الإيمان وأثره في حياة الأمة   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 1:44 (مكة المكرمة)، 22:44 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

ماهر عبد الله

ضيف الحلقة:

د. يوسف القرضاوي: مفكر وداعية إسلامي

تاريخ الحلقة:

15/06/2003

- الإيمان وصناعة تاريخ الأمة المسلمة
- الإيمان بين النفحات الإلهية والسعي البشري

- دور الإيمان في غزوة الخندق

- المبشرات بانتصار الإسلام

- تحليل الهزائم المتتالية على الأمة الإسلامية وعلاقتها بالحالة الإيمانية

ماهر عبد الله: سلام من الله عليكم، وأهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج (الشريعة والحياة).

حلقتنا لهذا اليوم ستكون بصورة من صور المواصلة لحلقتنا في.. لموضوعنا في الأسبوع الماضي وهي كانت تتركز حول الإيمان والدور الذي يمكن أن يقوم به في حياتنا، الإيمان مرحلة ربما متقدمة على تفكيرنا الإنساني العادي، مسألة تتطلب نوع من الوجدانيات، تتطلب نوع من الخيال الأوسع من مجرد ما هو محسوس وملموس من ضمن ما يقع ضمن الماديات التي نستطيع أن نستوعبها بعقلنا البشري على الأقل كما نعرفه حتى اليوم.

الإيمان يبقى ضرورة للإنسان أو هذا ما نفهمه نحن كمسلمين، والإيمان أيضاً عدا عن أنه ضرورة هو مفيد في حياتنا، مفيد على الصعيد الروحي، مفيد على الصعيد النفسي، بل إن الالتزام بمتطلباته بالأخلاقيات التي تترتب عليه ستكون مفيدة لنا حتى في جوانب حياتنا المادية.

لمواصلة هذا الموضوع الإيمان وأثره في حياتنا يسعدني أن يكون معي كالعادة فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، سيدي أهلاً وسهلاً بك مجدداً.

د.يوسف القرضاوي: أهلاً بك يا أخ ماهر.

الإيمان وصناعة تاريخ الأمة المسلمة

ماهر عبد الله: يعني لا.. لا يخفى عليك أن هذا الموضوع في.. في هذا الظرف بالذات مهم وكثير من.. يعني أثار فضول كثير من الناس لمعرفة.. لمعرفة المزيد، ثمة جوانب لم نستطع تغطيتها في الحلقة الماضية ولهذا اخترنا أن نعاود الحديث عنها في هذه المرحلة، كنت ترغب في المرة الماضية والوقت لم يسعفنا في الحديث عن الجانب التاريخي، لو ابتدأنا به كيف لمسنا أثر الإيمان؟ كيف أفاد الإيمان في صناعة تاريخ هذه الأمة ومجد هذه الأمة؟

د.يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد، فلا شك أن هذه الأمة أمة ربَّانية، الربانية مصدرها والربانية غايتها، مصدرها رباني بمعنى أن الله هو الذي صنع هذه الأمة، ليست نباتاً شيطانياً نبت في البَّرية وحده، إنما أنبته الله كما قال تعالى (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) أي أخرجها مُخرج والذي أخرجها هو الله كما قال في آية أخرى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) يعني جعلناكم أمة مجعولة يعني جعلها جاعل وأخرجها مخرج، فهي أمة ربانية، ربانية الأساس والمصدر، بمعنى أن الله هو الذي جعلها كذلك، وهي ربانية في غايتها، إنها لا تعيش لغايات مادية محدودة أو لمصالح دنيوية أو لأشياء أنانية خاصة، أنها تعيش لرسالة، رسالة كبرى هي أن تكون لله، (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ) فهذه الأمة يكون الإيمان أساسياً في حياتها وفي تنشئتها وفي تثبيتها في المحن وفي الشدائد وفي تفجير طاقاتها النفسية، فلذلك نجد أن هذه الأمة من أول يوم صنعها الإيمان، في العهد المكي كان الإيمان هو حارسها وكان هو مثبتها، في العهد المدني عهد الصدام المسلح مع الوثنيات ومع الجبهات المختلفة الجبهة الوثنية المشركة في جزيرة العرب والجبهة اليهودية: بني قينقاع وبنو قريظة وبني النضير، وأهل خيبر وأهل.. كذا، والجبهة النصرانية المتمثلة في دولة الروم التي فرضت سلطانها على أكثر العالم القديم، والجبهة المجوسية في بلاد فارس وجبهة المنافقين الطابور الخامس في وسط المجتمع المسلم.

في هذه المرحلة كان الإيمان هو الذي يصنع الرجال في هذه، ويعطيهم روح القوة وقوة الروح، في غزوة.. أول غزوة لقيها المسلمون مع المشركين غزوة بدر كان الإيمان هو الأساس، الله -تعالى- صحيح أنزل الملائكة في بدر (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، ولكن هذه الملائكة لم تتنزل في فراغ، دا تنزلت لتكون مدداً للمؤمنين، ولذلك يقول الله تعالى (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى المَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) يعني لو لم يوجد الذين آمنوا لم تنزل الملائكة، طب لماذا لم تنزل الملائكة علينا إحنا الآن؟ يعني هو الملائكة التي نزلت في بدر ونزلت في حُنَيْن ونزلت في الخندق موجودة، جنود الله موجودون، لم ينزلوا علينا لأن لا يوجد الذين آمنوا كالذين آمنوا في بدر حتى يستحقوا أن تنزل عليهم الملائكة لتثبتهم وتسددهم وتشد أزرهم، (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى المَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) فثبَّتوا هذه القلة أمام الكثرة، هي قلة في عَدَدها، قلة في عُدَدِها، في استعداداتها، كل شيء معها كان أقل وأدنى من المشركين، ومع هذا انتصرت هذه القلة بسبب الإيمان، (وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ) (وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ) هكذا قال الله للمشركين، كان المشركون أكثر من ثلاثة أضعاف المسلمين، المسلمين 313 تقريباً وهم حوالي ألف، المسلمين معهم فارسان وهم معهم مائة فارس، والفرس في ذلك الوقت يعتبر مثل مُصَفَّحة مثلاً في.. في عصرنا، ولذلك كان في الغزوات النبي -عليه الصلاة والسلام- يقسم للرجل سهماً وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له -من الغنائم- وسهمان لفرسه، يعني الفرس برَجُلين يعني فالمسلمون في بدر كانوا يعني معهم فَرَسَان والآخرون معهم، كانوا معهم ركائب حوالي أقل من 70 ركوبة، ولذلك كان الثلاثة والأربعة يتعاقبون، فالذي ثبتهم أمام أعدائهم ونصرهم في النهاية على أعدائهم وهم كثرة وقوة .. الإيمان، في غزوة أُحد..

الإيمان بين النفحات الإلهية والسعي البشري

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: بس خليني.. خليني أسألك سؤال هذا قبل أن نيجي على المثال الثاني، سُئِلنا عنه المرة الماضية بالإنترنت وأيضاً الوقت لم يسعفنا يعني حتى تجيء الملائكة يجب أن يكون هناك إيمان مسبق على ذلك، كان السؤال: هل الإيمان مكتسب أم أنه مِنَّة من الله؟ لأنه هذا جانب مهم، يعني إذا كان الله هو الذي يُعطي فلِمَ نُلام على أنه عندنا إيمان لتأتي علينا الملائكة، أم.. أم أنه مكتسب هناك جهد بشري داخل فيه لنؤمن أو لا نؤمن؟

د.يوسف القرضاوي: لاشك أن هناك جهداً بشرياً في اكتساب الإيمان، باب الهداية مفتوح للجميع، "كل مولود يولد على الفطرة" وكل إنسان عنده استعداد للإيمان، ولذلك الله تعالى يقول: (قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا) (فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) (فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لاَ..) يقول بمثل هذه (فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا..) ماذا عليهم؟ لماذا لا يؤمنون، (وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ) يعني فبهذه اللهجة يعني يستحثهم على الإيمان ويحرضهم، معناها إن الإنسان هو الذي يستطيع أن يؤمن ويستطيع أن يكفر (وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) ربنا أعطى الإنسان القدرة على الاهتداء، وأعطاه العقل الذي به يفكر، والإرادة التي بها يُرجح، وأزاح العلل، وأقام الحجج والدلائل، وأنزل الكتاب، وبعث الرسول، فلم يعد هناك من عذر، اليهود هم الذين قالوا (قُلُوبُنَا غُلْفٌ) إحنا قلوبنا مطبوع عليها كده، فربنا كذبهم قال لهم: لأ ربنا ما خلقش حد قلبه أغلف مصفح مغلق من أول الأمر، عمل.. عمل الإنسان هو الذي يُغلق قلبه ويطمسه، (وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ..) وهم بكفرهم وعنادهم هم الذين طمسوا بصائرهم، فما فيش قلب مغلق عن الإيمان، كل إنسان يستطيع أن يؤمن وهذا على.. على أساسها قام التكليف وقامت سوق الجنة والنار، لو الإنسان هو مش.. مش قادر على.. لماذا يعذَّب؟ ولماذا يُساءل؟ ولماذا يعاقب؟ فلاشك هناك صحيح نفحات من الله سبحانه وتعالى، يعني بجوار إن الكل قادر على أن يؤمن هناك نفحات يعطيها الله لمن يشاء من عباده، فيفتح الله قلب الإنسان للإيمان ويشرح صدره للإسلام ويعطيه مزيداً، إنما الكل قادر على أن يهتدي.

ماهر عبد الله: لكن يعني قبل أن ننتقل للفاصل بس عايز أسألك أنه: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) الآيات الأخرى التي تدل على أن الهداية يعني فيها الكثير من الخيار الرباني.

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله: مرحباً بكم مجدداً في هذه الحلقة من برنامج (الشريعة والحياة) والتي بإمكانكم أن تشاركوا معنا فيها إما على رقم الهاتف: 4888873، أو على رقم الفاكس: 4890865، أو على الصفحة الرئيسية (للجزيرة نت) على العنوان التالي:www.aljazeera.net

سيدي مقابل الآيات التي ذكرتها عن أن الإيمان خيار شخصي علماً بأن باب الهداية مفتوح، لكن هناك مجموعة أخرى من النصوص والإشارات التي توحي أو قد يُفهم منها أن الإيمان مسألة ربانية صرفة إما أن تُعطاه وإما أن تُحرم منه.

د.يوسف القرضاوي: يعني لكي نفهم القرآن الكريم فهماً سليماً يجب أن نرد الآيات بعضها إلى بعض، الله تعالى يقول (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) والقرآن يُصدِّق بعضه بعضاً، لا يكذب بعضه بعضاً بل يُصدِّق بعضه بعضاً، ويتمم بعضه بعضاً، فلا يجوز أن نأخذ آية ونترك الآيات الأخرى، أو نأخذ آية ونفصلها عن سباقها وسياقها، لازم تؤخذ الآية في السياق التي وردت فيه، فإذا ورد أن هناك آية أن ربنا مثلاً يضل من يشاء ويهدي من يشاء، هذا ما معنى يُضل من يشاء ويهدي من يشاء؟ هل معنى.. معنى هذا إن بغير سنن، يعني إن هذا خلاف السنن خارق للسنن الكونية؟ لأ، زي مثلاً أقول: يرزق من يشاء، معنى يرزق من يشاء يعني إن الواحد يجلس يعني في بيته ويقول: اللهم ارزقني زي ما قال سيدنا عمر و"قد علِم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة"، بيرزق من يشاء حسب السنن، يعني اسعَ، الناس يقول لك: اسعَ يا عبد وأنا أسعى معاك، يعني.. يعني تعمل، فكذلك اللي عايز مثلاً يهديه الله يسعى في طريق الهداية، الله تعالى يقول (يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ) يعني الشخص المنيب إلى الله ربنا بيهديه، والشخص اللي مبتعد عن الله بيأخذ.. ربنا لا يحرم من الهداية إلا إذا عمل الإنسان أعمالاً تبعده عن باب الهداية، زي ما قال (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ)، (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ)، (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) هؤلاء هم الذين يغلقون أبواب الهداية على.. على أنفسهم، ولكن الله فتح باب الهداية للجميع زي ما قال الله تعالى (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفَاسِقِينَ) يعني هو ما بيضلش الشخص كده من غير حاجة، لأ، لازم يكون عمل عمل يستحق به الإضلال، فالإضلال عقوبة للإنسان، أما هداية الله فهي ميسرة لكل من أرادها.

ماهر عبد الله: لكن اختيارها يبقى في النهاية اختيار شخصي صرف.. اختيار الإيمان.

د.يوسف القرضاوي: نعم، فيه.. فيه كما قلت لك فيه نفحات من الله سبحانه وتعالى، (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً) هذه نعمة من الله، نعمة.. الإيمان نعمة، الأُخَّوة في الله نعمة، (فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً)، ( هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) هذه نعمة من الله، إنما النعمة دية نتيجة أيضاً سعى المؤمنين، المؤمنين لما آمنوا حدث بينهم ألفة وارتباط عضوي، فأصبح هذا أمر لا يستطيع الإنسان أن يقيمه بغير الإيمان (لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) ، إنما الله ألف بينهم بسبب هذا الإيمان.

ماهر عبد الله: طيب نرجع للمثال الثاني كنت على وشك أن.. أن تحدثنا عن نموذج آخر كيف خدم..

د.يوسف القرضاوي: آه إذا خدنا.. هذا تركنا مثلاً غزوة بدر وأخذنا غزوة أيه؟ أُحد، غزوة أُحد انكسر فيها المسلمون وانكسارهم نتيجة إنهم أيضاً غلبت عليهم الدنيا وحب الغنائم ولم ينفذوا أمر الرسول بأن يلزموا أماكنهم في الجبل ليحموا ظهر المسلمين من الخلف، ولكن حينما وجدوا الجولة الأولى في صالح المسلمين ظنوا إن النصر تحقق للمسلمين وتركوا مواقعهم ونزلوا سال لعابهم إلى الغنيمة للأسف وكان هذا نوع من ضعف الإيمان فتسبب في هزيمة المسلمين، ويعني.. يعني يفقدوا سبعين من خيارهم، وقال الله تعالى (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ) حتى قال سيدنا عبد الله بن مسعود: ما كنت أعلم أن فينا من يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية، كان هو فاهم يعني إن الكل كده مجردين للآخرة إنما قال فيه (مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا)، (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ) عفا عنهم، لأن ده يعني خطأ غير .. لا يُكَوِّن خطاً ثابتاً في حياتهم، يعني خطاً طارئ ضعف إنساني طرأ عليهم، فحدث ما أيه حدث، وقال (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ)، فهذه الغزوة في اليوم الثاني من غزوة أُحُد الرسول -عليه الصلاة والسلام- دعا المسلمين ليخرجوا في غزوة اسمها "حمراء الأسد" ليتتبعوا المشركين وليُريوهم أنهم لم يعني يفت في عضدهم، ولم تضعف عزائمهم، ولم.. لم تخر قواهم، فناداهم فاستجابوا بما فيهم من جراحات، بعضهم كان فيه عشرات الجروح استجابوا كما قال الله تعالى (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ)، فانظر إلى يعني بعد هذه الكسرة الشديدة التي أصابت المسلمين وأحزنتهم، والقرآن نزل يعزيهم ويسليهم (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)، إلى آخر حوالي 80 آية في سورة آل عمران نزلت في سورة [غزوة] أُحد، فكان هذا الإيمان هو الذي جعل الصحابة يستجيبون لدعوة الرسول لمطاردة المشركين برغم ما أصابهم من قرح وبرغم ما يشكون من جراحات، هذا صُنع الإيمان.

[موجز الأخبار]

دور الإيمان في غزوة الخندق

ماهر عبد الله: سيدي، يعني قد تكون الغزوة الأقرب إلى وضعنا النفسي اليوم ليست بدر قطعاً وليست أُحد، فأُحد كانت نصف هزيمة ونصف انتصار بمعنى من المعاني، لكن الامتحان الذي سبق الانتصار في.. في غزوة الخندق هو ربما الأقرب إلى وضعنا النفسي على الأقل، يعني كيف خدم الإيمان تلك الثلة من المؤمنين في تلك الغزوة؟

د.يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم. لا شك أن غزوة الخندق كانت محنة شديدة للمسلمين، إلا أن الذين غزوا المدينة كانوا يريدون استئصال الإسلام من جذوره، يعني قريش خرجت بقضها وقضيضها، وغطفان وأتباع القبيلتين، يعني معظم قبائل العرب في المنطقة تجمعت لغزو المسلمين في عقر دارهم، وليس.. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، من داخل المدينة غدر يهود بني قريظة مع أنهم كانوا يعني غدروا مرة قبل ذلك وعفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأجلى بني النضير وتركهم، فلم يعني يستفيدوا من هذا الدرس، وقالوا: إنها فرصة للقضاء على محمد وأصحابه لننضم إلى المهاجمين والمغيرين، والقرآن يعني يصوِّر هذا أبدع التصوير وأبلغه حينما يقول: (إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً)، هناك ظهر النفاق على أشده، فالمنافقون يعني يقول بعضهم لبعض: محمد يعدنا ممالك كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الخلاء وحده، وبعضهم يقول (إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ) نريد نشوف نرجع نشوف بيوتنا (وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً) ومع هذا النبي -عليه الصلاة والسلام- في عز الأزمة وفي شدة الخطب وفي هذا الظلام الحالك يبشر بشريات بانتصار الإسلام وبالمستقبل لهذا الإسلام، وهو في حالة حفر الخندق كانت تأتي يعني حجارات كبيرة تقف أمامهم، فيدخل النبي -صلى الله عليه وسلم- ويضرب بها الضربة فتوقد منها شرارات يقول: هذه الشرارة أضاءت لي بلاد اليمن، سيفتحها الله عليَّ، هذه أضاءت لي بلاد بصرى في بلاد الشام، سيفتحها.. هذه أضاءت لي بلاد فارس سيفتحها الله عليكم، في هذا، ولذلك كان الإيمان يعني له دور كبير، والقرآن عبَّر عن هذا حينما قال: (وَلَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً)، (وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً) فالمنافقون يعني قالوا ما قالوا، وهذا موقف المؤمنين، لما رأى المؤمنون الأحزاب لم ينهاروا ولم يتزلزلوا، بل قالوا: (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتسليماً) (مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً).

وكانت النتيجة إن الله -سبحانه وتعالى- أرسل عليهم ريحاً وجنوداً لم يروها، وجاء الريح أكفأت قدورهم وأوانيهم وخلعت خيامهم وحدث ما حدث، (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِياً عَزِيزاً)، بعد ذلك حدثت غزوة الحديبية

المبشرات بانتصار الإسلام

ماهر عبد الله: تسمح لي بس قبل الحديبية يعني ما تفضلت به عن الشرار الذي.. الذي قدح، يعني هذه بشارات، لأنه الإنسان في المحصِّلة النهائية بحاجة إلى شيء غير الغيبي ليؤمن به، وعد الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالنسبة لهم وعد ملموس من شخص يرونه، هل هناك بشارات لمن هو مثلنا لا يرى محمداً اليوم تؤكد له أنه على الجد الصح، أنه يؤمن بالعقيدة الصح، أنه ثمَّة أمل؟ يعني..

د.يوسف القرضاوي: عندنا بشائر يعني عدة، مبشرات كثيرة جداً تجعلنا نوقن يقيناً لا ريب فيه بأن هذه الأمة لا يمكن أن تموت، وأن المستقبل لهذا الدين، وأن هذه الأمة ستنتصر في النهاية، عندنا مبشرات من القرآن ومبشرات من السُّنة، ومبشرات من التاريخ، ومبشرات من الواقع، ومبشرات من سنن الله، يكفي عندنا في القرآن (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ) على كل الأديان، الإسلام انتصر وظهر على كثير من الأديان، ظهر على اليهودية، وظهر على النصرانية إلى حدٍ ما، وظهر على المجوسية، وأنهى دولة المجوس ودولة الفرس ودولة الأكاسرة نهائياً، وقصَّ جناح دولة الرومان، ولكن لم يظهر على كل الأديان، بقيت وثنيات ضخمة في الأرض في آسيا وإفريقيا، إنما سيأتي يوم يظهر على الدين كله ولو كره المشركون، هذا من.. من القرآن، وعندنا من السُّنة، يعني للأسف كثير من الناس حينما يقرأ السنن، ويقرأ أحاديث الفتن وأشراط الساعة لا يقرأ إلا الأحاديث التي توحي بإن الكفر في إقبال والإسلام في إدبار، وإنه بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً وهناك مبشرات كثيرة من السُّنة لا تُذكر مثل مثلاً "ليبلغن هذا الأمر -أي أمر هذا الدين- ما بلغ الليل والنهار" حديث تميم الداري "ولن يبقى بيت مدر أو وبرٍ إلا أدخله الله الإسلام بعز عزيز أو بذل ذليل، عز يعز الله به الإسلام، وذل يذل الله به الكفر"، انتشار الإسلام حيث بلغ الليل والنهار يعني الكرة كلها، ومش بس اتساع الدين وانتشار الدين، اتساع الملك والدولة، لأن ورد أيضاً في صحيح مسلم "إن الله زوى لي الأرض فأُريت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوُى لي منها" ملك الأمة صحيح وصلت إلى الأندلس غرباً وإلى الصين شرقاً، ولكن ما.. مش كل مشارق الأرض، الحديث ده بيقول لأ، سيبلغ ملكها ما زوُى لي من الأرض، فهذه مبشرات باتساع الانتصار على اليهود، وإن الحجر والشجر سيقول: يا مسلم، هذا يهودي ورائي، ولن تقوم الساعة حتى تصبح أرض العرب مروجاً وأنهاراً، وانتشار الرخاء حتى يهم الرجل من يأخذ منه صدقته فلا يجده، كل هذه المبشرات، وهي كثيرة تحتاج إننا نعمل فيها حلقة أو من.. من السُّنة، هناك التاريخ كما ذكرنا إنه الأمة دي أصفى ما تكون جوهراً، وأصلب ما تكون عوداً، وأشد ما تكون قوة ومراساً وعناداً حينما تنزل بها الشدائد، الشدائد تُظهر القوة، الإيمان هو الذي يفجِّر الطاقات، من.. من صُنع الإيمان إنه بيعطي الإنسان طاقة غير عادية، القرآن أشار إلى هذا في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن منكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً منَ الَّذِينَ كَفَرُوا) يعني المؤمن بيعمل بعشرة أضعاف طاقة غيره في حالة القوة، إذا ضعف إيمانه يبقى بيعمل بالضعف فقط (الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ)، فمعناها إن الإيمان حتى في حالة الضعف يضاعف طاقة الإنسان ضعفين أو عشرة أضعاف، فالإيمان هو الذي يفجِّر هذه الطاقات الهائلة، وأعطى الأمة لتقف طوال التاريخ، ما الذي جعل الأمة يعني تنتصر على الصليبيين بعد أن ظلوا مائتي سنة في المنطقة؟ وما الذي جعلهم ينتصرون على التتار بعد أن أسقطوا بغداد؟ وبعد سنتين فقط انتصر المسلمون عليهم، يعني بغداد سقطت سنة 656، وفي سنة 658 انتصر المسلمون عليهم في معركة عين جالوت، يعني فكل هذا من صُنع الإيمان ولا.. ولاشك.

[فاصل إعلاني]

تحليل الهزائم المتتالية على الأمة الإسلامية وعلاقتها بالحالة الإيمانية

ماهر عبد الله: سيدي، كلامك الأخير يعني يثير سؤال طُرح كثيراً، ونحن نعيش جو الهزيمة هذه الأيام، إذا كان الله تعهد بالنصر بالمؤمنين، وهذه الأمثلة التي تحدثت عنها خير مثال وخير شاهد، انهزاماتنا المتكررة هذه، هزيمتنا الكبرى الأخيرة كأمة ولا أتحدث عن العراق تحديداً، هل هي مؤشر على ضعف الإيمان، على قلة الإيمان، على الخروج من دائرة الإيمان؟ ماذا تعني هذه الهزائم على صعيد العلاقة بالإيمان ووجوده أو عدمه؟

د.يوسف القرضاوي: كما قلت يجب أن نقرأ القرآن ككتاب متكامل يُصدِّق بعضه بعضاً، يعني القرآن يقول: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ)، (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ)، ويقول: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا)، ويقول: (وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)، ويقول: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ)، ويقول: (وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ) إلى آخره، فمن هم المؤمنون؟ إذا كان القرآن يتحدث عن نصر المؤمنين وعزة المؤمنين والدفاع عن المؤمنين، فمن هم المؤمنون في لغة القرآن؟ يجب أن نأخذ أوصاف المؤمنين من القرآن نفسه، وأنا أطبق على أنفسنا، هل نحن طبقنا هذا على أنفسنا؟ يعني من أوصاف المؤمنين في القرآن أنهم يلتزمون بحكم الله - عز وجل- ولا يرفضونه، كما قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)، ويقول: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ)، ويقول: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً).

هذا في.. حينما ذكر (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً) نحن نصد عما أنزل الله وعما جاء به الرسول ونتحاكم إلى الطاغوت، ونرفض شرع الله وبعدين نقول إن إحنا.. نحن مؤمنون؟! لابد.. هذا.. هذا يعني جانب من الجوانب.. الجوانب الأخرى، حتى الجوانب الأخلاقية القرآن حينما قال (قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) (وَالَّذِينَ هُمْ لآمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ..) أوصاف يعني كانت تُكَوِّن الشخصية المؤمنة المتخلقة بأخلاق الإسلام وفضائل الإسلام، أين هذه الشخصية؟

(إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) فإيمان القرآن لم نتحقق به كما ينبغي الإيمان الموروث، إحنا نؤمن بالله يعني نقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله وكذا، أما الإيمان الذي يُكَوِّن شخصية.. ينشئ الإنسان خلقاً آخر، هي ميزة الصحابة أيه؟ إن الإيمان غيَّر شخصيتهم الإيمان حينما تخالط بشاشته القلوب وحينما يدخل كيان الإنسان الداخلي ينشئه خلقاً جديداً كما فعل في سحرة فرعون، سحرة فرعون حينما آمنوا ماذا صنع بهم الإيمان؟ جاءوا.. سحرة فرعون، الجماعة اللي بنقول عليهم الحواة الحاوي اللي بيعمل البتاع مش عارف أيه، فجايين الحواة دوة جابهم فرعون من كل أنحاء، وجاءوا بحبالهم وعصيهم (وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الغَالِبُونَ) وبعدين قالوا لفرعون (إِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغَالِبِينَ) هم واثقين تماماً إن هم هيغلبوا الساحر، قال: نعم، لكم أجر، هتاخدوا فلوس، (وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المُقَرَّبِينَ)، هأديكوا مناصب وجاه يعني، وبعدين حينما جاءوا وألقوا حبالهم وعصيَّهم، حتى خاف سيدنا موسى أو أوجس في نفسه -بحكم الطبيعة البشرية- (قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) ساعة ما ألقى العصا ابُتلعت الحبال والعصي، وبعدين لم يجدوا لها أثراً، طيب لو فيه ساحر أمهر من ساحر، يبطل سحره، ولكن تبقى الأشياء كما هي، المواد الخام تبقى، إنما دي بُلعت، فهي.. (فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ العَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ)؟! من غير ما تاخدوا تصريح بالإيمان، يعني ما يصحش، أي عقل يقتنع، أي قلب يؤمن إلا بإذن من فرعون، هذا يعني شأن الطغاة (آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ..) (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) علمهم..، هم لم يروه إلا في هذه اللحظة (فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى) أنا أم إله موسى اللي أنتم آمنتم به؟ (قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ) إحنا الحق اتضح لنا، آمنوا عن بينة، إن دا لا يمكن يكون عمل بشر، دا شيء فوق القوة والقُدَر، (لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا) يعني انظر يعني كيف نظروا إلى فرعون باستهانة واستحقار، وكأنهم بينظروا إليه من علو ودا في السفح، فهذا صنع الإيمان، الإيمان هو الذي جعل من العرب عرب الجاهلية عرب الإسلام، فغيَّر نفوسهم وغيَّر طباعهم هنا شوف السحرة بعد ما كانوا بيقولوا (بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ)، يقول (وَالَّذِي فَطَرَنَا)، وبعد ما يقول (أإن أَئِنَّ لَنَا لأَجْراً) يقولوا (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا..) أصبح شخصاً الهدف غير الهدف تغير، والأسلوب تغير والمنطق تغير، كل دا من صنع الإيمان، هذا هو الذي صنعه محمد -صلى الله عليه ومسلم- في العرب، حينما غير منطقهم وغير أهدافهم وغيَّر رسالتهم لما تقرأ شعرهم في الجاهلية، وعلى ما كانوا يعيشون، يعيشون للخمر ولكذا ولكذا، أصبحت لهم أهداف.

ماهر عبد الله: هذا.. هذا الذي نريد أن نعرفه أو نحاول أن نعرفه، بس خلينا نسمع بس من الإخوة اللي انتظروا على الهاتف فترة من الزمن، نسمع من الأخ عبد الجليل دويب من هولندا معذرة على التأخير أخ عبد الجليل اتفضل.

عبد الجليل دويب: السلام عليكم يا أستاذ ماهر.

ماهر عبد الله: عليكم السلام اتفضل.

عبد الجليل دويب: السلام عليكم يا مولانا.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

عبد الجليل دويب: عندي سؤال لحضرتك يا مولانا.

د. يوسف القرضاوي: تفضل.

عبد الجليل دويب: يعني: لماذا دائماً الخطاب الديني بيكون فيه العنف وفيه العنف الغير مباشر؟ لماذا لم نجند قضية الإيمان في العمل والتسامح والمحبة بين الناس علشان نرفع قامة الأمة الإسلامية ويكون عندنا إنتاج، ويكون عندنا زراعة، ويكون عندنا صناعة، لماذا لا.. لا نأخذ هذا الإيمان بقوة للعمل الإنتاجي؟ ويكون الخطاب الديني دائماً يعزم المسلمين ويعطيهم القدرة على العمل والإنتاج والمحبة والتآلف، وهذا هو شعار ديننا؟ لماذا دائماً نذكر الماضي ونذكر الحروب ونذكر القتال؟ لماذا [لا] نتجه بهذه العقيدة والإيمان إلى العمل المثمر، إلى العمل الذي يرفع قامتنا بين شعوب الأمم؟ إحنا عايشين هنا في.. في هولندا، وشايفين الناس يعني ما بيتكلموش دائماً عن العداء ولا يعرفوا العداء يعرفعوا المحبة، يعرفوا التسامح، يعرفوا العمل، يعرفوا الإنتاج، يعرفوا إن الإنسان اللي خلقه الله -سبحانه وتعالى- الذي عززه وخلقه على صورته، يحتفظون به بدون قتال وبدون دم وسفك دماء، وشكراً لسعادتكم.

ماهر عبد الله: طيب، نسمع من فاتن العريض من البحرين.

فاتن العريض: عندي سؤال للشيخ يوسف، ما تحسون أو ما تشوفون إنه في الوقت الحاضر فيه نفاق في الأمة الإسلامية موجود؟ يعني نفاق وكل.. كل حاكم للدول الإسلامية عامل فرعون، يعني ما فيه أي أهمية تجاه الشعوب، يعني في الوقت الحاضر كل من يحس إنه مظلوم إحنا أمة إسلامية أمة مظلومة، لا حرية، لا ديمقراطية، لا احترام ولا أي شيء، أيش لون.. يعني واحد يتوقع إن الشعوب تتحرك؟ يعني للأسف الشديد يعني إحنا ضايعين، أمة ضايعة بكل صراحة.

ماهر عبد الله: طيب أخت فاتن أعتقد يعني النقطة يعني مهمة ولفتة جميلة، نسمع من الأخ محمد علي من السعودية، أخ محمد اتفضل.

محمد علي: السلام عليكم.

ماهر عبد لله: عليكم السلام ورحمة الله.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

محمد علي: كيف حالك يا شيخنا؟

د. يوسف القرضاوي: بارك الله فيك يا أخي.

محمد علي: عساك.. عساك طيب إن شاء الله. يا شيخ بالله عندي استفسار، أنا شاب من السعودية وموضوع الحلقة، الله قال تعالى.. -سبحانه و تعالى- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) الله أمرنا بالقتال يا شيخ، يا شيخ جعلوا حماس إرهابية يا شيخ، والله من دون حماس.. من دون كموضوع حقنا نطلع منه، الله هل أمرنا بالقتال؟ هل القتال فرض علينا في فلسطين أم لا؟

أنا كشاب سعودي أو كأي شاب عربي هل القتال الآن في فلسطين فرض عين أم ليس فرض عين يا شيخ؟ شكراً يا شيخ.

ماهر عبد الله: طيب مشكور يا سيدي. سيدي يعني ما بين دعوة الأخ عبد الجليل الدويك من هولندا، الذي يريد التركيز على مجموعة قيم، عمل منتج، تسامح إعطاء انطباع للبشرية عن هذه الأمة غير العنف، كما قال الخطاب الديني يغلب عليه إما العنف أو العنف غير المباشر أو الدعوة إلى العنف وبين دعوة الأخ محمد علي من السعودية وفيه دعوات أخرى، يعني الأخ وضاح محمود من اليمن يقول: هل التخاذل عن الجهاد يدل على ضعف في الإيمان؟

د. يوسف القرضاوي: هو لو وضع يعني كلام كل واحد منهم في موضعه، لا يكون تناقض، يعني نحن ندعو إلى التسامح وإلى المحبة وإلى بذل الخير للناس جميعاً هذا هو الإسلام، يعني (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) والأسير مشرك كان في ذلك الوقت (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً) (لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ) الإسلام هو دين التسامح ودين الرحمة ودين البر لجميع الناس، يسالم من سالمه ويحارب من حاربه، ونحن ندعو.. كلامنا إحنا في الإيمان هو تثبيت للمعنى الإنساني الذي يريده الأخ اللي اتكلم..

ماهر عبد الله: عبد الجليل -هولندا.

د. يوسف القرضاوي: هولندا، وأنا ليَّ يعني كتاب، يعني يذهب إلى المطبعة هذه الأيام، اسمه (خطابنا الديني في عصر العولمة) وذكرت فيه إن فعلاً خطابنا الديني في كثير من الأحيان عليه مآخذ ويتبنى أحياناً يعني ما يشبه العنف أو شيء من هذا، فلابد أن نضع الأمور في موضعها.

"ووضع الندى في موضع السيف بالعلا.

مضر كوضع السيف في موضع الندى"

الأخ.. الأخ اللي اتكلم من السعودية، هو بيتكلم عن قضية مهمة، وهي قضية إخواننا في فلسطين، هل يجوز أن ندع إخواننا في فلسطين وننام على آذاننا ونتركهم وحدهم يعانون ما يعانون؟ لا شك أن الأمة الإسلامية كلها مقصرة غاية التقصير وآثمة في حق إخواننا في فلسطين يعني اليهود في أنحاء العالم يعاونون يهود إسرائيل، والغربيون والمسيحيون والصليبيون يعاونونهم يكفي أميركا يعني وحدها. والمسلمون لا يعاونون إخوانهم، يعني هذا لا.. لا يحدث ولا العرب، حتى العرب ما يعاونون.. العرب في سنة 48 دخلت جيوش سبعة تعاون الفلسطينيين وإلى.. إلى آخره، وبقى وكانت الجامعة العربية في ذلك الوقت وليدة، عمرها ثلاث سنوات، الآن بعد ما صارت 22 دولة وأصبح عندها وعندها، تركوا الإخوة في فلسطين يأكلونها وحدهم هذا لا.. ليس لا، لا من الإسلام ولا من العروبة ولا من القومية ولا من الإسلامية، ونصرة إخواننا في فلسطين واجبة على كل مسلم، ولكن ماذا يفعل الفرد؟

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: فرض عين كما قال؟

د. يوسف القرضاوي: يعني الأخ.. الأخ يعني يقول: نعمل أيه؟ لا يستطيع أن يذهب إلى فلسطين، لا يستطيع أن يذهب إلى فلسطين، لأن دول الطوق ستمنعه، دا حتى الآن يريدون أن يمنعوا أي تمويل للإخوة في حماس والجهاد وكتائب الأقصى وفصائل المقاومة، لا.. لا أميركا قالت لأ، نجفف المنابع، بحيث لا نوصل إليهم درهماً ولا ديناراً ولا فلساً. هذا ما يريدونه، ناس تدافع عن أرضها وعن وطنها وعن مقدساتها، و.. ومع هذا هؤلاء هم الإرهابيون، أما (شارون) وعصابته، فهؤلاء ناس طيبون، أخيار، مسالمون، يدافعون عن حقوقهم، ويدافعون عن أوطانهم، إنما الأشرار هؤلاء هم حماس و.. والجهاد وإخوانهم!! هذا يعني أمر يعني غريب، وهذا هو الذي يدفع إلى العنف، يعني هذا الظلم الذي يقع على الناس من قِبَل الطواغيت المتألهين في الأرض، هو اللي بيدفع إلى العنف، أنا من.. يعني.. يعني عقود من عشرات السنين، يعني ثلث قرن أو .. أو أكثر وأنا أقف ضد العنف، وضد التطرف، وأصدرت فيه كتباً، يعني من.. من أجل مقاومة العنف وخطاب العنف وأسلوب العنف، ولكن ماذا يفعل هذا أمام الواقع المأساوي الذي يعيشه إخواننا، ويفرض على الناس أن يشعروا بشعور الغليان؟ فلذلك إذا أراد العالم أن يوقف العنف، فليُقم العدل، وليرفع الظلم عن المظلومين، وليكف الظلمة، ارفع سوطك أيها الظالم عمن تضربه، بدل أن يقول للمضروب: لا تصرخ ولا تبكِ، هذا يعني للأسف يعني.

ماهر عبد الله: طيب، نسمع قبل ما نعود لسؤال الأخت فاتن، نسمع الأخ طاهر الشريف من السعودية، أخ طاهر اتفضل.

طاهر الشريف: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

طاهر الشريف: مرحباً بالأخ ماهر وبفضيلة الشيخ.

ماهر عبد ا لله: أهلاً بك.. اتفضل.

د. يوسف القرضاوي: حياك الله يا أخي.

طاهر الشريف: حياكم الله. بالنسبة عندي سؤال بدي أسأل فضيلة الشيخ، نسأله: هل نكتفي بأضعف الإيمان في مساعدة الإخوة في فلسطين وفي العراق كما حدث الآن، أم هل يعني بأي مساعدة نقوم بها؟ وهل أضعف الإيمان هو من الإيمان؟

السؤال الثاني: قرأت أن سيدنا عثمان قبل موته قال - أعتقد لابن السوداء - : "والله لأن قتلتموني لا تحابون بعدي جميعاً أبداً، ولا تصلون بعدي جميعاً أبداً، ولا تقاتلون عدواً بعدي جميعاً أبداً" هل هذا صحيح، وما علاقته بالإيمان أيضاً، وشكراً لكم.

ماهر عبد الله: مشكور أخ طاهر، نسمع من الأخ أمين بيدس من الإمارات، أخ أمين اتفضل.

أمين بيدس: مساء الخير.

ماهر عبد الله: مساء النور.

أمين بيدس: لي.. عندي سؤال إلى فضيلة الشيخ يوسف، إنه نحنا المسلمين بصورة عامة يظهر أن بعضنا لا يحترم ديانات وإيمان الآخرين، نحن متمسكون في عادات أحياناً قديمة، وأحيانا بالية، ولا نتمسك بحقائق وروعة الإسلام الأصيلة، نحن لا نحترم أحياناً إيمان الآخرين كملايين وبلايين البوذيين وأصحاب الأديان الأخرى، فهل هنالك طريقة أن نبدأ باحترام أديان وآراء الآخرين وإيمان الآخرين؟ لعل الآخرين يتفهمون إيماننا العميق الرائع في ديننا الحنيف، وشكراً.

ماهر عبد الله: مشكور الأخ أمين، نسمع من الأخ عبد الرحمن العمري من السعودية، أخ عبد الرحمن اتفضل.

عبد الرحمن العمري: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: السلام والرحمة.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

عبد الرحمن العمري: أصلح الله حالك يا أخي ماهر.

ماهر عبد الله: حياك الله سيدي.

عبد الرحمن العمري: سبق وقلنا لكم عدة مرات لا تذكرون السعودية الله يصلحك يا أخي، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

ماهر عبد الله: تفضل.. تفضل بالسؤال.

عبد الرحمن العمري: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم "بسم الله الرحمن الرحيم" (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً)، (فليغفر الله.. فليفغر لك الله ما تقدم).

د. يوسف القرضاوي: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ).. (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ)

عبد الرحمن العمري: (فليغفر الله.. فليغفر لك الله ما تقدم لك من ذنبك وما تأخر...).. [لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ].

د. يوسف القرضاوي: لـ.. لــ

عبد الرحمن العمري: (ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً، وينصرك نصراً عزيزاً) [وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً (2) وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً]

د. يوسف القرضاوي: (وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً).

عبد الرحمن العمري: و الله -سبحانه وتعالى- ينصر من ينصره، كما جاء في سورة الحج، أخي الله يبارك فيك، أخي هذا العبد الضعيف الله -سبحانه وتعالى- حمّله رسالة ليجاهد الكفار والمنافين، ويُبَلِّغ رسالته، وثانياً: يا أخي ماهر أكثر الناس مشكلة يعني أنتو بتعلموا إنه لي كثير من ما قدمت من أية الله، وهو دا.. القرآن هو دستور هذه دستور أمتنا، ويا أخي أكثر الناس الله -سبحانه وتعالى- (وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً) أكثر المجرمين، يعني نقدم أنا ولكن للأسف يعني ما نجد يعني من يستوعب ويستنير على ما يقدمه هذا العبد، على العموم يا أخي أنت تعلم يا أخي ماهر أن أخوك في الله ما كان يعلم.. ما كنت.. يعلم الله ما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان، والله -سبحانه وتعالى- هو الذي أورثني كما جاء في سورة فاطر، على العموم يا أخي الحبيب، الأخ من هولندا يقول إن الإسلام يعني فيه دين، إنما هو يقاوم الظلم، وهؤلاء الظالمين لا يأتون بالتي هي أحسن، وسبق وتكلمت في هذا الكلام وقلت ها دول لا يأتوا بالتي هي أحسن يأتوا بالتي هي أسوأ، وعندك سبب ما قاله الشيخ، يعني شارون جعلوه رجل سلام والإخوة الفلسطينيين إرهابيين، ماذا تتوقع.. تنتظر من هؤلاء القوم؟ فيا أخي للأسف هؤلاء قلنا ناس يعني وإن تقرأ كل آيات الله -سبحانه وتعالى- تقرأها عليهم لا.. لماذا تقول: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى) إنما أنا استغنى فيه يهود ونصارى يناصرون الحق، إنما أقصد هؤلاء.. هؤلاء.

ماهر عبد الله: أخ عبد الرحمن أعتقد النقطة.. النقطة واضحة وإن شاء الله تسمع من الشيخ تعليق عليها، سيدي يعني ما.. مازلنا في.. في هذه يعني الحيرة أيضاً بين الأخ عبد الرحمن وبين الأخ أمين، الأخ أمين يعتقد أن المرحلة قد تتطلب منا احترام إيمان الآخرين، التعامل معهم من منطلق هذا الاحترام، الأخ عبد الرحمن يعتقد أنه (وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) يعني هذا.. هذا مؤشر على الحيرة التي تعيشها الأمة بين خطاب..

د. يوسف القرضاوي: هو يعني المشكل يعني فهم الآيات فهماً مبتوراً، ما معنى (وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) يعني معنى هذا إنه اليهود والنصارى متمسكون بدينهم، ولا يمكن أن يرضوا عن محمد -صلى الله عليه وسلم- ما دام صاحب دعوة جديدة، ويريد نشر دعوته في العالم، لن.. لن يرضوا عنه، ولن يرضوا عنا، وهل إحنا يعني همنا أن نرضي اليهود والنصارى؟ يعني الكلام دا إن كنا كان كل همنا أن يرضى عنا اليهود والنصارى أو لا يرضوا، إحنا لن يهمنا أن يرضى اليهود ولا النصارى، إنما يهمنا أن يرضى الله تبارك وتعالى عنا، هذا معناه إنه هم متمسكين بدينهم، هذا مدح لهم، ولا.. لا.. ليس ذماً لهم، وهذا لا يعني إنه.. إن إحنا نعاملهم معاملة سيئة، الأخ يقول نعاملهم بالتي هي أسوأ، لا ما فيش معاملة بالتي هي أسوأ، معاملتنا المنشودة دائماً التي هي أحسن، (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (جَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) إحنا المسلم ينشد الأحسن والأحسن قد يكون استعمال القوة، يعني أحياناً تستعمل القوة في مقاومة الظالمين، هذا هو الذي.. الذي هو أحسن والتي هي أحسن، فنحن لا نستعمل التي هي أسوأ أبداً، بل نستعمل التي هي أحسن، بس نضع كل شيء في.. في موضعه، نحن الظَلَمَة لا نفتح لهم صدورنا، ولا نقول لهم أهلاً بكم ومرحباً، نقاوم الظلم، الله تعالى يقول: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً) يعني الذين يرضون بالظلم يدخلون جهنم، إلا (المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) (فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُواًّ غَفُوراً) فالمسلم يقاوم الظلم ولا يرضى، ولكن مع هذا من لم يظلمه يعامله بالحسنى، يعامل الناس معاملة ويحترم الأديان، الأخ بيقول نحترم البوذيين حتى واليهود والنصارى، يعني القرآن يقول: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ (1) لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ)، قال لكم يعني هذه السورة تمثل أقصى الاعتزاز والتمسك بالتوحيد و.. وأقصى التسامح، لأن في الآخر قال (لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ) وبعدين في النهاية قال (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) ولكن المشكل حينما يقول المشركون لنا ديننا وليس لك دينك، ليس من حقك أن تتدين ولا أن تعمل بدين، هذا هو الذي نرفضه، نحن نحترم الأديان ونعتقد أن اختلاف الأديان واقع بمشيئة الله، الله تعالى يقول: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) فاختلاف الناس في أديانهم واقع، ولذلك أي محاولة لفرض لقسر الناس جميعاً على دين واحد لابد أن تفشل، لأنها ضد مشيئة الله، وبعدين الحساب.. الحساب قال أنا مؤمن وأنت كافر، أنا مهتدي وأنت ضال، كل واحد صاحب إيمان بيعتقد بهذا، ولا يتم إيمان بهذا لازم أعتقد أني على حق، وأنك على الباطل أنا لا أقول هذا، النصراني بيعتقد عكس هذا، بيعتقد إنه هو على حق وأنا على الباطل، و.. إنما مين الذي يفصل بين الناس؟ الله هو الذي يفصل بينهم يوم القيامة، (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، (اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ المَصِيرُ) فالمهم أن نعرف متى نستخدم التسامح، ومتى نستخدم التشدد، الرفق له مكانه، والعنف له مكانه.

ماهر عبد الله: طيب نسمع من الأخ عبد الله من المغرب، أخ عبد الله تفضل.

عبد الله: السلام عليكم ورحمة الله.

ماهر عبد الله: وعليكم السلام ورحمة الله.

عبد الله: تحياتي إليك أخ ماهر، وإلى شيخنا الفاضل، وتحيتي إلى (الجزيرة)

ماهر عبد الله: أهلاً بك.

د. يوسف القرضاوي: حياك الله يا أخي.

عبد الله: هذه بشرى للمسلمين وإلى كل البشرية جمعاء، من (ملف) سيدي الإمام المهدي المنتظر صفحة الـ42 حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري"، نعم إن ذلك الرجل هو من سماه نصر دامو بملك الرعب، وهو ما جاء في السفر 4 لنبي الله (...) باسم الأسد وبالمقتطع المقابل إن كنتم تعلمون، وعلى كل حال فقد بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، "وجعل رزقي تحت ظل رمحي"، الرمح هنا هو ما تحفر به الأرض، لإقامة حفريات وإخراج ذخائر موسى وسليمان التي توجد تحت قدمي، ومن بين الذخائر ذلك السيف المسموم الذي يخطأ الإله تموش، إذا ظن أنه يقدر على انتزاعه من تحت قدمي، لأن الدار داري، وهو يحاول بطائراته ليل نهار، فيجد بذلك مقاومة عنيفة من طرف الملائكة، لأنه ما من مكان يحيط بمنطقتي إلا وعليه ملك مسلط من خلفه، إذن فهو يخطأ إن ظن أنه سيكسب، وقد تلتوي الحية على عنقي، ولهذا إن كنتم تعلمون بأي شيء تهيأ الجيوش لعلمتم بأنما هي تهيأ للاستيلاء على ارضي" (...) يوجد بها ذلك الأسد والإله تموش، يريد أن يستولي على كل ذلك الغنى بحجة محاربة رجل يعتبر بالنسبة إليه أنه هو رأس الإرهاب وهو لا يريد أن يظهر باسمه صراحة، فهو يدعوه مرة ببن لادن وأخرى بصدام ولا يريد أن يوجه الكرة حتى اسم البلد، فهو..

ماهر عبد الله: طيب أخ.. أخ عبد الله مشكور جداً على هذه المداخلة، وإن شاء الله يسمح لنا الوقت أن تسمع من الشيخ تعليق عليها، معايا الأخ عبد الكريم الوشلي من السعودية، وأرجوك الاختصار أخ عبد الكريم الوقت أدركنا تفضل. أخ عبد الكريم.

عبد الكريم الوشلي: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

عبد الكريم الوشلي: السلام عليكم فضيلة الشيخ.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام يا أخي ورحمة الله وبركاته..

عبد الكريم الوشلي: أخ ماهر طبعاً المرة الأولانية طبعاً أنا أشارك فيها في هذا البرنامج في قناة (الجزيرة) فأتمنى منك أن تعطيني وقت إذا تكرمت يعني..

ماهر عبد الله: المشكلة المخرج مش هيعطيني أنا وقت.

عبد الكريم الوشلي: سيدي الكريم، طبعاً موضوع اليوم هو طبعاً هو عن الإيمان، طبعاً الإيمان هو اليقين، والإيمان بلا تنفيذ أو عمل تصبح كلمة مفرغة من محتواها ومن معناها، وعندما نقول عن شخص بأنه مؤمن نظراً لأننا رأينا ذلك متجسداً بأعماله الخاصة والعامة، أي بأن الإيمان انعكس على أعماله كاملة، وإجمالاً الإيمان المادي ناقص، والإيمان المعنوي أيضاً ناقص، فلا يكتمل الإيمان إلا بالجمع مادياً ومعنوياً، في الحديث الشريف "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" والحديث واضح لا لبس فيه، بأن من رضي الظلم على أخيه فهو ليس مؤمناً، والرضا قد يكون بالسكوت واللامبالاة أي مولانا الشيخ يجب أن ينعكس الإيمان، يجب أن ينعكس عملياً، طبعاً نحن نقتدي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل شيء طبعاً في.. في.. في المعاملة، في السياسة، في كل شيء، أي بما معناه بأن سيرة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- السياسية والأخلاقية ملزمة لنا ولا تتغير بتغير الزمان والمكان والظرف، لأنها ترتكز إلى مبدأ ثابت إسلامي لا يتغير في كل شيء طبعاً، في الفتوى والمعاملات وإقامة الحدود وغيره، بالإضافة إلى أن الأسس والمبادئ الشرعية التي تدرس في بلد ما هي نفسها الأسس والمبادئ التي تدرس في بلد آخر، باعتبار إن الكتاب واحد والسنة واحدة ومحمد -صلى الله عليه وآله- واحد، لكن الواقع يقول غير ذلك، مثلاً التوجهات في مصر التوجهات الدينية تختلف عن التوجهات في سوريا والتوجهات في اليمن تختلف عن التوجهات في العراق، وهكذا وكأن كلا له رافد خاص به، وكل يدَّعي تمسكه وتقيُّده التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، طبعاً نحن نعلم بأن الاختلاف.

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: أخ عبد الكريم أيش.. أيش اللي هتوصله، أخ عبد الكريم اختصر لي.. اختصر لي ماذا.. ما تريد في.. في جملة صغيرة، ما الذي تريد أن تصل إليه؟

عبد الكريم الوشلي: سيدي الكريم طبعاً.. طبعاً أنا طبعاً اللي أريد أن أصل إليه، بأننا نحن.. نحن نعلم بأن العلماء هم ورثة الأنبياء، وبأن العلماء هم قدوتنا في كل شيء، لكن نلاحظ أموراً طبعاً أمور طبعاً واضحة للعيان مثلاً، عندما نراجع مثلاً أخطاءنا طبعاً وتاريخنا الإسلامي ككل نجد كل مصيبة أو أمر جلل لا تخلو من بصمة إما عالم أو مثقف أو فقيه، ابتداءً بتقطيع أوصال هذه الأمة، وشقها إلى نصفين سنة وشيعة، طبعاً الفقهاء كان لهم دوراً كبير في هذا طبعاً، إضافة إلى أمور بعد ذلك كبيرة، مثلاً أضرب لك مثال مثلاً: مقتل حفيد نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- الإمام الحسين بن علي عليه السلام، لم يخلُ من بصمة فقيه وعالم فطبعاً ثم بعد ذلك يأتي دور العلماء في التجديد، عندما..

ماهر عبد الله: الأخ عبد الكريم.. يعني الكلام كلام.. كلام لطيف إن شاء الله يعني تسمع من الشيخ التعليق عليه، لفتة على دور العلماء، نسمع المكالمة الأخيرة وأرجوك يا أخ عبد الباسط الاختصار، الأخ عبد الباسط من الإمارات تفضل.

عبد الباسط محمد: السلام عليكم يا أخ ماهر.

ماهر عبد الله: عليكم السلام والرحمة.

عبد الباسط محمد: السلام عليكم الشيخ يوسف.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام يا أخي ورحمة الله وبركاته.

عبد الباسط محمد: أولاً الحمد لله على سلامتكم شيخ بعد الوعكة الأخيرة التي ألمت بك الحمد لله على سلامتك.

د: يوسف القرضاوي: سلمكم الله يا أخي وبارك فيكم، أعزكم الله.

عبد الباسط محمد: والحمد لله على سلامة الأخ ماهر للعودة من العراق سالماً الحمد الله.

ماهر عبد الله: بارك الله فيك.

عبد الباسط محمد: وأنا أود من فضيلة الشيخ فقط سؤال بسيط نصيحة وهي نصيحة يعني تقدمها للشباب المسلم المتحمس للجهاد، يعني تُعَرِّف الجهاد الشرعي الصحيح للشباب المتحمس، لو تعرف قبل فترة قتل عندنا ثلاث أطباء أميركيين في اليمن مدينة إب يعني بدون أي مسوغ شرعي، أرجو نصحيتك للشباب، والسلام عليكم ورحمة الله.

ماهر عبد الله: طيب مشكور جداً يا أخ عبد الباسط، يعني أنا أعتقد المسألة اللي نختم بها هو هذه.. مسألة هذه الحيرة الشديدة في موضوع الإيمان، أولاً لو عدنا لسؤال الأخت فاتن وسؤال الأخ طاهر الشريف، باختصار هل هذه الإشارات أنت تفضلت سيدنا بأن الإيمان القرآني المطلوب الذي نستحق بناءً عليه النصر غير موجود، علامات النفاق ذكرتها الأخت فاتن كثيرة: الحكام يظلمون فراعنة، نحن لا نتحرك لردعهم، هذه كلها مؤشرات نفاق، وبالتالي تستدعي بالضرورة خطاب يكفر المجتمع، يخرجه من الملة، يثور عليه بصيغة من الصيغ، هذا كلام الأخ عبد الكريم الوشلي إنه للعلماء دور كبير في ذلك، حتى يعني ذكر قصة السنة والشيعة كان للفقهاء دور فيها، بدون العلماء ما كان يمكن التقعيد لا للإرهاب من ناحية، لا للعنف من ناحية، ولا لدعوات التسامح من ناحية، عندما نتحدث عن مجتمع منافق، عن حكام فراعنة ظلمة، أليست هذه دعوة وإن كنا نقول لا نريد العنف الآن؟ أليست هي دعوة مباشرة للعنف، للتغيير بغير الطرق السلمية؟

د. يوسف القرضاوي: لا شك إن هذه الأسئلة تجد الشخص يقول.. يقول شيئاً والآخر على عكسه يعني تماماً.

ماهر عبد الله: صحيح.. صحيح.

د. يوسف القرضاوي: اتجاهات مختلفة، يعني في الأمة هذا يُشَرِّق وهذا يُغَرِّب، هذا يميل إلى الرفق وهذا يميل إلى العنف، وهذا يُكَفِّر الناس، وهذا يدعو إلى التسامح والإيمان، لا شك مدارس يعني مختلفة.

ماهر عبد الله: والجو جو فتنة يساعد على ذلك.

د. يوسف القرضاوي: نعم؟

ماهر عبد الله: الجو جو هزيمة وفتنة يساعد على هذا التشتت يعني..

د. يوسف القرضاوي: آه جو الفتنة و.. والهزيمة وغياب التوجيه الصحيح، وغياب العلماء الربانيين، يعني وغياب التيار الوسطي المعتدل، يعني ليقود المسيرة يعني على بصيرة، هذا كله يؤدي إلى هذه البلبلة، وعدم المرجعية يعني لا توجد يعني مرجعيات يرجع إليها الناس لتقول كلمتها ويسمع الناس لها، لكل واحد له شيخه وكل واحد له مدرسته، وكل واحد له منهجه ومذهبه الخاص وبيعبر عن هذه، إنما نحن يعني أصحاب التيار الوسطي والمهنج الوسطي الذي ندعو الأمة إليه، نريد الأمة أن تهتدي بكتاب ربها وبسنة نبيها، وتُعمِل عقلها، لا نريد أن نُغيب العقل في فهم الوحي، فيه بعض الناس بيتلقوا الوحي بغير عقل، ولا يمكن أن نفهم الوحي إلا بعقول لأنه ربنا قال (أُوْلِي الأَلْبَابِ) يعني إن بعض الناس يقول لك أكثر أهل الجنة البُلْه، وبيقولوا دا حديث، مع إنه ربنا جعل الجنة لأولي الألباب يعني، فنحن نريد أولي الألباب الذين يبصرون هذه الأمور، لا شك إنه الإيمان الذي ننشده هو الإيمان الحي الذي يتجسد في أخلاق وأعمال، كما جسده القرآن، وكما جسدته السُّنة، الرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، يعني من العقيدة إلى عمل الخير للمجتمع حتى إماطة الأذى من الطريق، الإمام البيهقي ألَّف كتاب اسمه "الجامع لشُعَب الإيمان" 14 مجلد يشمل كل أعمال الخير، هذا لا شك مش.. مش لم نطبقه نحن، هذا اللي بتقول عليه الأخت ده نوع من النفاق، النفاق مش بس في الحكام فقط، الحكام وغير.. وغير الحكام، نحن نريد أن نؤمن إيماناً صادقاً، فنستحق نصر الله عز وجل، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ).

ماهر عبد الله: سيدي.. سيدي.. طيب على يقين سيكون لنا عودة، وقد تكون في الأسبوع القادم إلى شيء شبيه بهذا، الموضوع إلى أن نلقاكم في الأسبوع القادم تحية مني والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة