عبد الهادي بوطالب.. الملكية في المغرب ج1   
الأربعاء 1429/7/14 هـ - الموافق 16/7/2008 م (آخر تحديث) الساعة 14:41 (مكة المكرمة)، 11:41 (غرينتش)

- العائلة والنشأة وصولا إلى المعهد الملكي
- نفي السلطان محمد وتكون الجبهة الوطنية الموحدة

- المرحلة الانتقالية بعد استقلال المغرب

- التحول إلى الملكية والتعامل مع المتمردين

أحمد منصور
عبد الهادي بوطالب
أحمد منصور
: ولد عبد الهادي بو طالب في مدينة فاس بالمغرب عام 1923 للميلاد، تخرج من جامعة القرويين وحصل على درجة الدكتوراه في الشريعة وأصول الفقه كما حصل على درجة أخرى للدكتوراه في القانون الدستوري من باريس. كان أستاذا لملك المغرب الراحل الحسن الثاني، كما تقلب خلال سنوات الستينيات والسبعينيات في عدة وزارات من أهمها وزارة الإعلام والشباب والرياضة والتعليم والتربية الوطنية والعدل والخارجية ووزيرا للدولة والبرلمان وناطقا رسميا باسم الحكومة، كما عمل مستشارا للحسن الثاني وسفيرا للمغرب في كل من الولايات المتحدة الأميركية والمكسيك. نتابع في هذه الحلقة والحلقات القادمة شهادته على عصر الملوك الثلاثة، محمد الخامس والحسن الثاني ومحمد السادس. معالي الدكتور مرحبا بك.

عبد الهادي بو طالب: يا أهلا وسهلا.

العائلة والنشأة وصولا إلى المعهد الملكي

أحمد منصور: ولدت في مدينة فاس في المغرب عام 1924، ما الذي بقي في ذاكرتك من مراتع الصبا والطفولة؟

عبد الهادي بو طالب: كله ما يزال في ذاكرتي، يقال عن.. الأطباء يقولون إن الإنسان ما شاهده وما عمله في مقتبل عمله يبقى راسخا في الذاكرة أكثر مما يعلمه عن ما قضى ووقع في آخر المطاف في الحياة.

أحمد منصور: ما أهم الأشياء التي..؟

عبد الهادي بو طالب: من أهم الأشياء هو أنه تأثير والدي علي في أن البيت اللي كان عندنا كان بيت عبادة وتقوى وصلاح لأنه نحن يقولون عنا إننا شرفاء أدارسة، أولاد أبو طالب وسبب مجيئنا للمغرب أولاد أبو طالب أنه كان جدنا الذي جاء مع مولاي إدريس من الينبوع من المملكة العربية السعودية إلى فاس، وأسس مدينة فاس كانوا يقولون عنه بأنه جاء معه واحد من جدودنا وأسس معه مدينة فاس وأقام معه الدولة الإدريسية. كنا في الحقيقة متأثرين بالتوجيه الديني يعني كانت تقام الصلوات عندنا في البيت، خمس صلوات كلها تقام في البيت، كانت تراويح رمضان أيضا تقام في البيت وكنت ومن الأشياء التي تروى في حياتي أنني جمعت القرآن في سن تسع سنوات..

أحمد منصور: تسع سنوات!

عبد الهادي بو طالب: أحفظه ولا أفهمه، أفهم بعضه ولكن أحفظه عن ظهر قلب. كان والدي يأخذني إلى المسجد وآخذ مقامي في الصف حتى يصل دوري لأصلي بالناس، وكنت أحفظ القرآن من أوله إلى آخره، وهذا..

أحمد منصور: وأنت في التاسعة من عمرك.

عبد الهادي بو طالب: في التاسعة من العمر.

أحمد منصور: هذه النشأة هي التي جعلتك تدخل إلى القرويين وتدرس فيها رغم ما كان شائعا من عملية التغريب والدراسة بالفرنسية آنذاك؟

عبد الهادي بو طالب: هو في الحقيقة هذا اختيار والدي، والدي كان يقول نحن لا نتعامل مع الحماية..

أحمد منصور: الحماية الفرنسية.

عبد الهادي بو طالب: لا مع تعليمها ولا مع ثقافتها ولا مع كل ما يصدر عنها فلذلك هو اختار أن أذهب إلى المدرسة أولا ابتدائية، كان في مدرسة الفقير بن عبد الله، كان في مدرسة أحد أعضاء كتلة العمل الوطنية مؤسس كتلة العمل الوطني وكنا نأخذ من أساتذتنا الاتجاه الديني والسلفي، بالأخص السلفي إذ ذاك كان ما تبنته الكتلة الوطنية، ولذلك مقاطعة للحماية قال ولدي هذا - وكنت البكر- لا يمكن أن يغشى مؤسسة الحماية ويتعلم على يد أساتذة أجنبيين.

أحمد منصور: الحماية فرضت على المغرب عام 1912 من الفرنسيين وكانت الدراسة آنذاك وكانت ربما السلطة السياسية وغيرها كانت للفرنسيين، أنهيت دراستك في جامعة القرويين عام 1943، تسلمت..

عبد الهادي بو طالب (مقاطعا): تخرجت منها.

أحمد منصور: تخرجت منها نعم، وتسلمت شهادتك من الملك.. أو كان السلطان محمد بن يوسف.

عبد الهادي بو طالب: محمد بن يوسف.

أحمد منصور: نعم محمد بن يوسف..

عبد الهادي بو طالب: كان يسمى الخامس أو السادس إذ ذاك، ألغوه والده.

أحمد منصور: ما الذي شكله هذا الأمر بالنسبة لك، أن يسلمك محمد بن يوسف سلطان البلاد الشهادة؟

عبد الهادي بو طالب: هذا أمر غريب في الحقيقة ما كنت أنتظره، أنا لا أقول هذا فلي عليه شهود كنت دائما في صفي في كلية القرويين في المدرسة كنت أول التلاميذ وأول الطلبة في الامتحانات بحيث جاء الملك كان عام 1930 أصدر ظهيرا في إصلاح التعليم الديني..

أحمد منصور: الظهير، معناه المرسوم يعني؟

عبد الهادي بو طالب: الظهير إيه المرسوم، كان المرسوم يطلق على ما يمضي عليه الوزراء أحيانا يعني ولكن كان الظهير بمعنى ظهير يستظهر به عند الحاجة، إذا كان يحمله أحد..

أحمد منصور: (مقاطعا): زي قانون يعني؟

عبد الهادي بو طالب: لا، قانون، من له ظهير له حماية الملك وكان الملك يعطي ظهائر بترقية فلان وتعظيم فلان والإحسان إليه إن كان هو في حاجة، ما يسمى بالالتفاتات الملكية إلى الأشخاص، فلما مرت 12 سنة من 1930 إلى 1942 حلت الذكرى الثانية عشرة لتأسيس النظام الإصلاحي لكلية القرويين فجاء جلالة الملك محمد الخامس أو محمد يوسف لأجل أن يرى، يتصل بالطلبة الناجحين ويجرون امتحان عليهم بمحضره، فاخترت لهذه المهمة فاستمع إلي في الدرس الذي ألقيته وأخيرا ودعته وفجأة بعد مدة بعث إلي بواسطة الباشا أي والي المدينة يطلبني لأن آتي إلى البلاط وعرض علي أن أكون أستاذا لولده الملك الحسن الثاني، ولي العهد الحسن الثاني.

أحمد منصور: نعم، استدعيت بعد ذلك لتكون أستاذا لولي العهد الحسن الثاني، ما الذي شكله هذا الأمر بالنسبة إليك؟

عبد الهادي بو طالب: شكل بالنسبة إلي أنا لم أكن أنتظره هذا الاتجاه، أنا كنت عندما تخرجت من كلية القرويين عازما على أن أواصل دراستي للغة الفرنسية في فرنسا وكنت أتهيأ لذلك عندما جاء عندي الوالي وطلب مني أن أذهب إلى الرباط لأن جلالة الملك يريد أن يبلغني أمرا هاما، ودخلت إلى القصر الملكي وعرض علي أن أكون، هو استمع إلي ومن أجل ذلك الدرس الذي أعطيته نلت به شهادة الدكتوراه الشرعية، فأنا دكتور في الشرع..

أحمد منصور: في العلوم الشرعية.

عبد الهادي بو طالب: ودكتور في القانون، عملت هذا بعد خروجي من المعهد الملكي، لم أكن منتظرا خاصة أنني لم أكن مجرد أستاذ لقد كانت لي غرفة مواجهة لغرفة الطالب الحسن بن محمد وكنت أراه كل يوم، أتناول الغداء والعشاء والفطور على مائدته وكان إذا استقبل أحد الناس يحضّرني في استقباله بحيث كان عندي وضعية غريبة أنا ما كنتش أنتظرها، أنني أتخرج من القرويين، ما كل من يتخرج من القرويين، هذه كانت استثناء، لم تكن قاعدة وكانت استثناء، كما أنه في شهادة القرويين - وربما يمكن أن تطلع عليها هي عندي في البيت- الذي أمضى عليها هو الملك، لم تمض عليها لجنة الامتحان ولما أمضى الملك..

أحمد منصور (مقاطعا): كان سلطانا آنذاك..

عبد الهادي بو طالب (متابعا): إمضاء الملك يغنينا عن إمضاء الآخرين.

أحمد منصور: أنت لقيت الحسن الثاني للمرة الأولى وكان وليا للعهد في أربعة أكتوبر 1943، كان الفارق بينك وبينه في السن لا يتجاوز خمس سنوات ومع ذلك كنت أنت أستاذه وكنت المعيد الذي تراجع معه دروسه وكنت ترافقه في كثير من الأحيان، هل خمس سنوات كانت كافية للعلاقة بين الأستاذ والتلميذ لا سيما وأن التلميذ هو ولي عهد البلاد؟

عبد الهادي بو طالب: كانت عامرة وملأى، مليئة بالاتصالات لأنه كنت ألازمه أو يلازمني أو يلزم بعضنا بعضا 24 ساعة على 24 ساعة باستثناء ست ساعات أو سبعة للنوم، وكان هو يطمئن إلي وصارت بيني وبينه محبة ومودة..

أحمد منصور (مقاطعا): هل هذا جعل علاقة خاصة بينك وبينه؟

عبد الهادي بو طالب: العلاقة الخاصة هي أنني جلالة الملك سماني أستاذا للدروس الحسنية في المعهد الملكي ولكن أيضا كنت أقوم بدور المربي، المربي عندهم وكان هذا وظيفة عند الفرنساويين أنه الذي يشرف على حياة الملك ويرافقه حيثما حل وتحل ويكتب له خطبه وما إلى ذلك فأعطيت هذا ولم أكن أنتظر هذا.

أحمد منصور: صف لنا شخصية الحسن الثاني آنذاك حينما كان تلميذا عندك في المعهد الملكي وكان وليا للعهد.

عبد الهادي بو طالب: كنت أفترق بالنسبة إليه مع بقية الأساتذة بأنه يستطيع أن يحاورني وأن يستذكر معي لأننا كنا في سن متقاربة جعل مني ليس فقط أستاذا بل رفيقا، رفيقا وصاحبا وهذا مهم جدا وهذا هو الذي جعلني عندما أصبحت مستشاره كنت أجرؤ عليه لأقول له بعض النصائح أتقدم له ببعض النصائح أو أنصحه باتخاذ قرار ما أو توجيه ما، كان يقبل مني ذلك لأنه كان يعتبر أنه كما كنا نتناجى في هذا الموضوع وهو يافع في السن كذلك قبل مني أن أفعل ذلك وأنا مستشاره الخاص.

أحمد منصور: لكن معروف أن الحسن الثاني كان شابا منطلقا يغب من متع الحياة، أنت كنت محافظا منتميا إلى القرويين، كيف كانت العلاقة بين شخصيتين شبه متناقضتين آنذاك؟

عبد الهادي بو طالب: أنا ما أتفقش مع التقييم هذا، لم يكن شابا منطلقا بدون قيود يعني، لا..

أحمد منصور (مقاطعا): ربما في تلك المرحلة..

عبد الهادي بو طالب (متابعا): كان يتقيد، في تلك المرحلة ما كانش يمكن يكون خلاف ذلك، كان داخلي في الدراسة وأنا كنت أنام داخلي أيضا في الدراسة بحيث..

أحمد منصور (مقاطعا): لم تكن له فرص الخروج.

عبد الهادي بو طالب: لا ما أظنش ما أعتقد.

أحمد منصور: من الشخصيات الأخرى التي كان لها علاقة قريبة بالحسن الثاني آنذاك؟

عبد الهادي بو طالب: من الأساتذة؟

أحمد منصور: نعم.

عبد الهادي بو طالب: كان هناك المرحوم محمد الباحنيني اللي كان الكاتب العام للحكومة وكان وزير العدل وكان وزيرا.. كان قاضي شرف في المحكمة العليا، هذا كان له قريب كان يتفاهم معه كثيرا وربما كان يدخل معه في مسائل لم أكن أشرَك فيها يعني إذا أراد الملك أن يكون يعني مرتاحا يكون مع أستاذه الذي قلت إنه في الوقت نفسه يمكن أن يطلع على بعض خباياه التي يخفيها عني أنا لأنه كان في الحقيقة الحاج محمد باحنيني كان من الذين يكتبون خطب الملك الحسن الثاني وطال هذا مدة حياته إلى السنوات الأخيرة عندما مرض الحاج محمد باحنيني فتوليت أنا كتابة الخطب الملكية بالنيابة عن الحاج محمد باحنيني.

نفي السلطان محمد وتكون الجبهة الوطنية الموحدة


أحمد منصور: في 11 يناير 1944 تم التوقيع على عريضة المطالبة بالاستقلال من قبل الكثير من السياسيين، هل كنت من الموقعين؟

عبد الهادي بو طالب: لا.

أحمد منصور: لماذا؟

عبد الهادي بو طالب: لم يرد حزب الاستقلال أن أكون من الموقعين لأنني كنت أنتمي إلى حزب آخر، الحزب الذي كنت أنتمي إليه كان حزب الشورى والاستقلال، ويمكن أن نتوقف عند هذا الحزب فتطرح علي أسئلة أخرى في هذا الموضوع.

أحمد منصور: الوثيقة وقعت في 11 يناير لكن أنتم في حزب الشورى والاستقلال تأخرتم بعد 13 يناير..

عبد الهادي بو طالب: بعد يومين، ذلك لأن ما كان حزب الاستقلال كان يريد من يكون في الأول، جاء عندنا وفد منهم إلى المدرسة قال لي نرغب في أن يوقع حزب الشورى والاستقلال، ولم يكن اسمه حزب الشورى والاستقلال إذ ذاك، كان يسمى الحركة القومية، حزب الشورى والاستقلال كان بعد رجوع محمد بن الحسن الوزاني من منفاه الذي أقام فيه تسع سنوات كما أقام زميله..

أحمد منصور: علال الفاسي.

عبد الهادي بو طالب: تسع سنوات في المنفى. فأنا ذهبت للتوقيع وقالوا لي إن العريضة غير جاهزة، ذهب معي شخص آخر من حزبنا لنوقع نحن الاثنين، فقال هو في الحقيقة تأخرنا بالجواب لأنهم هم طلبوا أن يستشيروا محمد الحسن الوزاني لأنه كان رئيس الحزب ولما ذهبوا بالعريضة عنده، أو الموضوع مشروع العريضة ما اطلع على العريضة، قال أخذ يناقشهم في بعض، في الظرفية هل هي ظرفية صالحة إن فرنسا في حرب، الآخرون.. هل درستم هذا الموضوع؟ كان رجلا سياسيا يعني مع حدث مثل هذا المطالبة بالاستقلال عن فرنسا وإلغاء الحماية يعني هي طعنة في ظهر فرنسا ربما فرنسا في حالة لا تسمح باستقبال هذا، فلذلك طلب منهم أن يعيدوا بعض العبارات أن يراجعوا بعض العبارات..

أحمد منصور: بعض الصياغات.

عبد الهادي بو طالب: أن يوثقوها توثيقا قانونيا وسياسيا أكثر من الصيغة التي جاءت فيها فأخذوا الوثيقة وردوها وقالوا إن الحركة القومية لا تريد أن توقع على هذه العريضة فستروها عنا إلى أن فوجئت يوم تقديمها بأنهم جاؤوا إلى القصر الملكي وأنا في المعهد الملكي وألاحظ من الشباك النافذة كيف أن وفدا جاء، وفوجئنا. لكن لما قدم الملك إلى المقيم العام هذه العريضة..

أحمد منصور: المقيم العام الفرنسي.

عبد الهادي بو طالب: الفرنسي، أجابه المقيم العام بأن هذه العريضة لم يوقع عليها إلا فئة واحدة من الوطنيين، وأن هناك حزبا آخر هو لم يوقع، فبعث لي الملك الحسن الثاني وبهذه العبارة كان يقول لي بشكل خاص، أرجوك أرجوك أرجوك عجل، فهذه الوثيقة لما جاءت وقدمناها إليه قال لنا هذه بالنسبة إلي أهم من الوثيقة الأخرى لأن الفرنسيين كانوا يبنون على تخلفكم عن المشاركة في هذه..

أحمد منصور: الوثيقة.

عبد الهادي بو طالب: وفيها التوجه الجديد.

أحمد منصور: كيف كانت سلطة السلطان محمد بن يوسف في ظل الحماية الفرنسية؟

عبد الهادي بو طالب: لم تكن له سلطة.

أحمد منصور: على الإطلاق.

عبد الهادي بو طالب: لم تكن له سلطة.

أحمد منصور: مجرد سلطان بلا سلطة.

عبد الهادي بو طالب: تركوه يتحكم في أمور دينية.

أحمد منصور: فقط.

عبد الهادي بو طالب: فقط.

أحمد منصور: لكن كان الحكم مطلقا للفرنسيين.

عبد الهادي بو طالب: الحكم للفرنسيين، طبعا كان هناك قواد وولاة وعمال من طرف الملك يسميهم بالداير بالمرسوم الملكي ولكن كلها متعلقة بأمور تلي..

أحمد منصور: إذا كان الملك نفسه ليس لديه سلطة فمن ثم عماله ليس لهم أي سلطة.

عبد الهادي بو طالب: لا، لاشيء.

أحمد منصور: لماذا لم يوقع السلطان محمد بن يوسف على وثيقة الاستقلال؟

عبد الهادي بو طالب: نعم، هي الوثيقة أريدَ لها أن تكون شعبية، أن يكون الشعب هو الذي يطالب بهذا وأن لا يورط الملك في توقيعها.

أحمد منصور: ألم يكن لديه عدم جرأة في عملية التوقيع؟

عبد الهادي بو طالب: لا، لم يُطلب منه ذلك، أولا الوطنيون حضروا الوثيقة وما طلبوا منه أن يمضي عليها ولكن استأذنوه وقال لهم وشجعهم وقال إنه يقبلها ويمكن أن يناقش سلطات الحماية على ضوئها.

أحمد منصور: أنت حينما كنت تدرس الحسن الثاني في المعهد الملكي، هل كان محمد الخامس يحضر الدروس فعلا ويتعلم على يديك هو الآخر؟

عبد الهادي بو طالب: كان يحضر دروسي كل صباح لمدة سنة، بمعنى أنه كنت ألاحظ الدرس الذي كان يريد أن يستمع إليه هو يتفق مع المدير الفرنسي على أنه اجعل دروس فلان في الساعة الفلانية، الساعة الفلانية الثمانية، يخرج من القصر ماشيا، بين المعهد والقصر عشر دقائق ويدخل إلى الدرس، لا يشارك ولا يسأل ولا يضع سؤالا ولكن ينصت أما الأستاذ فيتحدث إلى التلاميذ ويوجهون له الأسئلة ويحاورونه وهو يشاهد كل هذا. لا أقول إنه كان يستفيد من دروسي، ربما كان يستفيد لكن لم يكن مشاركا، لا أسميه تلميذي أنا.

أحمد منصور: لأنه هو أيضا لم يكن حصل على تعليم كاف.

عبد الهادي بو طالب: لا هو تعليمه كان تعليما أخذه في الكتّاب وفي دار المخزن بواسطة فقهاء وعلماء كانوا يحضرون إليه وكان له توجيه ديني عجيب يعني، الرجل كان مؤمنا بالله إلى أقصى درجة متكلا على الله، في جميع المراحل التي قطعها كان دائما يرجع إلى الله في كل شيء.

أحمد منصور: في أغسطس عام 1953 حاول الفرنسيون إصدار بعض الظهائر لمشاركة المغاربة في السلطة ورفض محمد الخامس هذا وحاصر الفرنسيون القصر وأنت تمكنت في 19 أغسطس من التحايل والدخول إلى القصر. كيف كان وضع السلطان تحت الحصار؟

عبد الهادي بو طالب: بالنسبة لما ذكرتموه في الشق الأول من سؤالكم، هو في الحقيقة الفرنسيون عندما جاءت الحركة الاستقلالية فكروا في شيء آخر وهو أنهم يعملوا في المغرب ما يسمى بازدواج السيادة أي تكون السيادة للمغرب ولفرنسا على المغرب..

أحمد منصور: سيادة مزدوجة.

الملك محمد الخامس رفض أن تكون هناك سيادة مزدوجة على المغرب
عبد الهادي بو طالب:
مزدوجة، فكانوا يقدمون له ظهائر في هذا الاتجاه يعني مثلا انتخاب الفرنسيين، الانتخابات الفرنسية في المغرب، كان لا يقبلها، كان يقول أجانب يعني انتخاب ما في عندهم الانتخابات يكونوا مع الوطنيين فكان يرفض كل شيء يشخص أو تتمثل فيه ازدواجية السيادة، السيادة واحدة ولا تتقسم.

أحمد منصور: نعم، في هذه الأثناء حينما كان الملك تحت الحصار كيف كان لقاؤك به؟

عبد الهادي بو طالب: وجدته في غاية الصبر والثبات وحضور الشخصية، يعرف أنه ماض إلى ما يجهله ولكنه لم يبق لأنه دخل عليه المقيم العام قال له إما أن تمضي لنا على هذه الظهائر وإما فأنك تمشي إلى خارج المغرب.

أحمد منصور: هل كان يتوقع النفي؟

عبد الهادي بو طالب: صرح له به المقيم العام، هدده به.

أحمد منصور: نفي محمد الخامس في 20 أغسطس عام 1953 مع عائلته إلى كورسيكا أولا ثم إلى مدغشقر بعد ذلك، ماذا كان وقع ذلك على المغاربة وعلى الحركة الوطنية التي كنت من بين أطرافها؟

عبد الهادي بو طالب: كل شيء كان يخطر ببال المغاربة لم يكن يخطر ببالهم أن الملك سينحى عن العرش وسيؤتى بملك، سميته كما قلت في ندوة صحفية إذ ذاك، ملك لا يعرفه أحد، وكان اسمه بن عرفه، قلت لهم هذا الملك لا أحد عرفه قبل أن يكون عرفه.

أحمد منصور: من هو بن عرفه؟

عبد الهادي بو طالب: هو من العلويين، أسرة الملك، قريب إليه، رجل كبير السن يعني لعب به وأقول قالوا له أنت المنقذ تعال، وكان يحركه عبد الحي الكتاني والباشا الهلوي هما أحدهم..

أحمد منصور: باشا مراكش المشهور.

عبد الهادي بو طالب: باشا مراكش إيه أوالهلوي، فثاروا عليه وحرضوا القبائل عليه وقالوا للملك إذا لم تخرج من القصر فإن القبائل ستهجم عليك ويأخذ شخص آخر مكانك، فخرج في حالة، ولكن كان ثابتا، دخلت عنده وسبحته في يده وهو يقرأ أورادا صوفية ودعوات وقال لي أنا فاهم إن الفرنسيين لم يبق بيني وبينهم تفاهم، فليكن ما أراد الله.

أحمد منصور: الأحزاب الوطنية الرئيسية في المغرب كانت، الاستقلال بزعامة علال الفاسي، حزب الشورى والاستقلال الذي كنت أنت..

عبد الهادي بو طالب (مقاطعا): إذ ذاك سميوا الحركات القومية.

أحمد منصور: كلهم اجتمعوا في ظل الحركة القومية في ظل اتفاق عام 1951، أربع أحزاب رئيسية.

عبد الهادي بو طالب: إيه هذه، إذ ذاك كان حزب الشورى في 1951، 1952..

أحمد منصور: اللي هو كان بزعامة محمد بن الحسن الوزاني وكان من الزعماء المشهورين ونفي أيضا مع علال الفاسي إلى خارج المغرب..

عبد الهادي بو طالب: في يوم واحد ورجعوهم في يوم واحد من المنفى، تسع سنوات.

أحمد منصور: في العام 1946 رجعوهم.

عبد الهادي بو طالب: رجعوا.

أحمد منصور: نعم، أنت حينما نفي الملك إلى مدغشقر، أو السلطان محمد الخامس إلى مدغشقر أنت تمكنت من الذهاب إليه في مدغشقر.

عبد الهادي بو طالب: مش أنا تمكنت، نحن كنا إذ ذاك نقلنا المعركة مع الحماية إلى باريس وذهبنا وقمنا مدة سنة أو سنة ونصف ونحن نتصل بجميع نواب..

أحمد منصور (مقاطعا): باسم الحركة القومية؟

عبد الهادي بو طالب: لا باسم الجبهة.

أحمد منصور: الجبهة الوطنية.

عبد الهادي بو طالب: الجبهة الوطنية الموحدة، لا باسم حزب الاستقلال ولا باسم حزب الشورى والاستقلال ولا بحزب الشيخ الناصري اللي كان في المنطقة الشمالية ولا بحزب التوريث، حزب الإصلاح..

أحمد منصور: اللي كان في طنجة أو حزب الإصلاح الوطني اللي كان في تطوان.

عبد الهادي بو طالب: أصبح حديث الوطنيين موحدا وكلمتهم متفقة على الجبهة الوطنية ونتكلم باسم الجبهة الوطنية. اشتغلنا هناك يعني شغل، يقولوا جامد المصريون، تقولوا عندكم، الحقيقة طرقنا كل باب، ما تركنا نائبا من نواب البرلمان إلا زرنا..

أحمد منصور: الفرنسي.

عبد الهادي بو طالب: إلا زرناه، ووزيرا من الوزراء على اختلاف الوزارات وتعددها وتعاقبها إلا اتصلنا به، والكنيسة أيضا ذهبنا إليها، زعماء الكنيسة لهم تأثير على الحكم في فرنسا يقينا، وقمنا مدة سنة ونصف وأخيرا الفرنسيون أصبحوا يدركون أننا نريد التفاهم مع فرنسا مش على حساب الحقوق، لا، استرجاع الحقوق المغربية، تأليف حكومة وطنية انتقالية وإعلان الاستقلال فيما بعد وإلغاء الحماية ولكن كنا نقول لهم مع إلغاء الحماية وإعلان الاستقلال نريد أن نحافظ على بعض مصالحكم المشروعة أو الشرعية، فقالوا هؤلاء يمكن أن نتفاهم معهم خصوصا والمقاومة تطلق نيرانها وتسقط رقاب الفرنسيين ومن والاهم في المغرب، فقالوا هؤلاء يمكن أن نتعاون معهم أحسن من أن نكون مضطرين إلى الآخرين، لما وصلنا في هذا الباب وقالوا عرضوا علينا حكومة انتقالية وعودة الملك إلى باريس، قلنا لن نتفق معكم على شيء قبل أن نلتقي به ونراه.

أحمد منصور: هم الذين سمحوا لكم.

عبد الهادي بو طالب: فوضعوا طيارة خاصة لنا كان فيها اثنان من حزب الشورى اثنان من حزب الاستقلال، من حزب الاستقلال كان عمر بن عبد الجليل وعبد الرحيم بوابي كان إذ ذاك ما انشق عن حزب الاستقلال، وعبد الهادي بو طالب وعبد القادر بن جلول وعندي صورة هنا تاريخية فيها هذا الوفد والملك محمد الخامس معنا.

أحمد منصور: كيف كان وضع الملك حينما التقيتموه؟

عبد الهادي بو طالب: الملك اعتبر أن وجودنا يعني فأل حسن وأنه يؤشر لعهد جديد وأن فرنسا أخذت تفهم الوضعية المغربية ولكن كان ينصحنا ويقول اقبلوا منهم ما أعطوكم وطالبوا بما بعد، نحن نقول له لا، فرنسا سنضغط عليها وستقبل بجميع مطالبنا.

[فاصل إعلاني]

المرحلة الانتقالية بعد استقلال المغرب


أحمد منصور: في 16 نوفمبر عام 1955 عاد السلطان محمد الخامس إلى المغرب وقيل إن هناك صفقة سرية أبرمت ربما ليس بينه ولكن بين ولي عهده وبين الفرنسيين آنذاك، هل لديك معلومات..؟

عبد الهادي بو طالب: (مقاطعا): هذا كذب هذا غير صحيح لم يكن هناك.. الحسن بن محمد ولي العهد لم يكن يبرم أي صفقة في غياب أبيه وبدون رأيه، هذا غير صحيح...

أحمد منصور: هو كان يرى أن أباه متمسك بأشياء..

عبد الهادي بو طالب: خصوم الملك محمد الثاني كثيرون وما أكثر ما لفقوا عليه من أكاذيب وأقاويل غير صحيحة.

أحمد منصور: كان الحسن الثاني يرى أن أباه متمسك بأشياء بالية وقديمة وعليه أن يدرك أن القوى السياسية قد تغيرت وأن هناك نفوذ كبير لليهود الآن يجب أن يخطب ودهم وأن الفرنسيين لا بد أن يبقوا بشكل ما فقبل منهم بعض الأشياء هناك اتفق معهم على أن يعود أبوه ويعود هو وليا للعهد ويسمح بهجرة اليهود إلى إسرائيل..

عبد الهادي بو طالب: أنا أكذّب هذا.

أحمد منصور: أليس هناك ثلاثمائة ألف يهودي هاجروا..

عبد الهادي بو طالب: أكذّب هذا كشاهد عيان وأكذب هذا كشاهد على العصر.

أحمد منصور: نعم. أليس هناك ثلاثمائة ألف يهودي مغربي هاجروا إلى إسرائيل بعد عودة الملك محمد الخامس؟

عبد الهادي بو طالب: لا، هذا موضوع آخر. موضوع هجرة اليهود إلى..

أحمد منصور: قيل إنه جزء من الصفقة.

عبد الهادي بو طالب: ليس صفقة مع إسرائيل.

أحمد منصور: لا، هي صفقة مع محمد الخامس في عودته ليس مع إسرائيل ولكن بين الفرنسيين وبينه عبر إسرائيل، وفرنسا كان لها علاقات خاصة مع إسرائيل آنذاك.

عبد الهادي بو طالب: المهم أنه أنا كملاحظ سياسي ألاحظ بأنه في هذه الفترة هاجر كثيرون من الإسرائيليين إلى الخارج بدون أن توقفهم السلطات المغربية أو تقول لهم إنكم ممنوعون من الذهاب إلى إسرائيل، هذا الذي أعلمه. من كان وراء هذا هل الملك هو اللي كان وراء هذه السياسة الحسن الثاني، هل كان وراءها محمد الخامس نفسه؟ لا أدري. لكن هذه كانت سياسة المغرب في ذلك الوقت.

أحمد منصور: تم التوقيع على اتفاقية مشتركة بين فرنسا والمغرب في 2 مارس 1956 تقضي باستقلال المغرب. هل استقل المغرب فعلا عن فرنسا أم كان استقلالا شكليا؟

عبد الهادي بو طالب: لا لا، المغرب استقل عن فرنسا وبطبيعة الحال كان لا بد من فترة انتقالية، فترة انتقالية بقيت فرنسا وأعوانها والفرنساويين على رأس الإدارات المغربية يسيرونها. أنا عندما دخلت كوزير في الحكومة الأولى حكومة..

أحمد منصور: حكومة مبارك البكاي.

عبد الهادي بو طالب: البكاي، حكومة الوحدة الوطنية نسميها، جئت إلى مقر الوزارة استقبلني المدير وطلعت معه إلى مكتبه قال لي أنا هذا مكتبي تأخذه أنت، أنت الوزير أنا الآن مدير..

أحمد منصور: مدير فرنسي كان؟

عبد الهادي بو طالب: مدير فرنسي كلهم كانوا فرنساويين. لا أسمع أفظع من هذا، قال لي بعد ذلك قال لي عندنا هنا 365 موظف هل تريد أن يسلموا عليك أو تمر للسلام عليهم وتصافحهم؟ قلت له لا أنا أمر عليهم، قال لي هل تتكلم باللغة العربية معهم أو بالفرنسية؟ قلت له أنا سأتكلم اللغة العربية، قال لي لا يوجد هنا من يعرف اللغة العربية كلهم أجانب وكلنا إما فرنساويين أو إيطاليين أو برتغاليين الوزارة هذه ليس فيها مغربي.

أحمد منصور: كانت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.

عبد الهادي بو طالب: هذه وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل هذه كانوا يخافون عليها لأن المغرب كان اقتصاده بين يدي الجالية الفرنسية ولا يوجد مغربي عامل في هذا.. الاقتصاد.

أحمد منصور: المغاربة ضحوا بكثير من الدماء في سبيل الاستقلال، هل كان هذا الاستقلال يساوي حجم ما بُذل من دماء؟

عبد الهادي بو طالب: شوف هذه المسألة هذه..

أحمد منصور: في ظل أنه يوصف بأنه استقلال شكلي.

عبد الهادي بو طالب: إن أمكن أن نسمي هذا سوقا، سوق فيها بيع وشراء، لا يتعادل فيه ثمنان في أي وقت.

أحمد منصور: لا يتعادل.

عبد الهادي بو طالب: دائما الضعيف يؤدي أكثر. انظر ما يحصل مع الفلسطينيين من استعمار إسرائيلي يعني يؤدون.. لا يسقط من الإسرائيليين تقريبا أحد.

أحمد منصور: أيهما الأسوأ الاحتلال والاستعمار أم الدكتاتورية والاستبداد؟

عبد الهادي بو طالب: سُئل الحمار من هو الأحسن لك هل أن تطلع في العقبة أو تنزل في المنحدر؟ قال لعنة الله عليهما معا. أنا ما.. إش أسوي بينها، كلهم..

(ضحك)

أحمد منصور: لكن الشعب المغربي خرج من الاحتلال إلى الدكتاتورية والاستبداد.

عبد الهادي بو طالب: لا، لا، هذا مو صحيح ما شفنا جميع..

أحمد منصور (مقاطعا): سآتي معك تباعا إلى هذا.

عبد الهادي بو طالب: لا، أقول لك الأول، المغرب لم يدخل من الاستعمار إلى الدكتاتورية أيام الحكومة الانتقالية أبدا، كنا نأخذ السلطة من يد الفرنسيين يسلموننا وينسحبون، كنا نمغرب الإدارة أعضاء الإدارة والأجانب ينسحبون، هذا مش انتقال من الدكتاتورية..

أحمد منصور (مقاطعا): هل وثيقة 2 مارس..

عبد الهادي بو طالب (متابعا): وثانيا ما عملش محمد الخامس الدكتاتورية، كان يهيئ لفترة انتقالية إلى الحياة السياسية الدستورية وفعلا أخذ منه هذا وقتا، لكن أن نقول إن المغرب خرج من الاستعمار ليقع في الدكتاتورية، لا هذا لم يكن.

أحمد منصور: طيب الآن أنت تقول إن الفرنسيين كانوا يحكمون السيطرة على المغرب لم يكن للسلطان أي سلطة على أي شيء، كان مجرد..

عبد الهادي بو طالب (مقاطعا): هم عزلوه عن السلطة باش هو اللي اختارها.

أحمد منصور: بعد الاستقلال حينما تكون الجيش تكونت قوات الأمن تكونت من نفس الضباط الذين كانوا يعملون مع الفرنسيين هم الذين جاؤوا ومسكوا السلطة، حينما رجع محمد الخامس من منفاه الذي كان يجلس إلى جواره محمد أوفقير الذي هو كان أحد ضباط فرنسا في المغرب.

عبد الهادي بو طالب: شوف، بالنسبة للمغرب لم يكن له جيش أيام الفرنسيين، العسكريون المغاربة كانوا منخطرين في الجيش الفرنسي فورث المغرب منهم الجيش كما هو وهناك في ناس كانوا باعوا ذمتهم للشيطان..

أحمد منصور (مقاطعا): هؤلاء خدّام فرنسا سيبقون خدما لفرنسا.

عبد الهادي بو طالب: ما كانش عنده البديل، استعملهم.

أحمد منصور: استعمل خدم فرنسا خدم الاحتلال، ظلوا يخدمون الاحتلال من مواقعهم.

عبد الهادي بو طالب: استعملهم لكن كانوا طائعين للحكومة ما كانوش متمردين على الحكومة، يعني الجنرال أوفقير ما كانش متمردا على الحكومة، الجنرال (مروح) اللي شارك في حكومة (ميراتا) ما كانش متمرد على الحكومة، الجنرال أمزيان في المنطقة الشمالية كان وزيرا لم يكن متمردا على الحكومة، التمرد حصل من بعد.

أحمد منصور: لاحظت أن مبارك البكاي حكومة مبارك البكاي التي كنت أنت فيها وزيرا للشؤون الاجتماعية والعمل كان فيها وزير يهودي هو أبيوم بن زاكين، ما الذي كان يعكسه نفوذ اليهود في المغرب وفي الإدارة آنذاك؟

عبد الهادي بو طالب: إحنا كنا لا حزب الشورى والاستقلال ولا حزب الاستقلال ولا الحركة الوطنية ولا الملك محمد السادس متفقين على هذه النقطة وأن هناك طائفة يهودية ولا نقول جالية، طائفة يهودية دينها يهودي مواطنون مغاربة فيجب أن يشتركوا في الحكم على نسبة ما يمثلونه في المجتمع السياسي، أخذنا يهوديا واحدا، لا أحد فيهم كان يدافع عن إسرائيل أو يقول إنه إسرائيل.

أحمد منصور: كثير منهم هاجروا إلى إسرائيل وتعتبر..

عبد الهادي بو طالب: في الفترة التي قلت لك عنها سابقا وهو أنه كان هناك كثير من غض الطرف عن خروج اليهود وهذا مقابل أن يؤيد اليهود قضايانا يعني بالنسبة.

التحول إلى الملكية والتعامل مع المتمردين


أحمد منصور: بعد عام حُلت الحكومة وأعيد تشكيلها في 28 أكتوبر عام 1956، خرجت أنت والوزراء الستة التابعين لحزب الشورى والاستقلال من الحكومة وبدا أن حزب الاستقلال يريد أن ينفرد بالحكومة وفعلا انفرد الحزب بالحكومة في 12 مايو/ أيار عام 1958 برئاسة أحمد بلفريج الذي كان أمينا عاما للحزب، هل يعني ذلك أن السلطان محمد بن يوسف خضع لحزب الاستقلال؟

عبد الهادي بو طالب: لا لم يخضع لحزب الاستقلال ولكنه غض الطرف عنه لمدة ثم صحح الوضع، يعني حزب الاستقلال كان عنده فكرة وأنه هو الوحيد الحزب الوحيد المغربي وكان يقلم أظفار جميع الأحزاب الأخرى يعني وهذا رأيه وأنا سعيد جدا أن السيد عباس الفاسي تحدث بعد أن أصبح حزب الاستقلال في شق من الحركة الوطنية والاتحاد الوطني للقوات الشعبية في الشق الآخر قال كان هناك تيار عندنا ليس هو من تيار الحزب، قال الحزب ما كانش دكتاتوري الحزب ما كانش يفتش على أخذ السلطة والتمسك بها، الآن إحنا مع الأحزاب الأخرى نتعاون يعني هم كانوا يرفضون حزب وحيد يقول الحزب الوحيد ويرفضون الحزب الثاني فأصبحوا في الحكومة مع خمسة أحزاب وفي البرلمان مع ثلاثين.

أحمد منصور: في الفترة دي أو قبلها في خمسة أبريل أو في شهر أبريل عام 1956 الحسن الثاني عُين رسميا وليا للعهد قائدا عاما للقوات المسلحة المغربية، هل معنى ذلك أن الحسن الثاني بدأ نفوذه يقوى في إدارة الدولة؟

عبد الهادي بو طالب: هو كان للحسن الثاني نفوذ في الدولة لأنه كان المساعد الأول لوالده لم يكن يعني وضع أباه على الهامش وأخذ الحكم لنفسه ولكن كان يساعد والده، أعتقد أنه كان يستشير معه أعتقد أنه كان ينصت إليه فيختار ما يشاء، أحيانا لا يقول لا يعمل ما يقول ولده له ولكن كان يستشيره في كل شيء. هذا الشيء غير مرتب يعني الترتيب بمعنى أنه هو الملك لا سلطة له وولي العهد عنده سلطة، ما عمر ولي العهد أمسك بالسلطة في عهد والده أبدا.

أحمد منصور: يقال إن هذا كان من أحد الترتيبات السرية التي رُتبت لعودة محمد الخامس أن تُمنح السلطة بعد ذلك إلى الحسن الثاني ومنحت فعلا بعد عام واحد من عودتهما.

عبد الهادي بو طالب: أنا لا.. اسمح لي طريقة كتابة التاريخ بهذه الطريقة لا أتفق معها ولا أحبذها يعني أشياء تقع يكون حادث بعيد عن الحادث الآخر فيجمعوا بينهما في..

أحمد منصور: حينما تُقرأ أحداث التاريخ بعد ذلك تُقرأ بهذه الطريقة.

عبد الهادي بو طالب: قراءة غير جيدة غير عميقة.

أحمد منصور: في الخامس من آب/ أغسطس عام 1957 السلطان محمد بن يوسف غير اسمه إلى الملك محمد الخامس وتغيرت السلطنة وأصبحت المملكة المغربية. ما الفارق بين السلطان والملك؟ هل تغير شيء؟

عبد الهادي بو طالب: هو في الحقيقة الوطنيون في سنوات الكفاح الأولى أي في الثلاثينات أصبحوا ينعتون محمد الخامس بالملك محمد الخامس وكانوا إذا راحوا في مظاهرة يعلنون الولاء فيها لمحمد الخامس أو محمد بن يوسف يقولون له الملك، وكان كل من يقول الملك من المغاربة يحكم عليه بشهر من السجن لأن الحماية ما كانت تريد ملكا كانت تريد السلطان، السلطان الذي يمكن يكون..

أحمد منصور: سلطان بلا سلطنة.

عبد الهادي بو طالب: بلا سلطان. فكان علال الفاسي في شعره مشهور "يا ملك المغرب يا ابن عدنان الأبي نحن جند لك.." هذا كان يخاطب به محمد بن يوسف الذي كان يُسمى السلطان.

أحمد منصور: نعم. إذاً كان عملية إعلان المملكة هي نوع من ترسيخ الحكم واسترداده؟

الوطنيون اعتبروا أن الملكية هي الوسيلة الوحيدة لجمع شتات المغرب حول شخص الملك ومؤسسته
عبد الهادي بو طالب:
هو الوطنيون فكروا في شيء وأن الملكية مؤسسة ممتدة عبر القرون مش فقط في العهد الإسلامي على أيام مملكة الأدارسة إدريس، حتى قبل في أيام الأمازيغ كان هناك ملوك سبعة ملوك إناث حكموا المغرب في أيام الأمازيغ. فإذاً هناك هذا الرصيد الدائم المستمر لا يمكن تهميشه ويعتبرون أن الملكية هي الوسيلة الوحيدة لجمع شتات المغرب حول شخص الملك وحول مؤسسته بحيث هنا الملك لم يكن أحد يطعن فيه.

أحمد منصور: لكن كان هناك اضطراب، كانت دائما الوزارات تتغير كأن الأمور كانت لم تكن مستقرة كان القصر قلقا من بن بركة إلى حد كبير، كيف كانت الأمور تسير آنذاك؟

عبد الهادي بو طالب: في الحقيقة شوف، هو كان الملك عينه على حزب الاستقلال.

أحمد منصور: قلقا منه.

عبد الهادي بو طالب: لا، يعني يتصرفون.. يدرسون تصرفه بعناية، كان يعطيه السلطة وفي الوقت نفسه ينزعها منه لأنه لا يريد حزب الاستقلال أن يفهم أنه هو ضروري لأجل إقامة السلطة وأنه هو الرقم الأول في.. كان يريد أن يقول يمكن لمن يريد السلطة من المغاربة أن يأخذها بشرط أن يكون الملك شريكا فيها ومخططا لها ومشرفا عليها.

أحمد منصور: إذاً بينزع السلطة من الآخر يريد أن تكون السلطة شكلية لدى الآخرين ويريد أن يكون الملك هو كل شيء.

عبد الهادي بو طالب: لا كل شيء لا نقول لك أنا ليش. أولا خذ مثال أول هو أن الملك منذ أن جاء راجعا من منفاه طلب من ثلاثة أفراد أن يكتبوا له خطاب العرش الأول كنت واحدا من هؤلاء الثلاثة كان معي فيها الحاج محمد الباحنيني وعبد الرحمن الفاسي، لا، أحمد البناني التشريفات الملكية وعبد الرحمن الفاسي كان أستاذ في المدرسة الملكية، ولما اجتمعنا لكتابة الخطاب تركوني أنا أن أقدم..

أحمد منصور: الصياغة.

عبد الهادي بو طالب: مشروع الخطاب المشروع الأول في الخطاب فكتبت، وهو كان الملك قال لي إذا كتبتم فركزوا على الملكية الدستورية وعلى إقامة نظام ملكي دستوري ديمقراطي.

أحمد منصور: رائع جدا.

عبد الهادي بو طالب: فركزنا في هذه. وأنت إذا رجعنا إلى الخطاب تجد الملك يقول ونحن نريد ملكية دستورية في البلاد.

أحمد منصور: ما الذي جعل الملك يعدل بعد ذلك عن الملكية الدستورية؟

عبد الهادي بو طالب: هو لم يعدل في الحقيقة..

أحمد منصور: الملكية الدستورية تعني أن يظل الملك ملكا وأن يكون الحق للشعب في الحكم وللحكومة.

عبد الهادي بو طالب: ولكن الملكية الدستورية تقصد بها أيضا أن يكون هناك انتخاب وأن يشارك الشعب، الملكية الدستورية لا تلغي.. لم يقل دستور، يقول دستور مُصوت عليه ولا متبنى من طرف الشعب..

أحمد منصور: كل الدساتير التي صيغت في المغرب بعد ذلك كانت دساتير شكلية تعطي السلطة الكاملة للملك وتجعل ما سوى ذلك لا قيمة له.

عبد الهادي بو طالب: ولكن كان فيها أداة للديمقراطية مباشرة.. يعني مركز عليها. كان الشعب يذهب إلى الانتخابات...

أحمد منصور: ما فائدة أن يكون هناك ديمقراطية..

عبد الهادي بو طالب: ويضع ورقته في الصندوق، هذه الديمقراطية.

أحمد منصور: معالي الدكتور ما فائدة أن تكون هناك ديمقراطية وانتخابات ومجلس برلمان والملك هو الذي في يده السلطة التشريعية والسلطة القضائية وكل السلطات في يده؟

عبد الهادي بو طالب: هذا إذا عاد الملك محمد الخامس الذي كان يبحث عن أسلوب أو ما يمكن أن نسميه مشروع لنقل السلطة من يد الملك إلى جلالة الملك، ليس من الملك إلى الشعب، لكن لا على أساس أن يكون الملك هو مجرد يعني صورة أو شبح لا تأثير له في الأحداث.

أحمد منصور: سآتي تفصيلا إلى هذه النقاط بعد ذلك. كانت هناك اضطرابات وتمردات ظهرت في بعض مناطق الريف وقُمعت هذه بقسوة ودموية من قبل سلطة محمد الخامس آنذاك، هذه الدموية وهذه القسوة بدأت تنفر جزء من الشعب المغربي من حكم الملك.

عبد الهادي بو طالب: لا، هو هذا الشيء وقع قمع حركة الريف شيء يعني يكتب عنه التاريخ وعشناه نعرفه تمام المعرفة..

أحمد منصور: هؤلاء كانوا مجاهدين ضد الفرنسيين قُمعوا وقتلوا وتمت تصفيتهم.

كان بإمكان النظام في عهد محمد الخامس أن يدخل في حوار مع منطقة الريف بدلا من قمع حركتهم بقسوة
عبد الهادي بو طالب:
مش هدول اللي ضربهم الملك. أنا أتفق معك على شيء واحد وهو أنه كان قمع حركة الريف كانت قاسية وكانت غير متوازنة وكان يمكن أن يدخل النظام في حديث في حوار مع منطقة الريف ليعرف ما ترغب فيه وما لا ترغب فيه، لن يقع هذا كله، يعني كانت هناك دماء سالت وقبائل وقع فيها يعني فتكوا بها..

أحمد منصور: كثير من المصادر تشير إلى أن محمد أوفقير الذي كُلف بعملية القمع هذه قمع الناس بقسوة وكان يتقرب إلى الحسن الثاني في تلك المرحلة بقتل الثوار بين يديه.

عبد الهادي بو طالب: إذا أنت فتحت سيرة أوفقير ومشروعاته في الاستيلاء على الحكم فهذا حديث آخر...

أحمد منصور: ليس الاستيلاء على الحكم ولكن أنا أقصد هذه المرحلة الآن، أوفقير كان مسلطا على الشعب من قِبل الملك وكان يمارس على الشعب القمع والقتل وبدأت قسوة الحسن الثاني وهو ولي للعهد تظهر في تلك المرحلة..

عبد الهادي بو طالب: ليس هذا في عهد الملك محمد الخامس.

أحمد منصور: حدث هذا في عهد محمد الخامس أثناء التخلص من المتمردين في مناطق الريف.

عبد الهادي بو طالب: لا، في مناطق الريف تولاها أيضا ولي العهد.

أحمد منصور: ولي العهد نعم.

عبد الهادي بو طالب: أشرف عليها هذا صحيح.

أحمد منصور: أشرف عليها، وبدأت قسوة ولي العهد في تلك المرحلة الحسن الثاني بدأت قسوته وساديته ضد الشعب في هذه المرحلة حينما كان يُقتل بعض كبار المتمردين أمامه.

عبد الهادي بو طالب: ولكن حينما كان أيضا الشعب في الريف يتظاهر ضد الحكومة.

أحمد منصور: من حق الناس أن يتظاهروا إذا كان هناك ظلم.

عبد الهادي بو طالب: لا، هذا لم يكن يقول به حزب الاستقلال كان يعتبر أن الحكومة إذا هو فيها لا يمكن أن تُعارض من طرف أي كان.

أحمد منصور: في كتابه "صديقنا الملك" يقول جيرلي بيرو عن علاقة أوفقير والحسن الثاني في تلك المرحلة "كان أوفقير والحسن ينظران إلى الحياة ببرودة قلب حقيقية، يحبان الكحول والفتيات ويستهلكان منهما الكثير، كان لصداقتهما روائح ثقيلة من معاقرة الكاس والطاس وأسرة الفسق والتهتك".

عبد الهادي بو طالب: أنا أرفض هذا هذه مش لغة السياسة، هذه لغة الوشاية هذه لغة البحث على القبيح والأقبح لإبرازه ليغطي على الحسن والأحسن هذا غير متوازن، يعني كل ما يتحدث القبح والخمر والفتيات هذا لا يكتبه كاتب نقي، هذا سقوط في الأحكام هذه أمور يعني اللي هي لا يمكن أن يأتي بها دليل، {.. هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}[البقرة:111]، كيف عرفتم أنهم كانوا يشربون أو لا يشربون؟

أحمد منصور: هذه الأشياء تخرج يعني ليس هناك..

عبد الهادي بو طالب (مقاطعا): هذا كتبها كاتب هل رد عليه أحد.

أحمد منصور: ليس هناك شيء بيظل مكتوما في سير الملوك وسير الحكام، الناس كلها تخرج بهذه الأشياء..

عبد الهادي بو طالب (مقاطعا): هذه النزعة للكتّاب هذه نزعة لا يمكن أن نقول إنها كان وقع عليها الإجماع، لو سألتم الناس عن سيرة الحسن الثاني ومحمد الخامس لا يُظن بريبة، والحسن الثاني الذي تُنسب إليه جميع الفظائع كانت تنسب إليه من الناس الذين كان معهم في الصراع السياسي يكتبون هذا الكلام، ولكن حتى خصومه ما وصلوا إلى كتابة هذه القاذورات التي تحدثتَ عنها وإثارتها.

أحمد منصور: هذه مكتوبة في مصادر كثيرة للأسف الشديد.

عبد الهادي بو طالب: ما كل ما يكتب في مصادر مقبول.

أحمد منصور: حتى إن سيرة الحسن الثاني تُوصف بأنها أشبه ما تكون بسيرة السلاطين والملوك في العصور الوسطى بكل ما فيها.

عبد الهادي بو طالب: لا غير صحيح هذا غير صحيح. أنا عاشرته عن كثب وعرفته لا أستطيع أن أقول إن هذه خصاله الحقيقية أبدا، هذه صورة مشوهة مغرضة أريدَ لها أن تصاغ أو تنشر ولكن ما أظن أن العقلاء يقبلونها، هي مرفوضة منطقيا وعقلانيا.

أحمد منصور: سآتي معك تباعا لتوضيح هذه الأشياء لا سيما أنك كنت لصيقا به وتوليت كثيرا من المسؤوليات والمناصب. في شهر فبراير عام 1960 أعلنت إدارة الأمن العام عن اكتشاف مؤامرة لاغتيال ولي العهد الحسن واتُهم الفقيه البصري وعبد الرحمن اليوسفي بتدبيرها من السجن وفي شهر مايو عام 1960 أقيلت حكومة عبد الله إبراهيم وأعلن محمد الخامس نفسه رئيسا للحكومة الجديدة وسمى محمد أوفقير رئيسا لجهاز الأمن العام. أبدأ معك الحلقة القادمة من هذه المرحلة.

عبد الهادي بو طالب: إن شاء الله.

أحمد منصور: شكرا جزيلا لك. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم. في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور عبد الهادي بو طالب وزير الخارجية والإعلام والعدل والمستشار السابق للملك الحسن الثاني. في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة