احتفالات جنوب أفريقيا بيوم الشباب   
الاثنين 1429/6/27 هـ - الموافق 30/6/2008 م (آخر تحديث) الساعة 12:28 (مكة المكرمة)، 9:28 (غرينتش)

- نظام الفصل العنصري ومدينة الصفيح
- انطلاق حركة الوعي الأسود ومظاهرة الشباب

- العمل السري وبداية النهاية

- سويتو.. طريق النضال الطويل


ريم أبو زيد
لولو مابيسيلا
 سارة مسوان
 بونجاني ديريك زوي
 أوبا مولوتو
 مورفي موروبي

مشارك: إنني الشاهد، رأيت ذلك يحدث، العديدون ماتوا والعديدون تعرضوا للتعذيب، الكثيرون دخلوا السجن، البعض تم رميهم من النوافذ في سجن "جون فوستر كوار" والباقون اختفوا.

نظام الفصل العنصري
ومدينة الصفيح

ريم أبو زيد: يحتفل جنوب أفريقيا كل عام بيوم الشبان في 16 يونيو ففي هذا التاريخ تحديدا من عام 1976 انتفض شبان سويتو ضد نظام بريتوريا العنصري الذي فرض الأفريكانية لغة رسمية للتعليم، يوم بدأ سلميا وانتهى داميا فشكل بداية النهاية لنظام الفصل العنصري. كلمة واحدة يقوم عليها كل تاريخ جنوب أفريقيا في القرن العشرين ألا وهي أبرتايد، وهي كلمة أفريكانية تعني باللغة العربية العيش على حدة، أما المصطلح السياسي المرادف لكلمة أبرتايد فهو نظام الفصل العنصري. هذا النظام السياسي الذي ساد في جنوب أفريقيا بين عام 1911 وعام 1989 قام أساسا على مبدأ التمييز العنصري. منح نظام الفصل العنصري الأقلية الأفريكانية المنحدرة من أصول أوروبية والتي تشكل أقل من 30% من عدد السكان منحها كافة السلطات السياسية والاقتصادية على السكان السود، هذه الإجراءات التمييزية كان من المفترض في البداية أن تكون إجراءات مؤقتة إلا أنها ما لبثت أن تحولت إلى قوانين في عام 1948 ولكن ما لبث التمييز العنصري أن شمل كافة مناحي الحياة اليومية لسكان جنوب أفريقيا.

لولو مابيسيلا/ مراقبة متقاعدة في التعليم: كانت هناك أماكن للبيض وأماكن للسود في الباصات ومراكز البريد وفي المصارف، في المصرف كان هناك تقسيم، البيض من جهة والسود من جهة أخرى حتى أن الأبواب كانت مقسمة، إذا ارتكبت خطأ وسلكت الباب المخصص للبيض لأن البعض عاجز عن القراءة فقد ارتكبت هفوة مثلا فكانوا يدفعون الشخص الأسود وكأنه كلب أو يوقفونه ويسجنونه لأنه استعمل الباب المخصص للبيض، حتى في بعض الكنائس أتذكر عندما كنت طالبة أحضر شهادتي الثانوية كانت هناك كنيسة معلق عليها لوحة تقول "ممنوع دخول السكان الأصليين والكلاب إلى هذه الكنيسة".

انطوانيت سيئولي/ مرشدة في متحف هكتور بيترس: لم نفهم ما قالوه، لم نكن نعمل وهم كانوا يعملون يوميا لذا في أغلب الأمور التي حصلت معهم كانوا يعودون من العمل ويقولون لنا اليوم حصل معنا هذا. عرفنا أن هناك حمامات مخصصة للبيض وأخرى للسود، علمنا بذلك لكننا اعتبرنا بعض الأحداث التي وقعت أكاذيب، شعرنا بذلك عندما فرضت علينا الحكومة تعلم لغة الأفريكان، هنا حصل الفرق عندئذ قلنا أخبرونا بهذه الأمور لكننا لم نأخذها يوما بعين الاعتبار لكن هذه الأمور أصبحت واقعا ونحن نواجهه لذا ما العمل؟

معلمة: لماذا يحتاج السود لحمل جواز مرور؟ ماذا عن باقي المجموعات العرقية؟ هل ستجيبون على هذا السؤال؟

ريم أبو زيد: فرض نظام الفصل العنصري على الأغلبية السوداء نظام التعليم الذي عرف بالبانتو وهو جزء لا يتجزأ من النظام السياسي العنصري الذي كان سائدا آنذاك فكانت الحكومة تنفق على تعليم الطفل الأبيض ما يعادل 14 مرة ما كانت تنفقه على تعليم الطفل الأسود.

معلمة: أحداث العام 1976 لها علاقة بالتعليم، كانت لدينا أنظمة تعليم مختلفة مدارس مختلفة، مدارس للسود ومدارس للهنود ومدارس للملونين ومدارس للبيض.

ريم أبو زيد: صدر قانون تعليم البانتو في عام 1953 لتكريس مبدأ التمييز العنصري التعليمي، منذ هذا التاريخ أصبح إقدام طفل أسود على التعليم عملا بطوليا بكل المقاييس فالدراسة باهظة التكاليف والفصول مكتظة بأعداد كبيرة من التلاميذ فضلا عن التلاميذ الذين يتلقون دروسهم تحت الخيام في الشوارع. أرادت الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا خلق طبقة عاملة سوداء يمكن استغلالها بأبخس الأثمان ومن هنا كان على السود أن يتعلموا منذ نعومة أظافرهم أن المساواة مع البيض أمر لا يتناسب معهم.

لولو مابيسيلا:
نتيجة لذلك وحتى الآن في جنوب أفريقيا لدينا معدل مرتفع من الأمية، لا يجيد أغلبية الناس القراءة والكتابة، لا نريد أن يكون السود مثقفين لأنهم إذا نالوا الثقافة فلن يصبح لدى البيض أشخاص يعملون لحسابهم، على السود أن يعرفوا أنهم لا بد وأن يظلوا خدما للبيض حتى أنه يقال علموا الرجال القليل من الرياضيات وامنحوا الناس القليل من الثقافة كي يتمكنوا من القول صباح الخير يا سيدي أبحث عن العمل، صباح الخير يا سيدتي أبحث عن عمل، شكرا يا سيدتي. قالوا لا تعلموهم أكثر من ذلك.

ريم أبو زيد: في عام 1975 قرر وزير شؤون البانتو أن يكون تدريس نصف المواد في مدارس السود باللغة الأفريكانية وهي لغة الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا، في ذلك الوقت كانت تلك المدارس تعاني من نقص حاد في عدد الفصول والوسائل التعليمية وأيضا من ضعف في مستوى المعلمين.

لولو مابيسيلا: أصدروا تعليما يقول إن التلاميذ رسبوا باستمرار ليس لأنهم كانوا أغبياء أو لأنهم عجزوا عن الفهم بل لأن المعلمين الذين درسوهم عجزوا عن فهم لغة الأفريكان.

سارة مسوان/ مدرسة متقاعدة: كان ذلك فظيعا بمعنى أنه مثلا، دعيني أعطيك مثلا لنتكلم عن الرياضيات، تعبير الرياضيات بالأفريكانز كيف كان يفترض بالأولاد أن يفهموا ويستوعبوا الرياضيات بلغة الأفريكانز؟

معلمة: لم يكن التلامذة يريدون الدراسة بلغة الأفريكان، حسنا فلنستمع لهذه المجموعة، ما هو الموضوع؟

تلميذ: لم يشأ السود والبيض العيش معا.

سارة مسوان: لم يكن لدينا خيار، لم يعطونا فرصة، لم يكن لدينا خيار كمعلمين لأنهم قالوا لنا إما أن تعلموا أو ترحلوا. كان هذا سيحصل معنا إذا قدمنا احتجاجا إما أن نفعل وإما أن نرحل. هؤلاء الأولاد قد أنقذونا.

مايكل مويبولاي/ عاطل عن العمل: شعرنا بأنه علينا أن نظهر أننا ضد ما حاول هؤلاء فعله بنظامنا التربوي لأننا لم نحب لغة الأفريكانز، أردنا أن نظهر لهم أننا لم نحب تلك اللغة.

ريم أبو زيد: اسم سويتو هو اختصار للعبارة الإنجليزية التي تعني الحي الفقير الواقع في الجنوب الغربي، سويتو التي تعرف بمدينة الصفيح هي بلدة شاسعة عزلت بها آلاف العائلات السوداء دون الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة. ولكن سويتو هي أيضا بلدة نلسون مانديلا والأسقف توتو وغيرهم من الأسماء التي خلدت في ذاكرة جنوب أفريقيا.

بونجاني ديريك زوي/ مستشار في بلدية سويتو: سويتو أكبر مدينة صفائح ليس فقط في جنوب أفريقيا لكنها أكبر مدينة صفائح في كل القارة الأفريقية. الشعب هو الذي جعلها مدينة ذات نفوذ كبير ويجب أن نفهم أنه بوجود شعب كبير العدد هناك عدة أنواع من الناس، المفكرون وأشخاص قادرون على تحقيق الأمور. التأثير الآخر آت من أشخاص مثل مانديلا وسيسولو وقادة أخرين، كانت سويتو مركزا بالنسبة إلى أغلبيتهم، على الصعيد الثقافي تختلف سويتو عن المناطق الأخرى.

لولو مابيسيلا: لذا قام البيض بنقل السود الذين يعيشون في جوهانسبورغ لم يودوا أن يكون السود جيرانهم لذا نقلوهم إلى مدن الصفيح الجنوبية الغربية، عندما نقلوهم إلى هناك ظنوا أنهم يبعدونهم لكنهم اكتشفوا أنهم يوحدون الشعب، لأنه لم يكن هناك أناس بيض في سويتو استطاع الشعب أن يتحد وأن يجلس مع بعضه البعض ويخطط ويقرر ما يريد فعله من دون أن يسمع أحد ذلك. كانت تلك نعمة بالنسبة إلينا أن يتم نقلنا بعيدا عن البيض ونعيش هنا بمفردنا.

بونجاني ديريك زوي: سويتو كانت هدفا ركزت عليه قوى التمييز العنصري، عرفوا أنهم لو ضبطوا سويتو فلن تتمكن المناطق الأخرى من القيام بما تريده، بالمقارنة مع مناطق أخرى نحن منظمون أكثر في سويتو.

لولو مابيسيلا: إذا نظرنا جيدا بدأت أغلبية الأحداث التاريخية في سويتو ثمة مثل يقول "عندما تعطس سويتو يصاب البلد بأسره بالأنفلونزا".

انطلاق حركة الوعي الأسود ومظاهرة الشباب

ريم أبو زيد: اعتبارا من منتصف السبعينيات بدأت حركة الوعي الأسود والتي كان يتزعمها ستيف بيكو في تعبئة طلبة الجامعات والمدارس ومن هنا أصبح ظهور جيل من الشباب ليكون على رأس الكفاح ضد نظام الفصل العنصري أمرا محتوما.

أوبا مولوتو/ مدير شركة: قبل 1976 كانت هنا نشاطات طلابية، كانت هناك حركة الطلاب في جنوب أفريقيا التي كانت تعمل على إيقاد وعينا وتعليمنا ما هو سبب تجميع الإثنية، لأن النظام خطط في تلك الحقبة للتقسيم والحكم عندئذ شاركنا في حلقات حوارية، آنذاك كنت في الصف الأول كان هناك الطلاب الأكبر سنا الذين تلقوا دروسا بالإنجليزية وقد استطاعوا التعبير عن انفسهم لكن أغلبية المواضيع التي استعملوها آنذاك كانت سياسية وكان الأصغر سنا معجبين بهم وشعروا بأنهم سيكونون في الموقف ذاته.

مورفي موروبي/ رئيس مؤسسة كاجيزو ميديا: كانت حقبة مثيرة لأنه بعد أن شاركنا في منظمات طلابية على مدى أعوام وفي ما كان من الصعب جدا جعل الطلاب يشاركون في نشاطات سياسية عرضت علينا مسألة الأفريكانز إمكانية مثيرة لأنه عندما بدأنا بمحادثة الطلاب بدؤوا يتجاوبون معنا.

مايكل مويبولاي: أتذكر أنني شاركت بنقاش بعنوان "أما زالت أفريقيا غير ناضجة وعاجزة عن نيل الاستقلال التام؟" كان هذا أحد المواضيع المفضلة التي ناقشناها عندما اجتمعنا.

سيبونجيلي مخابيلا/ رئيسة جمعية مانديلا للأطفال: قبل 16 يونيو كانوا عند مستوى عال من التفاعل والالتزام وطرح الأسئلة وتحضير المنصات للشباب، كانت هناك مدارس شتوية يشارك المرء فيها لذا حصل الكثير على صعيد صياغة أذهان الشباب وتفكيرهم في مناطق مختلفة جدا وكان هذا جزءا مما أصبحنا عليه أو مما كناه.

سيث مازيبوكو/ مستشار في التعليم: قبل 16 يوليو كنت هاربا، لاحقتني الشرطة لأنني كنت قائدا في مدرستي قبل ذاك التاريخ، هذا أولا. ثانيا في ذاك الوضع كان بعض الأهالي خائفين، كانوا خائفين جدا من نظام التمييز العنصري قالوا لنا نحن الأولاد لا تقولوا شيئا إياكم لا تقولوا شيئا أبدا ضد الحكومة لأنكم ستدخلون السجن لأعوام طويلة مثل مانديلا.

سيبونجيلي مخابيلا: على المرء أن يعود إلى المواضيع التي كانت حاضرة وإلى ما كان على المحك، ما كان على المحك آنذاك هو أن نظامنا التربوي كان مهددا، نحن من عائلات فقيرة جدا لكن ثمة أمر ليس مطروحا للتفاوض وهو التربية.

مورفي موروبي: ساد توتر كبير في الأيام السابقة بالنسبة لنا لكننا حافظنا على هدوء ظاهر ولم نطلع أهالينا على ما يجري، ذهبوا إلى العمل بشكل طبيعي ولم يعلموا بما خططنا له حتى صباح 16 يونيو عام 1976.

سيبونجيلي مخابيلا: ما هو مهم بنظري والذكرى الوحيدة التي حملتها معي هي ترتيب المظاهرة والطاقة الموجودة فيها وهذه القدرة على الرؤية، أتعلم، سذاجة الشباب التي أحسست بها بما أنني تابعت العمل معهم وسبب تعلقي بالشباب هو قدرتهم على رؤية واقع آخر، هم يرون المشاكل الحالية كمصاعب حالية لكنها لن تدوم طوال حياتهم، المهم كان وجودهم في ذاك النهار والإيمان بأنه مع نهاية ذاك النهار أو ذاك الأسبوع كنا سوف نحقق ما قررنا تحقيقه، أقله على صعيد التربية.

مورفي موروبي: نظمنا الطلاب على شكل صفوف مختلفة تتقدم من أقسام مختلفة من سويتو باتجاه نقطة معينة حيث سنلتقي جميعا في وقت معين، كنت أدرس في ثانويتي وهي ثانوية موريس آيزوكسون وفي نهاية اجتماعنا الصباحي خرجنا من الصفوف ببذاتنا المدرسية وحملنا راياتنا وخرجنا إلى الشوارع واتجهنا صوب شارع أورلندو ويست حيث كان سيلتقي الجميع، كنا نأخذ معنا مدارس ثانوية أخرى وطلابا آخرين وأصبح الصف والحشد أكثر طولا. غنى الكثيرون وساد شعور عارم بالإثارة بالنسبة إلي وإلى عدد من زملائي بدأنا نفكر فيما سيحدث بعد ذلك، فيما سيحصل بعد وصولنا إلى تلك النقطة، فيما سنفعله غدا أو حتى في نهاية النهار. لكن كانت لدى الشرطة خطة مختلفة طبعا.

روبرت زوندو/ بائع متجول: في هذا النهار وفي هذه المنطقة كان من المفترض أن يتجمع هنا كل طلاب سويتو كي يقوموا بالمظاهرة السلمية لكن بعد عشر أو خمس عشرة دقيقة تلقت الشرطة معلومات تفيد بأن الطلاب يتظاهرون، قالوا لنا إن المظاهرة غير قانونية لأننا لم نتقدم بطلب لجعل المظاهرة شرعية. عندما وصلت الشرطة طلبت من الطلاب أن يتفرقوا في غضون ثلاث دقائق لأن المظاهرة غير قانونية لكن الطلاب عزموا على أن يظهروا للحكومة رفضهم للقرار الذي اتخذته وبالأخص بشأن الطلاب السود.

ملوبجيجي جولورا/ مدرس مساعد في أورلندو ويست: أطلقوا علينا الكلاب، طُعن أحد كلاب الشرطة عند زاوية الشارع ومات، بدءا من تلك اللحظة راحت الشرطة تطلق النار مستعملة ذخائر حقيقية لذا انفتحت نار جهنم كما يقولون عادة، قتل هيكتور والعديدون.

الشاهد: لم أتمكن من إغماض عيني عندما أصيب هيكتور بيترسن بنيران الرشاشات الآلية والقنابل، وتدفقت الدماء في كل مكان، أقول: مهما حصل ومهما قالوا إنني الشاهد!

سيبونجيلي مخابيلا: كنت غاضبة جدا، كنت غاضبة جدا وشعرت باشمئزاز كبير، بالنسبة إلي كانت نقطة اللاعودة إلى الوراء، كان مستحيلا أن لا نتابع بل كان علينا التصعيد، عرفنا أننا بدأنا بالمسائل البسيطة والصغيرة في حقل التربية لكننا عرفنا أن أمورا أكثر أهمية كانت خطأ وانطلاقا من تلك النقطة ما عادت مسألة التعامل مع بعض الأمور الخطأ في حقل التربية أصبح الموضوع تحرير السود.

[فاصل إعلاني]

مايكل مويبولاي: فوجئت لأنني لم أتوقع أن يتصرف رجال الشرطة بهذا الشكل لكننا لاحقا عندما التقينا مع طلاب آخرين شعرنا بأنه لا داعي لدينا للخوف، أقله كان علينا أن نفرح لأن العديد من الناس سويتو أفلت من الطغيان الذي حاولت الحكومة فرضه علينا.

سيبونجيلي مخابيلا: وقع أموات، لم نتوقع ذلك قط لكن سقط عدد من الأشخاص قتلى وقد شعرنا بأنها ستكون قلة احترام لو تراجعنا، لو قللنا احترام الذين دفعوا الثمن الأغلى من دون أي ضرورة لأن كل ما حفظناه كان المظاهرة المسالمة والمحتشدة.

مورفي موروبي: السرعة التي تفشى بها الغضب عبر المنطقة عندما سمع الأهالي بذلك وكان الوقت تقريبا منتصف النهار عادوا باكرا من العمل، كانت القطارات مكتظة عند الظهر مع عودة الأهالي من العمل فيما دخلوا المنطقة. إذا وقفت في نقطة عالية لرأيت المنطقة كلها غارقة في الدخان والنيران بالأخص أنه تم إحراق المباني الحكومية على أيدي الطلاب، ومع عودة كل الناس إلى منازلهم مساء ازداد الوضع سوءا.

ريم أبو زيد: كان هيكتور بيترسون البالغ من العمر آنذاك 13 عاما هو أول القتلى برصاص الشرطة في ذلك اليوم الدامي، صورة جثته النازفة يحملها رفيق له وإلى جواره شقيقته جابت العالم بأسره وأصبحت رمزا للكفاح ضد التمييز العنصري. في أعقاب أحداث سويتو قامت الشرطة بتفتيش المدارس والمنازل بحثا عن الطلبة المشتبه بقيامهم بتنظيم المظاهرة، بعد 16 يونيو عام 1976 تم القبض على أكثر من ألفي شخص واحتجازهم، عدد كبير من البنات والأولاد الذين كانت تتراوح أعمارهم بين 13 و24 تم تعذيبهم حتى مات منهم حوالي 11 شابا وشابة في أقسام الشرطة.

مايكل مويبولاي: كان ذلك صعبا، كان ذلك صعبا للغاية ولم يعد عدد منا إلى الخلايا ولم نعلم بما جرى وقد عرضنا ذلك للخطر جعلنا نشعر بأننا لسنا بأمان. لم يستطع أحد إخبارك بما حصل مع الشباب الآخرين الذين أتوا إلى الخلية في اليوم التالي ما عادوا هنا، استجوبونا أرادوا أن يعرفوا من الذين بدؤوا بكل شيء، أردنا أن نقول لهم إنه ما من شخص واحد بدأ بذلك بل إننا بدأنا بذلك كمجموعة طلاب، لم يفهموا ذلك، ربما شعروا بأن هناك مواطنين آخرين وبلدانا أخرى أرادوا استغلالنا في مسألة الأفريكانز.

مورفي موروبي: لكن غمرت الفرحة عقولنا كثوار شباب آنذاك لأننا شعرنا بأن شيئا ما بدأ يؤتي ثماره وعلينا أن نتابع العمل بشكل واضح لذا بالنسبة لنا لم نكن سنعود إلى المدرسة بعد أن نظمنا المظاهرة ضد لغة الأفريكانز. في منتصف الشهر رحنا نتكلم عن وضع حد للنظام حتى إن مناشيرنا ورسائلنا بدأت تتغير وتقول لغة الأفريكانز جزء صغير من المعادلة الكبيرة، لدينا فرصة الآن الجميع متأهبون الشعب يدعم جهودنا لذا علينا أن ندعم هذه الفرصة لأن التاريخ لا يقدم هذه الفرص إلا مرة واحدة.

العمل السري وبداية النهاية

ريم أبو زيد: إلا أن جزءا من هذه المجموعة الثورية التي بدأت تُعرف بدفعة 76 اتجهت إلى العمل السري أو سلكت طريقا آخر قادها خارج حدود جنوب أفريقيا للحصول على تدريب عسكري تحت إشراف المؤتمر الوطني الأفريقي والمؤتمر الأفريقي الأفريقي.

أوبا مولوتو: كان لدينا اعتقاد فيما أننا كنا ندرك لكوننا شباب آنذاك بأنه علينا أن نلحق بالعدو أذى أكبر من الذي يلحقه هو بنا لذا علينا النظر بإستراتيجية جديدة وكيفية التصرف، عندئذ أنشأنا الحركة السرية.

بونجاني ديريك زوي: خلال تلك المرحلة دخل الناس إلى البلد وخرجوا منه، عمل عدد منا معهم في السر، أتى الناس من الخارج وقاموا بالعمل هنا ثم عادوا إلى قواعدهم في أفريقيا أو روسيا.

ريم أبو زيد: أدان المجتمع الدولي نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في أواخر السبعينيات فعاش هذا النظام حقبة الثمانينيات في ظل العقوبات الدولية المفروضة عليه إلى جانب الحروب التي كان يخوضها ضد جيرانه خاصة أنغولا وموزمبيق اللتان كانتا تؤويان معسكرات التدريب التابعة لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي، خلال هذه الفترة شرع هذا النظام في تطبيق بعض الإصلاحات السياسية الطفيفة التي لم تمس من قريب أو بعيد الطبيعة العنصرية لهذا النظام ولكنها ساهمت في تأجيل انهياره هذا الانهيار الذي بات محتوما بعد الإفراج عن نيلسون مانديلا.

بعد الثورة التي قادها المؤتمر الوطني الأفريقي حكم على نيلسون مانديلا ورفاقه بالسجن لمدة 17 أو 18 عاما وقد انتهت تلك الأحكام في الفترة ذاتها تقريبا

مورفي موروبي
: عام 1985 وعام 1983 انتهت مدة أحكام بحق أشخاص دخلوا السجن عام 1976 بعد الحكم عليهم بالسجن لمدة خمسة أو سبعة أعوام لكن كانت هناك أحكام رفاق الذين سجنوا عام 1963، بعد الثورة التي قادها المؤتمر الوطني الأفريقي حُكم على نيلسون مانديلا ورفاقه بالسجن لمدة 17 أو 18 عاما وقد انتهت تلك الأحكام في الفترة ذاتها تقريبا. لقد خرج جيل جزيرة روبن في الستينات وأجيالها في السبعينات والثمانينات من السجن في الفترة ذاتها، لم يستطع النظام مواجهة ذلك الأمر لأن الشعب تعرف إلى أفضل القادة الذين كانوا سيقودونه في النضال من أجل الحرية.

بونجاني ديريك زوي: شاركت في حملة إطلاق سراح مانديلا، لا أعرف مانديلا لم أعرفه سابقا لم نعرفه بأغلبيتنا كانت لدينا صورته باستمرار أردنا رؤية وجهه باستمرار. عندما أطلق سراحه لا أستطيع وصف شعوري كان هذا هو شعور الجميع لأننا عرفنا أن إطلاق سراح هذا الرجل وسجناء سياسيين آخرين يعني أن نظام التمييز العنصري قد انتهى.

مسؤول: أود التشديد على أن الحكومة بإلغائها لكل أشكال التمييز العنصري وباتخاذها تدابير للتطوير والتحديث تود فقط خدمة مصالح جنوب أفريقيا وشعبها.

أوبا مولوتو: بالنسبة إلي كان أهم يوم في حياتي ليس فيما يتعلق بالإعفاء الاقتصادي لكن على صعيد الكرامة، يجب أن تتذكر أنه طُلب منا نحن السود قبل الإعفاء أن نحمل جوازات مرور كنا نتعرض للإهانات لأننا سود ومُنعنا من الدخول إلى مناطق البيض لكن اليوم أهم لحظة في حياتي كانت عندما استعدت كرامتي.

بونجاني ديريك زوي: سامحناهم لكننا لا نستطيع النسيان لكن الأهم هو المضي بالبلد قدما لأن المسألة ليست مشكلة بين البيض والسود بل تطوير البلد، لقد قام البعض بأعمال الخير معنا وشاركونا في نضالنا علينا مسامحة الذين ارتكبوا أخطاء لكن تذكروا أنه لدينا لجنة الحقيقة والمصالحة، كان على الناس أن يذهبوا إلى لجنة الحقيقة والمصالحة لتفسير ما فعلوه خلال حقبة التمييز العنصري.

نيلسون مانديلا: إنني متشوق لأننا عرفنا سنوات عديدة من النضال وقد عاشها شعبنا واليوم هو يكرم لذلك. إنه وقت عظيم وأنا أشاطر مشاعر وآمال العديد من سكان جنوب أفريقيا.

بونجاني ديريك زوي: لم نصوت قط لذا في ذلك النهار تشوق الجميع إلى التصويت لكن طبعا كان علينا التحرك على صعيد تجديد الناس والحرص على تصويتهم لصالح المؤتمر الوطني الأفريقي كي نتمكن من تسلم قيادة البلد لذا أتى الجميع، كانت صفوف الناخبين طويلة أمام مراكز التصويت لأن الناس أرادوا أن يشعروا بأنهم ينتخبون لأول مرة.

روبرت زوندو: ظننت أن صوتي هو قوتي وقدرتي للقول إنني بحاجة إلى العمل وإلى منزل، أحتاج إلى الماء وإلى الأمور الأساسية التي دفعت ثمنها على مدى أعوام للنظام الأبيض، هذا ما جعلني أحصل على الطعام السريع لأنني طالبت ببعض الحقوق.

مايكل مويبولاي: لن يسهل علينا إحداث تغيير سريع ثمة مشاكل ولكن هناك تحسينات، تحسينات لأننا ما عدنا نعتبر الأبيض مختلفا عنا، نود أن نعتبر الأبيض كجنوب أفريقي إن كان جنوب أفريقيا وليس فقط كأبيض.

سويتو.. طريق النضال الطويل

ريم أبو زيد: تغير المشهد تماما خلال الثلاثين عاما التي مضت على أحداث سويتو وأصبح رفاق الأمس هم أعداء اليوم تفرقت بهم السبل وسار كل في طريق، منهم من سار على طريق الثراء والسلطة ومنهم من ضل هذا الطريق فخرج خالي الوفاض إلا من الإحساس بالغدر وطعم المرارة. على الرغم من النمو الاقتصادي المطرد الذي تشهده جنوب أفريقيا حاليا إلا أن سكان سويتو شأنهم في ذلك شأن سكان المناطق الفقيرة في هذا البلد ما زالوا يعانون من أزمات عدة على رأسها البطالة والسكن وانتشار مرض الإيدز وارتفاع معدل الجريمة وغيرها من الأزمات التي تزداد تفاقما يوما بعد يوم بسبب الفقر وعدم المساواة الاجتماعية. فحتى بعد انهيار نظام الفصل العنصري لا تزال الثروات الضخمة في يد البيض إلا أنه في الآونة الأخيرة بدأت تظهر طبقة جديدة من المحظيين السود الذين تمكنوا من الحصول على نصيب لا بأس به من هذه الثروات مستفيدين من السياسة التي عرفت بسياسة الارتقاء الاقتصادي بالسكان السود.

أوبا مولوتو: بعد إعفاء 1994 عندما حصلنا على حريتنا وتغير كل شيء كنت محظوظا لأن أبي عمل في حقل التاكسي، انضممت إلى والدي الذي ساعدني كثيرا، في النهاية أسست شركة التاكسي الخاصة بي وتزوجت ورُزقت بولدين.

روبرت زوندو: إن نضال اليوم هو نضال الفرص إذا حصل المرء على فرصة استغلها، أغلبية الذين حصلوا على فرص هم مقربون من البرلمانيين والسياسيين الحائزين مراكز عالية في حكومة هذا البلد. نعم في مجتمع السود نشأ شرخ بالنسبة إلى الورثة وبالنسبة إلى من هم غير ذلك فقد تُركوا في الخلف، الورثة السود يستمتعون جدا بما لديهم ولذا لا يفكرون فيما يفعلونه بالفقراء لذا ما زال هناك تمييز وتفريق بين السود وعلينا محاربته.

بونجاني ديريك زوي: هناك استياء من أن سلطة السود تثري الغرب وعلى حد علمي في برلماننا هناك مراجعة لسلطة السود، تقوم الحكومة بشيء ما، قد نحصل عما قريب على معلومات قد نرى تغييرات في الطريقة المعتمدة للحرص على عدم إفادة عدد قليل من الناس بل أغلبية الشعب بالأخص الذين يأتون من مناطق فقيرة.

تيتي مثنجاني/ مسؤول التفاوض في النقابة الوطنية لعمال المناجم: النضال مستمر ولا يتوقف اليوم سلك البعض اتجاهات معينة، اليوم لدينا أنظمة ديمقراطية وسلطة ولكن عندما نخرج بين الناس نرى أن الدرب ما زال طويلا أمام بلدنا ما زال علينا معالجة عدة مشاكل هناك الفقر والأمية هذه تحديات لا يمكننا غض النظر عليها والقول إننا وصلنا.

سيبونجيلي مخابيلا: لا يمكننا الاستمرار مع معدل التشرد هذا، أعمل في حقل الشباب والأولاد وأعرف ما معنى أن يكون المرء شابا وأن يكمل دراسته وأن يقوم بكل ما هو صحيح، ذهب إلى المدرسة وإلى الجامعة وأكمل دراسته وما زال عاطلا عن العمل لا أحد يوظفه، طبعا من السهل علينا نحن الذين نعمل أن نقول لهم ابتكروا عملكم، السؤال هو دوما لم لا تفعلون ذلك؟

بونجاني ديريك زوي: كما تعرفون نحن في السلطة منذ 13 عاما منذ عام 1994 وقد عشنا في ظل الطغيان طوال أعوام عديدة لذا لا يمكننا تصحيح كل تلك الأمور في غضون 13 عاما، هذا مستحيل، نعم هناك عدد كبير من العاطلين عن العمل في سويتو هناك نقص في المساكن ومشاكل عديدة، الآن نواجه مشكلة وباء الإيدز وهذا يساهم في مشاكلنا الاجتماعية أظن أن حكومتنا تبذل قصارى جهدها لكن طبعا هناك الأزمة المالية.

ريم أبو زيد: هذه هي أستديوهات تلفزيون سويتو الأهلي الذي لا يزال يخطو خطواته الأولى، الإمكانيات المادية والإنتاجية لا تزال محدودة أما الإرادة فبلا حدود. المشاكل والقضايا التي تعني سكان المنطقة الفقيرة تشكل المادة الإعلامية الأساسية على شاشة تلفزيون سويتو، القضية المطروحة اليوم على الشاشة هي المصير الذي آل إليه من عرفوا بدفعة 76، البطالة السائدة بين أفراد هذه الفئة العمرية وتجاهل الحكومة للتضحيات التي قدمها هؤلاء المناضلون في الكفاح ضد التمييز العنصري هي قضايا تضمن نسبة مشاهدة عالية.

روبرت زوندو: تُركنا مع العدو، العدو الذي طعن مستقبلي لذا لا أقول إنه علي الاستفادة حاليا ولكن ثمة طريقة يجب أن أستفيد منها كي أكون راضيا عن مساهمتي في هذا النضال.

مورفي موروبي: من الصعب جدا إجراء أحاديث عقلانية حول هذه المسائل، من وجهة نظري أنا محظوظ أدير شركة إعلامية ناجحة حياتي ناجحة جدا على الصعيد المهني وأيضا على صعيد تطور شخصيتي، إن لهذا علاقة بخياراتي وقراراتي الشخصية. لكنني أدرك أن البعض يتوقعون أن يتقدم أحدهم ويساعدهم وعندما حاربنا مثلا نحن الذين كنا في مقدمة الجبهة لم يصادف ولو لمرة واحدة أي عندما كنت خارج البلاد في السبعينات وكنت أقابل أعضاء المؤتمر الوطني الأفريقي في المنفى ودخلت السجن مع نيلسون مانديلا ووتر سوسولو وعندما خرجت من السجن وقابلت أوليفر تامبو في أوساكا وفي مناطق أخرى لم يعدني أحد قائلا إذا شاركت في النضال فإن حكومة المستقبل ستفعل هذا وتعطيك ذاك، عرفت أن علي التضحية بوقتي وطاقتي وربما مستقبلي وحتى حياتي لأنه كانت لدي قناعة كبيرة وهي الحرية لشعبنا والحرية لبلدي.

سيث مازيبوكو: إن بعض الناس حاربوا لأجل هذا البلد ليس من الخارج في المنفى ليس في جزيرة روبن حاربوا في الشوارع ولا أتوقع أن تقول لنا ديمقراطيتنا الجديدة هذه قطعة خبز لنشكركم على مساهمتكم في النضال هذا مستحيل ولكننا نقول إنه يجب ابتكار الفرص على يد هذه الديمقراطية الجديدة لكي ينعم الذين هم خارج النظام الجديد بثمار شجرة التحرير الشجرة التي حاربوا من أجلها.

مورفي موروبي: هذا جيل ضحى وساهم، هذه ليست خسارة بنظري هذا ثمن يدفعه المرء لبلوغ نقطة معينة لذا على باقي المجتمع أن يفهم هذه الظاهرة ويؤمّن الدعم كي لا يضيع هذا الجيل لا أظنه ضائعا هناك تشرد. قتل العديد منهم ولم يكمل العديد دراستهم ولم يستفد العديد من العمل ولكن في الوقت ذاته خرج العديد من وضعه الصعب. اغتنموا الفرص وتابعوا لعب دور إيجابي في المجتمع ولكن هذه طبيعة الأحداث المماثلة، الأحداث لا تتعامل مع الجميع بالمساواة.

روبرت زوندو: هناك مرارة لكنها مرتبطة في الأمل في التوصل إلى حلول يوما ما، المرارة عندما يخسر المرء معركة عليه القبول بها لكن بمرارة على المدى البعيد فعليه التكيف مع النضال لذا هذا ما أفعله تكيفت كي أتمكن من ممارسة حياتي بشكل طبيعي.

سيث مازيبوكو: هذه قصة محزنة وحزينة بسبب غياب الاعتراف بفضل هؤلاء، أعرف أن العديد من أبناء جيلي أن العديد منا غاضب لأننا نتمتع بالديمقراطية التي حاربنا لأجلها لكننا لا نقول لم نحارب معا للديمقراطية من أجلنا بل من أجل أبناء الجيل الجديد.

أوبا مولوتو: من المهم أن نفهم ما يلزم لتصحيح ظلم التاريخ الذي يحصل منذ أكثر من ثلاثمائة عام لذا لم ينته النضال قطعا عام 1994 تغير الشكل لكن المحتوى يبقى ذاته. طالما تمحور النضال حول المأكل والملبس والمسكن والصحة، هذا ما تفعله الحكومة عليها أن تؤمن ولوج كل مواطن إلى هذه الأمور الأساسية.

[معلومات مكتوبة]

بعد السادس عشر من يونيو عام 1976 دامت أحداث سويتو أسابيع وانتشرت في كل أنحاء البلاد.

في 24 يونيو كان عدد القتلى 140، وفي نهاية شهر أغسطس بلغ عددهم 575.

خلال عام واحد وصل عدد القتلى إلى ألف قتيل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة