صلاح الدين الحسيني.. الشعر والثورة   
الخميس 1430/8/15 هـ - الموافق 6/8/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:28 (مكة المكرمة)، 12:28 (غرينتش)

- تأثير الوالد وخيار الشعر العامي
- عن النكبة والحنين إلى الدار والديار

- الالتحاق بفتح والعلاقة مع أبي عمار

- الشعر بين الثورة والحنين ومرارة الغربة

- غزة الجرح المفتوح وأمل العودة

تأثير الوالد وخيار الشعر العامي

سامي كليب
صلاح الدين الحسيني
سامي كليب:
مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج زيارة خاصة تنقلنا هذه المرة إلى القاهرة.

طل سلاحي من جراحي

يا ثورتنا طل سلاحي

من منا لم يسمع هذا النشيد الثوري العائد إلى سبعينيات القرن الماضي؟ كاتبه يعيش الآن هنا في شقة متواضعة في القاهرة بعد أن كان أضاء ليالي الثوار بكلماته الثورية الشهيرة، صلاح الدين الحسيني أبو الصادق في زيارة خاصة.

صلاح الدين الحسيني:

طل سلاحي من جراحي

يا ثورتنا طل سلاحي

ولا يمكن قوة في الدنيا

تنزع من إيدي سلاحي

طل سلاحي

دربي مر، دربك مر

ادعس فوق ضلوعي ومر

قديش هذا الشعب الثائر

قدم، ضحى، تيعيش حر

اللي بدمه يجود ما يهمه

ولو سال دمه وغطى الأرض

طول ما سلاح الثورة في إيدي

يبقى وجودي مفروض فرض

سامي كليب: حين وصلت لعند صلاح الدين الحسيني لم أفاجأ لا بتواضع الحال ولا بفقر المكان فالشاعر الذي أبدع أجمل الأناشيد الثورية للمقاومة الفلسطينية منذ أكثر من أربعين عاما يشبه قضيته الفلسطينية، تقدم به العمر وتراجعت مساحة الأرض التي كان يحلم بأن يعيش عليها فصارت حاله تراوح بين مرارة الخيبة تارة ووهج الانتفاضة والمقاومة تارة أخرى، ولعل هذا بالضبط ما يجعله مرة يغلق الباب على نفسه شبه وحيد في شقته القاهرية ومرة أخرى يقهر العزلة ويغالب الفقر حين ينظر إلى شبان غزة ولبنان يصمدون فينتصرون. أوليس الحلم بالنصر هو الذي دفعه لكتابة نشيد "طل سلاحي" في أواخر ستينيات القرن الماضي.

صلاح الدين الحسيني: سنة 1968 انطلقت من القاهرة إذاعة اسمها إذاعة العاصفة..

سامي كليب: إذاعة العاصفة إيه.

صلاح الدين الحسيني: وأنا كنت التحقت بقوات العاصفة أو الجناح العسكري، كان وقتها هايل عبد الحميد هون في القاهرة فقال لي بدنا للإذاعة بدنا أغاني أبو الصادق عشان الأناشيد، فبعدها أنا التحقت بالثورة كان والإذاعة نفسها إذاعة فتح كانت إذاعة العاصفة، صوت فتح صوت الثورة الفلسطينية، لكن بدأت أنا في أول نشيد قبل هذا "بسم الله باسم الفتح باسم الثورة الشعبية"

بعدين كتبت "طل سلاحي من جراحي يا ثورتنا" لأني أنا بأكتب رواسب الماضي يعني أنا بأكتب إشي من الماضي تبعي من إحساسي أنه بعد أنا بعد من الجرح اللي كنا نعانيه طل هذا السلاح لأني لم آت عشان أقاتل أنا ولا كنت مجبرا على القتال، لا، الجرح كان يقاتل فالسلاح طلع من الجرح، لولا هذا الجرح..

سامي كليب (مقاطعا): بس كيف طلعت معك؟ كنت سهران، كنت في البيت، كنت في مكان معين؟

صلاح الدين الحسيني: أقول لك، كنت في الأستوديو في أستوديو العاصفة..

سامي كليب: أيوه أستوديو الراديو الإذاعة إيه.

صلاح الدين الحسيني: وكان فؤاد ياسين هو مسؤول الإذاعة وكان وقتها أصدر أبو عمار قرارا بعدم إذاعة أي أغنية فيها كلمة فتح، خالص، لأنه صار عنا الكفاح الموحد الكفاح المسلح، فإجوا استفزوني اللي هم الرفاق اللي كانوا في الإذاعة قالوا لي أبو الصادق خلص بطلت تكتب بطلت كذا؟ فكان معي الملحن اسمه مهدي سردان حبسنا حالنا في الأستوديو وكان في بيانو وقعدنا نشتغل.

سامي كليب: وهيك طلعت الأغنية؟

صلاح الدين الحسيني: قعدنا أنا أكتب وهو يلحن، قعدنا حوالي أربع خمس ساعات لحد ما طلع منا اللحن هذا.

سامي كليب: حلو. طيب خلينا لنعد قليلا إلى البداية إلى بدايتك في غزة إلى الوالد والجد، فهمت أنهما أيضا كانا شاعرين.

صلاح الدين الحسيني: آه أنا بأتذكر كان أبوي صاحب نكتة كان عندهم قاضي طويل هيك

"القاضي وهبة شرف الدين أتى حكما للشرعية

أما فالاسم لحضرته شرف الأديان الوثنية

أما فالواو لها معنى وصف الحالات قياسية -اسمه وهبة-

والهاء لها معنى هبل والقاعدة عندي أصلية -كان طويلا-

والباء بلاء صب على من كان له صافي النية

ثم المربوطة تربطه في الحال بحمى نارية

جلس القاضي يوما ليرىأحوال الشعب بلا نية

جاءت للقاضي امرأة في أمر حقوق الزوجية

قالت للقاضي يا سيدنا فأجاب الدعوى مقضية"

سامي كليب: حلو.

صلاح الدين الحسيني: فأبي كان صاحب نكتة.

سامي كليب: يعني من يسمع هذه القضية للوالد -وفهمت أنه كتب بالعامية أيضا- يفهم البذور التي ولدت عندك كمان، كان في بينك وبينه شعر في البداية؟

صلاح الدين الحسيني: بيني وبين أبي؟

سامي كليب: إيه، يعني كنتما تتخاطبان بالشعر في لحظة معينة؟ كتب لك، كتبت له مثلا؟

صلاح الدين الحسيني: لا، والدي كان حافظ شعر لكل.. المتنبي والمعري وأبو تمام وأبو نواس أكثر واحد حافظ له شعره، يعني أنا بيقول لي يا بابا أنا حافظ أكثر من عشرة آلاف بيت شعر هلق، آه، بيقول لي أنا حافظ ومستعد أسمعهم. وكان الحقيقة سريع الحفظ، لو سمعها مرة اثنين ثلاثة يحفظها القصيدة.

سامي كليب: وحضرتك حفظت شعرا؟

صلاح الدين الحسيني: آه أنا بقى كنت..

سامي كليب: قرأت يعني شعرا؟

صلاح الدين الحسيني: آه كنت أقرأ شعرا كثيرا، حتى كنت..

سامي كليب (مقاطعا): لمن؟ أي نوع من الشعر؟

صلاح الدين الحسيني: حأقول لك، أنت بتستعجل. كنت أجيب دواوين لبنانية وفي زجال اسمه ميشيل طراد دورت عليه لحد ما شفته وقعدت أقرأ فيه يعني وقرأته، قرأت بيرم التونسي وقرأت زكريا الحجاوي، كل واحد يكتب شعرا كنت أكتب فيهم، أساتذة كلهم أعدهم أنا أساتذة هدول..

سامي كليب: ولكن اتجهت أكثر نحو الشعر العامي.

صلاح الدين الحسيني: أنا اتجهت نحو الشعر العامي علشان أقرب للقلب، يعني أنا لما كنت..

سامي كليب: أقرب للناس..

صلاح الدين الحسيني: لكل الطبقات مفهوم يعني زي ما قلت هديك اليوم بأقول لهم لما كنت ألقي في المخيم لما أسمع أم بتقول آه والله وأنا بألقي شعر كثير أنبسط لأني قدرت أوصل شيئا معينا لهذه الطبقة من الناس اللي هي الطبقة المناضلة بعفوية، يعني أم الشهيد مثلا هذه أنا بأعشقها يعني أنا بأعشق أم الشهيد لذلك كنت أحاول في المخيم، كانوا يقولوا عني مرات تحريضي ومرات كانوا يقولوا شاعر المخيم.


عن النكبة والحنين إلى الدار والديار

سامي كليب: عام 1935 ولد صلاح الدين الحسيني أبو الصادق، أصابه ما أصاب أهل فلسطين من نكبة وتشرد وتهجير، خسر بيته وأرضه فاخترع من الشعر وطنا. وجدته هنا في القاهرة عن طريق الصدفة وبفضل بعض الأصدقاء، قيل لي إنه يائس من كل شيء وإنه بعد أن عاد إلى غزة ليستقر فيها عاد وهجرها لأن حرية الثائر كادت تختنق من ظلم ذوي القربى. لا بأس فقد اعتاد على المنافي من بيروت إلى عمان إلى تونس فالقاهرة وكل المنافي لم تنسه صور الوطن الأم ولا صور النكبة التي صقلته شاعر الثورة ومنشد الثوار.

صلاح الدين الحسيني: أذكر من النكبة أكثر إشي الناس هي وجاي من يافا بالفلوكات، بالفلايك، و..

سامي كليب: السفن الصغيرة بالماء.

صلاح الدين الحسيني: آه اسمها فلوكة، ولأنهم ارتموا على الشط مساكين وبعدين كل الناس في ناس من غزة تحتضن الأسر هذه، إحنا كان عنا دنم ملحق في البيت فإحنا فجابوا خيمة ونصبوها عنا في البيت -هدول بأتذكرهم- وصاروا عايشين عنا وبعدين مع الأيام صار عندهم بيت أحسن من البيت عنا!

سامي كليب: غريب!

صلاح الدين الحسيني: أولادهم كانوا مكافحين ومناضلين يعني بيحبوا الحياة.

سامي كليب: طيب بالـ 48 لا شك أن الصور صعبة صور مؤلمة وهي التي بقيت في داخلك حتى فيما بعد يعني أثمرت قصائد جميلة قصائد مؤثرة قصائد صعبة، ولكن هل كتبت لنكبة 48 تحديدا أي قصيدة؟

صلاح الدين الحسيني: آه كنت أكتب أنا يعني 100% أنا كتبت بس مش متذكر إشي اللي كتبته، جايز أكون كتبت الحنين والشوق.

سامي كليب: لأني فهمت أنك بدأت الكتابة باكرا جدا.

صلاح الدين الحسيني: آه، آه، يعني زي قصيدة "يا دارنا ما حد من ريحة الأحباب مرق ودق الباب" بأتذكر عن يافا بأكتب هون، صحيح فعلا فعلا أنا كتبت.

سامي كليب: خلينا نسمعها "ما حد يا دارنا"، حافظها ولا لا؟

صلاح الدين الحسيني: آه طبعا أكيد بأكون حافظها

ما حد يا دارنا ما حد من ريحة الأحباب

مرق ودق الباب

ما حد نادى من الجيران

يا فلان يا ريس الحقنا ع المينا

ولا النسيم يا دار رجع أغانينا

ما حد

تأزيد عليك الهم

تأذكرك بعيون مكحلة بالهم

ما بسألك عن طفلة ع حفاف

الطريق مكوفلة بالليل

وختيار صابه العمى

كسروا عصاته وارتمى

بكيت لدمعه الأرض والليل والسما

ما بسألك عن بنت مختار البلد

اللي اشترت لأخوها وبحق الأساور والحلق

كمشة فشك

ما بسألك يا دار

وين حط الحمام لما انقصف غصن السلام؟

سامي كليب:

"ما بسألك عن يوم ما اهتز الجبل"

صلاح الدين الحسيني:

لما الجراد غرس إيديه في بسمة عيون السبم

أو يوم ما غربان الرمم

أجت تعشش في القيامة وفي الحرم

أو يوم ما عصابة الأمم

غرست يا دار سن القلم في قلب العلم

أو يوم ما الأسد انسعر

نبح ونعر بلدي بخبر

لما غيوم أيار لفت بشالات السواد وجه القمر

ما بسألك يا دار لكن بأقول يا دار

مشوارنا مشوار

من نار وبارود ممدود قدام هالثوار

ثوار يا دار تربى في عينيهم

مادد الإصرار

ومن زمان

من زمان تعودوا يا دار

على اللقم المغمسة بالنار

سامي كليب: نصف قرن عمر هذه القصيدة، كان عمر صلاح الدين الحسيني أبي الصادق 25 عاما حين أنبتها من جروحه والذكريات، ذكريات أرض نكبت وبيوت نهبت وأرزاق سلبت. وأما قصته مع الثورة الفلسطينية فلم يروها لنا إلا بعد أن زرنا معه شقيقه زين العابدين كاتب قصص الأطفال في القاهرة.

صلاح الدين الحسيني: أنا مش حأطول عندك لأنه في برنامج عندي في الحقيقة أني حبيت أقول قصيدة عندك من ذكرياتنا يعني، ما أعرفش أنهي بتحب؟

صلاح الدين الحسيني: آه "وكنا صغار" مثلا.

صلاح الدين الحسيني: آه "كنا صغار".

زين العابدين الحسيني:

"على وجهي على وجهك وحول العار

وفي تمي وفي تمك لقم من نار

وآه يمّه"

صلاح الدين الحسيني:

وآه يا مّه يا ثورتنا يا أم الكل

حضنتينا سقيتينا حليب الأرض

حقنت في عروق شعبي عواصف رعد

وفجرت بارود الشوق في ضلوعي

وعلمتيني كيف أنسج

عواصف نار من دموعي

زين الدين الحسيني: الله أكبر.

صلاح الدين الحسيني:

بصحرا الذل تهنا وانشنق صوتي

وقدام هنجر التموين أكلت وجهي

لعنت اسمي وعيني اتكسرت

سقطت على قدمي

ودورت يمّه على العالي لقيتني الفج

وتد فوق راسه نازلين دق

غريب فوق أرضي وكلاب الأثر يمّه تلاحقني

ولما انشق بطن الأرض وفتح برعم الثورة

إجيت لك يمّه

إجيت لك يمه قلت لك

لصدرك يمه ضميني

نسيت اسمي يا أم الكل سميني

ونقشت اسمي عالرشاش

فلسطيني

صلاح الدين الحسيني: والله أنت هذه الذكرى في هذا النشيد دائما بألاقي نفسي بأردد النشيد هذا سواء بالقراءة أو بالذاكرة.


الالتحاق بفتح والعلاقة مع أبي عمار

سامي كليب: شقيق صلاح الدين الحسيني مصاب بشلل نصفي ويحلم كما يحلم أبو الصادق بأن يعود يوما ما إلى فلسطين أو على الأقل أن يعود أولاده، وهو كان له الفضل الأول في أن يلج أبو الصادق طريق الثورة والشهرة كمنشد الثورة والثوار.

صلاح الدين الحسيني: في يوم من الأيام إجاني أخي زين العابدين وقال لي في ندوة في جامعة القاهرة كلية الهندسة..

سامي كليب (مقاطعا): كنت بدأت تنعرف يعني كشاعر ولا..

صلاح الدين الحسيني: لا، معروف ككاتب أغنية أنا معروف ككاتب أغنية في صوت فلسطين وفي صوت العرب كل أغاني الأغاني هذه، بس كانت طالعة في الأول يعني مش كانت إحساس كثير لبعض الأغاني، يعني أنا مثلا نجيب السراج غنى لي..

سامي كليب: صحيح، طيب.

صلاح الدين الحسيني: أخي بيقول لمنظم الحفلة خلي أبو الصادق يقول قصيدة، عامل قصيدة. قال له طيب بس مش محطوط في البرنامج هو، قال له بس أنت حطه..

سامي كليب: طلب أن يكون في لك قصيدة.

صلاح الدين الحسيني: وطلعت ألقيت القصيدة تبعة

ما عاد في بلادي شبل إلا وصار

والأرض ثورة وعاصفة من نار

إصرار يا شعب الفدا إصرار

بكير ندى الفجر نواطير

إلى آخره، حتى في نصف القصيدة قطعت الكهرباء، كان منتظر أني أقف، تصور أن صوتي طلع أعلى من صوت المايكروفون وأنا بأكملها القصيدة..

سامي كليب: اسم الله عليك بهالعمر وبعده صوتك عالي.

صلاح الدين الحسيني: وإيه؟ وأخذت وقتها من هون تصفيق وإداني التصفيق قوة ثانية أن أنفعل أكثر وألقيت القصيدة ووقفوا خمس دقائق يصفقون لي، ولم أشعر في حياتي إلا أن الدموع تنزل من عيني أني كيف قدرت أنا آخذ هذا النجاح، ومن هون بدأت، وقتها إجاني هايل عبد الحميد وبعث لي ناس قال بدنا إياك، عندك مانع تلتحق بفتح؟

سامي كليب: التحق صلاح الدين الحسيني أبو الصادق بفتح لتبدأ قصة حب ونضال وشعر وأناشيد وسلاح، وسرعان ما تعرف على الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي ولغريب الصدف كلفه بالإعلام العسكري ولم تكن لصلاح الدين الحسيني أي خبرة في هذا المجال.

صلاح الدين الحسيني: كان المسؤول الإعلامي العسكري أبو عمار نفسه، اللي هو اللي يكتب البلاغ يعني، الإعلام العسكري هو البلاغ العسكري اللي بيجي من المجموعة اللي جاية من غرب النهر إلى شرق النهر بعد ما تنفذ العملية بتدي تقريرا عن العملية..

سامي كليب: الوضع العسكري، إيه.

صلاح الدين الحسيني: وهيك ولذلك.. أنا مرة بأقول له لأبي عمار إيش اللي بتكتبه؟ قال لي البلاغ العسكري، بلاغ، تعال تعلم وخلصني من هالشغلة..

سامي كليب: وتعلمت؟

صلاح الدين الحسيني: وفعلا تعلمت أن أكتب البلاغ وقال لي هذا بالبلاغ مش بس بلاغ بده ذكاء وبده خبث بده مكر وبده استغلال الفرص..

سامي كليب: والعواطف.

صلاح الدين الحسيني: آه، مثلا لو صار حريق في مكان في إسرائيل في نفس الوقت اللي ضربنا فيه صواريخ يقول لك هذا إحنا اللي عملناه، على طول، أنا لما حتى صرت في الكفاح المسلح بعد ما كنت أنا ناطقا عسكريا باسم قوات العاصفة صرت ناطقا عسكريا باسم قوات الثورة الفلسطينية كلها بس هذا أنا بأعتزش فيه كثيرا هه، أنا بأعتز بنفسي كشاعر.

سامي كليب: في مرحلة المعركة الشهيرة في الأردن عام 1970، أيلول الأسود، القتال الذي حصل بين الفلسطينيين والجيش الأردني كنت تصحح بعض المواقع القتالية ومر عليك الرئيس الراحل ياسر عرفات أبو عمار، صحيح هالكلام؟

صلاح الدين الحسيني: صحيح والله، صحيح جدا.

سامي كليب: شو حصل؟

صلاح الدين الحسيني: لقاني قاعد ماسك المنظار المكبر وبأوجه واحد اسمه أشرف تبع الهاون 120 وبأقول له ع إيدك اليمين شوية، لقدام شوية لحد ما يصيب الهدف، بيتم إن شاء الله يضرب أربع خمس ست قذائف لحد ما يصيب الهدف وكان يصيب الهدف، إجا أبو عمار لقاني بأقول له ع إيدك الشمال شوية ع إيدك اليمين شوية، قال لي إيه ده إيه ده يا صلاح؟ إديني.. أيوه يا أشرف، الزاوية أبصر إيه على أبصر إيه، قال له اسمع إديني أبو الصادق، مش فاهم عليك!

سامي كليب: كنت بدأت تتعرف على أبي عمار عن قرب في تلك الفترة؟

صلاح الدين الحسيني: أنا تعرفت عليه أبو عمار لما أول ما رحت أبو ناصر حرب إلى إذاعة العاصفة، أنا هيك رحت..

سامي كليب: كيف كانت، خبرني هالذكرى حلوة أكيد.

صلاح الدين الحسيني: والله حلوة، كنت رحت في منطقة كان اسمها التجمع في الصلت هذه كنت آخذ مسجل نياغرا حوالي عشرين كيلو..

سامي كليب: آه هيدي اللي كانت الكبيرة اللي مع هيدي الريل اللي بترم برم..

صلاح الدين الحسيني: آه بكرات وبطاريات وأبصر إيش وحامله على كتفي وأمشي، من الموقف لما أنزل للتجمع حوالي ستة سبعة كيلو وأنتع هذه لحد ما أصل، قالوا لي هذا التجمع، دخلت ولا بالصدفة أبو عمار قاعد تحت التوتة، في كان توتة.. أو تينة.. "تحت التينة.. القطة والختيار.. قال للرائد خالد نفذ.." هلق تذكرت هذه، تينة. حاطين بيأكلوا..

سامي كليب: شوف غريب أنت اللي بيساعدك على الذكرى هو الشعر.

صلاح الدين الحسيني: آه، تحت التينة آه لأنه هذا إشي واقعي هذا عشته..

سامي كليب: طيب، وصل أبو عمار..

صلاح الدين الحسيني: لأنه من اللي تحت التينة هذا؟ وانحبست تحت التينة كمان حبست حالي، قال لي احبس حالك..

سامي كليب: من؟ أبو عمار؟

صلاح الدين الحسيني: آه، غلطت غلطة كده، قلت له أنا يا أبو عمار مش راضي عن حالي كذا كذا..

سامي كليب (مقاطعا): شو كانت الغلطة؟

صلاح الدين الحسيني: الغلطة أنه لما إجت أم الصادق كانت عروس جديد إجت على عمان رحت جبت مشروب وشربت..

سامي كليب: سكرت.

صلاح الدين الحسيني: مش سكرت، يعني شربت وكان هذا يعني..

سامي كليب: مبسوط بزوجتك.

صلاح الدين الحسيني: مبسوط بزوجتي ولسه.. أنا لما تزوجت أم الصادق قعدت أسبوعا معها وسافرت على الأردن. فقلت لأبي عمار والله أنا غلطت، قال لي إيه؟ قلت هيك كذا كذا، قال لي طيب وأنا مالي؟ أهه السجن موجود مفتوح الباب بتاعه، احبس نفسك شوف قد إيه وأنت حر..

سامي كليب: ورحت حبست نفسك؟

صلاح الدين الحسيني: حبست نفسي.

سامي كليب: غريب!

صلاح الدين الحسيني: حبست حالي.

[فاصل إعلاني]

سامي كليب: طيب خبرني على بداية التعرف، وصل أبو عمار.

صلاح الدين الحسيني: فجئت لقيته تحت التينة وهو وبعض المقاتلين يمكن كان أبو جهاد، كان أبو جهاد وهو وأبو صبري، واحد اسمه أبو صبري صيدم، وقاعدين بيأكلوا حاطين علب فاصولياء، والله بأتذكر..

سامي كليب: معلبات.

صلاح الدين الحسيني: معلبات وجنبه -بأتذكر- كيس بندورة وشوال بصل وحنفية، تفضل كل، من حضرتك؟ قلت له صالح الحسيني جاي من إذاعة العاصفة، قال لي تفضل اقعد، قعدنا، قال كل يا الله، وكيف ما أكلش أنا؟ مايعة الأكل نفسها، هو شاف لاحظ أبو عمار راح مدي لي بصلة قال لي ما اديتهاش لأي حد دي، ده إكرام الضيف..

سامي كليب (مقاطعا): كان صار بيعرفك شوي؟

صلاح الدين الحسيني: لا، ما بيعرفنيش خالص، أول مرة بحياتي بأشوفه.

سامي كليب: نهائيا.

صلاح الدين الحسيني: أبدا، أول مرة بس سامع..

سامي كليب: كان سامع عنك؟

صلاح الدين الحسيني: بس سامع أني بأكتب أنا، أني عملت "باسم الله و.." أعتقد يعني، أبو عمار ذاكرته قوية ما أقدرش أعرف حتى بيعرف ولا لا. فأنا والله هذا وبعدين أخذت حبة كمان حبة بندورة ورحت ماسك البندورة، قال لي اغسلها ما جنبك الحنفية، قلت له يا رجال فدائية، قال لي يعني فدائية يتسمموا يا صلاح!

سامي كليب: وبدأ..

صلاح الدين الحسيني: جاي تزاود علينا من أولها!

سامي كليب: وبدأت قصة صداقة.

صلاح الدين الحسيني: بدأت الصداقة، الصداقة أنه إيش أنه ثاني مرة لقيته بيكتب بلاغا فقال لي تعال تعال أعلمك تعال خلصني من الحكاية دي، وعلمني كيف أكتب البلاغ العسكري.

سامي كليب: وصرت ناطقا عسكريا.

صلاح الدين الحسيني: وكنت ناطقا عسكريا ودمرت دبابات إسرائيل كلياتها ما خليتلهمش ولا دبابة..

سامي كليب: بالخطابات؟

صلاح الدين الحسيني: بالكلام الفارغ، البلاغ العسكري إعطاب ست و.. نكون أعطبنا دبابة نقول إعطاب عدد من الدبابات نفرض خمس دبابات أربع دبابات، عبد الرزاق اليحيى كان مسؤول الكفاح المسلح وكنت أنا صرت الناطق باسمه فيقول لي تعال بدي أورجيك يا عم قديش أنت دمرت وقديش بقي دبابات عند إسرائيل، بدي أنا أورجيك قديش هذه.

سامي كليب: طيب اسمح لي بالسؤال، اسمح لي، أكبر كذبة إعلامية كتبتها حضرتك عن عملية إمتى كانت؟

صلاح الدين الحسيني: كانت لما مات ليفي أشكول..

سامي كليب: شو حكيت؟

صلاح الدين الحسيني: صرح ناطق عسكري، قامت قوات العاصفة بقصف.. يقول لك قامت قوات الثورة الفلسطينية بقصف مستوطنة ليفيا.. كان هذا..

سامي كليب: المهم.

صلاح الدين الحسيني: المهم، بالصواريخ. وكتبت بس فيها أنا يعني في ذكاء كان فيها كان في الخبث تبع أبو عمار اللي علمني إياه، والجدير بالذكر بأن في المنزل الذي.. ليفي أشكول موجود في هذه المنطقة، ثاني يوم مات لحاله موتة ربنا. مش تبعون الجبهة الشعبية كانوا يقولوا لي آه والله أبو صادق بتسرق عمليات الله أنت!


الشعر بين الثورة والحنين ومرارة الغربة

سامي كليب: طيب اختلفت مع الرئيس أبو عمار وسجنت نفسك بناء على طلبه لأنك شربت قليلا من الخمر بعد الزواج، الآن نحن نصور في القاهرة واليوم يوم جمعة وعم تسمع الأذان يصل إلينا إلى هنا، شو علاقتك بالدين اليوم؟

صلاح الدين الحسيني: أنا بطلت شرب خالص ولا نقطة بأشرب حتى السجائر بطلتها، لأنه الجسم.. عدا كانت مناسبة بس..

سامي كليب: وتمارس طقوس الدين؟

صلاح الدين الحسيني: طبعا، وأم الصادق كمان كلنا بيت ديني إحنا.

سامي كليب: بتعرف ليش بأسألك؟ لأنك كتبت واحدة من أجمل القصائد عن القدس عن الإسلام والمسيحية، عن يسوع وعن النبي.

صلاح الدين الحسيني: آه والله، آه والله.

سامي كليب: بتذكر شو كتبت؟

صلاح الدين الحسيني: "آه يا أمة محمد".

سامي كليب: تفضل قل لي إياها "آه يا أمة محمد" من أجمل القصائد.

صلاح الدين الحسيني: "آه يا أمة محمد" موجودة هذه مغناة خذ بالك، خليهم يدوا لك التسجيل..

سامي كليب: رح نسمعها بس بدنا نسمعها بصوتك الجميل كمان وإلقائك الحلو.

صلاح الدين الحسيني:

آه يا أمة محمد آه يا خير الأمم

آه يا أمة محمد آه يا قدس الحرم

آه يا أمة يسوع جرحي ما بين الضلوع

القيامة يا نشامى انطفت فيها الشموع

آه يا قدس العروبة والعرب

فجروا يا أهلي بركان الغضب

يا بلال أذن وكبر

يا بلال الله أكبر

يا بلال إن نسيوا ذكر أن أقصى المصرة ينزف

واللي ما يحميه بدمه موته أشرف

آه يا قدس العروبة والعرب

فجروا يا أهلي بركان العرب

سامي كليب: فجروا بركان الغضب.

صلاح الدين الحسيني:

آه يا أمة محمد

ثالث الحرمين مهدد يبقى هيكل ولا معبد

يا إلهي يا إلهي إنني بلغت فاشهد

إنني بلغت فاشهد

سامي كليب: والتاريخ يشهد أن صلاح الدين الحسيني الذي كنا في خلال هذا التصوير نحار أين نجلس معه أفي غرفة الاستقبال الضيقة أم في غرفة نومه الأضيق هو نفسه من كانت أناشيده تدخل إلى كل بيت، إلى كل بيت ثائر أو مقاوم، أوليس هو واضع نشيد العاصفة الشهير.

صلاح الدين الحسيني: كلفوني أكتب نشيدا علشان افتتاحية إذاعة العاصفة من القاهرة وكمان كلفوا غيري يعني عدة شعراء، أعجبتهم أغنيتي، أتى أبو هشام كان سعيد المزين..

سامي كليب: من سعيد المزين؟

صلاح الدين الحسيني: اللي عمل

"أنا يا أخي آمنت بالشعب المضيع والمكبل

فحملت رشاشي لتحمل بعدنا الأجيال منجل"

سامي كليب: أنت عم تحكي لنا من 25 سنة، في جيل جديد ما بيعرفهم، شايف.

صلاح الدين الحسيني: آه وشاعر كتب أغاني للثورة يعني.

سامي كليب: وكيف كتبتها؟ كيف الظروف؟ وين كتبتها في أي مكان؟

صلاح الدين الحسيني: حطيت كل ما أملك من جهد، باسم الله وباسم الفتح وباسم.. ما هو قال لي إياها هذا سعيد المزين..

سامي كليب: وباسم الثورة الشعبية..

صلاح الدين الحسيني: بيقول لي أنت ما خلتش، آه باسم الدم وباسم الجرح اللي بينزف وباسمك باسمك يا فلسطين. يعني فتح وفلسطين والله وحط وكذا.. كل حاجة حطيتها في النشيد هذا ولذلك نجح..

سامي كليب: من سمعها أول واحد؟

صلاح الدين الحسيني: ولحنها عبد العظيم محمد اللي هو من ملحني مصر الكبار يعني هم أنا عمل معي اثنان مصريان ممتازان جدا، هو وعلي إسماعيل.

سامي كليب: طيب حين كنت تكتب نشيدا ويتم تبنيه للثورة عمليا للعاصفة لفتح، من كان يقر أن هذا النشيد سيكون لذلك؟ أبو عمار، أبو جهاد، أبو إياد، كانوا يسمعون ذلك قبل أن يبدأ النشيد؟

صلاح الدين الحسيني: لا، لا.

سامي كليب: كيف كانت تتم العملية؟

صلاح الدين الحسيني: كل واحد له شغله، أنا هذا شغلي خلص آمنوا بهذا، بس فؤاد ياسين كان المسؤول الإذاعي المدير الإذاعي كان يقول لي يدي لي انتقادات، يعني أنا بأتذكر -هو إذاعي درجة أولى إعلامي درجة أولى- يعني أنا بأتذكر جد في مرة في لي صديق كاتب أغنية اسمها "فلتسقط المؤامرة ولتقطع اليد المتاجرة" فقال له لا، استنى تعال بدي أنا أشيل نقطة "فلنسقط المؤامرة ولنقطع اليد المتاجرة"..

سامي كليب: حلو، ركبت أكثر طبعا.

صلاح الدين الحسيني: ركبت أكثر، قال له اتكالية كثيرا هديك يعني.

سامي كليب: ماذا يقول نشيد "باسم الله"؟

صلاح الدين الحسيني:

باسم الله باسم الفتح باسم الثورة الشعبية

باسم الدم باسم الجرح اللي بينزف حرية

باسمك باسمك يا فلسطين أعلناها للملايين

عاصفة

عاصفة

الله أكبر اعصفي

دمريهم انسفيهم فجري

واعلنيها ثورة حرة

سامي كليب: وفي خلال تصوير هذه الحلقة كانت عيون أبي الصادق تلمع كلما قرأ لنا قصيدة أو نشيدا ثم تذبل كلما تذكر مأساة من التاريخ أو من واقع الحال، وكأن به لم يعد يجد أفضل من نهر النيل يبوح له بما اختزل من هم الغربة.

صلاح الدين الحسيني:

ظلال الغربة في عيونك

وفي رموشك بحيرة نور مزروعة بأحلى زهور

وقلبك يا غريب بستان من الجنة

بكي لما هناك العندليب غنى

وفي موال من زنبق بيشرب

من جذور الشمس وبيشرق

وشلال حزن دموع تعوم مع التيار

وفي بر الأمان تغرق

جنايني: عمي أنا أقول لك قصيدة حلوة.

صلاح الدين الحسيني: طيب تفضل يا الله سمعني.

جنايني: أسمعك؟

صلاح الدين الحسيني: آه.

جنايني: تقول

زرعت فدان رفض ما تمرة نباتة فيه

كتر على صاحبك الأسية

يظهر لك جميع ما فيه

صلاح الدين الحسيني: يا سلام! ما أنت بستاني بقى، الواقع بتاعك اللي هنا وأنا حأسمعك حاجة من بتوعي آه؟

جنايني: ماشي يا حاج ماشي.

صلاح الدين الحسيني: السلام عليكم.

جنايني: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته بالسلامة يا حاج، مع السلامة.


غزة الجرح المفتوح وأمل العودة

سامي كليب: القهر يلاقي القهر فتنتصف الطريق بين فقر حال وغنى تاريخ، والتاريخ يكرر نفسه والمآسي تكرر نفسها وغزة التي قاتلت المحتل قبل عقود طويلة هي نفسها تقاتله اليوم. وهذا هو صلاح الدين الحسيني أبو الصادق يستعيد من التاريخ قصيدته الشهيرة حول غزة والتي تشاء الصدف أن تنطبق بحرفيتها على الواقع، وهل في جرح اليوم ما يختلف عن جرح الأمس سوى بقدرة المحتل على تصعيد جوره!

صلاح الدين الحسيني: في فلسطين كنت أنا مسؤول مجموعة خلية في غزة في حارة من الحارات الإنسان يتصدى لحد ما إجوا الدبابات هدول شردنا، لقينا دبابات كثيرة قلنا، مش متعود أنا أشوف هالدبابات وكنا أربعة خمسة معنا سيمونوف!

سامي كليب: ووضعت أغنية لغزة رائعة في الواقع حتى تنطبق عليها اليوم بما يحصل فيها اليوم.

صلاح الدين الحسيني: مظبوط، مظبوط.

سامي كليب: شو بتذكر منها؟

صلاح الدين الحسيني: غزة آه يا حبيبتي يا غزة

غزة يا غزتنا يا مكوفلة بالنار

يا سواعد الإصرار في صبرة في حد الدرج

فوق السوافي في تلة المنطاد غزة

غزة يا رعشة حب تنبض في عرق الشعب

اللي انطلق يزرع حواكيره بارود

يسقيها بالدم والعرق

غزة يا غزتنا يا زهرة دم

يا زهرة دم بتنسم حمام طاير

في منقاره رصاصة سبلة غنيوة

غزة يا غزتنا يا مبشومة كماين

في حارة الزيتون في التفاح في السجعية

في عسقولة في تل السكن وفي الفواخير

وفي كل شبر مزروعة بالنواطير

غزة يا غزتنا يا مرشومة كماين

سامي كليب:

في حارة الزيتون في التفاح في السجعية

في عسقولة في تل السكب..

صلاح الدين الحسيني:

وفي الفواخير في كل شبر مزروعة بالنواطير

الثورة يا غزة الثورة يا غزة

سامي كليب: الثورة يا غزة

صلاح الدين الحسيني:

غزة في عجز الطوق فدائية

وبنادق الثوار بتفتح الرية

غزة يا زخة نار يا عبوة في كل دار

اتفجري اتفجري وإحنا معك

من أول المشوار ولآخر المشوار

سامي كليب: 1969 عمر هذه القصيدة، اليوم حين تنظر إلى غزة صلاح الدين الحسيني أبو الصادق كاتب الأشعار الأولى للثورة، هل تكتب مجددا لغزة؟

صلاح الدين الحسيني: نعم.

سامي كليب: هل تشعر بما كنت تشعر به عام 1969 حيال غزة؟ كتبت شيئا جديدا لغزة بعد أن قاومت المحتل؟

صلاح الدين الحسيني: لا.

سامي كليب: شو السبب؟

صلاح الدين الحسيني: ما كتبتش. ما في إشي بدك تقدر تكتبه بيتناسب مع اللي صار مع أهلنا في غزة حاليا، أنا لما شفت الأطفال اللي بينقتلوا في غزة و.. أنا ما كنتش أقدر أشوف التلفزيون، أنا كثير كثير دمعتي قريبة، أنا الولد الصغير اللي أصيب بالعمى هذا ما قدرتش أكمل أشوف. يجتمع معي لمدة معنية مختزن هذا الإشي لحد ما تطلع القصيدة حتى تيجي..

سامي كليب: الغريبة أنك كنت تقول في السابق إنه أنا يطلع شعري من الألم من الحنين ولكن..

صلاح الدين الحسيني: من جرح..

سامي كليب: من جرحي ولكن أيضا من الأمل يعني ومن التفاؤل بمستقبل أفضل لا شك، كتبت من أربعين سنة والآن عاجز عن الكتابة عن نفس المدينة ونفس العذاب يعني كان في اجتياح وهذا اجتياح آخر لغزة..

صلاح الدين الحسيني: أنت عندك تفسير لهذا؟

سامي كليب: ما بعرف، أنا عم بأسألك، مش عارف.

صلاح الدين الحسيني:

قديش هذه الطريق الوعرة وعرة ومشيناها ليش؟

ادعس يا ثائر ع العظم ع الشوك

وقت إيش كان الطريق مفروش أزهار؟

من لما كنا صغار مشينا على وحل العطش

كان الشرش يرضع من عيون الأرض دم وعرق ومرار

واللقمة كانت ترتعش ومغمسة بالنار

وصغارنا ما كانوا زي الصغار

ما كان في إيديهم لعب

ولا كان حتى لأواعيهم يا ثائر لون

ولا كان لها زرار

ومع هيك قدحت عيون كل الشعب إصرار

والصوت علي أنا ما إلي لا اسم لا عنوان

لا دار ولا جار

لا هدمة تستر أختي

حتى كندرة ما كان إلي

بس كان إلي في البقجة اللي تركها إلى أبوي ثار

كان فيها كوشان الأرض والدار

وصورة له بالحطة والقمباز

وجنبه العروسة إمي في ثوب الفرح

ضحكتها بدها لحالها برواز

وكان في في البقجة بارودة مصدية وصرة فشك خربان

عشرين سنة ثلاثين سنة والبقجة تحت المصطبة

وفي يوم البقجة صارت بقجتين يابا

ودفنت أمي زي ما وصت

تحت دالية في كرم العنب جنبك

ورحلت وإجيت هنا ودورت

ولقيت زيك ناس

لابسين يابا الكاكه والحطة

في إيديهم كلاشينات

لهم كنادر نعلها كوشوك

ساكتين، بالعين يابا بس بيحكوا

وشربت معهم شاي ولبست

يومها حضنّي الملازم رعد

وعلى مصنع الأبطال قوطرني

وفي ليلة يابا بعد ما صليت

أنا والرفق يابا النهر عديت

ومن يومها وأنا كل يومين أقصد

وقدامي مجموعة رعد

وإجيت يابا في يوم وزرت كرم العنب

ولقيته يابا بور ولقيته يابا من غير سور

مهجور مأسور

هديته يابا ع اللي كانوا فيه

قلبي قسي يابا

هديته ما نزلت لي دمعة

بس ترحمت ع اللي بناه وقلت

سامحني يابا

سامحني يا بنا

وإجيت جنب الدالية وقريت يابا الفاتحة

لإمي وإلك وللبيت

ورشيت كل المي اللي معي في الزمزمية

وبست الأرض ورجعت

يومها انقتل يابا الملازم رعد

سامي كليب: المؤسف والمؤلم في قصة صلاح الديني الحسيني أبي الصادق شاعر الثورة أن تاريخه يضيع فلا دواوين في المكتبات العربية وما بقي من قصائده إنما باق في قلبه وبعض الوريقات الصفراء عنده وبعض الأشرطة العتيقة وبينها قصائد كتبها لمسلسل عز الدين القسام.

صلاح الدين الحسيني: اللي خلف القسام أبو إبراهيم.

سامي كليب: إيه شو كتبت له؟

صلاح الدين الحسيني: هذه..

سامي كليب: دمه عربي وقلبه فلسطيني.

صلاح الدين الحسيني: وقلبه فلسطيني.

سامي كليب: كتب أبو الصادق أناشيد كثيرة وكتب الأغاني الثورية ومسرحيات ومسلسلات كلها لفلسطين وغنى له كثيرون وبينهم خصوصا فرقة العاشقين الشهيرة، ولكن لم يبق من كل ذلك إلا أوراقا صفراء قليلة تؤرخ لتاريخ ثائر ومشرف، وأدوية كثيرة تفترش المكان الضيق وأملا بالعودة يوما ما إلى فلسطين.

صلاح الدين الحسيني: شوف، في يوم من الأيام لازم تتحرر فلسطين، خليها، أنا عندي إيمان. بس مش.. مش على.. مش حأشوف هذا اليوم أنا، أنا متأكد أني أنا مش حأشوفه، وكمان أقول لك شيئا؟ أولادي مش حيشوفوه، أولاد أولادي ممكن يشوفوه.

سامي كليب: بعد كل هالمسيرة الآن ماذا تفعل وكيف تعيش؟ يعني أنا جئت لعندك في شقة متواضعة جدا في القاهرة، بالكاد وجدنا مكانا للتصوير، شفت أن تراثك مشتت في أماكن عديدة، غير مجموع في مكان واحد، لو إنسان أحب أن يعرف عنك أكثر يعني في الواقع يجب أن يبذل جهدا كبيرا، طيب شو بتعمل اليوم؟ كيف تعيش؟

صلاح الدين الحسيني: بأعيش بكرامتي وعنفواني في شعري وبعدين عندي ولد وبنت زي القمر وعندي زوجة عظيمة وقفت معي في كل المحن وساعدتني في أن أتخطى أزمات، لكن من قال لك إني ما بأكتبتش؟ أنا بأكتب.

سامي كليب: فين؟

صلاح الدين الحسيني: أنا بأكتب.

سامي كليب: يكتب صلاح الدين الحسيني أبو الصادق ويصمت، ينكفئ ثم يكتب، يحزن كثيرا أو يفرح قليلا فيكتب وتصبح أوراقه الصفراء حروفا من ذهب حتى ولو قل الثائرون.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة