البوشيدو.. روح اليابان لإينازو نيتوبي   
الاثنين 1431/8/21 هـ - الموافق 2/8/2010 م (آخر تحديث) الساعة 15:22 (مكة المكرمة)، 12:22 (غرينتش)

- أعمدة الحكمة اليابانية
- مداخل لفهم الهوية التراثية لليابانيين

أعمدة الحكمة اليابانية

مصطفى اللباد
مصطفى اللباد:
الكتاب الذي بين أيدينا "البوشيدو.. روح اليابان" لمؤلفه إينازو نيتوبي هو كتاب قيم هام ويرجع تفرد الكتاب إلى عوامل ثلاث، العامل الأول هو تميز الكاتب وتفرد سيرة حياته -إينازو نيتوبي- والعامل الثاني هو الموضوع الذي يتصدى له الكتاب والعامل الثالث هو السياق الذي يؤطر العاملين الأولين. لذلك هذا الكتاب الذي تمت كتابه لأول مرة عام 1899 وترجم إلى لغات متعددة وطبع عشرات المرات لم يحظ بترجمة عربية وافية إلا هذه النسخة التي ترجمها الأستاذ كامل يوسف حسين. الكتاب يشرح طرائق الفارس المحارب، بمعنى أن الترجمة الحرفية لكلمة البوشيدو مكونة من ثلاثة مقاطع بو، شي، دو، أي طرائق الفارس المحارب، والكتاب يشرح السلوك الأخلاقي للمحاربين النبلاء في اليابان والذي حكم تقاليد اليابان لعدة قرون، الكتاب لا يتعرض فقط إلى تقاليد طبقة بعينها هي النبلاء المحاربين ولكنه ترك آثارا على السلوك العام لليابانيين عموما وللآسيويين بشكل عام. ينقسم الكتاب إلى 15 فصلا، يتناول الفصل الأول شرح ما هي البوشيدو، والبوشيدو ليست قانونا مكتوبا ولكنها في أحسن الأحوال تقاليد نقلت شفاهة عبر الأجيال وعبر القرون ولكن حجيتها لا تقل في أهميتها عن القانون المكتوب. هذا الكتاب يشرح لماذا يتفرد اليابانيون بسلوك ما زال قائما إلى يومنا هذا، يجمع بين اللياقة والتهذيب، يجمع بين الالتزام بقيم الفرسان من حيث الشجاعة والشرف وهناك العدل والرحمة والتعاطف أيضا. ومؤلف الكتاب قضى 18 عاما خارج موطنه، إينازو نيتوبي واحدا من أهم المفكرين اليابانيين، ولد عام 1862 وتوفي عام 1933 قضى 18 عاما خارج بلاده في ألمانيا وفي أميركا وآسيا وجنوب شرق آسيا بالتحديد وعاد إلى وطنه ليؤلف هذا الكتاب الفريد الذي يعد إلى جانب كتاب "الساموراي" لمؤلفه مونسيتو وكتاب "الحلقات الخمس" لمؤلفه ياماموتو هذه الكتب الثلاث شكلت الأعمدة الأساسية لتقاليد وثقافة الساموراي والشرق الأقصى القديم أي اليابان. الفصل الثاني في الكتاب يتعرض إلى مصادر البوشيدو، والبوشيدو باعتبارها القانون والنسق الأخلاقي للمجتمع الياباني بشكل عام وهذه الطبقة بشكل خاص، يستند إلى عناصر أربعة، العنصر الأول هو تقاليد البوذية وفي البوذية نلحظ  هذه الاستكانة والخضوع الهادئ لمقتضيات القدر، أما في الزن وهي تقاليد تقوم على التأمل في أقانيم الفكر وصولا إلى ما هو أبعد منا للصورة اللفظية للكلمة، العمود الثالث وهو عمود الكونفوشية وهذا العمود ينقسم إلى خمس علاقات تتفاعل مع بعضها البعض هذه العلاقات هي علاقة الأب والأبن علاقة الزوج والزوجة الأخ الأصغر والأخ الأكبر والصديق بالصديق ولكن أيضا التابع والمتبوع أو الحاكم والمحكوم وهذه الجدليات الخمس التي ترسمها الكونفوشية تتألق وتتمظهر في سلوك الآسيويين بشكل عام وكلها داخلة أيضا في البوشيدو، والعمود الرابع والهام والذي يميز اليابان هو تقاليد الشينتو، والشينتو ليست مجرد فلسفة أو مجرد دين يدين به اليابانيون ولكنها مجموعة من القيم والأنساق الأخلاقية التي تنظر في الروح الإنسانية باعتبارها انعكاسا لروح الخالق وأن روح الخالق تتبدى في قلب الإنسان إذا كان نقيا أو طاهرا وبالتالي حتى يلاحظ المرء في نظرات الشنتاوية أنها لا تحتوي على أشياء ومظاهر وأدوات للعبادة ولكن تحتوي على مرآة، الجزء الأساسي في مزار الشينتو هو مرآة لأنها سوف تعكس إذا كان قلب الإنسان صادقا وطاهرا سوف تعكس وجه المعبود. لذلك هذه الثقافات والفلسفات والأديان تشكل الأعمدة الأساسية للبوشيدو الذي للأسف ليس معروفا في وطننا العربي للمشاهد وللقارئ لا كنظرية معرفية ولا كنسق أخلاقي ولا حتى رؤية تتجلى فيها مظاهر السلوك في المواقف المختلفة، هنا أيضا أهمية إضافية للكتاب.

مداخل لفهم الهوية التراثية لليابانيين

مصطفى اللباد: البوشيدو تختلف عن تقاليد الفرسان في أوروبا هناك فرق كبير بين اليابان وأوروبا من حيث التطور التاريخي لأنه في أوروبا عندما انتهت تقاليد الإقطاع والفروسية في أوروبا كانت دائما مرتبطة بالإقطاع. عندما انتهت تقاليد الإقطاع كانت هناك الكنيسة التي احتضنت طبقة الفرسان فظلت طبقة الفرسان الأوروبية حاضرة وقائمة أما في اليابان وبعد انتهاء مرحلة الإقطاع فلم يكن هناك دين في اليابان يسمو فوق الاعتبارات والأركان الأربعة التي ذكرتها والتي تشكل أعمدة البوشيدو فأصبحت البوشيدو يتيمة بعد انتهاء الإقطاع في اليابان ولذلك لم تعد البوشيدو قائمة بشكلها الذي كان قبل مئات السنين ولكن وهج البوشيدو ما زال قائما حتى اليوم في اليابان. الفروسية في اليابان لها شعار وشعار معروف وهو  شجرة الكرز، وظهرت شجرة الكرز أو ما يطلق عليه باليابانية الساكورة ترمز إلى أشياء كثيرة هي أولا رائعة وفائقة الجمال، متجذرة في تربة اليابان ولكن حياتها قصيرة ربما لا تستمر أكثر من أسابيع معدودة من شهر أبريل/ نيسان كل عام، والفروسية اليابانية أو البوشيدو تتفق تماما مع رمزها وهو شجرة الساكورة، شجرة الكرز، من حيث ألقها وتفردها وإن كانت لا تأخذ شكلا حسيا مثل هذه الزهرة المتفردة إلا أن عبقها ما زال حاضرا في ثقافة اليابان. بالطبع هناك تقاليد وأعراف اندثرت واختفت ولكن نلحظ في الشخصية اليابانية والآسيوية عموما الآن هذا القدر من اللطف والتهذيب، ونيتوبي يقول يختصر هذا اللطف والتهذيب بقوله مثلا  إن قمة التهذيب واللياقة أن تضبط إيقاع أعصابك بحيث أنك تستطيع أن تجلس هادئا ولا يستطيع أي وغد مهما بلغت به الوقاحة والجرأة أن يقتحم عليك هدوءك وأن يثير حفيظتك، كيف تستطيع أن تفعل ذلك دون أن تقول أي شيء، أن تحتفظ بهذا الهدوء وأن تجلس ساكنا وتمنع الآخرين في الوقت نفسه من التعدي عليك. طبعا هناك أيضا قيم الشرف والبسالة والشجاعة والتضحية. في قانون البوشيدو  الموت يصبح في أحيان كثيرة واجبا، وبالتالي من الواجب الدخول في غمار الموت إذا كان هذا ما يقتضيه الحال والحفاظ على الحياة إذا ما كان ذلك يقتضيه الحال أيضا ولذلك البوشيدو تعتقد أنه يستطيع أي ريفي بسيط في العالم أن يخوض معمعة وغمار القتال وأن يفنى في سبيل ذلك ولكن الحياة ربما تكون في مواقف كثيرة أثمن من إفناء الذات في سبيلها ولذلك هذه المواءمة بين الشجاعة وبين الاحتفاظ بالحياة. بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ربما نقول إن تقاليد البوشيدو قد اضمحلت في اليابان وإن كانت قد تلاشت مع انتهاء الاقطاع إلا أن اليابانيين لا زالوا يحتفظون بهذه التقاليد ويعتقدون أن ربما تكون الظروف التي تشكلت فيها تقاليد الساموراي قد اضمحلت إلا أن النسق الأخلاقي الذي حكم تقاليد الساموراي يجب أن يظل قائما لأن هذا الذي يحفظ الهوية التراثية والجمعية لليابانيين. أعتقد أن على قراء العربية الاطلاع على هذا الكتاب الهام ليس فقط لأن اليابان دولة كبيرة وهامة وليس فقط لأن اليابان بلد حضارة عظيمة ولكن أيضا لكيفية فهم الآخر، الآخر ليس فقط المختلف شكلا، ولكن هناك عوامل كثيرة تؤثر على طريقة نظرتنا للآخر وعلى الصيرورة التي تحكم سلوكه وهويته، وقراءة البوشيدو تسبر يعني تلقي نظرة تسبر أغوار هذا المجتمع الذي ظل مغلقا على الفهم وإن ظلت منتجاته التقنية والصناعية في متناول أيدينا في الوطن العربي إلا أن العقل الذي صاغ  هذه الأدوات وهذه المنتجات ما زال مختفيا عن أنظار القارئ العربي، هذا الكتاب يكشف ويحلل ويشرح القيم الأساسية التي تتحكم في سلوك هذا الفرد وهذا العقل وبالتالي نستطيع أن نفهم اليابان وحضارة الشرق بشكل أفضل.

البوشيدو.. روح اليابان

تأليف: إينازو نيتوبي

الناشر: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث

فهرس الكتاب

الفصل الأول: البوشيدو باعتباره نسقا أخلاقيا

الفصل الثاني: مصادر البوشيدو

الفصل الثالث: الاستقامة أو العدل

الفصل الرابع: الشجاعة روح الجسارة والتحمل

الفصل الخامس: الرحمة والتعاطف

الفصل السادس: اللطف والتهذيب

الفصل السابع: الصدق والإخلاص

الفصل الثامن: الشرف

الفصل التاسع: واجب الولاء

الفصل العاشر: تعليم الساموراي وتدريبه

الفصل الحادي عشر: ضبط النفس

الفصل الثاني عشر: الانتحار والثأر

الفصل الثالث عشر: السيف روح الساموراي

الفصل الرابع عشر: تدريب المرأة ومكانتها

الفصل الخامس عشر: تأثير البوشيدو

الفصل السادس عشر: هل لا يزال البوشيدو على قيد الحياة؟

الفصل السابع عشر والأخير: مستقبل البوشيدو

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة