حسونة المصباحي والرواية التونسية   
الاثنين 26/1/1426 هـ - الموافق 7/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 11:00 (مكة المكرمة)، 8:00 (غرينتش)

- المصباحي بين ريف القيروان وفتنة بنزرت
- وداعا روزالي وتجربة الاغتراب في ألمانيا

- فن الرواية بين المشرق والمغرب

المصباحي بين ريف القيروان وفتنة بنزرت

[تعليق صوتي]

بعد نحو عشرين عاما في بلاد الاغتراب وتحديدا في ألمانيا يعود الروائي والقاص التونسي حسونة المصباحي إلى بلاده طائرا وحيدا ملَّ التحليق المنفرد فوق موانئ الآخرين، غير أن المصباحي لم يعد إلى مسقط رأسه القيروان بل إلى بنزرت المدينة الفاتنة التي تنام على كتف الغابة تجاور البحر ومنه تطل على الآخر الأوروبي.

حسونة المصباحي: عرفت بنزرت وأنا في العشرين من عمري وأحببتها منذ البداية لأنها مع مرور السنوات يعني جعلتني أكتشف عالم البحر وأكتشف عالم آخر غير عالم الريف الذي عشت فيه وتحضر مدينة بنزرت في روايات الآخرون وفي العديد من القصص الأخرى التي كتبتها لأنها كانت فضاء فعلا حيوي، كانت فضاءً حيويا بالنسبة لي أدبيا لأنها مدينة مذهلة وجميلة وفاتنة وعندما عدت أتذكر أني مثلا في نصوص في كتابتي في نصوص أقول أنه عندما تعتم أو تظلم الدنيا في ألمانيا أو في ميونيخ التي عشت فيها أتذكر بحر بنزرت أو بحر أصيلة فتشرق سماء ميونيخ.

[تعليق صوتي]

"
حكاية جنون ابنة عمي هنية مجموعة قصصية أشهرته في أوساط الثقافة وعليها منح الجائزة الأولى للقصة في تونس
"
        تقرير مسجل

حكاية جنون ابنة عمي هنية كانت بدايته في أواسط الثمانينيات، المجموعة القصصية أطلقته في الأوساط الثقافية التونسية وعليها مُنِح الجائزة الأولى للقصة في تونس بعدها كتب السلحفاة وليلة الغرباء راويا سيرة الوجع والاقتلاع من عالم البداوة إلى المدينة وإغواءاتها وما يرافق ذلك من تمزقات.

حسونة المصباحي: هو في الحقيقة أقدر أن أقول أن الريف غرب القيروان التي تبدأ من قرية العلا باتجاه مرتفعات الشمال الغربي باتجاه الكاف ومكفر هي شكلت موطني الروحي وعندما وُلِدت كان هناك عالم يموت وعالم يولد، لم تكن هناك حياة عصرية لا ماء ولا كهرباء ولا سيارات، لم نكن نعرف إلا الحكايات في الليل والسير على الأقدام أو على ظهور الأحمرة ثم فجأة قدمت حياة جديدة بُنِيَت مدرسة فتشكلت حياة جديدة تماما، دخل الكتاب دخلت المعرفة وبدأنا نفهم أن هناك عالم آخر ما وراء الجبال التي كانت تحيط بنا من كل جانب فإذاً عندما بدأت أكتب قلت أروي حكاية الذين سيذهبون أولئك الذين لم يكتبوا تاريخهم أو لم يكن باستطاعتهم أن يكتبوا تاريخهم، البدو الرحل الجائعون المعذبون في الأرض أولئك الذين سوف ينقرضون لكي نأتي نحن محلهم وآنذاك أردت أن أكتب تاريخ هؤلاء فكانت مجموعتي الأولى حكاية جنون ابنة عمي هنية التي كتبتها بأسماء الأشخاص الذين عاشرتهم كبدو وأستطيع أن أقول أن هذه المجموعة شكَّلت المحور الأساسي في كل ما أبدعته فيما بعد لماذا؟ لأنها هي قالت لي تلك المجموعة يجب أن تكتب عمَّا تعرف.

[تعليق صوتي]

يكتب ما يعرفه يكتب حياته واحتمالاتها وعلاقاته وعثراتها متخففا من أثقال الماضي ومما عالق بثيابه من غبار الآخرين متأملا مصائر أبطاله المعذبين ذاهبا إلى الحدود القصوى من الألم والتمزق والبحث عن خلاص مستحيل وهو ما أوصله إلى رواية نوارة الدفلا متحدثا هذه المرة عن المرأة راويا عنها بلغتها وهواجسها.

حسونة المصباحي: في هذه الرواية متوسطات الثقافة مغتربات والهمّ السياسي ليس موجودا أو الهمّ الثقافي ليس موجودا مثلما هو الحال في رواياتي السابقة، الهمّ الأساسي هو يعني كيف يندمجن أو كيف يواجهن العيش في الغرب الصعب خصوصا عندما يذهبن إلى الغرب واهمات أن هناك الغرب يعني الجميل والحرية المطلقة، فهذه المرأة مثلا تذهب تتزوج من مهاجر تونسي وتذهب معه فتكتشف أن هذا المهاجر التونسي يعيدها إلى القرون الوسطى يعاملها معاملة عبدات أو آمات القرون الوسطى وينسى أنه قادم من المجتمع التونسي الذي يعطي حريات كاملة للمرأة إلى غير ذلك، كانت رواية صعبة بالفعل وقد أعدت كتابة الفصول الأولى منها عدة مرات لكي أشعر أنني بحق أنثى تتكلم أنثى وتعبر عن معاناتها إلى غير ذلك، ماذا كتب هنري ميللر غير حياته؟ وماذا كتب جويس في أوليزيس غير حياته؟ اليويزا كل الكتاب الكبار في القرن العشرين كتبوا حياتهم أو سير من عاشروهم من الناس هم الأدباء أو من الأجيال التي عاشرتهم والبيئة التي عاشوا فيها، أنا في الآخرون مثلا في رواية الآخرون كتبت بدون تصنيف قلت أكتب رواية عن هذا الجيل الذي بعد عشرين أو ثلاثين سنة سوف يصبح أبطاله شيوخا وقد ذهبوا إلى المُغترَب الأوروبي وهم في العشرين أو الخامسة والعشرين من عمرهم أو في أقصى حدود الثلاثين إذاً أنا لا يهمني التصنيف هذا التصنيف الأكاديمي الجاف أو البارد لا يهمني.


وداعا روزالي وتجربة الاغتراب في ألمانيا

[تعليق صوتي]

فصله من العمل ومنعه من السفر دفعاه إلى النظر بعيدا خلف الأفق والحلم بالترحال كان ذلك في أواسط الثمانينيات، حزم أحلامه في نفس حقيبة سفره وتوجه إلى ألمانيا، هل كان يعرف أن غربته ستطول؟ هل كان يعرف أنه سيصبح جسرا بين عالمين وثقافتين؟ وحده المغامر من لا ينصت إلى مثل هذه الأسئلة لقد ذهب وحسب.

"
التجربة هي التي تعطي للكاتب نار الكتابة، كتبت عن الريف ولما انتقلت إلى المدينة عشت تجربة وبدأت أصيغها ابتداء من هلوثة ترشيش ثم في الآخرون ثم في وداعا روزالي
"
حسونة المصباحي: التجربة هي التي تعطي للكاتب أو لي أنا شخصيا كما أعتقد نار الكتابة لا أستطيع أن أكتب بدون تجربة، كتبت عن الريف لأني كنت أعرفه لما انتقلت إلى المدينة طبعا عشت تجربة وهذه التجربة يعني بدأت أصيغها ابتداء من هلوثة ترشيش ثم في الآخرون ثم في وداعا روزالي، لم أكن باستطاعتي أن أكتب وداعا روزالي لو لم أكن في المنفى أو في الاغتراب لأني لم أكن في المنفى كنت أعود إلى تونس كما أشتهي وكما أريد لكن أنا اخترت أن أذهب إلى هناك وذهبت إلى مدينة لا أعرف لغتها في البداية عندما دخلت إلى ألمانيا لم أكن أنطق بكلمة ألمانية واحدة دخلتها مغامرا بالمعنى القديم لكلمة مغامر في السفر العربي وأنا أقولها في وداعا روزالي، سافر يسفر عن هل هو باستطاعته أن يذهب إلى أبعد من الخط الأحمر أم ليس باستطاعته؟ أنا ذهبت لكي أغامر لأنه كيف تذهب إلى بلد لا تعرف لغته وهو المفتاح الأساسي ثم تذهب إليه بدون أي معين مادي أو معنوي، أنا ذهبت إلى هناك لأنه باريس بالنسبة لي أنا أتقن اللغة الفرنسية كنت أستطيع أن أعيش مثل أي مغاربي هناك، لندن مليئة بالعرب، مدريد أيضا ذهبت إليها في البداية قلت أتحسس تجربة ما لم يسعفني الحظ ذهبت إلى ميونيخ وإذا بي أتحسس أنه يمكنني أن أفعل في هذا الرماد الألماني أو في هذه العتمة الألمانية شيئا ما وفعلا عندما يعني دخلت ميونيخ تعلمت المدينة ما هي المدينة؟ يعني باريس ولندن ومدريد المدينة هي الفن والعلاقات والحضارة والعلاقات البشرية والموسيقى والمتاحف إلى غير ذلك وتستطيع أن تقرأ وداعا روزالي لأني كتبت في وداعا روزالي تجربتي أو تجربة الاغتراب بمفهومه الفلسفي العميق للكلمة ذلك المغترب الذي يجد في نفسه عندما تنتهي روح المغامرة أو عندما تنكسر المغامرة وتتهشم يصبح هو في موضع لا أقول متشائم وإنما هو لا يدري أين يذهب ففي وداعا روزالي تنتهي باللا شيء هذا الرجل يضيع الشرق أو يفقد الشرق الذي أتى منه ويفقد أيضا الغرب الذي ذهب إليه لاجئا أو باحثا عما يمكن أن يعطي معنى للحياة، يعني الكلمة والصمت والوحدة هي أسلحتي، ليس سلاحي أن أخوض التجارب السياسية والخطب الرنانة إلى غير ذلك عندما عدت إلى الأدب وجدت أني أقدر أن أعبر عن ذاتي لكن السياسة كانت وهما عشته مع كثير من أبناء جيلي فيه من واصل هذه التجربة ولا زال يواصلها حتى هذه الساعة ويعتقد أنها طريقة للتعبير عن وجوده أو عن طريق معارضته لأشياء معينة وفيه من كف عنها نهائيا وأصبح ضمن حياة القطيع الكبير يعني وكأنه نسى تجربته القديمة ومنهم من انكفأ الانكفاء الأدبي مثلما أنا فعلت لأني أراه في الأدب أنا أستطيع أن أقول أفكاري سياسية أو غير سياسية بواسطة ما أكتبه من قصة أو من رواية أو من مقال أستطيع أن أعبر بكامل الحرية عما أريد أن أقول دون أن أخوض تلك التجارب السياسية المريرة التي دفع جيلي ثمنها غاليا، أنت تعرف أنه أبناء جيلي كانوا في العشرين والثانية والعشرين والثالثة والعشرين ودخلوا السجن وأمضوا ثماني سنوات يعني سنوات زهرة العمر أمضوها في السجون بدون فائدة وكانوا واهمين على أساس أنهم كانوا على حق وأنا لست أدري إن كانوا على باطل أو على حق أو على ضلال ما يهمني أنه لماذا يدفع الإنسان ثمنا غاليا تجاه الوهم مقابل الوهم؟

[فاصل إعلاني]

حسونة المصباحي: وصلت إلى تلك المدينة البيضاء على المتوسط مدينة روزالي قبل الغروب بقليل، حال وصولي انتشى جسدي الذي يَبَّسه البرد وسنوات الغربة الطويلة بتلك الروائح الحادة التي تتميز بها المدن المتوسطية، مشيت في الشوارع الضيقة المتداخلة مأخوذا منبهرا حتى باب بنسيون روزالي الأزرق، نعم أتذكر ذلك جيدا كان الباب أزرق والنوافذ المحدبة الشبيهة بأقفاص الطيور كانت زرقاء أيضا، على الشرفة أحواض زهور الجيرانيوم في الباحة المبلطة بقطع من المرمر تزينها نجوم زرقاء صغيرة، شجرة ليمون كانت لها فتنة خاصة في الليل تحت القمر وكل شيء كان نظيفا مرتبا غاية الترتيب حتى أنني لعنت نفسي التي أجبرتها على العيش سنوات طويلة داخل شقة قذرة مليئة بالأوراق والقناني الفارغة وفي مدينة أكره أمطارها وأمقت أهلها وقد تسألني أيها الغريب لما أنا اخترت بنسيون روزالي دون غيرها وأجيبك بأنني وأنا أسير في تلك الشوارع الضيقة المتداخلة يوم وصولي رأيت بنسيونات وفنادق عديدة غير أنني لم أرتح لأي واحد منها وواصلت سيري هادئا نشطا مطمئن البال حتى باب بنسيون روزالي كما لو أنني أجذب إليها بخيط سحري، نعم بخيط سحري وإلا كيف يمكن لغريب مثلي أن يصل دون أي دليل إلى ذلك البنسيون الواقع في شارع قرطبة، حالما فتحت روزالي الباب وقعت في حبها تماما مثلما كان الحال مع كارلا الهولندية يوم رأيتها جالسة لوحدها في ذلك المقهى الواقع في الشارع الفلورنسي.


فن الرواية بين المشرق والمغرب

[تعليق صوتي]

ما بين المشرق والمغرب العربيين تنقلت نصوصه بعيدا عن وهم ريادة هذه الجهة أو تلك وهو ما يراه المصباحي في أدب بلاده بذات القسوة التي يعرِّي فيها أوهام وعُقَد البعض الذي يرى العالم من نوافذه الصغيرة والمعتمة.

"
المشارقة عرفوا بكثير من الكتاب المغاربة، ولكن المغاربة ليست لهم القدرة على تعريف أدبهم بشكل جيد لذلك نحن لابد أن نبتكر طريقة وأن نُعرف بأنفسنا قبل أن يعرف بنا الآخرون
"
حسونة المصباحي: عندما نتحدث عن الرواية المغربية لا يجب أن نتحدث عن المشارقة لأنه الأخوة المشارقة في الحقيقة عرفوا بكثير من الكتاب المغاربة حتى لا ننكر فضلهم على زفزاف مثلا نشر له يحيى حقي أولى قصصه قبل أن ينشرها المغاربة، محمد شكري في تونس أيضا نشروا لنا قصص وعرفوا بنا، المشكلة عند المغاربة أنهم دائما وأبدا لا يريدون أن يعرِّفوا أو ليست لهم القدرة في تعريف أدبهم بشكل جيد فيتهمون الآخرون بنكران إلى غير ذلك، أنظر في تونس مثلا كل مرة عندما هناك ينعقد مؤتمر حول الرواية العربية لا يُدْعى إليها إلا مشارقة ويُنْسى أهل البلد حدث كم من مرة لأنه منظم الندوة لا يريد أو ينكر وجود كتاب رواية آخرون، بينما في المشرق لا يوجد هذا، نحن لابد أن نعترف أولا بأنفسنا قبل أن نتهم المشارقة بأنهم لا يعترفون بنا، أنا شخصيا ككاتب نشرت قصصي في عديد في البلدان العربية ولاقت صدى كبير في العراق في مصر بالخصوص إلى غير ذلك، معنى ذلك أننا في.. نحن لابد أن نبتكر طريقة وأن نُعرِف بأنفسنا قبل أن يُعرِف بنا الآخرون، أنظر مثلا كاتب مثل الزفزاف معروف في المشرق جيدا لكن التونسيون لا يعرفونه ولا يهتمون بأدبه ومات دون أن يعرفوا عنه أي شيء والمغاربة لا يعرفون عن الكتَّاب التونسيين إلا القليل إلا فيما ندر، الطاهر وطار مثلا الكاتب الجزائري المعروف في حوار له معه في جريدة النهار البيروتية قال إنه ليس هناك كتاب رواية في تونس وهو لم يقرأ الروائيين الجدد في تونس ولم يطلع لكنه صرح بصريح العبارة أنه ليس هناك كتاب رواية في تونس فعندئذ هذا تجاهل، نحن نتجاهل أنفسنا ونطلق بعدئذ التهم ضد الآخرين وأقول المشارقة، المشارقة نحن اللبنانيون والمصريون والخليجيون يُعَرِّفون بنا وينشرون أدبنا ويتصلون بنا ويدعوننا إلى المهرجانات وإلى غير ذلك لكن عندما نحن ننظم ندوة عن الرواية في تونس لا ندعو إلا المغاربة الأكاديميين لا ندعو الروائيين ولا ندعو هؤلاء الروائيين من تونس وحدث في جابس وفي كثير من الندوات الروائية لم يدع لها الكتاب الحقيقيون الذين يمثلون الكتابة الروائية الجديدة سواء في تونس أو في المغرب أو في الجزائر.

[تعليق صوتي]

سنوات العيش في ميونيخ فَتَّحت قراءات المصباحي على درر الأدب العالمي وكتابه بلغاتهم، فأدرك مبكرا أن العالم والإبداع أرحب مما كان يُطِل عليه من نافذة اللغة الأم، لم يعد حينها للأسماء إبهارها الأول وحده النص كفيل بأن يكون دالا ودليلا ولعل ذلك يفسر جرأة في آرائه النقدية لا تضاهيها إلا جرأة شخوص رواياته وتحللها من سلطة النمط والقول الرائج.

حسونة المصباحي: الروائي في تونس يعني هما اهتموا كثيرا بالمسعدي والمسعدي لم يكن روائيا وإنما كان كاتبا كبيرا في الحديث العربي القديم أحياه أحيا شيئا شكل من أشكال العرب القديم، لكنهم بالغوا في تصنيف كل مرة مسرحية مثل السُد ومرة حدث أبو هريرة بأنها رواية وهي ليست رواية في أي شيء، هم يعودون إلى التصنيف عندما يتعلق الأمر بكتاب آخرين لكنهم ينسون التصنيف فيما يخص المسعدي والمسعدي ظلوا يكررونه ويكررونه على مدى خمسين سنة والمسعدي انتهى من الكتابة في الأربعينات من القرن الماضي، أنت هامل الكتابة في الأربعينات من القرن الماضي لم يكتب بعدها إلا محاضرات ولم يكتب أدب والأدب الذي كتبه لا يمكن أن يُصَنَّف لا في الرواية إلا فيما يسمى بالخبر العربي القديم، في الغربة ماذا أتذكر؟ أتذكر حدائق الشمال البديعة التي كنت أتمشى فيها متوحدا بنفسي متذكرا الريف البعيد الذي وهبني الشعلة الأولى للكتابة، في غربتي أتذكر جبال الجليد والثلوج حيث كنت أذهب إليها لاجئا بنفسي لكي أحاول أن أكتب رواية جديدة أو قصة إلى غير ذلك، أتذكر نساءً جميلات أحببتهن وأحببنني، أتذكر رجالا رائعين وقفوا إلى جانبي في ساعات حالكة من حياتي، أتذكر الحب والتضامن وزواجي يوم دخلت الجيوش العراقية إلى الكويت في ذات اليوم الذي تزوجت فيه وكان يوما مشرقا وكنت أنا أستمع إلى السيمفونيات الكلاسيكية وزوجتي بجانبي بينما كانت جيوش صدام حسين تدخل أرض الكويت، أتذكر لحظات بديعة وأخرى يعني عندما تخفيت لعدة أيام وأنا أنظر إلى القنابل التي تسقط على بغداد لم أكن أجرؤ على الخروج من شقتي الصغيرة حتى لا أرى وجهي في مرآة الناس الآخرين، الغربة كانت درس وكانت شيء جميل وكانت جامعة وكانت أم حنون وكانت أيضا أما قاسية وأنا أقدر أن أقول أني ما تعلمته فيها يساوي ما تعلمته وأنا أمشي وحيدا طفلا في العاشرة أو الحادية عشرة من عمري بين قريتي والعلا حافيا أحيانا للذهاب إلى المدرسة، أيضا تعلمت وأنا خائف من كلاب البدو التي يمكن أن تأكلك وأنت طفل في الحادية أو الثانية عشرة من عمري، الغربة تعلمت فيها معان إنسانية واكتشفت فيها أن الغرب عالم عظيم ولا متناهي ولابد أن نتعرف عليه حتى نحكم عليه، أبحرت الباخرة وعندما اختفت المدينة في الضباب الصباحي همست وداعا روزالي وداعا روزالي ثم انكفأت فكأني ما عشت وما كنت أبدا.


جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة