الخط العربي.. التاريخ والفن   
الاثنين 29/11/1425 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)
مقدم الحلقة: محمد كريشان
ضيوف الحلقة: يوسف ذنون: باحث وخطاط
تاريخ الحلقة: 10/08/1999




يوسف ذنون

محمد كريشان
محمد كريشان: أهلاً وسهلاً بك سيد يوسف ذنون.

يوسف ذنون: أهلاً مرحباً.

محمد كريشان: السيد يوسف ذنون، أنتم لستم فقط خطاط وصاحب صيت عربي واسع، وإنما أيضاً باحث في الخط العربي ومطلع بشكل كبير عن تاريخ الخط وفنون الخط.. وما إلى ذلك من معالم هذا الفن، لو نبدأ هذه الجلسة بالحديث عن تاريخ الخط العربي، متى بدأ -على الأقل- كفن بملامح فنية متميزة؟

يوسف ذنون: هو الواقع إن الخط العربي بدأ قبل الإسلام، وببدايته قبل الإسلام بدأ فن، لأنه النقوش التي وصلتنا مما قبل الإسلام مثل نقش (زبد) المؤرخ سنة 511م، أو نقش (حران اللجة) المؤرخ سنة 568م هي عبارة عن خطوط كوفية كما يقال أو كما سُميت فيما بعد.

وكانوا يطلقون عليه (الجزم) والجزم لها معاني متعددة، من جملة معانيها أنه هي تسوية الحروف، ومعناة تسوية الحروف يعني تعني أنه تنظيم الحروف بشكل معين، ولهذا العرب فيما بعد أطلقوا على هذا النوع من الخط بشكل عام (الخطوط الموزونة) معناتها قائمة على وزن كما ورد في القرآن الكريم (وكل شيء عنده بمقدار) المقدار هو الوزن أو الموزون، فبدأ الخط -من الأصل- قبل الإسلام بشكل فني استفاد بهذه الخاصيَّة من خطوط سابقة، وعلى الأخص عندنا في جنوب الجزيرة العربية (الخط المسند)، والخط المسند هو خط هندسي بكل ما تعنيه الكلمة ومنظم، ولا يوجد خط يضاهيه في الخطوط القديمة إطلاقاً، فهو قائم على الهندسة، وفيه أيضاً إضافات مثلما نقول تحليات.. التحلية هي الإضافات الفنية.

فالخط العربي إذن بدأ لما بدأ.. بدأ في مكة المكرمة، وحينما أُنزل القرآن على الرسول -صلى الله عليه وسلم- استقدم كُتَّاب مكة ليدونوا القرآن الكريم، فدونوه على خط (الجزم) وأطلق عليه المتأخرون اسم (الخط المكي) وذكر ابن سعد في طبقاته أن أهل مكة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون، ولذلك كانت أول مدرسة للكتابة في الإسلام هي بعد معركة بدر لما طُلب من الأسرى الفداء، فالذين لا يستطيعون الفداء طُلب منهم أن يُعلموا عشر صبيان من صبيان المدينة المنورة فانتشرت الكتابة، على أي أساس انتشرت؟

انتشرت على هذا الخط الموزون المُسوَّي، وكانت هذه الكتابة هي كتابة المصاحف الأولى التي تمت في زمن عثمان بن عفان –رضي الله عنه- وطبعاً هذه المصاحف هي التي أرسلها إلى الأمصار، إلى الكوفة، إلى البصرة، إلى الشام، في المدينة وفي مكة، فصارت هي القدوة في الكتابة، فإذن الكتابة بدأت ونشأت كفن قبل الإسلام وجاء الإسلام ليؤكد هذا الفن.

محمد كريشان: سيد يوسف، البداية كانت كفن أو كتدوين عادي، هل كان هناك وعي بأن ما يتم هو إبداع غير الكتابة العادية المتداولة؟

يوسف ذنون: يمكن رايح تستغرب لما أذكر لك نص نُقل عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لما قال للكتبة، قال كأنه يحذرهم من الكتابة الرديئة، فإذن كانت الكتابة تكتب منذ ذلك الوقت بشكل كما يُسمَّى فيما بعد مُحقَّق يعني بعناية فائقة، وكانت كتابة اعتيادية فماذا قال؟

القول المشهور عن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- يقول: "شر الكلام الهزرمة –بدأ.. لأنه العرب أهل كلام- شر الكلام الهزرمة، وشر الكتابة المشق"، ما معنى المشق؟

المشق هو اصطلاح حربي كانوا يستعملوه، يقول: مشقه بالرمح أي ضربه ضرباً متتالياً سريعاً، يعني معناته المشق هي الكتابة السريعة، فكان نهى عن الكتابة السريعة، فالكتابة المنظَّمة معناته تحتاج إلى ذوق في كتابتها، ولذلك حينما اختار

عثمان بن عفان –رضي الله عنه- اللجنة لكتابة مصاحف الأمصار جعل على رأسها زيد بن ثابت لماذا؟ لأن هذا الرجل كان أكتب هؤلاء الكُتَّاب، وكان يمتلك من القدرات الفنيَّة والذكاء بحيث حينما كلفه الرسول-صلى الله عليه وسلم- أن يتعلم العبرية تعلمها في خمسة عشر يوماً.

إذن منذ ذلك الوقت كانت هذه الكتابة، والأكثر دليل على ذلك حينما عُمِّر المسجد النبوي من قبل عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وضعت فيه كتابة في المسجد النبوي في جدار القبلة، فهذه الكتابة هي أساس الكتابة الفنية التي فيما بعد تطورت وصارت منها أنواع الخطوط.

وكان حينما وجدت.. الآن عندنا نماذج فيه قبة الصخرة من هذه الكتابات كُتبت بالفسيفساء، وحينما يُنظر لهذه الكتابة تجد خط متكامل بكل ما تعنيه الكلمة فيه جميع الجوانب الفنية التي تقتضيها المساحة وتوزيع الكتابة على المساحة وبانتظام شديد، فكان هذا هو الذي سُمي (الجليل الشامي) وهو نقطة انطلاق تطور الخط العربي، فمنذ أن بدأ الخط العربي بدأ بفكرتين: الفكرة الاعتيادية، الكتابة الاعتيادية، وهذه كانت سريعة، وكتابة مُعتنى بها ومدقَّق فيها، حتى سُميت فيما بعد خطوط المصاحف (الخط المحقَّق) بيسموا الخط المحقق أو (خط المصاحف) فإذن منذ أن بدأ الخط بدأ في مسارين: مسار فني، ومسار اعتيادي.. المسار الفني مبعثه هو إيمان كاتب القرآن بقدسية ما يكتب إذن فهو يتعبد في رسمه للحرف..

محمد كريشان [مقاطعاً]: يعني إذن كان هناك مجهود إضافي، لأن الموضوع يتعلق بالقرآن.

يوسف ذنون: بالضبط.. بالضبط، نعم.

محمد كريشان: طالما نتحدث عن الجانب الفني من الخط، وليس الجانب العادي، كيف تطور هذا الخط؟ ويعني كيف أصبح خطوط متعددة؟ وما هي العوامل التي أثرت في التوجه الفني للخط؟

يوسف ذنون: هو طبعاً الآن إذا نرجع إلى بعض المراجع التي كتبت، وليس المصادر تقول على أنه هناك -منذ ذلك الوقت- نوعين من الخط، الحقيقة من خلال يعني مثلاً ما كشف من آثار من قبل الإسلام ومن بعد الإسلام لا يوجد إلا شخصية واحدة فقط للحرف العربي، لكن هذه الشخصية كُتبت بطريقتين: إما بطريقة منظمة تماماً، وإما بطريقة الكتابة الاعتيادية فنشأ عندنا من هذا الأسلوب في الأداء بدأ الخطين يتباعدون، واحد التزم التزام كلي وتطور خاصة على العمارة وفي المصاحف، أما الثاني فكتبه الناس في أمورهم اليومية، يعني في الدواوين، في المكاتبات، في المراسلات، في العقود، هذه كانت كتابة سريعة ولم لما نرجع.. موجودة عندنا في أوراق البردي -بالذات- من القرن الأول الهجري، وطبعاً هذا النمط من الكتابة أخذ يشكل شخصية جديدة، فهذه الشخصية تطورت ونشأ منها خطوط، الشخصية الأصليَّة أيضاً تطورت، ونشأ منها خطوط، فعوامل تطور الخط العربي تكمن في هاي الانطلاقة، انطلاقة فنية، انطلاقة اعتيادية.

الانطلاقة الاعتيادية شكلت شكل جديد، ولدت انطلاقة فنية حتى توازي الانطلاقة الفنية الموجودة في الخط المحقَّق أو خط المصاحف، وهي اللي نقلتها إلى العمارة فصار منه ما يُسمَّى بالخط الكوفي، ففي الأول كان بسيط، هذا النوع الأول كما نجده في قبة الصخرة أو في حجارة الطريق، لكن بعدين صار منه الكوفي المروس الذي فيه رأس، وهذا طبعاً نجده في سامرَّاء، ونجده مثلاً الآن في معظم جوامع اليمن أو آثار اليمن التي هي من القرن الأول والثاني والثالث الهجري، نجده حتى في الأندلس، ونجده في القيروان، هذه الصورة الثانية التي هي فقط أُضيف الترويس.

لكن المرحلة الثالثة هناك وجد فراغات في هذه الكتابات على العمارة، فأرادوا أن يملؤوا هذه الفراغات فوضعوا فيها زخرفة، فممكن أن يطلق عليها الكوفي أو كوفي الفراغ الزخرفي أو كما أطلق عليه بعض الدارسين خاصة الغربيين سموه الكوفي المورق، وبعدين هذا التوريق الذي وضع في الخط ما اكتفى الفنانين المسلمين في هذا الاتجاه فقط، وإنما حاولوا أن يبلغوا بدرجات من الكمال أكثر من هذا الاتجاه، فماذا عملوا؟

وضعوا هذه الكتابة على مهاد زخرفي، على أرضيَّة زخرفيَّة، فظهر عندنا الكوفي.. كوفي المهاد الزخرفي، ويطلق عليه بعض الدارسين الكوفي المزهِر أو المزهَر، وطبعاً لم تقف التطورات عند هذا الحد، وإنما رجعوا إلى صلب الكتابة فجاؤوا إلى مثلاً –خاصة إحنا عندنا- الألف واللام، أولاً عمل فيها نوع من التقاطع، هذا التقاطع تحول إلى ضفر، وبعد ذلك هذا الضفر بدأ يشكل تشكيلات فنية رائعة جداً، كما نجدها في قصر الحمراء مثلاً، أو في الجامع الكبير في مدينة الموصل ، أو نجدها مثلاً في الكتابات الموجودة في عصر المارينيين في شمال إفريقيا.

نجد أنه هذا الضفر انتشر في العالم الإسلامي، نجده في تركيا في (قونيا)، ونجده في مصر في السيدة زينب، نجده بكثرة في شرق العالم الإسلامي في أغلب المدن المعروفة مثل (بخارى) و(مرو) وغيرها، فطبعاً صار عندنا كوفي جديد هو الكوفي المضفور، وهذا التطور لم يقف عند ذلك الحد، وإنما أيضاً أخذ مساره في الإبداع فكان الفنان انتقل من الضفر في الخطوط العموديَّة إلى تشكيلات بحيث شكَّل أشكالاً محرابيَّة أو من الكلمات، وخاصة عندنا الآية الكريمة (فسيكفيكهم الله) كتبت لوحدها بأشكال متعددة، وشكَّلت لوحات فنية، هذه اللوحات زخرف بيها أو زينت فيها العمارة الإسلامية، هذه المسيرة استغرقت قرون خمسة.

في القرن السادس وجد أن هناك مادة أخرى ممكن أن تعطي كوفي آخر يختلف عن هذا الكوفي، فظهر عندنا ما يُسمى (الكوفي المربع) الكوفي المربع يعتمد على الخط المستقيم بشكل كامل، ومن أروع نماذجه موجود الكتيبة الخشبية الموجودة في تونس، هذه الكتيبة مؤرخة سنة 716، فنلاحظ أن هذا الجامع المعروف أو الجامعة المعروفة "الزيتونة" في المدخل تشاهد هذا النوع من الكتابة، تشاهدها في (ماردين)، تشاهدها في الموصل، تشاهدها في شرق العالم الإسلامي في (غزنة)، هذا النوع الآخر الذي تطور، فالآن إذا عددنا هذه الأنواع صاروا ستة أو سبعة، ولما راح تمزج بينتهم يعني مثل الحروف عندك سبع حروف، قد إيش تطلع منها كلمات، فطبعاً راح يطلع عندنا أنواع كثيرة من الخط الكوفي، ولهذا تجد في بعض المصادر سُئل بعضهم كم نوع من الخط الكوفي؟ أجاب:هناك سبعين نوع..

محمد كريشان [مقاطعاً]: في الخط الكوفي فقط؟

يوسف ذنون: فقط، وطبعاً هو قال: سبعين نوع، لكن إذا تيجي بالحقيقة ممكن أن تصل أكثر من هذا العدد بكثير، لأن مجرد أن تأخذ من هذا ومن هذا وتطلع أشكال جديدة، ولهذا الآن عندنا حركة جديدة في العالم، خاصة في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي هي العودة إلى الكوفي، لأن مجال الإبداع في الكوفي ليست لها حدود، وأحدهم أخرج كتاباً.. لفظ الجلالة الذي هي ما أكثر من (ألف ولام ولام وهاء) ومطلع في هذا الكتاب ألف لوحة بلفظ الجلالة في الخط الكوفي، وطبعاً هناك الألف والواحد، وبعد الألف والواحد تأتي البقية، ولا تنتهي القضية، فمجال الإبداع في الخط الكوفي مجال ليس له حدود.

محمد كريشان: ولكن عفواً سيد يوسف، التطورات التاريخية وأساساً الفتوحات الإسلامية والاحتكاك بالأتراك وبالفرس، هل أضاف شيئاً ما للحرف العربي؟ الآن الكل يعرف بأن فن الخط في تركيا، أو فن الخط في إيران متطور ومزدهر، وهناك إبداعات معروفة، ما الذي أضافه هؤلاء للخط العربي؟

يوسف ذنون: العفو، هو قبل أن نأتي إلى هذا الظرف الزمني، والظرف المكاني، هو بالحقيقة التطور الأول.. هذه الخطوط التي تكلمنا عنها تُسمَّى الخطوط الموزونة، وسميت فيما بعد بالخط الكوفي، لكن المسار الثاني بدأ فعلاً هذا المسار هو كان بتأثير دخول العناصر غير العربية في الإسلام، فصار الكوفي كخط صعب بالنسبة لهم في القراءة، استسهلوا الخط الذي كان يكتب باليد فطور هذا الخط في أوائل العصر العباسي، فنشأ عندنا خط جديد بشخصية جديدة أطلقوا عليه الخط المنسوب أو الكتابة المنسوبة، على رأس هذه الكتابة (خط الثلث)، خط الثلث تطور في بغداد خلال العصر العباسي..

محمد كريشان [مقاطعاً]: ما معنى خط الثلث؟

يوسف ذنون: الثلث، الثلث هو الحقيقة جاءت تسميته من قلمه، القلم ماله.. هو ثلث قلم الطومال، كان يعملوه أربع وعشرين شعرة، ثلث الأربع وعشرين هي ثماني شعرات، فكان عرض قلم الطومال 8 مم، فالثلث ماله.. حوالي 2.5مم أو 3م، فالآن قلم الثلث هو هذا القلم، وبالمناسبة تُطلق كلمة قلم على الخط، يجوز أن تقول قلم الثلث وأنت تقصد خط الثلث، وتقول قلم الثلث هو القلم الحقيقي، قلم الكتابة، وهذا شائع في المصادر القديمة، تقول قلم النصف، قلم الثلث، قلم السجلات، قلم القصص.. وإلى غيرها من الأسماء، فالمقصود بها الخطوط، أما القلم طبعاً يوصف أنه مثلاً قط القلم أو كذا.. قد يعرف، فالتسمية قديمة.

يعني كان الثلث في الأصل هو نوع من الخطوط الموزونة أو بمعنى أدق أو معروف أنه كان نوع من الثلث، لكن لما كتب به هذه الكتابات اللينة طبعاً صار شخصيته أخرى، وهذه الشخصية الجديدة بدأ تطويرها، ولسهولة قراءتها وسهولة كتابتها بدأ تطويرها، فنشأ منها 24 نوع من الخط في حينها، وطبعاً ينسبون إلى ابن البواب الذي هو الشخصية الثانية في تطوير الخط العربي في العصر العباسي، يقولون كان يكتب 16 نوع من الخط، من الخطوط المنسوبة يعني المشتقة من خط الثلث.

ولكن لما جاء ياقوت في أواخر العصر العباسي الذي تُوفي سنة 698هـ حاول يحصر هذه الأنواع ال 16، فطلع ست أقلام فقط وسموها في عصرهم الأقلام الستة، حتى الآن في المصادر التركية أو المصادر الفارسية تقرأ الأقلام الستة، والأقلام الستة هي: الثلث الذي هو على رأسها، بعدين النسخ، وبعدين المحقق، والريحان، والطواقي، والرقاع، والحقيقة الشخصية المهيمنة على هذا الستة هو الثلث، ولهذا يعتبروه أبو الخطوط.

محمد كريشان: إذن سيد يوسف، العلاقة بين الخط واللغة علاقة أساسية، لا يمكن الحديث عن تاريخ للخط العربي دون الحديث عن تاريخ اللغة العربية؟

يوسف ذنون: إذا تيجي في الواقع والحقيقة إنهما وجهان لعملة واحدة، اللغة هي الكلام المسموع، أما الخط فهو الكلام المنظور، وفعلاً الآن في الدراسات الأكاديمية لا يمكن الاستغناء عن دراسة تطور الخط، لأنه يرتبط بتطور اللغة، يعني في الأول.. إلى الآن إحنا أصل الخط لا زال عليه علامات استفهام كثيرة، لكن لما بنيجي إلى العصر خاصة العصر الأموي بدأت الإصلاحات على أساس أن هذه الإصلاحات في الخط، لكن هي الحقيقة إصلاحات في اللغة.

يعني مثلاً القرآن الكريم جرَّدَهُ الصحابة فكانت تكتب فقط الحروف، لما وجدوا أن لما دخل غير العرب في الإسلام وأخذوا يقرؤون القرآن بلحن، يعني يغلطون في قراءته، فاستنجدوا بأبي الأسود الدؤلي المتوفى سنة 69هـ: الحقنا يا رجل، الناس ما بقت تعرف القرآن.. فقام حرك القرآن هذا التحريك الأول، حرَّكه بنقط حمراء، هذا انتهت مشكلة التحريك، الآن مشكلة النقط.. والتفريق بين الحروف، ويسموه الإعجام، يعني الفرق بين الباء والتاء والثاء مثلاً..

محمد كريشان [مقاطعاً]: يعني في البداية الضمة والكسرة والفتحة كانت بنقط؟

يوسف ذنون: بنقط حمراء، ولهذا إذا نشوف مصاحف من القرن الأول والثاني والثالث الهجري نشوف نقط حمراء.. يتساءل الناس ما هذه النقط الحمراء في الحقيقة هي هذه الحركات التي تكون في أعلى الحرف فتحة، في أسفل الحرف الكسرة، بين يدي الحرف من جهة اليسار هذه ضمة، إذا تكررت فتحتين سواء في الأعلى فتحتين، في الأسفل كسرتين، في الجانب ضمتين.

الإصلاح الثاني يعتبر إصلاح، شوف هذه لغة.. الإصلاح الثاني أنت المفروض تفرق بين الحروف، لأن إحنا عندنا الحروف صورة ل 28 حرفاً، فإذن هاي العشرة حروف لازم نفرقها من ال 18 صورة الأخرى، فوضعت النقاط، وينسبون وضع النقاط إلى زمن الحجاج بن يوسف الثقفي وحاول أن ينتدب لهذه المهمة أشهر علماء ذلك الوقت يحيى بن يعمر العدواني ونصر بن عاصم الليثي، فقيل إنهم هم الذي وضعوا نقط الإعجام بيسموه، هذاك نقط الشكل يعني الحركات.

ولما جاء بعدهم -وطبعاً كان قريب جداً منهم- الخليل بن أحمد الفراهيدي العبقري المعروف في العروض، والشعر، والأدب، واللغة، شاف أن هذا نقط وهذا نقط، وليش راح يخلي الكاتب يُجهد في أن يوجد لون أو غيره فقام وضع صور جديدة للحركات، الصور الجديدة للحركات هي نفس الحركات الذي الآن نحن نكتبها الآن، إذن نحن كتابتنا للحركات -الضمة والفتحة والكسرة- على طريقة الخليل بن أحمد الفراهيدي، هذا يعتبر النقلة الثالثة.

هذا تاريخ اللغة، وليس تاريخ الخط، فاللغة والخط إذن هما صنوان، ومما يؤسف له أن كثير من.. يعني الآن الجهات الأكاديمية أو المؤسات الأكاديمية ما ملتفتة إلى هذه، لكن نشوف أن بعض الدارسين رجع إلى النصوص العربية وأخذ يستنتج منها أمور كثيرة، يعني لسه الآن وجدت عندنا عدة كتابات من القرن الأول فيها شعر جاهلي، في الوقت الذي -مثلاً- إحنا كثير منا أنكروا أيضاً أن هذا الشعر كله منحول من قبل الرواة، فإذن الكتابة أو الخط أداة أساسية في مسيرة اللغة.

محمد كريشان: إذن أستاذ.. هل يمكن أن يكون المرء خطاط وفنان في الخط دون هذه الخلفية -ما شاء الله- هل يمكن أن يكون الفنان فقط فنان وكأنه رسام دون أن تكون له الخلفية؟ هذه الخلفية ضرورية للإبداع الفني في الخط؟

يوسف ذنون: هو.. يعني الواقع الخطاط في القديم.. الخطاط هو كان يمتلك ثلاثة جوانب متميز بيها: أولاً: في الغالب الخطاطين القدماء علماء، يعني أصحاب علم وموسوعيين في مختلف العلوم، وفي العصر العباسي الخطاطين هم الكتبة يعني أنت هناك.. ذكروا المصطلح ما كان يقول يكونوا خطاط، يقول كاتب..

محمد كريشان: كاتب.

يوسف ذنون: والكاتب يقسمه إلى أربعة أقسام، أحد الأقسام هو كاتب الخط، كاتب الخط.. غالبية الوزراء في العصر العباسي هم من هؤلاء الكتبة.

ولما بنيجي ناخد مثلاً أول رائد اعتبروه من رواد الخط العربي ابن مقلى المتوفى سنة 328هـ هذا من أشهر وزراء الدولة العباسية، استوزر لثلاث خلفاء أربع مرات، فكان هم الكتبة، إذا ناخذ قبله محمد بن عبد الملك أو غيره كلهم كانوا كتبة، فكان الخطاط في الغالب هو.. يعني عالم، وفي نفس الوقت قد يتبوأ مركز كبير جداً في الدولة، هذه لما تراخى الزمن الخطاطين ما ابتعدوا كثير، يعني بقى علماء كثيرين خطاطين، بس الخطاطين بالدرجة الأولى وجدوا أن مهمتهم الأساسيَّة هي نسخ القرآن، لأن مطابع ما في، ذلك الوقت ما توجد مطابع، ولذلك اتجهوا إلى الخطَّاطين لكتابة القرآن الكريم، فهذه حددت من ثقافة الخطَّاط، هذا في عصر لاحق.

لكن لما نحن نصل إلى عصرنا غالبية الخطَّاطين صاروا يتعلمون الخط حتى يكسبون العيش منه، ففي الغالب الأعم الثقافة الخطيَّة تقريباً انعدمت، فهو المفروض الخطاط يكون عنده ثقافة خطيَّة، لكن مع ذلك ممكن أن يكون خطَّاط وما عنده ثقافة خطيَّة، لأنه نحنا.. أهمية الخط وين تكمن؟ تكمن بالدرجة الأولى في أهميتها في الكتابة الاعتيادية، فالآن عصرنا وهو عصر السرعة وإيقاعه السريع يقتضي أن نهتم بالخط من جانبين: الجانب الأول: هو الجانب الكتابي، والجانب الثاني إذا وجدنا من عنده استعداد في هذا المجال، هذا يُسَمَّى الجانب الفني، هذا له ساحته، وهذا له ساحته.

ساحة الكتابة الأولى مرتبطة باللغة، وهذه مهمة عامة، يعني الآن يجب كل من يتعلم القراءة والكتابة يتعلم الكتابة الصحيحة، لا نقول الخط، ولكن الكتابة الصحيحة، وهذا مطلوب في كل البلاد العربية، ونشاهده مثلاً في البلاد الأخرى التي تكتب بالحرف العربي، مهتمين إلى أبعد الحدود بهذه الناحية، بينما نحن في البلاد العربيَّة اهتمامنا بالكتابة يكاد أن يكون محدود.

أما الخط.. وفي الحقيقة نخنا صار عندنا نوع من الجزر في موضوع الخط، لكن في الآونة الأخيرة.. في تقريباً الثلاثين سنة الأخيرة وجد هناك ناس من اهتموا بهذا الفن واعتبروه هو الفن الأصيل لهذه الأمة، لأن الفنون الوافدة ما حققت لا طموح الفنَّان ولا عبرت عن إحساسه، ولذلك تشوف الخطَّاطين بدؤوا يكثرون، وبدأ الخط ينتشر، وأقيمت المهرجانات والمسابقات والنشاطات المختلفة في الخط، المعارض وغيرها، حتى الفنانين التشكيليين جاؤوا إلى الخط، ووجدوا في الخط مادة غنية جداً في التعبير، وفي الناحية التي ممكن أن تعطي فعلاً قيم جمالية عالية، بالإضافة إلى كونها تُعطي طابع خاص، طابع الخصوصية.

فلو رسم لوحة تجريدية.. طبعاً أنا كما سمعت من أحد الغربيين يقول: هذا الفن فن ما عندنا، ونحن نستطيع أن نبدع أحسن منكم، بينما لما نيجي إلى الخط وتيجي أنت تدخل اللوحة حتى ولو كانت كتابة ضعيفة، صار بها الطابع المحلي، وصار بها نوع من الأصالة، صار بيها اهتمام، وصار عندنا مدرسة كبيرة جداً للحروفيين، للفنانين الحروفيين، وانتشروا في جميع أنحاء الوطن العربي وخارج الوطن العربي..

محمد كريشان [مقاطعاً]: هناك فرق -عفواً أستاذ- هناك فرق بين الحروفيين والخطاطين، الحروفيين يُعتبروا وافدين جدد على الخط العربي..

يوسف ذنون [مقاطعاً]: لأ -العفو- الحروفيين ليس لهم علاقة بالخط العربي إلا القليل منهم، لأنه المفروض أنت لما تكون داخل الخط.. يعني تعرف الخط، الغالبية من الحروفيين لا يجيدون الخط، وإنما استغلوا الكتابة الاعتيادية التي هي الصورة الباهتة للخط وأدخلوها إلى لوحاتهم..

محمد كريشان [مقاطعاً]: يعني هناك تقليد أم هناك تطفل، أم هناك.. يعني كيف؟

يوسف ذنون: لا يعتبر لا تقليد ولا تطفل، وإنما هو عبارة عن –مثلما تقول- نوع من الاستعارة كما تسمى في العمارة استعارة، فأنت تستعير هذا العنصر وتوظفه في لوحتك كما تشاء، ولما كان أغلب التشكيليين لا يجيدون الخط، فإذن ماذا يستعير؟ استعار من الكتابة الاعتيادية لأنه يجيد الكتابة الاعتيادية، ولذلك تشوف أغلب اللوحات ما تجد فيها من حروفية هي في الغالب لا أكثر ولا أقل من كتابة، وأحياناً يعطيها شكل الحرف، بس إلى أي مدى الإجادة، طبعاً تكون محدودة.

في نفس الوقت هناك بين الخطاطين من حاول اللوحة التشكيلية لكن بخط متميز، وخط متمكن، فطبعاً هذه وجدت بس على نطاق محدود في الوطن العربي، لكن على نطاق غير محدود في شرق العالم الإسلامي، وخاصة في إيران، الآن الاتجاه في إيران إلى للحروفية الخطيَّة، خطاطين مجيدين يستعملون الخط والزخرفة في لوحاتهم، وينتجون لوحات بأعداد هائلة، وكلها لوحات تشكيلية، ولكن المادة الأساسية خط جيد وزخرفة رائعة.

طبعاً مثل الخطاطين الإيرانيين، الباكستانيين، وحتى جنوب شرق آسيا، واشتهر من الباكستان صادقين رجل ما يعرف الخط، لكن -هو توفي الرجل إلى رحمة الله- و لكنه اشتهر عالمياً بلوحاته الحروفية، وهي عبارة عن كتابات لا أكثر ولا أقل، دخل اللون، دخل التكوين، دخل العناصر الفنية التي تحتاجها اللوحة، فصار.. أخذ عالمية فيها، وطبعاً هذا جانب آخر غير جانب الخط، الخط لا.. واخد مساره، وهناك خطاطين كبار من مختلف أنحاء الوطن العربي وفي العالم الإسلامي.

محمد كريشان: على ذكر الخطاطين الكبار -سيد يوسف- أنتم حصلتم سنة 66م على الإجازة في الخط العربي من الخطاط الكبير حامد الآمدي الذي توفي في سنة..

يوسف ذنون: 1982م، أي نعم.

محمد كريشان: 82م، وحصلت منه على تقدير بالتفوق سنة 69، يبدو أن في العرف.. عرف الخطاطين فيه نوع من التبني أو التزكية بمعنى أنه إذا خطاط كبير ومشهور وأعطى تقدير معين لخطاط يصبح نوع من الوسام على صدره، ويكتسب منه السمعة والصيت ويستمر، هل هذا متوفر الآن في الجيل الحالي الشباب، يعني هل لدينا خطاطين شباب جديرين بالعناية؟

يوسف ذنون: نعم، هو في السابق طبعاً كما هو معروف ومتعارف عليه أن الخطاط لا يكتب اسمه تحت ما يكتب.. ما يخط إلا يكون عنده إجازة، والإجازة هي بمثابة الشهادة، يعني يدرس دراسة –مثلما نقول- دراسة أكاديمية ويتقن القواعد، ويرى أستاذه فيه أنه بلغ مستوى الإجازة، فيمنحه الإجازة، فالخطاطين –خاصة في الأعراف العثمانية- لا يكتب أو لا يكون خطاطاً إلا بعد أن يحصل على الإجازة.

والإجازة -عادة- تكون في خطي الثلث والنسخ، وهذه هي أصعب الخطوط، هناك إجازة ثانية في خط التعليق أو ما يسمى.. تعليق أو ما يسمى فارسي هو خط واحد، كلهم بس المسميات حسب الأماكن، هذه أيضاً وجدت هذه الإجازة، وطبعاً -مثلما تفضلت- الأستاذ كان لا يعطي إجازة إلا بعد أن يبلغ تلميذه المستوى الذي يرضى عنه.

محمد كريشان: كانت هناك صرامة شديدة.

يوسف ذنون: صرامة شديدة في الإجازة، طبعاً هذا التقليد لازال مستمر، ولكن كثير من الخطاطين الآن يكتبون أسماءهم، وهم لا يحملون إجازة، ونشاهد الآن -كما ذكرت لك- أن الحركة الخطية التي بدأت -بالحقيقة- في العشر سنين أو العشرين سنة أو الثلاثين سنة الأخيرة هي نتاج نوع من التنافس.

لما انتهت الدولة العثمانية، وجاءت الدولة التركية وغيرت الحرف العربي سنة 1928، الخط يكاد أن يكون مات في تركيا، لكن بعد ذلك انتبه الأتراك إلى أن الخط هو فن قومي بالنسبة إلهم، فإذن يجب أن يستعيدوا العناية بالخط، خاصة بعد أن بدأ العرب يستعيدوا العناية بالخط، وبدأت الحركة أولاً في مصر، ففي سنة 1922م الملك فؤاد فتح مدرسة لتحسين الخطوط، ونهضت بالخط في مصر نهضة كبيرة جداً، وفي العراق بدأت الحركة بشكل شخصي، برز خطاطين على مستوى في الأول محدود، ولكن بعدين برز مثل المرحوم صبري، وبعدين جاء بعده هاشم عمالقة في الخط.

هذه صار هناك دفع قوي جداً لحركة الخط، فصار نوع من التواصل بين مثلاً.. يعني هاشم -الله يرحمه- لما خد إجازة من المرحوم حامد الآمدي، وبنفس الوقت أخد تقدير يعني هذا الشخص تقريباً الأول الذي أخذ الناحيتين، بعدين بالنسبة لي أنا عقِبْـتُه على نفس المسار، فالمرحوم هاشم كان حرفي، ولهذا اهتم بالخط بحيث يريد لما يجي يصير عنده خطاط –مثلما تفضلت- هاي الصعوبة، يعني صار عنده تلاميذ كثيرين، لكن هو ولا واحد أعطاه الإجازة إلا اثنين.. شوف، وبعدما توفى المرحوم هاشم نحن سرنا في نفس المسار، لكن صار عندنا تلاميذ كثيرة، والتلاميذ أيضاً في مختلف الوطن العربي، وبرز الآن لما تيجي مثلاً إلى المغرب التي كان لا يوجد فيها خطاط، إلا في المغربي، الآن عندهم مثلاً محمد بن زيد، عندك حميد بو العيد، عندك جمال بن سعيد، عندك عبد الله الوزاني.. وآخرين، هادول أغلبهم تلاميذنا ووصلوا بالخط يعني مرحلة.. مراحل متقدمة..

محمد كريشان [مقاطعاً]: يعني عفواً درسوا في المغرب ثم اتصلوا بكم أم درسوا لديكم؟

يوسف ذنون: لا، جاؤوا إلى بغداد في مهرجان 88، وأخذوا الأوَّليات، وأنا رحت للمغرب في 90، أقمنا مهرجان هناك، فطبعاً هذه الصلات وبعدين التواصل موجود، وبعدين ما فقط..يعني هذا المغرب، في تونس عندنا مثلاً الجيلان الغربي وصل إلى مستوى جداً عالي ومستوى الإجازة، ولكنه بدل أن يأخذ إجازة من عندي أخذ إجازة من خطاطين أتراك..

تلاحظ في الأردن عندنا مجموعة أيضاً كبيرة من الخطاطين، في اليمن الآن عندنا خطاط كبير في اليمن، في سوريا طبعاً موجود خطاطين مجموعة لا بأس بيها ومستواها جداً عالي، لكن يبقى العراق الآن هو صاحب المستوى الأعلى في الخط، عندنا مجموعة كبيرة من الشباب نهض الآن ويجيد الخط يعني بشكل معجز مثل مثلاً عباس البغدادي يعتبر خطاط عملاق على مستوى العالم الإسلامي، في تركيا لما شافوا هذه الحركة الموجودة بدؤوا يستعيدون موضعهم في هذا بأية طريقة، الدولة ساندت، يدرس الخط الآن في تركيا في 13 جامعة تحت مُسميَّات مختلفة، ولكن هناك عندهم جامعتين اعتبروا الخط فيها هو عنصر أساسي الزخرفة، وهي جامعة "معمار سينان" وجامعة "مرمرة" الآن بدأت حتى دراسات عليا عندهم..

محمد كريشان [مقاطعاً]: اختصاص!

يوسف ذنون: اختصاص في الزخرفة والخط، وبدأ صار عندهم الآن أعداد هائلة من المزخرفين، لكن الخطاط ما مثل المزخرف، الخطاط يحتاج إلى وقت كبير، ولهذا الآن الخطاطين اللي صار عندهم خطاطين كبار، لكن أعدادهم محدودة.

محمد كريشان: على ذكر الزخرفة والفن -أستاذ يوسف- يعني من بين الأشياء التي قمت بها أعددت تقريباً زخرفة وكتابة آيات قرآنية في أكثر من 180 مسجد أو 188 مسجد، ما علاقة الخط بالزخرفة، وبالجوانب الفنية، وأساساً في المعمار؟ هل الخطاط على الورق هو نفس الخطاط الذي يزخرف آيات قرآنية كريمة مثلاً في المساجد أو غيرها؟

يوسف ذنون: هي طبعاً القصة قديمة، يعني نحنا وجدنا أن الزخارف بدأت عند الإنسان بشكل.. يعني إحساس طبيعي، أراد يقلد الطبيعة، وعندنا الآن الفخار الذي هو من الألف السادس قبل الميلاد يعني قبل تسعة آلاف سنة بدأ بزخرفة بسيطة، بخطوط بسيطة، والزخرفة منتشرة في كل العالم، وكل العالم عنده زخرفة، لكن الزخرفة عند العرب والمسلمين تميزت بميزة لا يوجد أي شعب آخر يمتلك هذه الميزة، فعندنا الزخرفة الهندسية الذي تقدمت بشكل عجيب في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وأصبحت ميزة خاصة بالعالم الإسلامي، في مسار واحد معها الزخرفة التي الغرب يسميها (الأرابيسك)، يعني الزخرفة العربية نحنا نسميها النباتية، نسميها التوريق، نسميها النقش العربي، التوشيح والتذويق..كل منطقة في الوطن العربي أو العالم الإسلامي يسموها شكل.

فهذه الزخرفة حولت الزخرفة النباتية إلى زخرفة مجردة، خلقت عالم نباتي جديد، وكانت زخرفة عملاقة، هذه الزخرفة -طبعاً- بدت في مسارها الأول مع الخط العربي لأنه الخط العربي يتطور في مسار الخط الموزون -الخط الكوفي- ويتطور في مسار الخط المنسوب -الخط الثلث- ومشتقاته، في نفس الوقت الكوفي شاف نفسه كأنه متخلف عن هذا التطور في خط الثلث فحاول يستفيد من الزخرفة، فارتبط الخط بالزخرفة، فصارت الزخرفة عنصر أساسي، وخاصة في العماير رجع خط الثلث هم نفسه أخذ الزخرفة، أخذ الزخرفة كمهاد.

لكن بعدين نحنا عندنا الخطوط تطورت إلى القرن الماضي أو القرن الذي قبله، وبلغت مستوى جداً عالي من التقدم، يعني وصلوا إلى درجة الإعجاز، وجدوا أنه.. نحن ما بعد نحتاج إلى أنواع خط، أنواع الخط التي تتشكل هذه وظيفية، يعني مثلاً نحنا من القرن الماضي ظهر عندنا خط الرقعة، خط الرقعة هو خط للكتابة الاعتيادية، بس شاف الخطاطين به.. يعني شكل جديد، وضعوا له قواعد، فصار عندنا خط جديد هو خط الرقعة.

الآن يتساءلون كتير، زين يقولون بعد خط الرقعة ما اخترع خط، ليش ما اخترع عشرات الخطوط الذي هي مشتقة من الخطوط السابقة؟ بس لا ترقى إلى مستوى الخطوط السابقة فماذا عملوا؟ اتجهوا إلى اللوحة الخطية، وبدأ الإبداع المعجز في اللوحة الخطية، اللوحة الخطية تكتب بشكلين: الشكل الأول هي اللوحة الاعتيادية التي لها أبعاد مثلاً مستطيلة، أو مربعة، أو شريط، أو إلى آخر.. هذه في اللوحة الاعتيادية.. زين.

بالعمارة ظهر عندنا ما يسمى (الجلي)، الجلي هي الكتابة الكبيرة لهذه الكتابات، هذه اللوحات وين تحولت؟ تحولت إلى العمارة فصار الخطاط إما يستهدف عرض إمكانياته في الخط إما باللوحة الخطية، وإما في الكتابة على العماير، وكلاهما لوحات، هذا معرض دائمي، وهذا معرض مؤقت، ثم تختفي اللوحة لتعلو جدران البيوت الداخلية، وتبقى خاصة بمقتنيها، لكن الجوامع بصورة خاصة هي معارض دائمية ولكل الناس، وتعرض فعلاً تطور الخط والخطاط، فانتشر الخط بهذا الشكل، وأخذ هذه الجوانب، فالخط الآن فن اللوحة وفن العمارة.

محمد كريشان: لكن الزخرفة المحيطة به هل هي تعتبر جزء من مهمة الخطاط أم أنها شيء إضافي أو اختياري؟

يوسف ذنون: العفو، الخطاط لما انعمل اللوحة الخطية كان هناك نوع من القول يقول هو كأنه بنى أو رسم لوحة، بس هذه اللوحة كأنها لإنسان عارٍ، فمن هو يكمل الملابس ماله هذه، ويكمل شخصيته بشكل كامل؟ الزخرفة، فالزخرفة إذن أصبحت مكملة للخط، وما فقط كإطار، وإنما دخلت في الكوفي.. دخلت عنصر أساسي، الآن في اللوحة الخطية أيضاً دخلت عنصر أساسي، يعني كانت فقط مثلاً كسلاسل ذهبية مثلاً، أو أطر، أو مثلاً طرات، أو تيجان، أو شرفات أو غيرها من المصطلحات المعروفة في الزخرفة، لأ..

الآن أصبحت في صلب الخط نفسه، وأحياناً هناك نوع من الموازنة بين الخط والزخرفة لإيجاد لوحة جديدة مبهرة تخرج من إطار المحتوى الكلاسيكي الذي هو مثلاً كانت التكوينات الخطية دائرية مثلاً أو بيضاوية أو مثلاً على شكل كمثرى، لأ.. الآن خرجت إلى تكوينات كثيرة، وهذه التكوينات تأخذ أشكال مختلفة، وحتى فيها شيء من الحداثة في الخط الخارجي، أو الأمور الفنية التي تعتمد على عناصر معينة كالتغريب مثلاً، أو المركز البصري، أو العلاقات، أو مثلاً الإيقاعات، أو غيرها من الأشياء، فأصبحت اللوحة الخطية لوحة.

ولذلك الآن يكاد أن يسود مصطلح هناك خطاط وهناك خطاط فنان، الخطاط: هو الذي يجيد الخط بقواعده المعروفة، الفنان: هو الذي يجيد الخط، ولكنه يخرجه بشكل مبدع، ولهذا الزخرفة الآن كأنها ارتبطت الآن أيضاً بالخط، فالخط والزخرفة أصبحا وجهين لعملة واحدة.

محمد كريشان: السيد يوسف ذنون (الباحث والخطاط العربي الكبير)، والخبير العالمي في العمارة والفنون الإسلامية شكراً جزيلاً.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة