التعليم في الصومال في ظل سنوات من عدم الاستقرار   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

محمد كريشان

ضيف الحلقة:

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: رئيس جامعة مقديشو بالصومال

تاريخ الحلقة:

07/09/1999

- مدى تأثر الواقع التعليمي بالحرب ودور المؤسسات الأهلية
- دور التعليم التقليدي في العملية التعليمية

- هوية التعليم في الصومال في الوقت الحالي

- اللغة الصومالية وعلاقتها بالتعليم والمناهج

- أوضاع جامعة مقديشو ودور الجامعات العربية حيالها

- مدى تضرر الصومال من هجرة العقول منها بسبب الأوضاع الأمنية

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر
محمد كريشان
محمد كريشان: أهلاً وسهلاً بضيفنا الدكتور علي الشيخ أحمد أبو بكر (رئيس جامعة مقديشيو في الصومال).

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: أهلاً وسهلاً.

مدى تأثر الواقع التعليمي بالحرب ودور المؤسسات الأهلية

محمد كريشان: وسنخوض معك في هذه الجلسة من (ضيف وقضية) في الواقع الثقافي والتعليمي في الصومال في السنوات الماضية من عدم الاستقرار الذي طبع الحياة في الصومال، بداية -دكتور- يعني كيف كان الواقع التعليمي أيام الحرب؟ كيف تأثر في تلك الفترة؟

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: قضية التعليم في الصومال قضية لها أبعاد وخلفيات قديمة، لكن إذا دخلنا بشكل مباشر، لم تسير، توقفت التعليم الرسمي الذي كان تعتمد على الحكومة المركزية، وطبعاً بمجرد انتهاء الحكم المركزي، معنى ذلك أن التمويل المركزي قد توقف، لكن من الناحية الثانية الشعب الصومالي كان : كان مصرّاً على البقاء، كان مصراً على حماية شخصيته الثقافية والمعرفية، ولذلك بدأ التعليم من جديد في مختلف المدن والقرى في الصومال.

محمد كريشان: المعروف دائماً في دول العالم الثالث أن الحكومة المركزية هي التي تمول التعليم، سواء في المراحل الابتدائية أو الإعدادية أو.. حتى الجامعة، كيف استطعتم أن تتعايشوا مع غياب حكومة مركزية، واستمرار التعليم في نفس الوقت؟

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: شوف الصومال كبلد يشهد حرب أهلية منذ فترة، وإن كان هناك طبعاً تفاوت بين منطقة وأخرى، الناس عندما يتكلمون عن الصومال يتكلمون عن بعد، فيقدمون تحليلات لا تعبر عن الواقع الصومالي بشكل مباشر، ولذلك المرافق التعليمية كغيرها من المرافق لا شك بأنها تضررت بشكل كبير، ولا شك بأن التعليم المركزي الذي كان يشمل كل القطاعات الشعبية، لا شك بأنه تضرر وتناقص، لكن فجأة عندما وجد الشعب الصومالي هذا التوقف، وبدأ التفكير من جديد، وخاصة الطبقة المتعلمة والمفكرون الصوماليون ورجال الجامعات والمدرسين –أيضاً- في المراحل المختلفة، و كانت بدأت هناك ندوات متقدمة بحثاً عن الحلول الجذرية للمشاكل الناجمة عن .. عن الحرب الأهلية.

فعلى سبيل المثال، كان التعليم يعتمد على التمويل المركزي، فالآن -طبعاً-السؤال يطرح نفسه، وكيف التمويل في الظرف الحالي؟ فنقول بأن المشاركة الفعالة التي أبداها الشعب الصومالي، واليقظة القوية جداً، اليقظة .. اليقظة الشعبية، والصحوة التعليمية التي بدأت في الآونة الأخيرة أظهرت بأن الشعب الصومالي يدافع عن ثقافته ويحاول حمايتها بكل الوسائل، ومن هنا تجد المشاركة الشعبية الفاعلة، وبدأت المؤسسات التعليمية الأهلية، وبدأت المدارس الأهلية، وكغيرها من المرافق التعليمية التجارية والاقتصادية والزراعية، وغير ذلك.

إذن تقول المجتمع الصومالي ككل بدأ يتجه نحو المؤسسات المدنية والخصخصة التي جاءت بشكل عفوي، وإجباري، لإنه معنى إنه لا توجد حكومة مركزية ليس معنى ذلك أن كل شيء توقف في الصومال، فالتعليم مستمر بجهود شعبية، وحماس منقطع النظير سواء في المدن أو في القرى، فمعنى ذلك أنه لم يتوقف التعليم، إنما تغيرت صورته، وتغيرت أساليب التمويل، وتغير -أيضاً- التوجهات التعليمية في الصومال.

محمد كريشان: ولكن يعني وجود أقساط هذا بالطبع سيكون على حساب فئات واسعة من الفقراء في الصومال.

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: حقيقة إنه هذا السؤال سؤال يهمنا جميعاً، وخاصة المراحل الإبتدائية والإعدادية وإلى الثانوية، وهي المراحل الضرورية لكل المجتمعات إذا أريدت أن تحقق النهضة التعليمية بما.. بما يراد منها أساساً، لا شك بأن الأضرار واسعة وكبيرة جداً، لكن الآن نحن نفكر الآن كيف نبدأ التعليم،أولاً، صح فيه فئة متضررة أو غير متضررة، الكل تضرر في الحرب الأهلية، لكن نقول إنه على أقل شيء نبدأ التعليم، ثم بعد ذلك يكون الطرح، وقد بدأ ذلك، إنه كيف يساهم فطبعاً الأثرياء والتجار والمؤسسات العربية والعالمية، تساهم من ناحية ثانية في تخفيف الأعباء عن كاهل الفقراء في الصومال

بشكل معين، فمعنى ذلك أنه تجد أعداد لا بأس بها تبدو من الفقراء والمعدمين في البلد يتعلمون بالجهود الخيرية، علماً بأن عدد كبير جداً من الأساتذة أبدوا رغبتهم في التطوع، فمعنى ذلك أن هناك مدارس تأخذ أجور رمزية لا تكلف الكثير، وخاصة في المراحل الأساسية التعليمية، إذن ليس هناك حرمان كامل بالنسبة لطبقة الفقراء، وليس هناك أيضاً فرصة متاحة لجميع المواطنين، لكن بداية جادة تتجه نحو تعميم التعليم الأساسي في البلد، ومساعدة أيضاً الفقراء بوسائل إما الإعفاءات من حيث الرسوم، أو المساعدة من قبل الأهالي، ومن قبل أقربائهم، ومن قبل المؤسسات المحلية والدولية، إذن هناك جهود مشتركة محلية ودولية تساهم في عملية النهضة التعليمية في البلد.

دور التعليم التقليدي في العملية التعليمية

محمد كريشان: ولكن هل التعليم التقليدي في الصومال ساهم بشكل أو بآخر في التوجُّه الجديد في التعليم؟

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: طبعاً، التعليم التقليدي تعليم أساسي في المساجد، في الزوايا، في المدارس تحفيظ القرآن الكريم التي هي –حقيقة- يعتبر صروح أساسية لمقاومة محو الأمية، قضية محو الأمية قضية حقيقة مغرقة.. الأمية مغرقة، لكن تجد الآن مثلاً أن التعليم التقليدي يساهم في التطوير للبنى التحتية بالنسبة للتعليم، فلا توجد قضية الأميَّة المطلقة في الصومال، لأن التعليم التقليدي هو الذي يساهم في تخفيف هذه المشكلة.

طبعاً الثقافة العربية الإسلامية -طبعاً- المتجذرة في المجتمع الصومالي انطلاقاً من المسجد، وانطلاقاً من الزوايا، وانطلاقاً من مدارس تحفيظ القرآن الكريم، لا شك بأنها ثقافة أصيلة ومتجذرة في عمق شعور المجتمع الصومالي، تستمد -طبعاً- قوتها من المجتمع، تستمد قوتها من العلاقات العربية-العربية، تستمد قوتها

-أيضاً- من الحضارة الإسلامية، والتراث العربي الأصيل في المجتمع الصومالي.

فمعنى ذلك هذه الثقافة عميقة في المجتمع الصومالي، ولا شك في مرحلة غياب الدور وخاصة السنوات الأولى، السنوات الأولى هي التي ساهمت وغطت جانباً كبيراً جداً من العملية التعليمية، بالإضافة إلى ذلك فإن هذه المدارس التقليدية تطورت أكثر فأكثر في السنوات الأخيرة، أي لم تظل _كما كانت سابقا_ً مجرد حلقة في المسجد لا، إنما تجد الآن في بعض التعليم التقليدي يرتقي إلى مستوى المراحل الجامعية إلى حد بعيد.

هوية التعليم في الصومال في الوقت الحالي

محمد كريشان: دكتور، سنعود إلى موضوع الثقافة العربية لاحقاً، ولكن يعني بعد سنوات من حكم (زياد بري) المركزي، ثم سنوات من الإقتتال الداخلي والحرب الأهلية، ثم السنوات الأخيرة من عدم وضوح الصورة بشكل كبير في الصومال، يعني ما هي هويَّة التعليم الآن؟ كيف تطورت؟ كيف هي الآن؟

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: حقيقة شوف، الحكم الشمولي والحكم المركزي طبعاً بقدر ما لديه من بعض الإيجابيات، لا شك أن له بعض السلبيات وخاصة دفن الحريات في المرافق العامة، وخاصة قضية التعليم قضية أساسية وطبعاً الحريات الأساسية في التوجهات التعليمية المختلفة، في طبعاً لربما يكون.. يستحسن أنه السلاح الثقافي للصومال اللي كان تقريباً في عمق التاريخ المعاصر من القرن التاسع عشر إلى هذا القرن، لا شك بأنه كان هناك -طبعاً- توجهات مختلفة، طبعاً الثقافة العربية المتجذرة في المجتمع كانت هي الأصل في الموضوع.

ثم النفوذ الغربي، اللي أصبح من أواخر القرن التاسع عشر، وحتى أواسط القرن العشرين، لا شك بأنه أحدث شرخاً في الجدار التعليمي في المجتمع الصومالي، لكن الثقافة العربية لم تستسلم -حقيقة- بفعل العوامل التي أشرنا إليها: عوامل محلية، وعوامل إقليمية، وعوامل الحضارات والتراث العربي، طبعاً قاومت -حقيقة- المد الثقافي الغربي، يعني قاومته مقاومة عنيدة جداً، في هذه المرحلة.. عندما نأتي لهذه المرحلة، طبعاً الثقافة الغربية كانت موجودة منذ قرن وزيادة، طبعاً هذه الثقافة لم تكتفي باللغات الأوروبية مثل الإيطالية والإنجليزية والفرنسية، وغير ذلك، إنما ذهبت أبعد.. إلى أبعد من ذلك بحيث كُتِبت اللغة الصومالية بالحروف اللاتينية، وأصبحت اللغة الوحيدة في جميع مراحل التعليم الأساسي.

محمد كريشان: في عهد زياد بري.

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: نعم، في عهد الحكومة السابقة، عهد زياد بري، نعم.

إذن هذه كانت تعتبر امتداد للثقافة الغربية بشكل مباشر، بينما تجد مثلاً عندما تأتي إلى المرحلة الجامعية والدراسات الجامعية بشكل عام، كانت أقوى لغة في الجامعات الصومالية كانت اللغة الإيطالية، فمعنى ذلك هذا كان التوجه التعليمي، بينما ظلت اللغة العربية محصورة في أقسام معينة في الجامعة الوطنية فقط، مع ذلك التحولات الحاصلة في الوقت الحاضر يعني منذ عشر

سنوات، هناك – طبعاً- تحولات جذرية في المجتمع الصومالي.

أدت الحرب الأهلية -طبعاً- إلى تحولات اجتماعية، تحولات اقتصادية، تحولات

فكرية، طبعاً أدت إلى نتائج ربما نتناول -إن شاء الله- بعد قليل، لكن من يتولى التعليم، أولاً بدأت بشكل عفوي، في كل مدينة، في كل مقاطعة، في كل محافظة، في القرية بدأ التعليم تعليم عفوي، إذن لابد إنه - النظرة كانت هكذا- لابد من تعليم هذا الجيل، أما تركه يواجه مصيره بالتصحر الفكري والتجهيل، لا شك بأنها تكون أكبر ضربة أصابت الصومال من مقتلها، إذن كان هدفنا الأساسي في نشر التعليم أياً كان مستواها أو مستوى التشتت يعني طبعاً حتماً في البداية كان هناك طبعاً تشتت كبير جداً، لأنه كل مدينة تحاول أن تحيي التعليم من جانبها.

فجأة وجد -فعلاً- أنه التعليم يحتاج إلى سياسات جديدة بعد عودة الوعي، والهدوء النسبي في كثير من المناطق، أو الاستقرار في عدد من المناطق الأخرى، عاد الوعي من جديد، وبدأ التخطيط للتعليم من جديد، لا .. لا نزعم بأن هذا التخطيط تخطيط مركزي 100%، لأ هذه -طبعاً-لم يأت وقته بعد، ولكن نقول بدأ التخطيط وأنشأت مؤسسات تعليمية متخصصة..

محمد كريشان [مقاطعاً]: يعني من قبل من؟

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: من قبل الأساتذة، يعني مثلاً نقول: أساتذة الجامعات العقلاء من الأثرياء في البلد طبعاً هناك تأسست المؤسسات حلت محل المؤسسة الرسمية يعني ، الإشكالية الحقيقة الذي يزور الصومال يدرك ذلك ، أن المؤسسات المدنية الأهلية حلت محل المؤسسات الرسمية، إذن بدل ما كانت الوزارة التربية والتعليم، لا.. هناك الآن عدد من المؤسسات تقوم في كل منطقة توجه التعليم، وتفكر في قضية المناهج، في قضية توحيد الامتحانات، في قضية الشهادات، في قضية البحث عن التواصل الثقافي بين الصومال وخارجه.

إذن هذه المؤسسات في البداية كانت مؤسسات مستقلة، يعني عشرات من المؤسسات اللي كانت تهتم خلال السنوات الأخيرة بدأت تفكر الآن أن تعيد نفسها وتعيد صياغة سياساتها بحيث تكون مؤسسة فاعلة، إذن بدأت مرحلة التجميع المؤسسات التعليمية في الآونة الأخيرة، مثلاً في مدينة مقديشيو اللي تجد الآن رابطة تعليم النظام الأهلي في مقديشيو، اللي يضم عشرات من المدارس وعشرات من المؤسسات التعليمية كسياسة هادفة إلى تجميع المدارس وتجميع المؤسسات ثم الوصول إلى توحيد المناهج والامتحانات، فلعل مثل هذه المؤسسات إذا..إذا اتجهت نحو توحيد المناهج بشكل عام معنى ذلك أنه أدت إلى خدمة كبيرة جدّاً للجيل الصومالي، طبعاً جامعة مقديشيو ضمن هذه المنظومة أو النواة للتعليم العالي.

محمد كريشان: دكتور، سنعود إلى موضوع جامعة مقديشيو، و لكن ربما من الجيد أن يتولى المجتمع مهمة الإشراف، والإعداد على التعليم، ولكن في نفس الوقت هناك ربما نقطة سلبية، وهو ربما حصول تجاذب بين فئات متعددة، أو مصالح أو.. يعني هل حصل مثل هذا التجاذب في الصومال؟

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: قلنا إنه طرف من الصراع الثقافي الحضاري، أو الصراع بين الأحرف يعني قلنا ذلك بشكل متواضع، نقول إنه.. إن هذا التجاذب سيظل يكون موجود، لكن في الظرف الحالي خلال عشر سنوات أو خلال.. أو منذ غياب الحكم المركزي، ضعف هذا التجاذب وضعف الصراع، لا نقول بأنه وصل نقطة الصفر.. لا، لكن نقول أنه الآن ظهرت خلال هذه السنوات الأخيرة، توجهات تعليمية واضحة مبنية على رغبة شعبية جامحة، تريد إقرار أو تأصيل الثقافة العربية بشكل واضح، وهذه الرغبة لا أحد يوجهها من الناحية الرسمية، لأنه لا توجد حكومة مركزية تجبر الناس على اتجاه معين.

ولذلك نقول أن الثقافة العربية الأصيلة، والثقافة التقليدية القديمة، والتعليم النظامي في هذه المرحلة في جلِّه، وغالبيته يتجه نحو التأصيل، يتجه نحو التعريب، يتجه نحو تحقيق رغبة شعبية طالما كبتت قبل فترة طويلة، لكن عندما وجدت مناخاً من الحرية بدأت تنطلق نحو آفاق جديدة لم تكن معهودة قبل ذلك، إذن التجاذب موجود وحتماً سيظل موجوداً، لكن نقول.. لو قلت الآن إن أكثر من 80% إلى.. ما بين 80 إلى 90% من المدارس النظامية الموجودة في البلد تتجه نحو تحقيق الرغبة الشعبية في تأصيل ثقافته، وتراثه، وحضارته.

محمد كريشان: يعني دكتور يعني تلحُّون منذ البداية على التوجه العربي في التعليم، وعلى هذه الهوية كما تقولون، ولكن الصومال ومنذ سنوات، حمل تساؤلاً بالنسبة للآخرين -على الأقل- حول موضوع هويته هل هو إفريقي؟ هل هو عربي؟البعض يتساءل حتى إن كان يصح أصلاً أن نقول إنه بلد عربي.

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: طبعاً، مسألة عروبة الصومال والشعب الصومالي، ليست مطروحة على بساط البحث، يعني بشكل بشكل منطقي على أقل شيء، طبعاً الهوية الصومالية هوية معروفة، والثقافة العربية الإسلامية وتراثها وحضارتها منذ أن كتب التاريخ الحديث الصومالي، قبل مئات السنين منذ أكثر من ألف سنة، منذ التاريخ اللي مسجل في منطقة القرن الإفريقي، ما عرف حضارة أخرى مسجلة، يعني لو قرأت الآن.. لو راجعت كتب التاريخ وبحثت عن الصومال عن القرن الإفريقي ستجد –فعلاً- أن الثقافة الأصيلة التي كانت توجه هذا المجتمع كانت الثقافة العربية، كل الدول المتعاقبة قبل مئات السنين، الدول المتعاقبة في القرن الإفريقي وخاصة منطقة الصومال ما عرفت لغة أخرى، لو قرأت المخطوطات، لو.. الكتب التي ألفت أي لغة؟ يعني كانت اللغة العربية، تجد الآن آلاف المخطوطات في الصومال كلها باللغة العربية، لا تجد أي لغة أخرى، إلا عندما نأتي في القرن العشرين بفعل -طبعاً- النفوذ الغربي لغة إيطالية، أو فرنسية، أو إنجليزية –طبعاً- لغات حديثة، وطبعاً نحن نشارك في هذه العملية مع بقية أشقائنا العرب، فيه طبعاً المغرب العربي تعرض لهجمة قوية جداً، ولولا الجهود العربية المتواصلة في الجزائر –مثلاً- لعلها تكون اليوم اللغة الفرنسية كانت اللغة الأكثر تأثيراً.

إذن نقول أن قضية الصومال وعروبتها هي قضية.. لا يناقشها أبداً إلا من يريد إبعاد الصومال عن الساحة العربية، فالصومال اقتصاديّاً وثقافيّاً، ومن حيث العادات والتقاليد مرتبط بشكل عملي بالمجتمع العربي.. بشكل عملي بالمجتمع العربي، ولذلك نقول أنه رغم ما واجهت القطاعات المختلفة، رغم ما واجه المجتمع الصومالي خلال مائة وزيادة.. من القرن التاسع عشر إلى الآن، إلا أن اللغة العربية تمثل اليوم، رغم أنه لا يمكن تجاهله أو نسيانه سواء في التعليم الإلزامي، أو في التعليم التقليدي، أو العرف العام السائد في المجتمع الصومالي.

محمد كريشان: كيف تفاعلت الجهات الأجنبية حيال هذا التوجه الجديد في التعليم الصومالي، والذي تقولون أنه يعكس العمق الحضاري والهوية الثقافية للمجتمع؟

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: بما أنه لا توجد حكومات، أو حكومة توجه العملية التعليمية، العملية السياسية هي مسألة تعود أساساً إلى الرغبة الشعبية، ولذلك لا تجد حقيقة جهود مركزة تتبناها دول معينة في الظرف الحالي سواء كانت دول عربية أو غير عربية، إذن نقول إن ما هو موجود في الساحة أمر نابع عن الرغبة الشعبية، عن الوجدان الصومالي، عن تطلعات الشعب الصومالي مباشرة... مباشرة.

أما عندما تأتي -بإذن الله تعالى- حكومة صومالية مركزية فلكل حدث

حديث، ما ندري كيف تكون توجهات الحكومات المختلفة، لكن نحن نتكلم في هذه المرحلة عن الرغبة الصومالية والتوجهات التعليمية، وكيف أنها أرادت

-فعلاً- إحياء ما عجزت عنه بفعل العوامل الخارجية، إذن لا توجد.. لا يوجد تأثير مباشر الآن من قبل الدول -سواء كانت أوروبية أو عربية- في الساحة الصومالية في المجالات المعرفية، والعلمية، والثقافية.

اللغة الصومالية وعلاقتها بالتعليم والمناهج

محمد كريشان: هناك في الصومال لغة محليَّة، لغة صومالية يعني، ما علاقتها بالتعليم وبالمناهج؟

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: هو قضية اللغة الصومالية هي لا شك بأنها لغة غنية في تراثها، وأدبها، ولا شك بأنه كل الصوماليين يستخدمون هذه اللغة في الاستعمالات اليومية..

محمد كريشان [مقاطعاً]: وما اسمها تحديداً؟

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: اللغة الصومالية.

محمد كريشان: اللغة الصومالية.

د. علي الشيخ أبو بكر: إذن اللغة الصومالية لغة كانت يستخدمها الشعب الصومالي، ولم تكن مكتوبة قبل عام 1972م، إذن كتابتها حديثة، وكانت قضية سياسية بحتة، ولم يستفت الشعب الصومالي أبداً، إذن الرغبة الشعبية لم تكن داخلة في اتخاذ القرارات، ما كان هناك أي استطلاع.. يعني ماذا يريد بالضبط الشعب الصومالي أن تكون الهوية الثقافية، إذن جاءت بهذا الشكل، أما في هذه المرحلة فاعتقادي الجازم أنها ليست في صراع مع العربية أبداً بل في اتجاه واحد،لأن الغالبية العظمى من مفرداتها تعتبر من العائلة العربية نفسها من حيث اللغة، المفردات، والجمل.. وما شابه ذلك، إذن هي لا تنافس في هذه المرحلة، وليس بين الصومالية وبين العربية عبر التاريخ لم تكن هناك خصومات، لكنها كانت خصومات مصطنعة في الآونة الأخيرة، والهدف الأساسي كان إبعاد اللغة العربية.

في هذه المرحلة الرغبة الشعبية الصومالية واضحة واللغة الصومالية، يقرر.. اللغة الصومالية طبعاً الدستور الصومالي أقر بأن اللغة العربية لغة رسمية، واللغة الصومالية لغة رسمية يعني تكون ازدواجية من هذه الناحية، لكن ليس هناك تناقض أو تضاد فيما يتعلق.. في المجالات المعرفية في الوقت الحاضر.

محمد كريشان: ولكن مع ذلك هل مازالت هناك الآن في الصومال أصوات تدعو إلى ترجيح كفة هذه اللغة الصومالية على حساب التوجه العربي أو العروبي؟

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: طالما أن هناك-طبعاً-آلاف البشر تعلموا على ضوئها وخاصة المراحل الأساسية، يعني ربما تجد.. ربما تجد طوائف معينة تعتبرها بأن هذه لغتها وهذه ثقافتها، فلا علاقة لها –طبعاً- باللغات الأخرى، ربما تجد ذلك، لكن الآن أولياء الأمور –مثلاً- هم الذين حسموا القضية في هذه المرحلة،فأرسلوا أولادهم إلى المدارس الغالبية العظمى هي اللغة العربية ، وبعض المدارس باللغة الإنجليزية، يعني تقريباً هذا هو التوجه العام، إن وجدت بعض المدارس فهي ليست ظاهرة في الساحة الآن، إن وجدت بعض الأشخاص لا يشكلون

-أيضاً- الرغبة الشعبية العارمة.

فاللي يهمنا في هذه المرحلة وفي المستقبل أيضاً تحديد السياسات العامة، ومن بينها السياسة التعليمية، لابد أن يكون أولياء الأمور، وأن تكون الرغبة الشعبية طرف في تحديد واتخاذ أي قرار في المستقبل، فنحن نستند إلى هذه الرغبة الشعبية، وإلى القرار الشعبي الذي -فعلاً- اختار طريقه إلى.. في الوقت الحاضر بصورة واضحة.

أوضاع جامعة مقديشيو ودور الجامعات العربية حيالها

محمد كريشان: دكتور، أنتم ترأسون جامعة مقديشيو، يعني إذا كان مسألة تدبير شؤون التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي -مثلما ذكرت- قد يكون إلى حد ما متاح، كيف يمكن التعامل مع جامعة؟ يعني هل الأمر تمَّ بنفس اليسر؟

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: الأمل هو الأساس الذي بنينا عليه هذه الجامعة، وبنينا قبل ذلك المدارس المختلفة، والجهود التعليمية جهود متواصلة منذ انهيار النظام السابق، فكانت جهود تبنت الطبقة المثقفة، وتبنى معها الشعب الصومالي بعمومه، إذن الجامعة يعتبر امتداد لهذه المراحل الأساسية التي قطعت شوطاً لا بأس به.

طبعاً تسيير الجامعة في ظل ظروف أمنية واقتصادية صعبة لا شك بأنه سؤال يطرح نفسه بنفسه، وقبل تأسيسنا للجامعة لا شك أننا طرحنا هذه الأسئلة، لكن المسألة كانت ما بين حياة أو موت، يعني ترك الآلاف الأبناء والبنات في مهب الرياح هؤلاء الذين لا يجدون فرص التعليم العالي في الداخل، ولا يجدون التعليم العالي في الخارج، ولا توجد جهات عربية أو عالمية تتبنى التعليم العالي، ولا التعليم الأساسي، طبعاً ترك هذا المجتمع بهذه الطريقة لا شك بأنه سيوقعنا في (مطبة) كبيرة في المستقبل، ولا شك بأن أي حكم يأتي على الصومال سيجد مفاجآت، مذهلة، فقلنا تخفيفاً لهذه المفاجآت وإحياء الأمل في نفوس الملايين من أبناء الصومال.

لابد من التفكير في التعليم العالي مهما تكن الظروف، يعني لم تكن الجامعة أمراً هيناً من الناحية الإدارية، والأمنية، والاقتصادية في كل مجالات الحياة، ولم يكن أمراً هيناً، وخاصة لم يكن متاحاً -حقيقة- الجو التعليمي.. البيئة التعليمية في ظل الحرب الأهلية ليست بيئة مناسبة، الحرب الأهلية ليست بيئة مناسبة للتعليم العالي وللتعليم الأساسي،لأن الحياة مبنية أساساً على الأمن والاستقرار، وهذه

-طبعاً- بداية النهضة لأي حضارة لابد أن تكون هناك..

إذن معنى ذلك أنه كان هناك صعوبات، وكنا ندرك هذه الصعوبات، لكن قلنا نبدأ ونحقق مع ما نستطيع تحقيقه، لأن.. نعتبرها بأنها شمعة متواضعة ولعلها تتلوها

-إن شاء الله- جهود أخرى مشكورة، طبعاً هناك -طبعاً- جهود.. اشترك معنا الشعب الصومالي من حيث الرسوم مثلاً من الناحية المالية، وهناك –طبعاً- رسوم.. وهي جامعة طبعاً أولاً جامعة أهلية غير ربحية لا يقصد منها أبداً جلب أي أرباح إلى فئة أو إلى مجالس الجامعة المختلفة، إنما هي جامعة غير ربحية، ومع ذلك وحتى نتمكن من تسييرها لابد من فرض رسوم دراسية على الطلبة، والجامعة أيضاً تقبل، وتستقبل التبرعات والهبات من المحسنين في الداخل والخارج..

والجالية الصومالية في الخارج قدمت مساعدات محترمة، كما أن المحسنين والهيئات الخيرية المهتمة بالتعليم أيضاً تقدم مساعدات متواضعة، لكن-طبعاً-كل هذا دون المستوى الذي نطمح إليه ودون المستوى المطلوب، على هذا الأساس نواجه مصاعب باستمرار لكننا لن نخلي الساحة، ولابد أن نكون نثبت.. ونتشبث بالقضية التعليمية والتعليم العالي والجامعة واستمرارها، ولابد أن نواصل هذه المسيرة رغم كل الصعوبات التي نواجهها، رغم أننا نرجو أنه يتفاعل معنا الشعب الصومالي والعربي بمؤسساته، ودوله، مع القضية الصومالية وخاصة في المجال التعليمي والمعرفي.

محمد كريشان: كادر التدريس في الجامعة بالأساس كادر صومالي وطني؟

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: كلها صومالية إلى الآن، إذا استثنينا بعض الأعداد القليلة جداً، تكون شخص.. شخصين، لكن –طبعاً- الكادر اللي نعتمد عليه كادر صومالي، لأنه فيه وفرة الآن –الحمد لله- في هذه المرحلة في الساحة التعليمية.

محمد كريشان: نعم، هل تشكون ربما من بعض التقصير في مساهمات بعض المؤسسات الجامعية العربية في دعم هذا التوجه، يعني لدى المؤسسة التعليمية الجامعية في الصومال؟

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: حقيقة، لا نشكو كثيراً في هذه المرحلة طالما نحن السبب الأساسي في الأضرار التي لحقت بالمجتمع الصومالي، لكن نحن نقول-حقيقة- المجتمع العربي لابد أن.. عندما يتعامل مع القضية الصومالية في غياب الدولة –وهذه إشكالية بالنسبة للدول والحكومات- لابد أن ينطلق من منطلقين: منطلق تعليمي ومنطلق المصالحة، وهي قضايا تتكامل بعضها على بعض، فمثلاً الربط بن غياب الحكومة المركزية وبين التعامل مع المؤسسات المدنية الشعبية، الربط بين القضيتين يكون قضية مضرة جدّاً للمجتمع الصومالي، فنحن نريد –حقيقة- يكون هناك فك هذا الارتباط، وتكون المجتمع العربي يتعامل مع الشعب الصومالي، لأنه الشعب الصومالي لم يفارق الحياة بعد، مازال على قيد الحياة، لكن يبدو أن المجتمع العربي بالغ في إشاعة وفاة المجتمع الصومالي بشكل رسمي، يعني كما قال أحد المؤرخين: إنهم بالغوا في وفاتي.

فنقول إن هذه المبالغة يجب أن تقف بشكل معين، فالمجتمع قائم، والمؤسسات الاجتماعية قائمة والتعليمية قائمة، فالمجتمع العربي يستطيع أن يتعامل مع مؤسسات تعليمية اقتصادية قائمة في البلد في الظرف الحالي، حتى إذا تمكن الجانب الآخر وهو جانب المصالحة يتمكن المجتمع العربي والعالمي في إحياء المصالحات، وتقديم مبادرات محددة، فمعنى ذلك أنه يجد البنى الأساسية قائمة بعد ذلك، لكن لو تركنا الصومال وشأنه، وندندن حول غياب الدولة و من نتعامل، فمعنى ذلك أنه هيستمر الانهيارات المتتالية بالنسبة للبنية التعليمية على سبيل المثال، فطبعاً هذا ليس لصالحنا، كما أن أي تعامل مع المجتمع الصومالي لابد أنه يتطلب عقلية معينة، وآليات معينة.

وحتى المصالحة، نحن نقول المصالحة جزء لا يتجزأ حقيقة عن العملية التعليمية، لأنها كلها تؤدي حقيقة إلى دور البناء واحدة في الاستقرار، وواحدة في بناء التنمية البشرية بشكل مباشر، إذن هذا الدور العربي الذي نتوقع منه أن يستمر مع المجتمع الصومالي، وألا يوقف دعمه، والمؤسسات التي كانت تتعامل مع الجامعات الصومالية المفروض تتعامل معنا بشكل مباشر، تتعامل مع المدارس، وتتعامل مع المؤسسات القائمة التي يمكن أن تساهم في التنمية البشرية في المجتمع في المجتمع في المستقبل.

محمد كريشان: إذن عملياً يا دكتور، ما هو الدعم الذي تنتظرونه من ..من جامعات عربية؟

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: هي تستطيع أن تقدم الكثير حقيقة، شوف.. الخبرة الجامعية قضية أساسية تعرف أي مؤسسة تعليمية لابد أن تستفيد من الخبرة التعليمية، وخاصة التكنولوجيا المعاصرة، وتستطيع أن تقدم الدعم المادي والمعنوي على حدٍّ سواء، وتشارك أيضاً في الأستاذ الزائر مثلاً، وتشارك

-أيضاً- في منح الدراسات العليا، مثلاً، مشروع الأستاذ الجامعي في المستقبل، لأنه الآن عدد كبير جداً من هجرة العقول أضرت البلد.

فمعنى ذلك أنه لابد من إنشاء مشروع الأستاذ الجامعي في المستقبل، لأنه كان هناك –طبعاً- مئات من الطلبة الصوماليين في الدراسات العليا في مختلف الجامعات العربية في الخليج، في العراق، في مصر، في المغرب العربي، في مشرقه في مصر.. كلها، في السودان، فطبعاً هذا الدور.. يعني هذا الدور يجب أن يستمر إذا أريد –فعلاً- أنه نقول إنه المؤسسة التعليمية العربية ماذا تقدم؟ تستطيع أن تقدم بناء الأستاذ الجامعي، تقدم في المناهج.. قضية المناهج، تقدم في تطوير الأساليب التعليمية في الجامعة، وتساهم بالدورات وغير ذلك، وهناك مجالات متنوعة يمكن أن تلعب دوراً بارزاً في قضية التنمية التعليمية.

محمد كريشان: هل تنتظرون هذا الدعم ربما من دول.. دول جوار للصومال السودان ..مصر.. اليمن، والتي ربما تاريخياً كانت لها علاقات مع الصومال أكثر من دول عربية أخرى؟

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: والله شوف نقول خطابنا موجَّه إلى المجتمع العربي، وإلى الدول العربية جملة، سواء كانت الدول التي تقع في منطقة القرن الإفريقي، أو الدول الخليجية، واليمن، أو تكون مصر والعراق وسوريا، أو المغرب العربي، شوف كل المجموعة العربية يعني لها دور أن تؤديه تجاه الصومال، لذلك نقول إن هذا واجب قومي بالنسبة للمجتمع الصومالي، والمجتمع العربي فلابد أن تتكاتف الجهود في هذا المجال لإنقاذ الصومال من الناحية الثقافية، يعني.. و علماً نحن نعتقد –حقيقة- أن القضية الثقافية، وقضية التعليم مرتبطة بالهوية، مرتبطة من الناحية الثانية القضايا الاستراتيجية، القضايا الأمنية، الأمن الاستراتيجي.

وأنا أعتقد أنه الشعوب المنتصرة هي الشعوب التي بثت ثقافتها في أنحاء العالم، والشعوب المنتصرة عالمياً، والتي نجحت في نهاية الأمر في السباق السباق الحضاري، في الشعوب التي نشرت أحرفها، وحضارتها في الشعوب الأخرى، تكسب صداقتها وودها وأبرز مثال (الكومنولث) البريطاني، إيش _ مبني؟ مبني على الثقافة، مبني على النفوذ العلمي، مبني على اللغة الإنجليزية، مبني على ذلك، فطبعاً المجموعة العربية بإمكانها أن تثري المجتمع الصومالي من هذه الناحية، وأن تحافظ عروبته وهويته في هذه المرحلة.

مدى تضرر الصومال من هجرة العقول منها بسبب الأوضاع الأمنية

محمد كريشان: دكتور، أشرتم منذ قليل-باختصار-إلى هجرة العقول بسبب الأوضاع الأمنية مؤخراً في الصومال، ما هو مدى الضرر الذي حصل للصومال من جراء هذه الظاهرة؟

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: الحرب الأهلية أفرزت إفرازات عديدة جداً من بين هذه –طبعاً- هجرة العقول، ومن بين ذلك هجرة المليون صومالي أو أكثر بقليل إلى أوروبا وأميركا، وإلى مختلف القارات، توجد الآن للجالية الصومالية أكثر من مائة قُطْر في أنحاء العالم، طبعاً سيكون لها –طبعاً- تأثير مباشر بالنسبة للتقاليد، بالنسبة للعادات، بالنسبة للتعليم أيضاً، بينما لا توجد طبعاً هجرة مماثلة أو موازية إلى البلاد العربية، يعني النسبة التي التي هاجرت إلى البلاد العربية نسبة محدودة جداً..

محمد كريشان [مقاطعاً]: ربما يتوجهون إلى سوريا أكثر من غيرها؟

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: ممكن إلى سوريا، وإلى اليمن، وتقريباً محدودة، يعني منطقة الخليج قليلة، إذن نسبة محدودة جداً، فحينما تقارن –مثلاً- هذه النسبة بهذه النسبة فمعنى ذلك أن هناك خلل في التوازن الثقافي سيحدث في المستقبل في الصومال، طبعاً الغالبية العظمى من المهاجرين لا شك بأنهم الأطفال والنساء يعني بشكل عام، إذن الأسرة ممزقة - الأسرة الصومالية- فيتوقع أنها تكون انعكاسات وسلبيات معينة في المستقبل، تنقل –طبعاً- أعداد كبيرة من اللغات المختلفة العالمية، وتضعف –أيضاً- وحدة .. وحدة التعليم ووحدة التراث.. تضعف إلى حد كبير، ليس هناك حقيقة مخرج آخر من هذه إلا الدعم الداخلي بالنسبة للتعليم والثقافة في الصومال داخلياً إذا ما دعمنا طبعاً المجهود التعليمي والثقافي، وتأصيل ما كان أصيلاً في المجتمع حالياً، فمعنى ذلك أن هذه الهجرة.. إذا استقرت الأمور، فمعنى ذلك أن أمواج من البشر هتعود إلى الصومال بما لديها من أفكار، وتصورات، وعادات، وتقاليد، ولغات، لكن لو نجحنا –حقيقة- في نشر الثقافة والعلوم والمعارف في المجتمع، فمعنى ذلك يمكن أن يمتص السلبيات، ويستفيد -طبعاً- من الإيجابيات، لأنه الهجرة ربما ليست كلها طبعاً سلبيات، هناك طبعاً إيجابيات لكل الهجرة إلى خارج الوطن، لكن الأضرار كبيرة جدّاً وتكون من مهددات الثقافة –حقيقة- في المستقبل، كما أن طبعاً عدم وجود التعليم بشكل مناسب في الداخل يعتبر من المهددات الثقافية في البلد.

فمعنى ذلك أنه هذه أسوأ آثار الحرب الأهلية: هجرة العقول، وهجرة المليون صومالي إلى خارج الديار، وطبعاً تدمير معالم الحضارة في البلد، وكل هذا يعتبر من المهددات المضرة لثقافتنا.

محمد كريشان: دكتور، في النهاية إذا أردنا أن نلقي نظرة مستقبلية إذا ما سارت جهود المصالحة الوطنية في الصومال بشكل مرضي، واستعاد البلد استقراره واستعاد وجود حكومة مركزية، هل تخشون -كأوساط تعليمية في البلد- أن تراجع أي حكومة هذا الواقع التعليمي الذي فرض الآن في السنوات القليلة الماضية؟

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: هو شوف، التحولات الجذرية التي حصلت في الصومال لا أعتقد إنها تكون هناك حكومات قصرية تفرض رأياً يخالف الرغبة الشعبية، لأنه حقيقة الاستبداد اللي حصل في الصومال هو اللي أضر المجتمع، وهو الذي دمر، هو الذي أثار المجتمع، فتوقعاتنا أنه لن تأتي حكومة مستبدة على أقل شيء، ويعني هذا الرأي رأي عامة الصوماليين، ورأي الطبقة المتعلمة والمفكرين الصوماليين إنه تكون هناك –على أقل شيء- تكون هناك أي حكومة قادمة يجب أن تنطلق من المصالحة.. من المصالحة، فلن تجد البنى الأساسية إلا ما هو قائم الآن.

فلا نتوقع حصول معجزات سريعة إنه.. أو حكومة لديها الآلية والجاهزية الكبيرة التي يمكن أن تقدم مؤسسات جاهزة إلى المجتمع بطبق من ذهب، لا نتوقع ذلك، إنما نقول إنه ما.. ما بني في مرحلة الأزمة هيستمر سواء كان اقتصادي أو تعليمي هيستمر، وهيجد دعماً قويّاً جدّاً من المجتمع الصومالي بسياسييه، أو الطبقة المتعلمة، أو عامة الناس.

محمد كريشان: شكراً جزيلاً لضيفنا علي الشيخ أحمد أبو بكر (رئيس جامعة مقديشيو بالصومال) وقد خضنا معه في قضية الواقع التعليمي والثقافي في الصومال في ضوء كل هذه السنوات الماضية من عدم الاستقرار السياسي والأمني، شكراً جزيلاً دكتور.

د. علي الشيخ أحمد أبو بكر: شكراً جزيلاً.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة