ليبيا.. القبيلة والإسلام والدولة   
الاثنين 1426/12/17 هـ - الموافق 16/1/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:22 (مكة المكرمة)، 12:22 (غرينتش)

- الأضلاع الثلاثة لتشكيل المجتمع
- اليهود وتأثيرهم في بناء الوطن الليبي

- تعريب الأمازيغ بين الترغيب والترهيب


الأضلاع الثلاثة لتشكيل المجتمع

خالد الحروب: مشاهدينا الكرام أهلاً ومرحباً بكم إلى حلقة جديدة من برنامج الكتاب خير جليس، نستعرض وإياكم ثلاثة كتب بشكل موجز ثم نتوقف عند الكتاب الرابع بنقاش وتحليل مع ضيوفنا هنا في الأستوديو، الكتاب الأول عنوانه العلاقات بين العرب واليهود في فلسطين وهو من تأليف الدكتور محمود نهار الشناق ويتناول فيه أنماط العلاقات بين الفلسطينيين واليهود من أهل فلسطين خلال العهد العثماني مشيراً إلى سلمية تلك العلاقات وعاديتها ويشرح أيضاً في هذا الكتاب كيف تسممت تلك العلاقات مع بدايات المشروع الصهيوني وبدايات الهجرة اليهودية إلى فلسطين؟ وكيف ترافق ذلك مع تسرب الزراعية إلى اليهود الأجانب؟ ويُفرِد فيه أيضاً فصولاً مطولة حول العلاقات الاجتماعية والثقافية وعلاقات حسن الجوار التي سادت في فلسطين في تلك الحقبة بين مسلمي ومسيحيي ويهود فلسطين، الكتاب الثاني عنوانه العشائر الأردنية الأرض والإنسان والتاريخ وهو من تأليف أحمد عويدي العبادي يتضمن الكتاب تأريخاً للقبائل الأردنية من سنة 1850 إلى 2004 ويوثّق للعديد من المعاهدات والتواريخ المفصلية في الحياة السياسية والاجتماعية لهذه القبائل وخاصة وثيقة أم قيس ووثيقة بني كنانة، اعتَمَد الباحث في جزء كبير من عمله هذا على مقابلات وحوارات مباشرة مع أعيان وشيوخ البدو في الأردن، إضافة إلى مجموعة كبيرة من الكتب والدراسات والبحوث التي اعتنت بهذه المسألة بالعربية والإنجليزية، أما الكتاب الثالث الذي بين أيدينا فعنوانه بني بجم وهو من تأليف الكاتب المصري الساخر بلال فضل، الكتاب يجمع بين التعليق التهكمي والمرير على أحوال العرب والمصريين ونقد للكتّاب وللقراء في آن معاً وفيه نبرة تشاؤمية ممزوجة بالتندّر، فنقرأ فيه مثلاً رسالة محمومة من الكاتب إلى الممثلة الأميركية جوليا روبرتس يرجوها فيها أن تلتفت إليه ونقرأ فيه أيضاً عن تهيؤات سياسي عربي مع مادلين أولبريت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة وقبل.. وبعد ذلك نظل مع ابن البلد المطحون في شوارع مصر بين الفقر والحب والأمل بغد أقل بؤساً، أما الكتاب الرابع الذي سوف نناقشه اليوم مع ضيوفنا هنا في الأستوديو فعنوانه ليبيا القبيلة والإسلام والدولة وهو من تأليف الدكتور فرج عبد العزيز نجم، من القبائل العربية إلى البربر إلى الأفارقة إلى الأندلسيين تمازَج النسيج الليبي وتداخل مع محيطه المغربي والمتوسطي أخذاً وعطاءً، آخذاً على سبيل المثال جاءه محمد بن علي السنوسي من مستغانم من الجزائر ليؤسس أحد أحفاده وهو إدريس السنوسي ليبيا الحديثة وعطاءً حيث هاجر من ليبيا أجداد بورقيبة ومنهم لاحقاً كان الحبيب بورقيبة مؤسس الدولة الحديثة في تونس، أستضيف لمناقشة هذا الكتاب المؤلف الدكتور فرج نجم الباحث والكاتب الليبي المختص في تاريخ ليبيا، فأهلاً وسهلاً به.

فرج نجم- مؤلف الكتاب: أهلاً وسهلاً.

خالد الحروب: أهلاً وسهلاً أخ نجم وكذلك استضيف الدكتور عبد الحكيم الفيتوري الباحث والأكاديمي المختص بالفكر والتاريخ الإسلامي، فأهلاً وسهلاً به أيضاً.

عبد الحكيم الفيتوري- باحث وأكاديمي مختص بالفكر والتاريخ الإسلامي: أهلاً وسهلاً.

خالد الحروب: أهلاً وسهلاً يا دكتور عبد الحكيم، دكتور فرج لو بدأنا معك.. القبيلة والإسلام والدولة.. هذا أحياناً الثلاثي الذي صار محط كثير من الدراسات، أين يقع كل ضلع من هذه الأضلاع الثلاثة في تشكيل ليبيا الحديثة؟ وما الذي أردت أن تقوله من خلال هذا الكتاب؟

"
هممت بدراسة المجتمع الليبي وتكويناته وصنفته بثلاثة أضلع هي القبيلة والإسلام والدولة، وغوصت في جوهر القبيلة وكيفية تكوينها وأثر الإسلام عليها وأثر الدولة في القبيلة
"
  فرج نجم

فرج نجم: أولاً أشكركم على كريم الاستضافة، الحقيقة عندما قمت وهممت بدراسة المجتمع الليبي وتكوينات المجتمع الليبي رأيت أن له ثلاث أضلع قام عليها المجتمع وهو القبيلة والإسلام والدولة ولكن القبيلة عندما نتحدث عنها نحن في مجتمعاتنا العربية وخاصة في بلد مثل ليبيا الحديث تنتابه شيء من الحساسيات، فتجد كثير منا يتحدث عن القبيلة بشيء.. يتحدث عن مفاخرها وأمجادها وقلما تجد أحد يتحدث عن مساوئها، فما أردته في هذا البحث أولاً هو الغوص في جوهر القبيلة، كيفية تكوين القبيلة؟ وما أثر الإسلام في القبيلة؟ وكذلك آثر الدولة في القبيلة؟

خالد الحروب: نعم، إذا سألت الدكتور عبد الحكيم هل من جديد في هذا الكتاب؟ أين تضع إصبعك على ما هو.. ما أضاف إلى هذا الموضوع وهو موضوع مهم ومطروح في كل تقريباً الأدبيات العربية بشأن كل دولة من الدول؟

عبد الحكيم الفيتوري: أولاً بعد الشكر والتقدير على هذه الاستضافة، أنا أشعر أن الدكتور فرج مشكوراً أضاف إضافة حقيقية أن جمع بين القبيلة والإسلام والدولة ووددت أن تُضاف ما بين القبيلة والإسلام محور الأمة، إن القبيلة عادةً هي عنصر اجتماعي ومخزن أو وعاء من أوعية المجتمع لكن بها مساوئ وبها إيجابيات، فالإسلام عندما جاء فرّغ هذه القبيلة من العدوانية والاستكبار وجعلها محضاً اجتماعي وتحولت بعدها من القبيلة إلى الأمة ثم إلى الدولة، لكن عندما الأمة تغيب تصبح الدولة هي القبيلة والإسلام لا أثر له.

خالد الحروب: نعم إذا.. فرج إذا سألتك تُجمِل لنا المكونات الأساسية للكتاب.. أنت ناقشت هنا القبائل المختلفة، هجرات العرب البربر، ثم الهجرة حتى الأندلسيين إلى شمال أفريقيا ومن ضمن ذلك ليبيا.. أن تجمل لنا المكونات الأساسية للكتاب وهي المكونات الأساسية للصيرورة الليبية المجتمعية أيضاً حتى ندخل فيها محور محور؟

فرج نجم: طبعاً الناظر أو الباحث في تركيبة المجتمع الليبي خصوصاً تركيبته القبلية يرى أن الأرضية هي أصلاً كانت أرضية أمازيغية وهم السكان الأصليين للبلد وطرأ عليهم طبعاً العرب بعد الفتوحات الإسلامية، مما أحدث شيء من التمازج ما بين العرب والأمازيغ وخرجت هذه الأقوام الجديدة.. هذه القبائل الجديدة وهي ذات جذور متنوعة سواء كانت أمازيغية أو عربية ولكن عربية اللسان..

خالد الحروب [مقاطعاً]: فقط للمصطلح تستخدم الأمازيغ والبربر وهي نفس.. لأنه أحياناً العرب في المشرق ربّما البعض كلمة الأمازيغ غير معروفة لديهم..

فرج نجم [متابعاً]: هي طبعاً في المصادر العربية والمصادر الأوروبية تُستَخدم كلمة البربر ولكن إخواننا البربر يفضلون كلمة الأمازيغ..

خالد الحروب: إخواننا الأمازيغ يفضلون كلمة..

فرج نجم: إخواننا الأمازيغ نعم يفضلون التعبير الأمازيغي، فبالتالي هو الآن المصطلح السائد، فعندما نقول أمازيغي نقصد البربر والاثنان واحد يعني، فهذا التمازج حدث ما بين هؤلاء القوميين العرب والأمازيغ وأحدث عروبة جديدة، عروبة مغاربية لسانها العربي ودينها الإسلام اشترطت أن يكون من مقومات العروبة هو الإسلام، على العكس طبعا..

خالد الحروب: عن أي سياق.. ضمن أي سياق زمني.. يعني هل عبر كم قرن نتحدث في هذا الكتاب؟

فرج نجم: طبعاً نحن بنحكي في.. نحن نتكلم عندما دخل الإسلام المنطقة العربية مع الفتوحات ولكن عملية التعريب لم تجري على قدم وثاق بالقوة وبالعنفوان إلا بعد هجرة قبائل هلال وسليم في قرن الحادي عشر.. يعني في سنة 1050.

خالد الحروب: دكتور عبد الحكيم ما رأيك في هذه المكونات؟ لو أنت أردت أن تكتب هذا الكتاب هل ستعتبر وتعتمد هذه المكونات نفسها أم تضيف عليها خاصة أن هناك مكون سوف أسأل عنه فرج الآن هو من المقدمة استثناه؟

عبد الحكيم الفيتوري: أنا أشعر أن التقسيم الذي اعتاده الدكتور هو تقسيم اعتَبَرَه من قِبل كتّاب التاريخ والنُسّاب، هذه التفريعات الواسعة للقبيلة وأطرافها تخدم قضية.. حتى في القديم تخدم قضية واحدة هي قضية الائتلافات والتحالفات الأمنية التي تحفظ الأسرة لكن لا تتحول إلى الأمة ومن ثمة إلى الدولة، لكن لو أخذنا نقلة مثلاً تجربة النبي صلى الله عليه وسلم مع القبيلة العربية لأنه هو تشابه القبائل أن النبي صلى الله عليه وسلم قَبِل بالهيكل القبلي ولكن فرّغه من العداء والاستكبار وجعله.. يعني يعيش القضية، فالقبيلة أساساً تجتمع على ثلاث فروع.. النسب والصهر والمشاركة والهيمنة والقوة والأمة تجتمع على وحدة الفكرة والتوجه والبعد الإيماني، فهذه القضية عندما تنفقد أو تغيب في جانب القبيلة تصبح هي القبيلة والدولة واحد ولم تتحول بعد.


اليهود وتأثيرهم في بناء الوطن الليبي

خالد الحروب: نعم، في المقدمة فرج هذا المكوّن الذي أنت استثنيته وقلت أن هذا الكتاب سوف تُركّز فيه على هذا ما ذكرت ولكن اليهود.. يهود ليبيا وزنوج ليبيا سوف لن تغطيهم في هذا الكتاب، سؤالي هو لماذا.. وخاصة أنك تقول هنا.. تبرر.. تقول أنهم لم يَعتبروا أنفسهم أي اليهود أبناء الوطن بل دائماً عاشوا في عزلة عن مجال الحياة الليبية ولم تكن لهم أية إسهامات سياسية أو أدبية سوى التجارة ولم يكن ذلك إلى آخره وكذلك كانت نظرة المجتمع بصفة عامة لهم غير مؤيدة لإدماجهم في الحياة الشعبية، الحقيقة صدمتني هذه المقولة لأنه دائماً نحن نتغنّى بأن اليهود العرب سواء في اليمن أو في المغرب في شمال أفريقيا أو في كل مكان أو في فلسطين عاشوا في وئام وتعايش مع بقية المكونات المجتمعية، أنت هنا تصف وصف.. يعني حتى المجتمع لا يريد أن يدمجه فيه؟

"
اليهود برغم أن وجودهم في ليبيا يسبق العرب فهم شريحة غير متفاعلة منعزلين في حاراتهم أو في مناطقهم وليس لديهم أي نشاط سياسي معروف
"
           فرج نجم

فرج نجم: هذا الواقع حقيقةً اليهود.. يعني بالرغم أنهم طبعاً وجودهم في بلد مثل ليبيا يسبق العرب ولكنهم.. يعني اليهود لم يكونوا شريحة متفاعلة مع بقايا الشرائح، يعني بقوا منعزلين في حاراتهم أو في مناطقهم.. يعني لم نلاحظ لهم أي نشاط سياسي معروف سواء كان إبان الدولة العثمانية أو حتى في الدولة القرمنلية أو فيما بعد حتى دخول المستعمرين، طبعاً فيه حالات استثنائية، فيه أعداد بسيطة جداً كان لها مساهمات وكان لها دور ولكن مجمل الجالية اليهودية لم ترى نفسها أن هي جزء لا يتجزأ من هذه التركيبة القبلية فلذلك نأت بنفسها وعاشت منعزلة.

خالد الحروب: أسأل الأخ عبد الحكيم رأيك بهذه المسألة خاصة أن أيضاً فرج يقول في الكتاب في صفحة 276 و277 أن عدد هؤلاء اليهود تقريباً في بدايات القرن التاسع عشر في طرابلس كانوا ربع السكان وفي بني غازي حسب بعض الإحصاءات ولو كان مبالغ فيها كما يقول نصف السكان فأنت لا تتكلم عن حارة من الحارات تتكلم عن شريحة كبيرة واسعة؟

عبد الحكيم الفيتوري: أنا أشعر أن الإسلام.. يعني إن كانت القبيلة.. مع أن العنوان محاوِره واضحة جداً القبيلة والإسلام والدولة.. إن كانت القبيلة لم تستوعب الإسلام كنقلة كاملة جديدة لن تكون.. يعني لليهود ولا لغيرهم النصيب الذي نحن نتكلم عليه، لكن انتقلنا إلى نموذج عملي وهو دولة النبي صلى الله عليه وسلم عندما تعاملت مع اليهود وتعاملت مع طوائف منها فجعلت اليهود أمة مع المسلمين لهم دينهم ولهم.. وللمسلمين..

خالد الحروب [مقاطعاً]: هذا في التاريخ.. أنا اللي أقوله إن هؤلاء مكوّن من مكونات المجتمع الليبي وشكّلوا نصف عدد السكان في مدن كبرى في ليبيا..

فرج نجم [مقاطعاً]: بس ما تنساش فيه قضية مهمة جداً معظم القبائل العربية سواء كانت في برقة وفي طرابلس كانت تعيش خارج المدن.. يعني الثقل السكاني خارج المدن، كان يعيش في نجوعه وكان مستقل عن الدولة فبالتالي اليهود هم عاشوا في المدينة لأنه طبعاً شنو التحقوا بالسلطان أو بأماكن التجارة.. مراكز التجارة والنفوذ، أما الثقل الحقيقي للقبائل بقى خارج المدن وهذه النجوع أو الأماكن القبلية لم تصل إليها اليهود، فبالتالي عاشوا بمنأى بمنعزل، فبالتالي.. يعني مثلاً اليهود لا نجد لهم قبائل بل عوائل متآلفة عاشت مع بعضها البعض، بينما بقية المجتمع كان يتكون من فسيفساء قبلية معقدة جداً.

خالد الحروب [متابعاً]: نعم، إذا انتقلنا إلى مسألة أخرى، هنا بالباب الأول تبحث في أصل الأمازيغ وتقول إنه ربّما البعض يقول أنهم أعراب قديمة، البعض يقول أصول هندية على أوروبية على جرمانية، البعض يقول من حضارة البحر المتوسط، ما هي الخلاصة؟

فرج نجم: الخلاصة اللي هي استخلصها الأستاذ محمد مصطفى رحمه الله أحد المؤرخين الكبار إن هم أخلاط من هؤلاء الأقوام، يعني كان فيه مدارس البعض يقول إن هم هند.. قبائل هند أوروبية، البعض يقول إن هم حاميين حتى يفرزهم على الساميين العرب، البعض يقول لا هم عرب جاؤوا من بلاد فلسطين وهاجروا إلى المغرب الإسلامي حتى يفسر التمازج اللي صار وبهذه السرعة ما بين العرب والأمازيغ، لكن فيه نظرية وبعد التحقيق رأيت أنهم أخلاط من هؤلاء الأقوام جميعاً، لذلك ترى الأمازيغي الأبيض البشرة والأسمر البشرة، الأمازيغي الذي يعيش في الصحراء والأمازيغي الذي يعيش في الجبل والمدينة وهكذا.

خالد الحروب: سوف نواصل بعد قليل، مشاهدينا الكرام نتواصل معكم بعد هذا الفاصل القصير.


[فاصل إعلاني]

تعريب الأمازيغ بين الترغيب والترهيب

خالد الحروب: مشاهدينا الكرام مرحباً بكم، مرة ثانية نواصل نقاش كتاب القبيلة والإسلام والدولة للكاتب فرج نجم عن ليبيا، دكتور عبد الحكيم توقفنا عند الحديث حول البربر وأصول الأمازيغ أقصد وهنا فيه فصل كامل يُفرده نجم حول التعريب.. تعريب الأمازيغ هل كان بين الترغيب والترهيب؟ وهو طبعاً يُرجح مسألة الترغيب والاندماج العفوي والطوعي، البعض يقول أن عكس ذلك هو الذي حصل بدليل ما أشار إليه أيضاً نجم في الكتاب أن البربر.. إحدى المقولات أن البربر ارتدّوا عن الإسلام اثنتي عشر مرة وحتى عهد موسى بن نصير، فما رأيك في مقولة أنهم أقسِرُوا على التعريب ولم يرُغّبوا به؟

عبد الحكيم الفيتوري: والله هي إشكالية كبيرة لا أستطيع أن أتكلم فيها بشيء من الإسهاب لعل الدكتور فرج هو أكثر مني جدارة في هذا الموضوع وأتمنى أن يكون هناك أخ لي أمازيغي يتكلم في هذه الخصوصية لأن هي شائكة، أزيد على ذلك أن جزء كبير مما نُقل لنا في التاريخ يحتاج إلى تمحيص وإلى تدقيق من ناحية الإسناد ومن ناحية صحة ما حصل يا إما ترهيباً أو ترغيباً والأمر أنني أحسب أنه يحتاج إلى نوع من..

خالد الحروب [مقاطعاً]: ورأيك..

عبد الحكيم الفيتوري [متابعاً]: أنا أعتقد أنه ليس من السهل.

فرج نجم: أنا هذا الباب عندما درست فيه عملية التعريب رأيت أن اسميه التعريب بين الترغيب والترهيب ولها دلالات، أعتقد أن الترغيب كان هو العنصر الرئيسي في تعرب البربر بعدما قاوموا الإسلام لأكثر من 86 سنة مثلاً في ليبيا وعملية استقرار الإسلام لم يستقر إلا بعد فتح الأندلس.. يعني بعد موسى بن نصير ولكن هنالك كان بعض المُرهبات في التعريب.. يعني مثلاً الإملاءات.. عنفوان العرب، حكام العرب، شوكة المعسكر العربي، المهاجرين العرب وسلطانهم، هذه الأشياء كلها لعبت دور في ترغيب أو ترهيب البربر إلى العروبة.

خالد الحروب: هل هناك نسبة.. فرج هل هناك نسبة ولو تقديرية لناحية عدد السكان.. يعني ما نسبة الأمازيغ لنسبة العرب؟

فرج نجم: مثلاً في بلد زي ليبياً؟

خالد الحروب: زي ليبيا.

فرج نجم: ما فيش إحصائيات دقيقة، لكن البعض يقول ما بين خمسة حتى البعض يوصلها إلى 15%.

خالد الحروب: الآن في الفصل الذي يليه وهو فصل وصول آل عثمان إلى كرسي السلطان وسوى ذلك وتصف وصول العثمانيين إلى ليبيا والشمال الأفريقي وأيضاً نزوح الأندلسيين إلى ليبيا بعد سقوط غرناطة وسيطرة ما نسميه الكتلة الإنكشارية على الدولة العثمانية وهذا انعكس أيضاً على الوضع الليبي، ما هي هذه الصيرورة؟ كيف أثر ذلك على الوضع الليبي.. وضع المجتمع الليبي وإلى أي المسارات وجههم؟

فرج نجم: طبعاً قدوم العثمانيين الأتراك إلى ليبيا لم يكن احتلال كما يُصوره بعض إخواننا المشارقة في الوطن العربي ولكن قدوم العثمانيين كان بدعوة من الليبيين أنفسهم، فيعني وجهاء الليبيين والعلماء ذهبوا إلى أسطنبول عاصمة الخلافة وطلبوا من سليمان القانوني أن يخلصهم من فرسان القديس يوحنا الذين احتلوا طرابلس بعد ما احتلتها أسبانيا وسلمتها لهم، فإذاً دخول ليبيا تحت العباءة العثمانية كان طوعاً ولم يكن قسراً، العثمانيين طبعاً عندما جاؤوا، جاؤوا بتنظيمهم العسكري اللي هو طبعاً كان فيه الإنكشارية وما إلى ذلك من (كلمة غير مفهومة) وغيرها وهذه طبعاً انعكست على التيبة القبلية الليبية لأن هم قابلوا.. قاموا بعملية التجنيد المماثلة اللي كان يقوم بها العثمانيين في الأناضول وفي روميليا ومناطق أوروبا التي كانت تحت السيطرة العثمانية ولكن في هذا البلد.. في هذه الرقعة الجغرافية التي تعرفنا عليها باسم ليبيا قاموا بتجنيد هؤلاء الناس، مما انبثقت عنه قبيلة جديدة أصبحت تلتزم بالقاموس وبأخلاقيات القبائل الليبية بس تحت عباءة الحكام العثمانيين.

خالد الحروب: يعني بهذه الصيرورة أسألك دكتور عبد الحكيم إنه بسبب وجود العثمانيين ويقول فرج أن الجنود الأتراك تزوجوا من النساء المحليات وغير ذلك الجواري وخلافة وأنت الجيل الجديد.. هذا الجيل الجديد هو هذه القبيلة الكراغله اللي سماها التكرغل لأنها أسست تقريباً عصبية جديدة في المجتمع والدولة الليبية، ما رأيك في هذا التحليل والتوصيف؟

عبد الحكيم الفيتوري: لو رجعنا إلى الدولة والإسلام والقبيلة.. لو رجعنا من جديد القبيلة والإسلام والدولة، إن الدولة قامت على أساس قبلي، لم تتحول بعد إلى الأمة من الأمة بمفاهيم الإسلام الصحيحة، فمثلاً لو أخذنا الدولة الإنكشارية عندما قامت قامت على الفروع الثلاثة، النظام القبلي قامت الكراغله وهم الساسة ثم الأعراب والأمازيغ وهم الجند ثم الأشراف وهم التعبئة الروحية والتعليمية، إذاً الإشكالية قامت على إما نَسَب وإما مصالح مشتركة وإما على قوة وهيمنة وهذه إشكالية، لكن في الفكر الصحيح.. في تحول الدولة أو القبيلة إلى الدولة عادة تقوم إلى أمم كما حصل الآن في الغرب، إلى توحّد في القصد والفكر والتوجه، فالواضح أن الدولة قامت على أساس قبيلة وهذا طبعاً.. تكملة بسيطة.. حتى في التاريخ الشمال الأفريقي بعد ذلك الدويلات كلها قامت على أساس أسري، الصنهاجين، الحفصيين، قامت حتى في التاريخ المشرقي أمويين، عباسيين سلاجقة، فللأسف من الواضح أنها من بعد الفتنة حصلت نوع من الإنكسارة في مفهوم الأمة ورجعت من الأمة إلى القبيلة فأصبحت الدويلات تقوم على هذا الأساس.

خالد الحروب: فرج في الباب الخامس هنا الذي يلي تتحدث عن المرابطين أيضاً كمكوّن آخر من مكونات المجتمع الليبي قيد التكوين، الآن وتصنع نوع من التفريق بينه وبين دولة المرابطين في المغرب وحتى مفهوم المرابطين.. يعني كما ربّما يتبادر إلى أذهان كثير من الناس، أولاً ما هو هذا الفرق وما هو دورهم في السياق الليبي؟

فرج نجم: طبعاً نحنا أداءً يجب أن نميّز لغوياً لأن فيه تمييز تاريخي وجغرافي، المرابطون طبعاً هذه دولة قامت في المغرب الأقصى وكان.. يعني أغلبها من قبيلة الصناهجة الملثمون، أما المرابطين هم أقوام مختلفي الأعراق منهم الأمازيغ المستعربة، منهم من قبائل عرب الفتح، ثم من قبائل الهجرة هلال وسليم، ثم من السادة الأشراف، هذه الشرائح المختلفة انصهرت فيما يسمي بالرباط وهي كانت ترابط على السور لحماية دولة الإسلام من الأعداء وخصوصاً الرومان والبيزنطيين والأوروبيين فيما بعد ولكن هذه الشريحة على مدى السنين وخصوصاً عندما كان للصوفية لها أثر كبير جداً في تكويناتها تمازجت وخلقت نسيج اجتماعي يسير جنباً إلى جنب إلى الأنسجة القبلية سمي بالمرابطين ولذلك هؤلاء الناس لعبوا دور كبير جداً في التعبئة الروحية كما تفضل الدكتور وقال، نزع.. إيقاف الخلافات والتعبئة الروحية وتعليم الأطفال وغيرها.

خالد الحروب: يذكر الدكتور فرج هنا ملاحظة سريعة ولكنها استوقفتني، يقول أن هؤلاء المرابطين هم الذين طبعاً صدوا على ثغور الإسلام صدوا الهجمات وإلى سوى ذلك وكان هم السبب في عدم وجود أي مسيحي في شمال أفريقيا، إنه كان هما إلى حد ما.. ما رأيك في هذا؟

"
انصهرت القبائل الليبية وسميت بالرباط لأنها كانت ترابط على السور لحماية الإسلام من الأعداء والواضح أنهم لعبوا هذا الدور على أحسن وجه، لذلك ليبيا لا يوجد فيها أقلية إلا اليهود
"
عبدالحيكم الفيتوري

عبد الحكيم الفيتوري: هو كلمة المرابط هو أخِذِت من رابط في سبيل الله، هو الرباط هو الجلوس في أماكن متقدمة لحماية الأمة في عقائدها أو ما شاكل ذلك، فالواضح أنهم أدوا هذا الدور على أحسن وجه، فمنعوا كل الديانات ولهذا ليبيا لا يوجد فيها أقلية إلا اليهود لأنهم أسبق من..

خالد الحروب [مقاطعاً]: لكن أقصد.. يعني كان فيه رباط أيضاً حتى في بلاد المشرق، كان هذا.. يعني حتى فكرة الرباط ليست مقصورة على المغرب العربي الكبير لكن ربطها إنه هذا هو السبب في عدم وجود مثلاً جاليات مسيحية في المغرب العربي، إلى أي مدى من ناحية علمية وأكاديمية هذا الربط.. يعني مبرَر لا أعرف لكن ربّما نقطة هامشية إذا ذكرت ليست..

عبد الحكيم الفيتوري [متابعاً]: لكن بقي المرابطون لم يلغوا كل الديانات لأن.. هذا الدليل أن اليهود بقوا.

خالد الحروب: نعم، إذا انتقلنا فرج إلى هذا الفصل المهم السادس الذي حول هجرات الليبيين وهذا فصل ممتع جداً، هجرات الليبيين إلى المحيط، إلى تونس، إلى مصر، إلى تشاد أيضاً وكيف تفاعلوا معهم وأيضاً الهجرات التي صبت أيضاً في ليبيا، أولاً أعطيني بانوراما سريعة وموجزة ثم.. يعني أعطينا هيك صورة مجملة حول هذه الهجرات ثم أسبابها.

فرج نجم: طبعاً كما تعلم هذه الرقعة الجغرافية مثلاً التي نتعرّف عليها في ليبيا هي جسر ما بين المشرق والمغرب فبالتالي كانت فيه هجرات وهجرات عكسية، سواء كان لأسباب سياسية أو لأسباب دعوية أو لأسباب تعبدية، يعني مثلاً ناس يأتوا من المغرب إلى المشرق للحج مثلاً وناس يأتوا من المشرق إلى المغرب هروباً مثلاً من النزاعات اللي كانت تحدث في المشرق كما حدث مع العدارسة ولكن هذه الإشارات تركت آثارها وبصمتها على المجتمع الليبي، لذلك المجتمع الليبي تقدر تقول.. يعني أغلبه متكوّن من عناصر طايعة..

خالد الحروب [مقاطعاً]: أسألك بشكل مباشر، ما الذي جاء بالسنوسي من الجزائر وما الذي أخذ البورقبيين إلى تونس؟

فرج نجم [متابعاً]: يعني مثلا الطريقة السنوسية ومؤسسها السيد محمد بن علي سنوسي هو جاء إلى برقة بالمصادفة لأنه هاجر.. درس في المغرب ومن ثمة الجزائر بلده وجاء لتونس ومن ثمة جاء إلى مصر والسعودية وأسس أول زاوية له في جبل أبو قبيس في مكة المكرمة ولكنه لم يستقر هناك، جاء إلى مصر وبالتالي لم يستقر لأن الأزهر كان في عنفوانه وجاء إلى ليبيا.. إلى هذه المنطقة النائية من ليبيا وهي برقة واستقر هناك ووجدت دعوته إقبالاً من قِبل الناس، لكن في نفس الوقت كان فيه هناك عوائل ليبية وقبائل ليبية هاجرت إلى دول الجوار ولعبت دور كبير جداً.

خالد الحروب: طيب نسأل عن هذه الهجرة الأخ عبد الحكيم بأخر ملاحظة اللي هي..

عبد الحكيم الفيتوري [مقاطعاً]: أنا أتعبك وأرجع بكم إلى العنوان نفسه، الهجرة كانت من طرف اعتداء القبائل بعضها على بعض، أي عنصر الإسلام لم يأخذ بعده بعد، أي لم تجتمع القبيلة على البعد الإيماني والبعد الأخلاقي والبعد القانوني، انفقدت هذه الأشياء فأصبح هي كما قال ذلك الشاعر إن إلا من غزي إن غوت غويت وإن ترشد غزي أرشد فهي في حماية واحتماء بالقبيلة، فالقبيلة توفّر بمعنى أن القبيلة كرست الفردية في..

فرج نجم [مقاطعاً]: بس السيد السنوسي عندما أتى إلى المنطقة كان هدفه ومشروعه كان إيماني وهو توعية الناس وإخراجها من مراسم الجاهلية وما..

خالد الحروب [متابعاً]: برقيبة إلى تونس.

فرج نجم: وتونس كانت تجارية محضة، جدة كان تاجر كبير هاجر بعبيده وأمواله وذهب إلى تونس حتى يولد وكون تونس الحديثة.

خالد الحروب: شكراً فرج وشكراً عبد الحكيم وشكراً لكم مشاهدينا الكرام على متابعتكم وكنا قد ناقشنا معكم اليوم مع ضيوفنا هنا كتاب ليبيا القبيلة والإسلام والدولة من تأليف الدكتور فرج نجم المختص في تاريخ ليبيا الذي أشكره على وجوده معنا، فشكراً جزيلاً وكذلك أشكر الدكتور عبد الحكيم الفيتوري الباحث والأكاديمي المختص بالفكر والتاريخ الإسلامي وإلى أن نلقاكم الأسبوع المقبل هذه تحية من معد البرنامج الزميل عبد المعطي الجعبة ومني خالد الحروب ودمتم بألف خير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة