الزمن مفهومه وقيمته   
الأربعاء 1426/5/16 هـ - الموافق 22/6/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:31 (مكة المكرمة)، 10:31 (غرينتش)

-الإسلام ونظرته للوقت
-كيفية توظيف عامل الوقت
-مشاركات المشاهدين
-التوازن في التعامل مع الوقت
-الاستفادة من الوقت في فترة الصيف



خديجة بن قنة: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، العالم اليوم يتطور بسرعة الضوء إدراكا لقيمة الزمن أو قيمة الوقت في صناعة مستقبل هذا العالم وعالمنا الإسلامي ربما عرف قيمة الوقت ولكنه الذي ينتهي إلى عدم وبتحديد معنى الوقت يكون معنى التأثير والإنتاج وهو معنى الحياة الحاضرة الذي ينقصنا، إنه الزمن الداخل في تكوين فكرة الحضارة، فكرة النشاط وتكوين المعاني والأشياء الذي هو من أهم عناصر الحضارة، فكيف ندرك الزمن الذي يتصل بالتاريخ وهل التاريخ الإسلامي يتقدم نحو الأسوأ كما يراه البعض؟ وكيف نعيش زمننا الخاص؟ الوقت مفهومه وقيمته موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، أهلا بكم فضيلة الشيخ.

يوسف القرضاوي: أهلا بكِ يا أخت خديجة.

الإسلام ونظرته للوقت

خديجة بن قنة: ربما السؤال الذي يسأله كل مسلم اليوم هو لماذا تقدموا هم وتأخرنا نحن؟ أين نحن اليوم من سرعة التقدم العلمي الهائل الذي يفاجؤنا كل ساعة إن لم يكن كل دقيقة وكل ثانية باختراع جديد في كل المجالات من المجالات المتناهية في الصغر كالخلية والذرة إلى المتناهية في الكبر كالكواكب والمجرات والفضاء الكوني وما إلى ذلك، هل إهمالنا لقيمة الوقت يعد أحد أسباب هذا التقهقر أو التأخر؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أهله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد فلا شك أن من أسباب تخلفنا عن ركب الحضارة العالمي وبقائنا في ذيل القافلة البشرية بعد أن كنا في رأسها وفي مأخذ الزمام منها يرجع فيما يرجع إلى إهمالنا لقيمة الوقت وسبب هذا ليس هو الدين أو الإسلام كما يريد بعض الناس أن يقول إن تديننا هو الذي جعلنا نضيع قيمة الوقت، هذا ليس بصحيح إطلاقا، لأنه لا يوجد دين اهتم بالوقت وعُني به عناية بالغة ولفت الأنظار والعقول إليه وربى الأمة على احترام قيمة الوقت، لا يوجد دين كالإسلام فعل هذا حتى أننا نجد القرآن الكريم يعني يُقسم بالوقت وبأجزاء الوقت في سور شتى يعني أقسم الله بال {اللَّيْلِ إذَا يَغْشَاهَا} وبل {النَّهَارِ إذَا تَجَلَّى} بالفجر وبالضحى وبالعصر سواء فسرنا العصر بوقت العصر أو العصر بمعنى الزمان العام، أقسم الله بهذه الأشياء في كتابه وإذا أقسم الله بشيء فإنما ليلفتنا إلى أهميته وإلى خطورته، الله تعالى يقول {وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ} يعني من ضمن النعم التي سخرها كما سخر لنا الشمس والقمر والبحار والأنهار والأرض {سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ} أي سخر لكم الزمن لتستفيدوا منه ولتوظفوه وتستغلوه أحسن الاستغلال ويقول الله تعالى {وهُوَ الَذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} يعني جعل الليل يخلف النهار والنهار يخلف الليل فمن فاته شيء في الليل تداركه في النهار ومن فاته شيء بالنهار تداركه.. يتدارك الإنسان فيه ولا يضيع الوقت والنبي صلى الله عليه وسلم حدثنا أن كل إنسان يُسأل يوم القيامة عن أربعة أسئلة رئيسة "لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربعة خصال" من هذه الخصال الأربع سؤالان عن الوقت، يُسأل "عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه"، الشباب هو جزء من العمر ولكنه الجزء الحيوي المتدفق لأنه مرحلة القوة بين ضَعفين كما أشار القرآن في قوله {الله الَذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} فالقوة بين الضَعفان هي مرحلة الشباب فالرسول يقول "يسأل عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما.." يعني يُسأل عن العمر عامة بكل مراحله ويُسأل عن الشباب خاصة أين أنفقت هذا الشباب؟ في عمل نافع؟ في علم ينفعك وينفع أمتك؟ في إجادة لعمل بنّاء؟ ولا في المقاهي.. قاعد يعني تضيع الوقت في الشطرنج ولا في الدومينو ولا في الكوتشينة ولا في الشيشة أو في هذه..

خديجة بن قنة: تتردد دائما عبارة أننا نقتل الوقت للذين يلعبون مثل هذه الأشياء؟

"
كان السلف يقولون "من علامة المقت إضاعة الوقت"، يعني علامة أن الله يمقتك ولا يحبك أنك تضيع وقتك ويقول الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك
"

يوسف القرضاوي: هذه العبارة للأسف يعني دارجة عند الناس والمسكين الذي يقول تعالى نقتل الوقت لا يدري أنه حينما يقتل وقته إنما يقتل نفسه، قتل الوقت يعني قتل النفس.. انتحار لأن ما هي الحياة.. كان الإمام حسن البنا له كلمة من روائع الكلمات يقول الوقت هو الحياة.. الوقت هو الحياة يقول الغربيين يقولون الوقت من ذهب لأنهم يقيسون كل شيء بالمادة ونحن نقول الوقت أغلى من الذهب وأنفس من الماس ومن كل جوهر الوقت هو الحياة، ما هي حياة الإنسان؟ هي الوقت الذي يقضيه من المهد إلى اللحد، من صرخة الوضع إلى أنّة النزع، هذا الوقت هو الحياة فمن ضيع وقته يعني ضيع حياته ولذلك الإمام الحسن البصري يقول يا ابن آدم إنما أنت أيام مجتمعة كلما ذهب يوم ذهب بعضك، أنت عبارة عن جملة أيام.. كذا ألف يوم، كل يوم يمضي يبقى جزء منك ذهب ولذلك يقول أدركت أقوام كانوا أحرص على أوقاتهم منكم.. على دراهمكم ودنانيركم كان السلف الصحابة والتابعون والجيل المثالي من الأمة كانوا حراصا على الوقت أكثر من حرص البخيل على درهمه وديناره، لا يحب أن يضيع وقته سدى أو يُهدر عبسا لا لأنه هو ثروة، أعظم ثروة يملكها الإنسان هي وقته ولذلك.. أن أولا الإنسان لا يعيش عمرين هو بيعيش عمر واحد ولأن هذا العمر واحد كان نفيسا جدا.. نفاسة الحياة نفسها ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يقتل وقته أو يهمل وقته أو يشغله بالغفلة أو.. يعني لابد أن يستفيد من هذا، كان السلف يقولون من علامة المقت إضاعة الوقت.. يعني علامة أن الله يمقتك ولا يحبك أنك تضيع وقتك ويقول الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، لا تؤخر عمل اليوم إلى غد ويقول الشاعر ولا أؤخر شغل اليوم عن كسل إلا غدا إن يوم العاجزين غدٍ، كان سيدنا عمر بن عبد العزيز من كثرة ما يتعب فبعضهم يقول له أخِّر هذا العمل إلى الغد فيقول لقد أعجزني عمل يوم واحد فكيف إذا ارتمى عليّ عمل يومين، إذا كنت أنا مش قادر أعمل.. أؤخره لبكره طيب ما هو بكره له عمله ها يجتمع عليّ عمل يومين فهؤلاء هم الذين كانوا يدركون قيمة الوقت في حياتهم..

خديجة بن قنة [مقاطعة]: وإدراكا لقيمة الوقت اعتبر البعض أن الوقت هو العنصر الثالث في تكوين الحضارة ما رأيكم؟

يوسف القرضاوي[متابعاً]: هذا يعني الكلام أستاذ مالك ابن نبي رحمه الله له كتاب أسمه شروط النهضة، فاعتبر أن العناصر الأساسية لتكوين أي نهضة أو أي حضارة لأمة هي عناصر ثلاثة؛ أهمها الإنسان وبعدين التراب أو الأرض أو المكان الذي يعيش فيه الإنسان والزمن والوقت لأن الإنسان يعيش في وعاء.. وعاء مكاني ووعاء زماني.. النحويين يقولوا ظرف المكان وظرف الزمان، لأنه ظرف وعاء للإنسان فلابد أن يستغل الإنسان وعاءه المكاني يستغل كل شيء في دنياه، المسلمون للأسف عندهم أراضي زراعية لا يستغلونها في الزراعة، عندهم مواد خام لا يستغلونها في الصناعة وأنا دائما أقول أمة سورة الحديد لم تتعلم صناعة الحديد، ربنا أنزل سورة في القرآن اسمها سورة الحديد وقال {وأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنَافِعُ لِلنَّاسِ} المنافع.. البأس الشديد إشارة إلى الصناعات الحربية ومنافع للناس إشارة إلى الصناعات المدنية ونحن لا أتقنا الصناعات الحربية ولا الصناعات المدنية، بالعكس إحنا عالة على غيرنا، يعني نستورد كما يقول بعضهم من الإبرة إلى الصاروخ، هل الإسلام اللي مسؤول؟ نحن المسؤولين عن هذا، الأمم تستفيد من وقتها ونحن لا نستفيد من وقتنا، يعني قدَّروا عمل الفرد في المجتمعات الغربية فقُدر عمل الفرد اليومي متوسط عمله تسع ساعات ومن عدة سنوات عملت إحصاءات لبعض البلاد العربية لعمل الموظفين في الحكومة فوُجد أن متوسط عمل الفرد حوالي نصف ساعة أو 28 دقيقة، فأمة تقتل أوقاتها أو تضيع أوقاتها بهذه الطريقة كيف تنهض؟ ولذلك كلام الإمام مالك أنه الزمن.. الاستفادة من الزمن بحيث لا يضيع الإنسان زمنه عبثا.. هباءً منثورا هذا لا يجوز في أمة تحتاج إلى بناء نفسها خصوصا أن بعد تخلفنا.. بعد أن أصبحنا العالم الثالث وربما كنا عالم رابع كيف ندرك ما فاتنا في أزمنة الغفلة الماضية؟ يعني نحن نريد أن نحقق أمرين، ننهض ونعوض ما فات فنحتاج إلى مضاعفة الجهود والاستفادة من الأوقات.

خديجة بن قنة: نعم سنأخذ فاصلا قصيرا ثم نعود إليكم مشاهدينا لتكملة ما تبقى من هذه الحلقة حول قيمة الوقت، معناه ومفهومه واستغلاله وذلك بعد هذا الفاصل.


[فاصل إعلاني]

كيفية توظيف عامل الوقت

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا بكم مرة أخرى إلى برنامج الشريعة والحياة، موضوع حلقتنا كما قلت الوقت مفهومه وقيمته مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، فضيلة الشيخ قبل الفاصل كنت تتحدث عن قيمة الوقت كعنصر مهم في بناء الحضارة وبناء المستقبل والأمة الإسلامية كما يعرف الجميع غنية بالثروات البشرية والطبيعية ولديّ إحصائيات ربما مدهشة، المسلمون يشكلون ربع سكان العالم أكثر من ربع مساحة اليابسة للعالم الإسلامي.. العالم الإسلامي يمتلك حوالي 75% من احتياطي النفط في العالم أكثر من25% من احتياطي الغاز الطبيعي يعني كيف يمكن أن تُستغل كل هذه الإمكانيات بتوظيف عامل الوقت لبناء مستقبل أفضل للمسلمين؟

"
لا شك أن الأمة بحاجة إلى أن نبني وعيها من جديد، الأمة مصابة بداء الغفلة، هناك عناصر خطرة آفات خطرة على الانتفاع بالوقت والانتفاع بالزمن
"
يوسف القرضاوي: لا شك أن الأمة في حاجة إلى أن نبني وعيها من جديد، الأمة مصابة بداء الغفلة، هناك عناصر خطرة.. آفات خطرة على الانتفاع بالوقت والانتفاع بالزمن.. من هذه الآفات عملية الغفلة عن قيمة الوقت وأنه هو الحياة بالفعل والغافلون هؤلاء القرآن جعلهم حطب جهنم قل {ولَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجِنِّ والإنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ولَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا ولَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ} في النهاية أولئك هم الغافلون، يعني هؤلاء حطب جهنم، الأمة التي تغفل عما يجب عليها كيف تستفيد من أوقاتها كيف تعمل وتحسن العمل.. يعني الإسلام لا يريدنا فقط مجرد أن نعمل لازم نعمل {وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ والْمُؤْمِنُونَ} والعمل عبادة والعمل جهاد ولكن ليس مجرد عمل لابد أن نعمل عملا حسنا، إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملا أن يتقنه، يتقن العمل أن الله كتب الإحسان على كل شيء.. كلمة الإحسان يعني الإتقان والإحكام كتبه يعني فرض زي ما قال {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} يعني فرض.. يعني فربنا فرض إحسان العمل، أكثر من ذلك المسلم مش بس مطالب أنه يعمل العمل الحسن، مطالب أن يعمل العمل الأحسن {واتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم} {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} {وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} {ولا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} يعني إذا كان هناك حسن وأحسن المسلم مطالب بالأحسن {فَبِشِّرْ عِبَادِ الَذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} فلازم نقاوم الغفلة هذه وأيضا التسويف هناك الإنسان لا يبادر بالعمل ولكن يسوِّف.. سوف.. يعني بعدين، بكرة، بعده، السنة الجاية، أنا لسه صغير لما أكبر، هذا التسويف هو من أخطر الأشياء، حتى قال بعض السلف يعني أكثر أهل النار المسوِّفون، اللي يقول أنا هأتوب بعدين ولا يأتي بعدين هذا، فالتسويف خطر، أيضا الشكوى من الزمان، كل الناس تشكو طيب وبعد الشكوى نسبّ الزمان كما قال بعضهم نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا ونشكو ونهجو في الزمان بغير ذنب ولو نطق الزمان بنا هجانا، كما قالت الخنساء أن الجديدين في طول اختلافهما لا يفسدان ولكن يفسد الناس، الليل والنهار لا يفسدان لأن اللي بيفسد هو الإنسان، فالفساد والخلل يأتي منا نحن فلابد لكي يعني ننهض بأمتنا، أن نوظف طاقاتها، هناك طاقات معطلة عندنا.. هذه الإحصاءات التي جئتِ بها والمفروض أن الأمة تكون يعني أمة لها مكانتها تحت الشمس تعيد ما كانت عليه من قبل وبعدين إحنا كنا فيه حوالي ثمانية قرون كنا الأمة الأولى في العالم مش بيقولوا إحنا العالم الثالث كنا العالم الأول كنا في موضع القيادة، كان العالم يتعلم منا، كانت أسماء علمائنا أشهر العلماء، كانت المراجع العلمية المكتوبة باللغة العربية في الطب وفي الفيزياء والهندسة وفي الفلك وفي التشريح وفي غيرها، كانت هي مراجع العالم تُرجمت إلى اللاتينية، كان ابن رشد وابن سيناء وابن النفيس وهؤلاء.. كان العالم يتعلم الرازي وغيرهم يتعلم منهم، فلماذا أصبحنا هكذا؟ لأننا للأسف لم نوظف طاقاتنا.. طاقاتنا معطلة.. طاقاتنا المادية إذا كان عندنا غاز ولا عندنا نفط ولا عندنا أراضي زراعية ولا عندنا ثروات مائية معطلة، طاقاتنا البشرية بالعكس طاقات البشرية عندنا تمتصها البلاد الغربية، كلنا نشكو من العقول المهاجرة أو الطيور المهاجرة عشرات الآلاف من بلادنا العربية والإسلامية من النوابغ التقطهم هؤلاء وذهبوا إلى تلك الديار وكان أولى بهم أن تستفيد منهم أوطانهم وبلادهم ولكن للأسف أوطانهم لا تحسن الاستفادة منهم حتى لو جاؤوا.. بعض الناس يعني الشخص النابغة يوضع في غير مكانه، يقدَّم عليه الثرثار والمنافق والمحسوب على الرئيس أو الوزير أو المدير فنضيع هذه الكفايات النفيسة ليستفيد منها غيرنا ولا نستفيد منها، فإذا كنا نريد أن نصنع أنفسنا من جديد لابد أن نغيّر، لابد أن نوعِّي الأمة، لابد أن ننشر هذا الوعي وهذه الاستنارة حتى يتكون جيل جديد وفكر جديد ووعي جديد وعزم جديد.

خديجة بن قنة: وسنتحدث فضيلة الشيخ أيضا عن كيفية إنفاق الوقت في فترة الصيف ونحن مقبولون على فترة إجازات والناس طبعا ينفقون أوقاتهم في خلال هذه الإجازات في رحلات وأسفار ولكن قبل ذلك نأخذ من قطر الدكتور جاسم سلطان مدرب في إدارة الوقت والذات، دكتور جاسم أهلا بك كيف يكون للقيمة وقت في حياة الفرد والمجتمع برأيك؟

جاسم سليمان: السلام عليم ورحمة الله.

خديجة بن قنة: وعليكم السلام ورحمة الله.

جاسم سلطان : جزى الله خيرا فضيلة الشيخ على يعني ما تفضل به من كلام طيب عن قيمة الوقت وإذا كان فيه من إضافة أو مشاركة فأعتقد بأن أهم ما يُفقد الوقت قيمته غياب الهدف، فمن المعلوم أن الطالب الذي يرغب في التفوق في المدرسة يحرص على أوقاته خلافا للطالب الذي لا يمتلك نفس الهدف وكذلك على مساوئ الأمم، فالأمم التي تمتلك هدفا وغاية كما كانت ألمانيا مثلا في أيام النازية كانت تريد التفوق على مثيلاتها من الدول الأوروبية، فأصبح للوقت قيمة غير طبيعية وأصبح الالتزام الألماني بالوقت نموذجا يُحتذى وكذلك اليابان لما كانت تريد منافسة العالم والدخول في هذا الصراع الحضاري الضخم أصبح للوقت قيمة لا يعادلها شيء بالنسبة لليابانيين وقل ذلك الآن مثلا عن دولة مثل ماليزيا تسعى لنفس النمو والتطور، فاليوم في مجتمعاتنا نجد مشكلاتنا حقيقية وهي أن الفرد يفتقد الغاية وفي معظم المجتمعات العربية المجتمع أيضا يفتقد الغاية والوضع التنافسي الذي يريد أن يكون فيه المجتمع وبالتالي نجد عندنا صعوبة كبيرة جدا أن نوفّق بين القيمة النظرية للوقت اللي هي مدفونة بالتراث بل هي جزء من الوعي الإنساني عامة.

خديجة بن قنة: دكتور يعني حُسن إدارة الوقت مرتبط بتحديد الهدف، لكن بما أنك مدرب في إدارة الوقت ومتخصص في ذلك هل لك أن تعطينا اقتراحات.. إرشادات عملية في مسألة إدارة الوقت؟

جاسم سلطان: يمكن أهم هذه القضايا أن يكون هناك ابتداءً هدف عند الإنسان يريد إنجازه، المسألة الثانية التي قد تجد نفس الأهمية وهي ترتيب الأولويات يعني لابد أن الفرد يكون عنده أولويات بحيث يعطيها الأوقات الثمينة التي يريد صرفها عليها، أتصور أن المسألة الثالثة التي تتْبع ذلك وهي أن مضيِّعات الأوقات يجب التغلب عليها، فكثير من الأشياء التي تصرف الإنسان وتصرف وقت الإنسان يحتاج الإنسان أن يتعامل معها بهذه الثلاثية الهدف وترتيب الأولويات..

خديجة بن قنة: نعم وصلت الفكرة وهذه الثلاثية وأتمنى أن يتم استيعابها أيضا للاستفادة من هذه التوجيهات، أحمد محمد علي من مصر، تفضل.


مشاركات المشاهدين

أحمد محمد علي: السلام عليكم أخت خديجة وتحياتنا لفضيلة العلامة الدكتور القرضاوي.

يوسف القرضاوي: حياك الله.

أحمد محمد علي: والحقيقة أنا بأشكر برنامج الشريعة والحياة اللي أثار مثل هذا الموضوع وأنا عندي الحقيقة إضافتان بسيطتان جدا إلى الموضوع، النقطة الأولية إن أنا أحب أتكلم عن عملية الإحساس بمربعات الزمن، إذا قسمنا الزمن إلى مربعات فأعتقد أن إحنا عندنا ثلاثة مربعات أساسية، المربع الأول هو مربع الماضي والثاني مربع الحاضر والثالث مربع المستقبل، مشكلة الأمة الآن أنها تعيش داخل مربعين فقط وهم مربع الماضي.. الماضي ومربع الحاضر أو اللحظة الآنية أو في بعض الأحيان بنحب نسميه مربع الضغوط.. الأمة واقعة تحت ضغوط اللحظة الآنية، إذا أرادت الأمة أن تستفيد بوقتها وأرادت الأمة أن هي تتقدم وتستشرف المستقبل فلابد أن هي تصرف بعض الوقت لاستشراف هذا المستقبل ومن أجل تفريغ بعض الوقت لاستشراف المستقبل لابد أن تتعلم الأمة شيئا واحدا لم نتعلمه كثيرا وهو الحلم.. القدرة على الحلم، إحنا في مدارسنا لا نعلم أولادنا كيف يحلموا بالغد لذلك هم بيعيشوا في اللحظة الآنية.. أنا عايز أذاكر الآن علشان هأمتحن الآن ولما يخلص الامتحان خلاص ها تنتهي حاجة، لكن أنا مش عايز أذاكر الآن حتى أصبح عالما مسلما أو أصبح طبيبا مسلما أو زي ما ذكر الدكتور جاسم سلطان غياب الهدف هذه واحدة، فإذا أرادت الأمة أن تعيش في مربع المستقبل فعليها أن تتعلم كيف تحلم وكيف تربي أبناءها على الحلم لاستشراف هذا المستقبل والحلم بلا قيود.. مسألة الحلم بلا قيود والقدرة على التخيل، النقطة الثانية المهمة جدا أن يتعلم شباب الأمة وهم عصب هذه الأمة.. يتعلم شباب الأمة أن يمحو من قاموسهم كلمة أتمنى ويحولوها إلى كلمة ألتزم.. بمعنى إذا أنا حددت أحلام ليّ هذه الأحلام علشان أحولها إلى أهداف كما ذكر الدكتور جاسم لابد أن أنا أحول طريقة حديث لنفسي الأمة يجب أن تعيد طريقة حديثها إلى نفسها مرة أخرى..

خديجة بن قنة: نعم شكرا جزيلا لك أحمد محمد علي من القاهرة، فضيلة الشيخ أولا هل لديكم تعليق تحديد الهدف ضروري لاستثمار جيد للوقت؟

يوسف القرضاوي: لابد.. لا يمكن أن تنهض أمة إلا إذا عرفت أن لها رسالة، الأمة الإسلامية نهضت وصنعت حضارة شامخة تميزت بأنها كانت حضارة ربانية إنسانية أخلاقية عالمية متكاملة متوازنة، لم تنشأ هذه الحضارة من فراغ إنما عرفت أن لها هدفا ولذلك الإسلام أول ما يعمله أنه يجعل للإنسان أهدافا يعيش من أجلها، أنه لا يعيش يعني فقط للناحية المادية يأكل ويشرب.. نمشي على التراب ونأكل من التراب وننتهي إلى التراب لازم يعيش لرسالة كبيرة {ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ} جاء مهمته أن يعبد الله مهمته أن يعمر الأرض {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ واسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} مهمته أن يقيم خلافة الله في الأرض لأنه خليفة الله في الأرض مهمته أن ينشئ أمة هي أمة الأمم {وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}، {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} هذه أهداف كبيرة يجب أن توضع نُصب عين كل إنسان مسلم فلا يعيش لهدف مادي صغير ولا يعيش لنفسه هذه من المشكلات.. إذا يكون كل واحد يعيش لنفسه لا فلابد أن نربط بين الهدف الخاص والهدف العام والهدف الأكبر إذا ربط كل مسلم نفسه بهذا الهدف يستطيع أن يعمل أضعاف ما يعمل الآخرين والقرآن أشار لنا أن دخول الإيمان في مثل هذه القضايا يجعل الفرد يعمل بعشرة أضعاف أمثاله، القرآن ذكر في سورة الأنفال {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِّنَ الَذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإن يَكُن} وبعدين جعل بدل الواحد بعشرة الواحد باثنين يعني في حالة الضعف الواحد باثنين في حالة القوة المؤمن بعشرة إذا كان عنده الإرادة والصبر والإيمان فلابد أن نسلح الأمة بالإيمان لحتى يعيش لهدف ونسلحها بالإرادة اللي عبر القرآن عنه بالصبر {إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} هذا ليس في الجانب العسكري ممكن في الجانب الاقتصادي والجانب الثقافي والجانب الاجتماعي.. أننا نعبئ طاقات الأمة بحيث يعمل الفرد أضعاف ما يعمل غيره.


التوازن في التعامل مع الوقت

خديجة بن قنة: لكن فضيلة الشيخ أنتم صنفتم الناس تجاه علاقتهم بالزمن إلى صنفين؛ إلى عبيد الماضي وعبيد اللحظة الحاضرة، كيف يتحقق التوازن في التعامل مع الزمن أو الوقت؟

يوسف القرضاوي: الزمن.. ما هو الزمن؟ الزمن هو ماض وحاضر ومستقبل أو أمس واليوم والغد، هناك أناس يعيشون في الماضي فقط كأنه لا يوجد شيء اسمه حاضر ولا شيء اسمه مستقبل، كأن الإنسان ذاكرة فقط وليس مخيلة تتخيل المستقبل، فعبيد الماضي هؤلاء الذين يقدسون كل ما مضى.. يقدسون التراث ويعظمون القديم ولا يجعلون للحاضر أي اعتبار ولا للمستقبل أي شأن هؤلاء.. نرفض نحن هؤلاء.. نرفض عبيد الماضي الذي يعيش في الماضي فقط، إذا كان فقيه لا ينظر إلا إلى تراث الفقهاء الأقدمين طب هناك قضايا حاضرة لم يعشها الفقهاء القدماء لابد أن نعالجها بمنطق جديد نستوحيه من عصرنا نستفيد من القديم ولكن نوظفه في خدمة الجديد فهذا الاستعباد للماضي.. تعبيد الإنسان نفسه للماضي نرفضه، أيضا الذين يعيشون للحظة الحاضرة يعني يقول لك ما مضى فات والمؤمَّل غيب ولك الساعة التي أنت فيها ومعنى اللحظة الحاضرة أنه يستفيد منها في اللذة واغتنام الفرصة واقتناص المادة وينسى الماضي وينسى المستقبل، هناك أناس أيضا ينظرون إلى المستقبل ويهملون الماضي تماما يريدون أن يلغوه يعني الذين يقولون نحن مجددون والتجديد ده يعني إلغاء الماضي، من أراد أن يجدد بناءً أثريا قصرا أو مسجدا أو.. ليس معناه أنه يهدمه ويبني يعني شيء حديث على أحدث طراز ليس هذا تجديدا.. التجديد أنك تبقيه على جوهره على يعني أصالته، ترمم ما بلي فيه ولكن يبقى الجوهر محفوظا، فمن يجدد الدين لازم يرجع بالدين إلى ما كان عليه يوم ظهر أيام الرسول والصحابة وليس معناه طبعة جديدة من الدين وإلغاء القديم، فهناك أناس يريدون رفض الماضي، سخر منهم الأديب العربي مصطفى صادق الرافعي حينما قال هؤلاء يريدون أن يجددوا الدين واللغة والشمس والقمر وقال عنهم إقبال إنهم يريدون أن يجددوا الكعبة والكعبة لا تجدَّد، يعني لكي نجدد الكعبة مش معناها نقول هذه الحجارة السوداء نزيلها ونجيب حجارة جديدة لا ده ميزة الكعبة أنها البيت العتيق، ففيه أشياء لا تقبل التجديد، أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته عن الأزهر قال لا تحذو حذو عصابة مفتونة يجدون كل قديم أمرا منكرا ولو استطاعوا في المجامع أنكروا من مات من آبائهم أو عمر من كل سعى في القديم وهدمه وإذا تقدم للبناء كسره، هو بس شاطر في هدم القديم ولكنه لا يبني جديدا، لابد أن نوازن بين الأمس واليوم والغد.. نستلهم الماضي لا يمكن أمة لها ماضي عريق ولها تاريخ مجيد لا يمكن أن تهمله وتنساه وبعدين نعايش الحاضر ونستشرف المستقبل هذا هو الواجب علينا.

خديجة بن قنة: هؤلاء الذين يعني يدعون إلى العودة إلى الإسلام في زمنه الأول على اعتبار أنه زمن النقاء والصفاء، يعني أليس هناك مشكلة في التعبير في حد ذاته؟ يعني هذا التصوير ألا يعود بالإسلام أو يجعل الإسلام خلف الزمان أنه خلف التاريخ وخلف الزمان ولا يساير تطور الزمان؟

يوسف القرضاوي: لا هو كلمة عودة يعني إيه كلمة عودة زي كلمة توبة ما معنى التوبة؟ يعني الرجعة إذا شرد الإنسان عن الطريق المستقيم لابد أن نرجعه إليه إذا انحرف عنه لازم نرده.. نرده إلى المنهج السوي.. المنهج الوسط، إذا إحنا مشكلتنا في عالمنا الإسلامي الآن الغلو والتطرف من ناحية والانحلال والتسيب من ناحية، علشان نعود إلى الوسط.. نرد الشارد من الناحية دي ومن الناحية دي نرده إلى الوسط، كلمة رد أو رجع هي كلمة واحدة هذا معنى العودة يعني نحن نتمنى أن نعود إلى عصر الحضارة الذهبية ليس معنى نعود إليه يعني نتقمصه تماما ونصبح.. لا إحنا لازم نعيش عصرنا لابد لإنسان أن يعيش عصره ولابد أن يعيش حياته الحالية لأن لكل عصر مشاكله حتى علماؤنا قالوا الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال ليه؟ إشارة إلى أننا لازم كما نؤمن بالأصالة، يعني نتصل بالأصل ونرتبط بالعصر ومن كلام السلف يقولون رحم الله امرؤً عرف زمانه واستقامت طريقته، يعرف زمانه وتستقيم طريقته، ينبغي للعاقل كما ذُكر في حديث عن صحف إبراهيم ينبغي للعاقل أن يكون عارفا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، عارفا بزمانه، لازم يعرف زمانه ومتطلبات الزمان، هذه معنى المعاصرة، لا أعيش في الماضي وأعرف لابد أن أستفيد من هذا الزمان وما قدم لنا أصبح هناك انفجار في المعرفة، عالم المعرفة كل يوم يقدم لنا جديدا لا ينبغي أن أعيش بعيدا عن هؤلاء، العالم بيصنع المستقبليات علم المستقبليات أو استشراف المستقبل ونحن عايشين في الماضي فقط ولا.. القرآن ذكر لنا يعني في التخطيط للمستقبل قصة سيدنا يوسف وفيها تخطيط لمدة خمس عشرة سنة {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ} سبع سنين يعني خصبة وسبع سنين قحط ومجاعة وبعدين سنة يغاث فيها.. خمسة عشرة سنة.. تخطيط لخمسة عشرة سنة، هذا في القرآن كله يعلمنا كيف نخطط للمستقبل، الغربيون يعملون للمستقبل ونحن لا ننظر إلا إلى مواضع أقدامنا لا نكاد نرى غدا.

خديجة بن قنة: وحتى في القرآن فضيلة الشيخ منظومة الزمن جاءت في إحدى عشر كلمة، في كلمة الأبد والأمد والسرمد والدهر والزمن والوقت والحقبة والقرن والعمر والحين، هناك مشاركات منها عبد العظيم قدارة المراغي من مصر يقول من عجائب القدر أن يكون موضوع حلقتكم اليوم عن الوقت في نفس الوقت الذي تُقلص فيه الجزيرة وقت البرنامج.. برنامج الشريعة والحياة فنحن مشاهدو الجزيرة نريد زيادة الوقت وليس نقصانه، هناك أيضا من بلجيكا سؤال يقول من خليل مصطفى يقول لماذا لا ندرك القيمة العملية للوقت استنادا إلى ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يجسده من الناحية العملية في الاستفادة من الزمن من خلال مراحل دعوته بدء بالسريّة والجهر بالدعوة والجهاد وانتهاء بتكوين دولة إسلامية؟

يوسف القرضاوي: هو أنا أحب أن أعلق على الأخ اللي قال عن تقليص الوقت هذا يعني ليس خاصا ببرنامج الشريعة والحياة، كل البرامج الحوارية كلها يعني خُفضت وأصبحت حوالي ساعة بعد أن كانت حوالي ساعة والنصف وكلها في هذه الدورة.

خديجة بن قنة: هناك أيضا سؤال يسأل يربط العلاقة بين الوقت أو الزمن والتوبة يقول نصف ساعة أو حتى ربع ساعة تساوي العمر كله، لو رجلا كان مشركا وعاصيا ثم وعمره تسعون سنة ثم تاب إلى الله نصف يوم أو حتى نصف ساعة قبل أن يموت هذا النصف يوم من التوبة قبل الموت قد يدخله الجنة؟

يوسف القرضاوي: نعم هو المهم الأعمال بالخواتيم، إذا عاش الإنسان طول حياته يعني ضالا ثم اهتدى، عاصيا ثم تاب، كافرا ثم أسلم، العبرة بالخواتم ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم "اللهم اجعل خير أعمالنا أواخرها وخير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم نلقاك" فالأعمال بالخواتيم المهم أن يختم له بخير ونعم..


الاستفادة من الوقت في فترة الصيف

خديجة بن قنة: فضيلة الشيخ كنا قد ذكرنا من قبل أهمية الوقت الآن ونحن مقبلون على فترة الصيف ما توجهاتكم للذين يسافرون في خلال هذه الفترة وينفقون أوقاتهم في هذه الإجازات ربما فيه طبعا الاستمتاع وهذا حق النفس على الإنسان أن يرتاح بعد سنة من العمل.

"
الإنسان عليه أن يدير وقته بالتعبير الحديث أو ينظم وقته بحيث يعرف ماذا لنفسه وماذا لربه وماذا لأسرته وماذا للناس كل هؤلاء لهم حقوق
"
يوسف القرضاوي: أولا أحب أن يعني أذكِّر الأخوة إن بعض الناس يظنون حينما نقول يعني راعوا الوقت وحافظوا على الأوقات أننا نريد أن يظل الناس طول وقتهم في المسجد وأن تكون حياتهم كلها عبادة وأن يكون يعني نطقهم ذكرا ونظرهم عبرة، لا إحنا يعني الرسول عليه الصلاة والسلام قال لأحد الصحابة "يا حنظلة ساعة وساعة" يعني ليس الإنسان لا يستطيع أن يعيش في السمو الروحي حينما وجد الصحابي إنه عند الرسول بحالة ولما يرجع بيته يصبح بحالة أخرى يتقاصر وينقص السمو الروحي الذي يشعر به في جلسته مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال له يا حنظلة ساعة وساعة، لو دمتم على الحال التي تكونون عليها عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، كنتم يعني تشفِّون حتى تستطيعوا أن تروا الملائكة وتصافحكم في الطرقات ولكن كما نقول نحن في المثل ساعة لقلبك وساعة لربك، المشكلة إن الناس لا يراعون يعني تنظيم الوقت، الإنسان عليه أن يدير وقته بالتعبير الحديث أو ينظم وقته بحيث يعرف ماذا لنفسه وماذا لربه وماذا لأسرته وماذا للناس كل هؤلاء لهم حقوق يجب أن.. النبي عليه الصلاة والسلام حينما وجد بعض الصحابة يقوم النهار ويصوم الليل وأغفل حق زوجته وأغفل حق بدنه فلا يرتاح كما ينبغي وأغفل حق عينه فلا ينام المدة الكافية فقال له وهو عبد الله بن عمرو "إن لبدنك عليك حق" أي في الراحة "وإن لعينك عليك حق" أي في النوم "وإن لأهلك.. " زوجتك "عليك حق" أي في المشاركة في الاستمتاع "وإن لزورك.. زوارك "عليك حق" يعني المسلم عليه يراعي الحقوق كلها لا يطغى حقا على حق ولذلك من الأشياء المهمة جدا ما نسميه فقه الموازنات وفقه الأولويات يوازن بين الأشياء بعضها.. الإسلام علمنا إننا نراعي جزئيات الوقت لماذا؟ كانت الصلاة خمس صلوات في اليوم؟ يعني: {فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ}، {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ} يعني من الفجر إلى الظهيرة إلى المساء إلى العتمة إلى الليل هذه الأوقات يجب أن تكون كل وقت له حقه سيدنا أبو بكر حينما عهد إلى سيدنا عمر قال له اعلم أن هناك عمل بالليل لا يقبَل بالنهار وعملا بالنهار لا يقبَل بالليل، يعني إدي لليل حقه وللنهار حقه {قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً} كما علَّم الله رسوله، فالإسلام يعلمنا كيف ننظم الوقت ونستبق الخيرات، قال لكلٍ وجهته فاستبقوا الخيرات، {وسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ والأَرْضُ} أ وسارعوا إلى.. المسابقة والمشكلة مشكلة العجز والكسل، النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ بالله من العجز والكسل ويعلمنا أن نستعيذ بالله من العجز والكسل، العجز يعني فقد القدرة والكسل، فقد الإرادة، فلا ينبغي للمسلم أن يعجز ولا أن يكسل، يسارع إلى الخيرات ما استطاع إلى ذلك ويقدم الأهم على المهم والمهم على غير المهم، الأخوة الدكتور جاسم والأخ أحمد اللي اتصل من مصر وقالوا عن الأولويات.. أنا يعني كتبت كتابا اسمه فقه الأولويات، كيف يتعلم الإنسان يُقدّم الأشياء بعضها على بعض، لا يؤخر ما حقه التقديم ولا يقدم ما حقه التأخير، لا يصغِّر الكبير ولا يكبِّر الصغير لا يقدم النافلة على الفريضة لابد.. يعني من شغله الفرض عن النفل فهو معذور ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور، الفرائض تقدَّم على النوافل، فرض العين يقدَّم على فرض الكفاية، الفرض اللي له وقت محدد لازم يؤدَّى فيه لا يقدم عليه الفرض اللي يقبل السعة والتأخير، لابد أن هذه الأولويات لابد أن.. حق الأمة مقدَّم على حق الفرد، إذا كان هناك حقوق خاصة للأفراد حق الأمة مقدم عليها، الأمة في حالة الخطر حقها مقدم عليها في حالة السلامة والأمن، هذه كلها من الأشياء التي يجب أن نعرفها حينما نريد أن ننظم وقتنا وخصوصا في أيام الإجازات.. الإجازات الإنسان المفروض من حقه أن يستمتع بالإجازة ولكن ليس معنى الاستمتاع إنه يعني الإنسان يقول يعني ده يعني هذه أيام الإجازة يقضيها فيما يغضب الله عز وجل، في ارتكاب المحرمات، خصوصا بعض الناس التي تذهب إلى بعض الأخوة يقول لك ما حدش عارفني مادام إحنا مش في بلدنا نعمل ما نشاء، يا أخي الله موجود {ولِلَّهِ المَشْرِقُ والْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ} الله في الخليج والله في أوروبا والله في..

خديجة بن قنة: وهناك فضيلة الشيخ من يتصور أن بعد عودته من الإجازة بأدائه عمرةً إلى بيت الله سيغتسل من الذنوب التي ارتكبها في الإجازة، ماذا تقولون هنا له؟

يوسف القرضاوي: لا شك أن للعمرة وللحج وللحسنات أثرها في تكفير السيئات هذا من فضل الله على الأمة المسلمة وعلى الإنسان المسلم لأن الله جعل له مكفرات ومطهرات، إنما لا ينبغي للإنسان إنه ينوي عمل السيئات وبعدين أروح.. لا الإنسان لا ينوي.. لا يصمم على أن تكون الخطايا جزءا من برنامجه، يعني يقول أنا الصيف ده أروح أهيص فيها وأعمل ما أشاء وبعدين أغسلها بعمرة، لا هذا الإصرار لأنه الإصرار يعني يجعل الصغيرة كبيرة ويجعل الكبيرة من أكبر الكبائر والله تعالى يقول في شأن المتقين {والَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وهُمْ يَعْلَمُونَ} لم يصروا فاللي بيُصِر على المعصية وبعدين يبقى يتوب لا هذا لا ينبغي للإنسان المؤمن.

خديجة بن قنة: نعم فضيلة الشيخ جينام طيبار من المغرب، الاسم غريب أو جينان ربما يسأل أو تسأل عن هل الزمن مرتبط بعمر الإنسان وبحياته على هذا الكوكب.. الكوكب الأرضي إذا فارقه قضى الزمن؟ يعني إذا الإنسان مات انتهى زمنه؟

يوسف القرضاوي: هو الإنسان طبعا عمره محدود مهما طال عمره فهي أيام معدودة وأنفاس محدودة وكما يقول الشاعر وإذا كان آخر العمر موتا فسواء قصيره والطويل، مما يحكونه في كتب الرقائق إن سيدنا نوح عاش أكثر من ألف سنة لأنه القرآن قال: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلاَّ خَمْسِينَ عَاماً} أربعين سنة قبل الرسالة وعاش بعد الطوفان الله أعلم قد إيه أكثر من ألف سنة قالوا لما جاءه ملك الموت يقبض روحه سأله قال يا أطول الأنبياء عمرا كيف وجدت الدنيا؟ قال وجدتها كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر، الألف سنة دي والقرآن أشار إلى هذا {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا} يرون الساعة كأنهم {لَمْ يَلْبَثُوا إلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} وفي آية أخرى: {ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} فالإنسان عند الموت وعند الآخرة تظهر له الدنيا كأنها ساعة واحدة ولذلك الإنسان يستطيع أن يطيل عمره، كيف يطيل الإنسان عمره المحدود هذا؟ يطيله بعمل الصالحات الباقية.. الباقيات الصالحات يستطيع الإنسان أن يعمل أعمالا تبقى له بعد موته كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم "من سنَّ سُنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" يعمل عمل.. ينشئ تقليد حسن والناس تعمل به مادام الناس يعملون بهذا فله أجره والحديث الشريف في صحيح مسلم "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" يعمل شيئا ينفع الناس بعد وفاته، يبني مدرسة، يبني مسجد، يعمل مركز إسلامي، يساهم في إنشاء عمل خيري، في دار لكفالة الأيتام، لتحفيظ القرآن، مصنع للمسلمين، مشْغل يشغّل العاطلين.. أي عمل، الناس بتظن بس المساجد هي.. لا فيه أشياء غير المساجد تنفع الناس بهذا يطيل الإنسان عمره يعيش آلاف السنين.

خديجة بن قنة: ما بعد، نعم.

يوسف القرضاوي: يعني هناك ناس نحن نعيش على خيراتهم بعد أن ماتوا، الشاعر أمير الشعراء أحمد شوقي له بيتان من أروع الأبيات قالها في رثاء مصطفى كامل يقول دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني، هذه الدقات اللي يمكن.. نستطيع نقيسها ديات ودقات كأنها بتتكلم، دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها، فالذكر للإنسان عمر فان، أطل الصالحات التي تبقى من بعدك.

خديجة بن قنة: ودقائق وثواني هذه الحلقة قد انتهت، أتينا إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة، خصصناها للحديث عن قيمة الوقت، في نهايتها لا يسعنا إلا أن نشكر فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي وفريق البرنامج منصور الطلافيح ومعتز الخطيب، لكم منا أطيب المنى ونلتقي بإذن الله في حلقة الأسبوع المقبل.


جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة