قمة عمان والصومال وميلوسوفيتش يتحدى   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:19 (مكة المكرمة)، 23:19 (غرينتش)
مقدم الحلقة جميل عازر
تاريخ الحلقة 31/03/2001





جميل عازر
جميل عازر: مشاهدينا الكرام نرحب بكم إلى هذا العدد الجديد من الملف الأسبوعي، وفيه:

القمة العربية في عمان قرارات لا تفي بالتوقعات وفشل في حل الخلافات. الأوضاع في الصومال عودة إلى التناحر في ظل تنافس الجيران على النفوذ، وسلو بودان ميلوسوفيتش يتحدى السلطة، فهل يستطيع الإفلات من يوم الحساب؟

إذن انعقدت القمة العربية الدورية الأولى وصدر البيان الختامي ولم يتحقق من آمال الجماهير العربية شيء يذكر، بل ولم تكد القمة تنتهي حتى وصفها وزير الخارجية العراقي بأنها فاشلة، وربما يكون في ذلك قدر كبير من الصحة إذا ما قورنت النتائج بمستوى التوقعات، ويمكن القول: إن أبرز ما أسفرت عنه قمة عمان هو التأكيد على العجز العربي في معالجة المشاكل التي تجزئ صف العرب وتشتت شملهم حتى وإن يكن انعقاد القمة بحد ذاته في الموعد الذي تحدد في قمة القاهرة إنجازاً مرموقاً، ولكن هل بين الواقع والتوقع في هذا الإطار بون شاسع؟

قمة عمان: مفترق طرق
تقرير/حسن إبراهيم: هل يجوز توجيه اللوم إلى الشعوب العربية لأنها تتوقع من القادة حل مشاكلها؟ فبناءً على ما تحقق في القمم العربية بما فيها قمة عمان تبدو التوقعات الشعبية أكثر بكثير مما تبرره النتائج، ولعل أقل ما كان الرأي العام العربي يتوقعه حتى في ظل الظروف الراهنة هو تفعيل موضوع المساعدة المالية للشعب الفلسطيني الذي أكملت انتفاضة شهرها السادس، لكن البيان الختامي الذي توصل إليه الرؤساء والملوك بعد لأي صدر خالياً من التأكيد على مبلغ المليار دولار الذي تعهدت به الدول العربية في قمة القاهرة لدعم الانتفاضة الفلسطينية، بل وتحدث بعض القادة عن تحويل الأمر إلى قروض سهلة، وبالطبع أتى البيان مليئاً بالتعبيرات المعروفة في الخطاب السياسي العربي من شجب وإدانة وتنديد لممارسات إسرائيل ورئيس وزرائها ذي التاريخ الدموي آرئيل شارون، أما موضوع المقاطعة العربية لإسرائيل فقد وعد القادة بتفعيله وهو ما يستعبده بعض الواثقين بالشأن العربي، فمصر تربطها معاهدة سلام مع إسرائيل، وفوق هذا تعلم أن الولايات المتحدة تعاقب اقتصادياً كل دولة تقاطع إسرائيل، والدعم الأميركي لمصر يبلغ حوالي ثلاثة مليارات من الدولارات، والأردن جار إسرائيل وموطن مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين لن يستطيع الدخول في سياسة المقاطعة بسبب علاقاته الإسرائيلية والأميركية، وبسبب اعتقاده أنه رئة يتنفس بها الفلسطينيون في ظل الحصار الإسرائيلي القاسي، وتنطبق معايير المقاطعة على بقية الدول العربية التي ترتبط بالولايات المتحدة الأميركية بدرجات متفاوتة، فللولايات المتحدة قواعد عسكرية في دول الخليج، ولا يمكن تصور ألا تراعي هذه الدول المحاذير الأميركية خاصة وأنها تعتبر الولايات المتحدة ضمانة أمنها الأولى.

وهذا يقود إلى الموضوع الثاني الذي كاد أن يفجر هذه القمة وهو الحالة العراقية الكويتية، فكما فشل وزراء الخارجية في التوصل إلى صيغة مقبولة لدى بغداد والكويت فشل القادة كذلك في إيجاد مخرج، ومع أن القمة دعت بصورة مبهمة إلى رفع العقوبات الاقتصادية عن العراق، إلا أنها تركت حل هذه القضية الشائكة إلى لجنة برئاسة العاهل الأردني الملك عبد الله، لا شك في أن القرارات أتت دون توقعات الشعوب العربية عامة، والشعب الفلسطيني الذي تسفك دماء أبنائه يومياً بأسلحة الإسرائيليين، لكن هل في إمكان القادة العرب أن يتخذوا قرارات قابلة للتنفيذ في ظل الأوضاع العربية والدولية الراهنة، لعل من أهم المؤشرات على ضعف الموقف العربي إقدام الولايات المتحدة بصلف على الفيتو في مجلس الأمن الدولي، لمنع الموافقة على تشكيل قوة دولية من المراقبين لحماية الفلسطينيين من البطش الإسرائيلي، فسقف الطموحات العربية يبدو محدوداً للغاية عندما يتعلق الأمر بإسرائيلي والمصلحة الأميركية، وكما لو كان هذا غير كافٍ حل العراق في نظر بعض الدول العربية محل إسرائيل، أو الصهيونية كمصدر الخطر الذي يهدد أمنها، وبينما يفتك الرصاص بالفلسطينيين وينهش السرطان أجساد العراقيين تجتمع لجان عربية وتنبثق عنها لجان فرعية وتتوالى مواكب التشييع في فلسطين والعراق.

جميل عازر: فما هي المدلولات التي يمكن استقراؤها في بيان القمة العربية؟

أولاً: قد يكون من الإجحاف اتهام القادة العرب بأنهم كانوا قادرين على اتخاذ قرارات استراتيجية لوضع أسس سياسة عربية موحدة إزاء التعامل مع قضايا مصيرية وهموم مشتركة ابتداءً من المواجهة وليس السلام مع إسرائيل، إلى تداعيات العولمة وحتى التعامل مع الأخطار البيئة، ويمكننا القول أيضاً: إن القادة العرب اجتمعوا وعلى رؤوسهم طائران النسر الأميركي والصقر الإسرائيلي، فكيف لهم أن يركزوا ولو على معالجة أعراض التفرقة، ناهيك عن اجتثاث جذورها.

القمة العربية
تقرير/سمير خضر: "فشلت القمة على الصعيد العراقي الكويتي" مقولة لم يختلف عليها أحد لا داخل أروقة القمة ولا خارجها، لكنها نجحت على الصعيد الفلسطيني إذا أخذنا برأي معظم القادة العرب وفشلت إذا نظرنا إلى الرد أميركياً وإسرائيلياً.

لم تكد القمة تهني أعمالها حتى انبرت واشنطن لتضع جداً لآمال الفلسطينيين بإرسال قوة حماية دولية، الفيتو الأميركي كان متوقع، ولكن ليس بهذه السرعة في وقت كان فيه الزعماء العرب مجتمعين في عمان يصيغون بياناً ختامياً يطالب المجتمع الدولي بهذه الحماية، لكن قمة عمان فضلت تجاهل هذا الفيتو، وأصرت على أن يشمل بيانها الختامي فقرة تدعو إلى مثل هذه الحماية الدولية، الدعوة إلى إجراء أثبت العرب أنهم مجتمعين غير قادرين على إقناع المجتمع الدولي به، لكن أفضل ردٍ على دعوات التضامن مع الفلسطينيين ودعم صمودهم وكفاحهم جاء من آرئيل شارون نفسه، فقد تحمل رئيس الحكومة الإسرائيلية تبعات عدة هجمات انتحارية أوقعت العديد من الضحايا في صفوف الإسرائيليين، لكنه فضل عدم الرد حتى لا يثير حنق بعض العرب المجتمعين في عمان خاصة أولئك الذين يصنفون في قائمة المعتدلين، ولكن وبعد ساعات قلائل من انتهاء القمة تفجرت نزعة الإرهاب الشارونية، وعاشت المدن الفلسطينية، ليلة إرهاب عسكري قلما شهدت مثيلاً له، وكان هذا الرد الإسرائيلي بمثابة رسالة موجهة إلى العالم العربي برمته، من حقكم إصدار ما تشاؤون بين بيانات تنديد واستنكار، ومن حقنا استخدام ما يحلو لنا من قنابل ومتفجرات ووابل من الرصاص، معادلة إذن لم يستطع العرب موازنتها منذ عقود، صحيح أن بعض العرب ما زال ينادي بالعودة إلى خيار الحرب، لكنها تبقى دعوات لا تلق أي صدىً لدى الآخرين، خيار الحرب العسكرية غير واردٍ في مواجهة إسرائيل فماذا يبقى إذن؟ بدؤوا أن بعض العرب بدأوا يعون وجود خيار آخر لم يكن وارداً من قبل، خيار الحرب الاقتصادية، ليست تلك الحرب التي تقتصر على استخدام سلاح المقاطعة الذي أثبت فشله خلال نصف قرن من الزمان، بل سلاح القوة الاقتصادية المتمثلة في تقوية البنية التحتية وتفعيل التجارة العربية البيئية من خلال سوق عربية متكاملة تضع جانباً الخلافات السياسية، وتعمل على تحييدها، ولأول مرة يوافق الزعماء العرب على عقد قمة لا تناقش مشاكلهم الخاصة، بل تهدف إلى تدعيم مؤسسات بلادهم الاقتصادية من خلال التكامل مع العربي، وليس مع الأجنبي، وقد يشكل هذا حلماً في نظر البعض، ولكنه يبقى حلماً أسهل على التنفيذ من حلم تحرير فلسطين من النهر إلى البحر.

جميل عازر: وكنت قد تحدثت إلى الدكتور هاني الخصاونة (وزير الإعلام الأردني الأسبق) وسألته أولاً: هل البون الشاسع بين الواقع والتوقع يعني أن المسافة الفاصلة بين الجماهير العربية وقادتها شاسعة أيضاً؟

د. هاني الخصاونة
د. هاني الخصاونة: بالتأكيد.. بالتأكيد المسافة كبيرة جداً طبعاً، بل يعني لماذا البقعة الوحيدة في العالم الذي لا تزال شعوبها تندفع بمظاهرات ضد حكامها سوى منطقتنا، فطبيعي المسافة هي مشكلة المشاكل، الإشكالية الكبرى هي هذه المسافة الشاسعة التي تفصل بين الحكام العرب، وبين شعوبهم.

جميل عازر: طيب دكتور هاني أين مكامن الضعف في القمم العربية، هل هي مستحكمة، هل هي مستفحلة يصعب أو ربما يستحيل معالجتها أو التعامل معها؟

د. هاني الخصاونة: لا.. العقد ليست مستحكمة، لكنها عقد كبيرة، لأن الدول العربية جُزأت خلافاً لإرادتها وأقامت القوى الأجنبية الكبرى الطامعة في النفط العربي وبالثروات العربية، أنظمة حكم، شبكات من أنظمة الحكم وورطتها في علاقات تبعدها عن شعوبها وتجعلها عن شعوبها وتعجلها تعتمد أكثر على هذه القوى الكبرى، هذا هدف التطور..

جميل عازر [مقاطعاً]: طيب هل.. هل تعتقد -دكتور هاني، هل تعتقد أن في مبدأ الإجماع المطبق على اتخاذ القرارات العربية عقبة في طريق الالتزام بهذه القرارات أم أن عدم الالتزام أصبح جزءاً من الشخصية العربية؟

هاني الخصاونة: أخ جميل، هو ليست المشكلة في النظام العربي الرسمي كما يحكم ميثاق جامعة الدول العربية، وجود عنصر الإجماع في القرارات الكبرى والمصيرية ولكن إرادة الانفراد ومحاربة فكرة تعزيز الوحدة العربية والتكامل العربي من قبل الدول المهيمنة الكبرى ومعها إسرائيل ونفاذ هذه القوى إلى بعض أنظمة الحكم العربية إن لم يكن معظمها وإفسادها لفكرة التعاون العربي وتطويره وإدخالها في مشاكل كثيرة يحول.. هو الذي يحول وليست نصوص الإجماع ونصوص الميثاق، هو الذي يحول دون تطور النظام العربي الرسمي ليقترب من أهداف الشعوب العربية.

جميل عازر: طيب دكتور.. هاني في رأيك، ما هي الأولويات التي ينبغي أن يركز الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية.

د. هاني الخصاونة: آمل أولاً أن يطور وأن يحرص على تعميق النزاهة في جهاز الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بحيث يظل بعيداً عن.. عن أي عن أي شبهة، شبهة انحياز أو شبهة استخفاف في مصالح الأمة وأن يختار جهازاً من الأكفاء اللامعين وهو يعرفهم مني شتى الدول العربية ليكون للأمانة العمة وجهازها الإداري والفني ثقل معنوي واحترام لدى الشعوب العربية.

الأمر الثاني: الأمين العام بحكم سمعته، الأستاذ عمرو موسى، يستطيع أن يؤدي دوراً كبيراً في تطوير مؤسسات الجامعة العربية وخاصة المجلس الاقتصادي والاجتماعي، تشجيع مجلس الوحدة الاقتصادية، توحيد الشؤون الثقافية بين الدول العربية، تطوير العمل الاجتماعي، تطوير المصطلحات القانونية، الدفع بإنشاء محكمة عدل عربية، تعديل الميثاق لتلافي ما كشفه من ضرورة تلافيه وما كشف الزمن ضرورة إضافته للميثاق، وعلى المستوى السياسي، فإن عمرو موسى مؤهل لأن يلعب إلى جوار رئيس القمة الذي هو الملك عبد الله دوراً كبيراً في تصفية ما يسمى بالحالة العراقية الكويتية.

جميل عازر: نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً الكوريتان بين الرغبة القومية في التوحد من جديد وموقف أميركي يخشى التقارب بين الشطرين.

أخطأ من ظن أن الأوضاع في الصومال صارت مرشحة للاستقرار بمجرد تشكيل الحكومة الانتقالية الحالية، فقادة الفصائل المتناحرة الذين شكلوا في (أديس أبابا) مجلساً ليكون منافساً لحكومة الرئيس عبد القاسم صلاد حسن، أبعد ما يكونون عن طبع سيوفهم مناجل ودفن الطغائن التي يضمرها كل للآخر وما العودة إلى اختطاف رهائن ممن يعملون مع منظمات دولية إلا دليل على أن القرن الإفريقي لا يزال يناطح نفسه وسيظل كذلك طالما بقى جيران الصومال يسعون لتقسيمها إلى مناطق نفوذ.

مؤتمر المصالحة الصومالية في جيبوتي
تقرير/حسن إبراهيم:تفاقم الخلاف في الصومال بين حكومة الرئيس الذي تم اختياره في مؤتمر عرتا -العام الماضي- عبد القاسم صلاد حسن وما بين الميليشات الصومالية والتعبير عن الخلاف في الصومال عادةً ما يكون دموياً للغاية وآليات فض النزعات متخلفة للغاية وعلى الرغم من الاعتراف الإقليمي والدولي الذي اسبغه العالم على صلاد حسن، فقد رفضت الفصائل الصومالية بشدة الاعتراف بحكومته، وتمكنت هذه الفصائل التي تختلف في انتماءاتها القبلية وولاءاتها الإقليمية من القيام بعدد من الخطوات التي لا يمكن إلا أن تعتبر محاولة لتهميش صلاد حسن وحكومته.

أولاً: شكلت الفصائل مجلساً رئاسياً بقيادة حسين عيديد اسمته مجلس المصالحة الصومالية يتكون من 5 أعضاء يهدف إلى تجاوز الحكومة الحالية ثانياً: أعلن مجلس المصالحة الوطنية إنشاء جهاز تنفيذي لإدارة شؤون الصومال خلال فترة الـ 6 أشهر القادمة.

ثالثاً: تم تعيين 23 عضواً في الجهاز التنفيذي في مقدمتهم يوسف عمر الأسهري سكرتيراً للشؤون الخارجية وحسن قلاد للداخلية والجنرال محمد مرجان للدفاع.

ولم يكن إعلان المجلس في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا مصادفة أو بدون مدلولات، وكان الرئيس الصومالي في خطابه للقمة العربية قد اتهم إثيوبيا صراحة بالتدخل في شؤون بلاده وأنها تعدم الميليشات وطلب عوناً عربياً عاجلاً لإعادة الأمن والاستقرار إلى بلاده فأثيوبيا التي كانت قد شنت حرباً طاحنةً على الصومال في أواخر السبعينات استطاعت إثرها احتلال الأوجادين ستظل تحاول الحصول على منفذ عبر الساحل الصومالي وليس غريباً أن تحاول إريتريا أيضاً إيجاد منطقة نفوذ لها في الصومال عبر دعم الرئيس صلاد حسن رغم الجفاء الذي يقترب من العداء السافر بين إريتريا وجيبوتي التي رعت انتخاب الرئيس الصومالي الجديد.

وبالطبع في محاولة لتأكيد نفوذها قامت الميليشات باختطاف 6 موظفين دوليين، أميركي و3 بريطانيين وجزائري وبلجيكي إلى جانب 2 من الأسبان وفرنسي يعملون في منظمة "أطباء بلا حدود" مسوغ الأخطاف كان غضب الميليشات لتعامل منظمة العون الإنساني مع الرئيس صلاد حسن، وإغفالها استئذان قادة الفصائل.

الحرب الأهلية في الصومال مزقت البلاد إلى أشلاء متناحرة، وقتلت حوالي مليون نسمة وشردت ملايين الصوماليين في جميع أنحاء العالم من اليمن وحتى أوروبا أو الولايات المتحدة، وبفضل موقعها الجغرافي الذي يحتل كل القرن الإفريقي، فإن الصومال يمكن أن تشكل عمقاً استراتيجياً عربياً بالنظر إلى سواحلها الطويلة على المحيط الهندي من خليج عدن، والساحل الجيبوتي شمالاً إلى حدود كينيا الساحلية جنوباً ولكن ذلك يتطلب دعماً عربياً في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية.

جميل عازر:أطبقت فكا الكماشة أو يكادان على (سلوبودان ميلوسوفيتش) فيما يعتبر إذعاناً من السلطان في بلجراد للضغوط الأطلسية، وهذا إجراء لابد وأن يكون الرئيس اليوغسلافي السابق قد أخذه في الاعتبار، وربما اتخذ بعض الاحتياطات لتفادي وقوعه في براثن ما يعتبره معظم الصرب مؤامرة دولية للنيل من شخص ظل يمثل حتى وقت قريب تعبيراً عن هويتهم القومية، فرفضه الاستسلام للقوات التي أحاطت بداره لا يمكن أن يكون إلا استناداً إلى إداركه لوجود دعم له على الصعيدين الشعبي والعسكري وبينما قد تبعث محاولة اعتقاله السرور في نفس المطالبين به فإنها تثير مخاوف بل وقلقاً مما قد يتطور إليه الوضع في يوغسلافيا ذاتها.

سلوبودان ميلوسوفيتش
تقرير/سمير خضر:يخطئ من يعتقد أن أحدا في يوغسلافيا يجرؤ على التفكير في تسليم (سلوبودان ميلوسوفيتش) إلى محكمة الجزاء الدولية في لاهاي، ليس لعدم الاقتناع برواية الغرب والشرق عن مسؤولية الرئيس اليوغسلافي السابق في ارتكاب جرائم حرب في البوسنة وكوسوفو، بل لأن كل صربي يفكر بنفس الطريقة التي فكر بها (مليوسوفيتش) الذي يعتبر في نظر معظمهم بطلاً قومياً لا ينشد سوى الحفاظ على أرض الأجداد في صربيا الكبرى، وكثيرون لا يرون في الرئيس الجديد (كوستانيتشا) سوى ميلوسوفيتش آخر، قومي صربي متعصب، ووطني لا يمكن لأحد المزاودة عليه، ولكنه ألبس نفسه حلة الديمقراطية والحداثة والحضارة، ولا يمكن لـ كوستانيتشا، الانكفاء على نفسه كما فعل سلفه فهو بحاجة إلى الغرب الذي شن عليه وعلى بلاده حرباً لا هوادة فيها ودمر معظم البنية التحتية للبلاد، لكن لكل شيء ثمناً، فواشنطن وعدت الرئيس الجديد بدعم مالي، وإنما بشرط تسليم (ميلوسوفيتش) إلى محكمة جرائم الحرب في لاهاي، وهذا ما لا يستطيع عمله وإلا فقد قاعدته الجماهير والسياسية، فأخذ يتحدث عن القوانين اليوغسلافية التي تحظر تسليم مواطنيها، وعندما اشتدت الضغوط، وبدأت المرحلة الممنوحة له من واشنطن بالنفاد، أمر قواته بمحاولة القبض على (ميلوسوفيتش) ليس لتسليمه -كما يعتقد الغرب، بل لمحاكمته محلياً بتهم شتى، تتراوح بين الفساد السياسي والمالي ومحاولة تزوير الانتخابات، وهي تهم تبقى رمزية، ونوعاً ما مضحكة في ظل النظام السياسي في يوغسلافيا ما بعد (تيتو) لكنها تبقى حيلة قد تلاقي النجاح ولو مؤقتاً، وتخفف من الضغوط الدولية، لكن اتخاذ قرار الاعتقال شيء وتنفيذه شيء آخر، إذا رغم محاولة الشرطة استخدام القوة العسكرية المسلحة لتنفيذ أمر الاعتقال تصدى أعوان ميلوسوفيتش لهم، فالرئيس السابق لا يزال يحظى بشعبية كبيرة في صفوف الملايين من الصرب، ولا أدل على ذلك من تدخل قائد الجيش شخصياً لمنع تنفيذ أمر الاعتقال مما يشير إلى عدم وجود تنسيق بين مؤسسات الدولة، ويبدو أن الحل الوحيد الذي تبقى هو التوصل إلى حل ودي يقضي بتسليم ميلوسوفيتش نفسه طواعية، وهو أمر من الصعب تصوره، إلا إذا طرأ جديد على القضية، وعلى الرغم من الوضع الصعب الذي يواجهه، فإن ميلوسوفيتش نجح في إرسال رسالة إلى كل أعدائه فالشعب هو الذي أجبره على التنحي عن السلطة، والشعب نفسه هو الذي يشكل اليوم درعاً لحمايته، أما الجيش، مالك مفاتيح السلطة في البلاد، فإن كلمته هي القول الفصل في هذا الشأن.

جميل عازر: منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 45 من القرن الماضي، والشأن الكوري مرتبط بالموقف الأميركي في ذلك الجزء من آسيا، فالمفاتحات المباشرة بين كوريا الجنوبية والشمالية، لا تجد استحساناً في نظر واشنطن ورغم التحسن في العلاقات بين (سول) و (بيونج يانج) في الآونة الأخيرة لا يزال الموقف الأميركي من كوريا الشمالية يلقي بظلاله على التقارب بين الكوريتين خاصة بعد تصريحات الرئيس (جورج بوش) بأنه لا يزال مرتاباً في نوايا كوريا الشمالية، ونظراً لوجوده 35 ألف عسكري أميركي في كوريا الجنوبية تظل العلاقات بين الشطر بين الكوريتين مرهونة بحدوث تحسن في العلاقات بين الشماليين والأميركيين.

التقارب بين الكوريتين
تقرير/خالد القضاة: لم تخفي الإدارة الأميركية الجديدة منذ البداية أن التنسيق عن قرب مع كوريا الجنوبية واليابان سيكون المفتاح لترويض كوريا الشمالية، لأن اليابان نقوم عملياً بتمويل وقف برنامج (بيونج يانج) النووي، لكن الرهان على طوكيو غير مضمون النتائج بسبب الارتباك الأخير الذي شهدته اليابان على المستويين الاقتصادي والسياسي، أما كوريا الجنوبية، فهي على مفترق طرق بين التوحد مع جارتها الشيوعية في الشمال، وبين تلبية المطالب الأميركية، وهذه المهمة تعتمد كثيراً على قمة أخرى بين شطري كوريا، بعد تلك التي جمعتهما منتصف العام الماضي، وكان لها نتائج إيجابية، تمثلت في سلسلة من التبادلات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

لكن المراقبين للشأن الكوري يتوقعون الآن الخوض في مواضيع أكثر أهمية، وعلى رأسها المسائل العسكرية الحساسة، ولكن إذا خلت القمة المرتقبة من تعهد بيونج يانج بتخفيف التوتر العسكري فإن ذلك سيزيد من نظرة واشنطن لها بأنها لا تتغير وفقاً للمعايير الأميركية، هذه النظرة تجلت في اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي والزعيم الكوري الجنوبي قبل بضعة أسابيع، فقد أماطت واشنطن اللثام عن موقفها الذي وصف بالمتشدد إزاء خطط الشطر الجنوبي للتطبيع مع الشماليين، وقيل إن الإدارة الأميركية وضعت (سول) في موقف محرج، كان من نتائجه المباشرة التعديل الوزاري الكبير الذي أجراه (دايدونج) على حكومته، وهو ما فسر بأنه انصياع لإرادة أميركية تهدف إلى الانفراد أو المشاركة الفاعلة على الأقل في وضع آلية الوحدة بين الكوريتيين، الشارع الكوري في الشطرين يقول علناً إن الولايات المتحدة تتدخل في شؤونهم وتشكل حجر عثرة في طريق التوحد بين كافة الكورييين، بل يرى بعضهم أن واشنطن بمطالبها المتشددة تعرض أمن المنطقة للخطر، ويستدل على هذا من الضغوط التي يمارسها الجنوبيون على قيادتهم مطالبينها بالتفاهم مباشرة مع الشمال، وباتخاذ خطوات أبعد من مجرد تقديم مساعدات بسيطة أو لم شمل عائلات فرقتها الحرب قبل 50 سنة، الإرادة الأميركية الجديدة بدأت بخلط أوراق شرقي آسيا، فأوقفت المحادثات المتعلقة ببرنامج الصواريخ الكورية الشمالية في خطوة وصفت بأنها واحدة من أخطر الأخطاء الدبلوماسية التي ترتكبها واشنطن في فترة ما بعد الحرب الباردة، الشطر الشمالي يرى أن في إحيائه برنامج التسلح ورقة ضغط على كافة الأطراف ولو أن من شأن ذلك الإبقاء على فتيل التوتر قائماً في المنطقة.

جميل عازر: وبهذا نأتي إلى نهاية هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) ونشير إلى أنه بإمكانكم الوصول إلى مضمون كل حلقة من حلقات هذا البرنامج بالصوت والصورة والنص عبر موقع الجزيرة نت في الشبكة المعلوماتية (الإنترنت) وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة الجزيرة في قطر.

فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة