورية البريطانية هذا على الرغم من تأييد بريطانيا في بعض الأمور لقد كان الرئيس ترومان بشكل عام معاد لسياسية إيرنست بيفن وآخرين.

فلاديمير شاغال- مستشرق يهودي: منذ أن أعلن الإنجليز عن وعد بلفور هذه الوثيقة الهامة أفصحوا عن موافقتهم لهجرة اليهود وتأسيس المستوطنات اليهودية هناك الحديث لم يجرِ عن دولة على وجه الإطلاق بل فقط عن توطين اليهود على هذه الأراضي في الوقت الذي رفض فيه الإنجليز الانصياع لالتزاماتهم فيما يخص فلسطين وفقا لتلك الاتفاقية الموقعة والمسماة باتفاقية سايكس بيكو.

[تعليق صوتي]

يرصد السفير سولود بعض المواقف العربية من المسألة الفلسطينية في تلك المرحلة في رسالته إلى الخارجية السوفييتية حيث يقرر، كل هذا استوجب ضرورة تحديد موقف عربي دقيق من المسألة الفلسطينية فبجانب الاحتجاجات اليومية من قبل بعض المجموعات العربية والصحف العربية تلفت الأنظار تصريحات مفتي القدس الحاج أمين الحسيني والتي صرح بها لأحد المراسلين الأميركيين وقال الحسيني إنه لا يشعر بأي عداء نحو بريطانيا العظمى ويتمنى أن يرى فلسطين تعيش في صداقة مع جميع البلدان بما فيها بريطانيا وقال أيضا إن بريطانيا عن طريق وعد بلفور قامت بفعل عدائي تجاه فلسطين ولذلك كان العرب مضطرين للدفاع عن أنفسهم وأشار إلى أنه في فترة الحرب العالمية الثانية هرب إلى ألمانيا لأنه لم يجد ملجأ له في أي بلد عربي أو إسلامي وأخيرا أشار إلى أن علاقته ببريطانيا العظمى سوف تتوقف على سياستها تجاه فلسطين وفيما يتعلق بخطة بريطانيا لتقسيم فلسطين أعلن المفتي أنه ضد أي تقسيم لفلسطين يقترح تأسيس دولة يهودية وفيما يتعلق بتصريحات ممثل الوفد السوفييتي نوفيكوف الخاصة بضرورة منح فلسطين الاستقلال أو نقلها إلى وصاية الأمم المتحدة فقد استقبلها الرأي العام العربي بالترحيب ولكن الإنجليز بذلوا كل ما بوسعهم لتشويه هذه التصريحات، إن هذه الفترة توضح أن الإنجليز بعد توقف أعمال مؤتمر لندن حاولوا الاتفاق بشكل أولي مع الأميركيين للتوصل إلى حل للمشكلة الفلسطينية يسمح لهم بالبقاء في جزء من فلسطين ويمنح الجزء الآخر للأميركيين أما الصهاينة اليهود الذين صاغوا مطالبهم وخطتهم لتأسيس دولة يهودية في فلسطين فإنهم يؤيدون الموقف الأميركي وكذلك بريطانيا من حيث الجوهر ولكن بسبب غياب رأي موحد بين التيارات المختلفة داخل الصهاينة اليهود فإن موقفهم النهائي جرى تأجيله حتى انعقاد المؤتمر الصهيوني العالمي القادم في سويسرا.

مايكل فيشباخ: بريطانيا خرجت من حرب عالمية ثانية وتعاقبت حكوماتها بسرعة بعد الحرب لتصل إلى حكومة عمالية وكانت هناك رغبة بإعادة القوات البريطانية إلى البلاد لتخفيض نفقات الإمبراطورية.

[تعليق صوتي] أكتأكأ

في فقرة أخرى من رسالة السفير سولود حول المواقف العربية يُصرّح، أما العرب فخلال كل هذه الفترة أيّدوا الخطة المقترحة في مؤتمر لندن والمتعلقة بمنح الاستقلال لفلسطين تدريجيا ورغم أن الخطة العربية لا تستبعد بقاء القوات البريطانية في فلسطين وبالتالي السيطرة الإنجليزية الحقيقية إلا أن هذه الخطة تخلق للإنجليز وضعا حقوقيا غير محدد فيما يخص تواجدهم في فلسطين وفي الوقت الراهن تجري في جلسات مجلس الجامعة العربية بالقاهرة مناقشة جديدة للموقف العربي من المسألة الفلسطينية ولكن لا توجد أية معلومات حتى الآن بشأن توجههم في هذا الشأن وحسب الكثير من المعطيات المساعدة لدينا كل الأسس لافتراض أن قادة البلدان العربية الذين يسيطرون في جامعة الدول العربية يميلون إلى تقديم تنازلات جديدة بسبب الوضع الصعب لمصر في مفاوضاتها مع إنجلترا. السفير سولود.

[موجز الأنباء]

[تعليق صوتي]

دومينيك فيدال- مؤرخ متخصص في الشؤون الإسرائيلية: كانت توجد فكرة بسيطة تتعلق بالعمل على استخدام المسألة الفلسطينية كوسيلة لإعادة النظر في الهيمنة الغربية في الشرق الأوسط، إذاً تلك كانت فكرة الوصاية أي تقاسم النفوذ على فلسطين وبالطبع لا لندن ولا واشنطن ولا الصهاينة كانوا على استعداد للقبول بهذا النوع من التوافق ولم يوجد أي مجال لأن يقبلوا به.

ليونييد جوخوفيتسكي: هنا ينبغي فهم حقيقة أنه لم تكن توجد دولة آنذاك وقفت مع مصلحة اليهود أو حتى العرب بل مع مصلحتها الجميع كانوا بمثابة أحجار شطرنج.

[تعليق صوتي]

تقاطعت السياسة الشرق أوسطية التي كانت واشنطن تسعى لنهجها باستقلال عن بريطانيا مع صميم أهداف الحركة الصهيونية ولكنها كانت تلتقي أيضا مع بعض أهداف الاتحاد السوفييتي الساعي لإسقاط الانتداب البريطاني واستبداله بمظلة دولية في شكل وصاية تؤمّن مشاركة سوفييتية، فكيف كان رد فعل بريطانيا إزاء هذه الأدوار؟ بعد قمة يالطا ظهرت ملامح سياسة بريطانية جديدة تتسم بالحذر والتشدد ضد المنظمات الشيوعية في فلسطين حيث تعود نشأة الحزب الشيوعي في فلسطين إلى عام 1919 أي سنتين فحسب بعد انتصار الثورة البلشفية في موسكو وكان يضم يهود وعرب لكن منظمتهم ستتعرض للانشقاقات وتعدد الولاءات.

نعيم الأشهب- الحزب الشيوعي الفلسطيني: في البداية كانت عصبة التحرر عبارة عن تنظيم تقدمي ديمقراطي وكان على رأسه شخص اسمه موسى الحسيني ما كانش شيوعي يعني لكن مع الوقت تبلورت إلى حزب شيوعي أو إلى تنظيم شيوعي وبالفعل أدت إلى انطلاقة في الشارع الفلسطيني وأدعي أن عصبة التحرر الوطني خلال أقل من خمس سنوات تحولت إلى قوة مرموقة في الشارع الفلسطيني.


أطروحات وخطط تقسيم فلسطين

[تعليق صوتي]

كان موقف موسكو إلى حدود سنة 1947 مع قيام دولة موحدة تجمع اليهود والعرب وكبديل عن نظام الانتداب البريطاني اقترح السوفييت نظام وصاية جماعية وهي الدعوة التي كانت تزعج البريطانيين وتحت وطأة الضغوط المتزايدة من الأطراف الدولية وردود الفعل الشعبية داخل فلسطين اقترحت بريطانيا سنة 1946 تغيير صيغة الانتداب لكن الاقتراح قوبل بترحيب غربي ورفض عربي ويهودي ولم يكن ذلك سوى حافظ إضافي لممارسة سلطات الانتداب البريطاني مزيد من المراقبة للنشاط الشيوعي والتوجس من الدور السوفييتي الذي كان يشكل نقطة التقاء بين السياسة البريطانية وسياسة واشنطن برغم تباين حسابات الطرفين.

يوري أفنييري: كان ستالين خلال المرحلة الأخيرة من حياته شخص مضطرب عقليا كان دائما لاساميا منذ طفولته حصل من والديه على تربية صارمة، كان قد هيأ نفسه ليكون رجل دين تكشفت هذه اللاسامية بوضوح في السنوات الأخيرة من حياته، ربما أن الصراع بين ستالين وتروتسكي كان له أيضا أبعاد لاسامية، على أية حال لم يؤثر عليه الأمر لدرجة ألا يؤيد دولة يهودية.

[تعليق صوتي]

حرصا منا على فهم الموقف السوفييتي وتطوراته في تلك الفترة فقد كانت أول وثيقة تشرح الدور البريطاني هي تلك التي حصلنا عليها من داخل الأرشيف السوفييتي، حيث وجدنا تقرير للخارجية السوفييتية أعد بتاريخ السادس من سبتمبر عام 1946 عن أفكار بريطانية وأميركية طُرِحت خلال العام نفسه لتسوية المسألة الفلسطينية والذي يقول، التقرير الذي نشر في الثلاثين من أبريل من عام 1946 من قبل اللجنة الإنجليزية الأميركية التي بحثت المسألة الفلسطينية أثار اعتراضات حادة من قبل البلدان العربية لدرجة أن حكومتي بريطانيا وأميركا لم تخاطرا بالدعوة لتنفيذ توصيات هذه اللجنة وبهدف البحث عن حل جديد للمسألة الفلسطينية شكّلت الحكومتان البريطانية والأميركية لجنة أطلقت عليها اسم لجنة الخبراء وفي السابع والعشرين من يوليو من عام 1946 قدّمت هذه اللجنة مقترحاتها للحكومتين المذكورتين تتناقض بشكل واضح مع توصيات اللجنة الإنجليزية الأميركية السابقة وقد أوصت لجنة خبراء الولايات المتحدة وإنجلترا بما يلي؛ تقسم فلسطين إلى أربع مناطق واحدة يهودية والثانية عربية أما المنطقتان الثالثة والرابعة فيجب أن تقع مباشرة تحت الإدارة الإنجليزية، تشكيل دولة فلسطينية فدرالية الطابع من هذه المناطق الأربع والتي يجب أن تترأسها حكومة مركزية برئاسة حاكم إنجليزي، يجب على إنجلترا السيطرة على السياستين الدفاعية والخارجية لكل فلسطين بجانب السيطرة على الشرطة والاتصالات والنقل وميناءَي حيفا ويافا.

نعيم الأشهب: في الـ 1946 جاءت لجنة تحقيق أنجلو أميركية لأجل أن توفق للصراعات والتناقضات بين الدولتين، جاؤوا على فلسطين، جاء جمال الحسيني من الخارج كان في المنفى، جاء خصيصا من أجل أن يقابلها بينما لجنة التحقيق الدولية رفضت.

[تعليق صوتي]

يواصل تقرير الخارجية السوفييتي استعراضه للمواقف المختلفة حول الخطة الجديدة الأنجلو أميركية للعام 1946 حيث يذكر، أعلنت اللجنة العربية العليا في الحادي والثلاثين من يوليو رفضها لهذه التوصيات وأشارت إلى أن العرب لن يوافقوا على تقسيم فلسطين لأنه يعني فقدان العرب لها، كما أن اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية في السادس من أغسطس رفضت تقسيم فلسطين لأن هذا التقسيم لا يمنح يهود فلسطين الاستقلال ولأن خطة الحكم الذاتي تتسم بطابع خيالي إلا أن الصهاينة لا يقفون بحدة ضد مقترحات لجنة الخبراء لأنها تضاعف تدفق اليهود المهاجرين إلى فلسطين وذلك بالرغم من أن هذه المقترحات تستبعد تحويل فلسطين إلى دولة يهودية على وجه السرعة وبهدف استبعاد الولايات المتحدة التي تقف بجانب موقف الصهاينة من صفوف الدول التي تشارك في تحديد مصير فلسطين اقترحت الحكومة المصرية في العشرين من يونيو عام 1946 على إنجلترا البدء بمفاوضات مباشرة مع سوريا ومصر والأردن والعراق ولبنان والسعودية واليمن بشأن التوصل إلى معاهدة تتعلق بالمسألة الفلسطينية وقررت الحكومة البريطانية دعوة ممثلي هذه الدول العربية لبحث المشكلة الفلسطينية إلى مؤتمر لندن الذي سيعقد في السادس من سبتمبر من العام الجاري 1946.

كريس دويل: كيف سنضمن مصالحنا العامة في المنطقة كي لا نسمح بقيام محمية للاتحاد السوفييتي في المنطقة التي قد تولد بين الدول العربية؟ وبالموازنة مع هذا الأمر بالطبع حقيقة أن بريطانيا كانت تدرك تماما أن خلق دولة يهودية سيثير استياء الدول العربية لذلك ترى التوازن بين هذه المصالح المتضاربة.

[تعليق صوتي]

في النهاية تكشف الدبلوماسية السوفييتية بدورها عن مخططاتها حول المنطقة حيث يذكر تقرير الخارجية السوفييتية، إن إقرار خطة لجنة الخبراء لتقسيم فلسطين في مؤتمر لندن أو إقرار أي خطة تواطؤ أخرى بين الإنجليز والعرب واليهود على أساس آخر قريب من خطة تقسيم فلسطين سوف يعني تقوية إنجلترا بشكل كبير ولفترة غير محددة في فلسطين كلها ومن الضروري قبل انتهاء أعمال مؤتمر لندن توضيح رد فعلنا على خطة تفتيت فلسطين وبناء على ذلك نعتقد أنه من المنطقي في الوقت الراهن أن ننشر في وسائل إعلامنا مقالة أو مقالتين لتوضيح جوهر الخطة البريطانية لتقسيم فلسطين وأثناء طرح الموضوع في الصحافة يجب الانطلاق من النقاط الأساسية التالية؛ إن النظام العسكري المقام من قبل القوات البريطانية في فلسطين يُقوّي من التهديد الأمني في الشرق الأدنى ولذلك يجب انسحاب القوات البريطانية من فلسطين، محاولات التوصل إلى حل جذري للمسألة الفلسطينية على أساس الانتداب محكوم عليها بالفشل ومن ثم يجب إلغاء الانتداب، الحل الجذري للمسألة الفلسطينية وتأسيس فلسطين المستقلة على أسس ديمقراطية يجب الوصول إليه عبر وصاية الأمم المتحدة على فلسطين، أنتظر تعليماتكم. ماكسيموف.

بول سكام: الاتحاد السوفييتي لم يكن له العديد من المصالح المشتركة في الشرق الأوسط منذ الحقبة اليهودية في بداية المنظومة السوفييتية، إذ كانوا يدركون ما هي مصالحهم قبل الحرب العالمية، قبل كل شيء يريدون النفوذ، يسعون للحصول على ميناء مائي، الشيء الذي سعت إليه المنظومة اليهودية يريدون بناء دعم عبر الدول العربية لإجبار بريطانيا التي كانت تسيطر على المنطقة العربية والشرق الأوسط في تلك الفترة وأيضا لإيجاد موضع قدم بين بريطانيا والولايات المتحدة.

ليونييد جوخوفيتسكي: الصراعات كانت قائمة دوما حيث تم عزلُ البعضِ أو إلغاؤهم أو سجنهم وأعني قيادات دول أوروبا الشرقية أصحاب الرؤى غير الاشتراكية بالطبع هذا لم يكن من مصلحة الغرب.

[تعليق صوتي]

بعد صعود حزب العمال للحكم في بريطانيا أقرت لندن مبادرات جديدة في محاولة للسباق مع الزمن الذي بات يكرس مزيد من النفوذ الأميركي والسوفييتي وكان من أهم تلك المبادرات مؤتمر لندن الذي عقد في السابع والعشرين من يناير/ كانون الثاني عام 1947 واستمر حتى الرابع عشر من فبراير وقدم خلاله وزير الخارجية إيرنست بيفن مشروعا يتضمن فرض نظام وصاية بريطانية لمدة خمس سنوات يقام خلالها حكم ذاتي مستقل لكل من العرب واليهود على أسس كانتونية يُصار بعدها إلى إقامة دولة فلسطينية اتحادية أو يتم استمرار نظام الوصاية.

يوري أفنييري: دعمت إنجلترا إلى حد كبير الموقف العربي بسبب مصالح الإمبراطورية البريطانية التي ضمّت الكثير من العرب والكثير من المسلمين بما في ذلك الهند.

[تعليق صوتي]

ورغم أن المؤتمر لم يتراجع بشكل تام عن مبدأ إقامة الدولة الفلسطينية الواحدة التي نص عليها الكتاب الأبيض إلا أنه جرّد الفكرة من أهم مبدأين وقف الهجرة اليهودية وقاعدة ديمقراطية الدولة من خلال الاستجابة لطلب الرئيس ترومان بإدخال مائة ألف يهودي خلال عامين، كانت بريطانيا تواجه ضغوطا سوفييتية على الصعيد الدولي وتحركات على المستوى الميداني في فلسطين.

نعيم الأشهب: كان محمد نمر عودة عضو اللجنة المركزية وهو ممثل الحزب لدى قيادة الثورة الفلسطينية وكان فيه عناصر قريبة من الحزب وتتقبل توجيهاته ومنهم فؤاد نصار ومنهم عارف عبد الرازق اللي طلّع بيان في أيلول الـ 1938 يوجِّه نداء لسكان فلسطين اليهود ويقول لهم إنه إحنا وأنتم نقدر نعيش في دولة ديمقراطية وهذه بداية هذه البذرة الحكي عن الدولة الديمقراطية.


الحركات الشيوعية بفلسطين

[تعليق صوتي]

وتكشف وثائق الخارجية الأميركية من خلال سلسلة من التقارير المتتالية كيف كان سلطات الانتداب البريطاني تتصرف بتوتر ضد الجماعات الشيوعية الموالية للسوفييت وكيف كانت تنتهج سياسة التضييق عليهم حيث يصل تقرير من القنصل الأميركي العام في القدس إلى الخارجية يقول فيه، الشيوعيون يواجهون تضييقات من قبل الأمن في المرحلة التي أعقبت الحرب وهي تضييقات تهدف لتحييد دور الحركات المعارضة وتقليص التعاون الذي كان قائما في السابق إلى أدنى الحدود مع العناصر الشيوعية اليهودية والأرمينية، كما يعرض الانتقاد الحزب الشيوعي للسياسة الإمبريالية البريطانية في فلسطين ومحاولات التدخل الإمبريالي الأميركي في الشرق الأوسط ويشترك الشيوعيون اليهود والعرب في دعوتهم لإشراك روسيا في حل المسألة الفلسطينية قبل عرضها على الأمم المتحدة من خلال إقامة دولة مشتركة ديمقراطية في فلسطين ومواصلة الهجرة اليهودية باتفاق مع الجانب العربي وهي الاقتراحات الروسية التي تم الضغط باتجاهها وعبّر الشيوعيون العرب عن رفضهم لمبادرة إنشاء لجنة تحقيق بريطانية أميركية ودعوا إلى إقامة لجنة دولية تضم روسيا ودول البلقان.

نعيم الأشهب: حتى استأنسوا بالتجربة السوفييتية يعني بمعنى أن يكون هناك فيه مجلس نواب ومجلس قوميات، في مجلس النواب الصوت الواحد للرجل الواحد ومجلس القوميات كل قومية لها صوت معادل للصوت الآخر.

ليونييد جوخوفيتسكي: إسرائيل وبغض النظر عن كل شيء أُسست كدولة ديمقراطية وكما هو معروف في الدول الديمقراطية أضاع الشيوعيون تأثيرهم لأن النظرية الاقتصادية الشيوعية لم تكن لتتحقق على الرغم من أن شخصيات ذات انتماءات اشتراكية ولكن غير شيوعية تزعّمت في إسرائيل لدى تأسيسها.

[تعليق صوتي]

يشير تقرير القنصل الأميركي في القدس إلى استمرار جهود الحزب الشيوعي الفلسطيني والأحزاب الصهيونية في محاولات لتحقيق تأثير على الهستدروت وأعضاء المجالس البلدية لكن التقرير يشير إلى أن تلك الجهود تحقق نتائج إيجابية قليلة كما تتم محاولات لاختراق صفوف تنظيمات اليسار بينما لا يبدو أن العناصر التي اخترقت بعض المواقع في الأحزاب الاشتراكية قد استطاعت التأثير على سياساتها ويرصد تنامي أعداد الشيوعيين في فلسطين وتقديرات لعدد عناصر الحزب الشيوعي الفلسطيني بخمسة آلاف عضو إضافة إلى تحقيق الحزب الشيوعي انتصارا جيدا في انتخابات بلدية نهاريا القريبة من مستوطنات وُضع فيها المهاجرون اليهود الوافدون من ألمانيا وتقع على مقربة من الحدود اللبنانية الفلسطينية وقد دعا الحزب الشيوعي إلى إنشاء ما أطلق عليه رابطة علاقات الصداقة مع الاتحاد السوفييتي التي تهدف إلى دعم الروابط مع الاتحاد السوفييتي والتشجيع على تحقيق أهدافه وتشجيع الأنشطة الشيوعية في فلسطين والتعريف بها لدى أوساط الرأي العام الصحافة الروسية.

يوري أفنييري: أعتقد العديد من الأشخاص في أميركا بل خافوا من أن تتحول دولة إسرائيل إلى شيوعية بالنسبة للأميركيين البسطاء والسُذَّج الأحمر هو أحمر واليسار هو يسار وكل الأمور متشابهة.

[تعليق صوتي]

ويشير التقرير إلى فشل محاولات التوصل إلى اتفاق بين الرابطة من أجل التحرر الوطني والحزب الشيوعي بفلسطين وفشل الاتفاق أساسا حول موضوع الهجرة اليهودية التي ترفضها الرابطة بشكل قطعي ولكن الاتفاق تم حول العمل المشترك ضد السياسة الإمبريالية البريطانية في الشرق الأوسط ويرصد العلاقات بين الحزب الشيوعي البريطاني والحزب الشيوعي بفلسطين وتأييد الشيوعي البريطاني لإقامة دولة ديمقراطية موحدة وكيف أن علاقات السوفييت بالحزب الشيوعي بفلسطين تمر عبر الحزب الشيوعي السوفييتي الذي يدعم المطبوعات والصحف في فلسطين ذات التوجهات الشيوعية كما يقيم الحزب الشيوعي بفلسطين علاقات منتظمة مع اللجنة اليهودية المناهضة للفاشية بموسكو ويقوم ممثلو وكالة أنباء تاس السوفييتية في منطقة الشرق الأوسط بلقاءات مع قيادات الحزب الشيوعي بفلسطين خلال زياراتهم إلى فلسطين ويوضح التقرير كيف يسعى السوفييت لتوظيف مراسلي الوكالة وغيرهم.

يوري أفنييري: من بين النخبة الأميركية كان هنالك الكثيرون ممن اعتقدوا بأن إسرائيل من الممكن أن تتحول إلى شيوعية.

مايكل فيشباخ: على الرغم من أن معظم القادة الإسرائيليين الأوائل كانوا اشتراكيين من بولندا التي كانت تحت السيطرة الروسية إلا أن السبب الأهم كان يتعلق بالحاجات الاستراتيجية للسوفييت.

"
كان هنالك نوع من الصراع والتسابق على اليهودي بين الشيوعي والصهيوني وبين الاتحاد السوفياتي وأميركا
"
          نهاد الغادري

نهاد الغادري: كان هنالك نوع من الصراع والتسابق على اليهودي بين الشيوعي والصهيوني بين الاتحاد السوفييتي وأميركا وكان اليهودي القلق المضطرب الخائف القوي المندمج المنفصل كان في داخله ذلك الصراع أيضا أين هي مصلحته؟ أين يمكن أن يكون موجودا دون أن يضطهد؟

[تعليق صوتي]

في تقرير آخر حول الحالة في فلسطين خلال النصف الثاني من سنة 1945 يواصل القنصل الأميركي في القدس رصده لمحاولات الاقتحام السوفييتي للقلوب في فلسطين حيث يشير إلى أن الشيوعيين العرب واليهود يضاعفون من نشاطاتهم للتأثير في الحياة السياسية بهذا البلد ويلاحظ أنه برغم هذه النشاطات إلا أنها غير مؤثرة حتى الآن، كما يشير إلى أن الحزب الشيوعي في فلسطين المعروف بـ (PKP) يحاول أن يجتذب من حوله مثقفين معارضين من خلال أندية الكتب وحلقات القراءة والأدب وحلقات المناقشة، بيد أن تأثير هذه التحركات تظل في حدود أوساط الشيوعيين وخصوصا في صفوف مجموعتي الاتحاد الفلسطيني الشيوعي والمجتمع الاشتراكي.

نايغل آشتون: بسبب الأفكار الاشتراكية التي كانت سائدة في المجتمع الإسرائيلي المبكر كتجربة الكيبوتز مثلا هذه الأشياء أيضا عززت الفكرة بأن إسرائيل ربما سلكت طريقة التنمية الاشتراكية وربما أنها ستتحالف مع الاتحاد السوفييتي.

مايكل فيشباخ: التاريخ أثبت أنهم محقون في أن كل دولة على حِدا ستقوم بمحاربة الحركات الشيوعية المحلية ولذلك فأنا أعتقد القوة الإسرائيلية في الولايات المتحدة اهتمت بالشيوعية في إسرائيل للتركيز على أنه سيبقى بعيدا لأن الاتحاد السوفييتي وسياسته وإستراتيجيته كانت دائما تتعارض مع سياسيات واستراتيجيات الأحزاب الشيوعية المحلية.

[تعليق صوتي]

من الواضح أن حملات التضييق التي كانت تمارسها السلطات البريطانية ضد المنظمات الشيوعية لم تكن بمعزل عن سياق الحصار الذي كان تمارسه السلطات البريطانية ضد حركات التحرر العربية في فلسطين كما تبين ذلك برقية السفير الفرنسي في لبنان بتاريخ 31 من أكتوبر من 1947، حيث يقول لخارجيته لقد طلبت مني في برقيتكم الصادرة في الرابع عشر من أكتوبر/ تشرين الأول في عام 1947 إعلان سماحة المفتي بالمفاجأة التي تسبب لنا بها الإعلان الموجه من قبل السيد حكيم إلى الصحافة عقب سفره إلى باريس، إن الحاج أمين الحسيني المقيم حاليا في بيروت هو موضع مراقبة صارمة من قبل الشرطة اللبنانية المسؤولة عن حمايته بالإضافة إلى أن ثمة عملاء يعملون لحساب أجهزة المخابرات الإنجليزية يراقبون نشاطاته وسلوكه بدقة، ففي هذه الظروف لم يبدُ لي مناسبا إرسال أحد معاوني للاتصال بسماحة المفتي ولن يتم هذا الإجراء من دون إثارة تعليقات وشكوك زميلي البريطاني والمفتي هو الحاج أمين الحسيني الذي كان حينها يعيش متنقلا بين مصر ولبنان بعد خروجه من فلسطين عام 1937 هربا من القوات البريطانية هناك وظل يحاول العودة إلى فلسطين والبحث عن دور هناك مرة أخرى ولكن على ما يبدو ظل الحصار الخانق مفروضا عليه حتى وفاته عام 1974.

فلاديمير شاغال: أعتقد أن تلك الفترة حافلة بوجود دوائر كانت مشغولة بالمستقبل هذه الأوساط ارتأت أن بمقدورها استخدام تلك الشخصية لتحقيق أهدافها.

[تعليق صوتي]

هكذا جهّز كل العشاق قصائد غزلهم نحو المنطقة وأصبحت الأرض مُعبّدَة نحو الأفئدة هناك، إذاً كيف تبدلت القلوب في المراحل الأخيرة من تلك القصة الملتهبة؟ لماذا تراجع السوفييت عن الحرص في الهوى اليهودي واندفعوا نحو تأييد التقسيم؟ وثائق الأرشيف تكشف المزيد من أسرار تاريخ تلك المحبة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة