أبعاد المعركة بين النقابات والحكومات في أوروبا   
الخميس 1431/11/13 هـ - الموافق 21/10/2010 م (آخر تحديث) الساعة 10:32 (مكة المكرمة)، 7:32 (غرينتش)

- دوافع الاحتجاجات واتجاهات حركة النقابات الأوروبية والحكومات
- التداعيات السياسية والاجتماعية والسيناريوهات المتوقعة

ليلى الشايب
منصف شيخ روحه
توني ترافيرز
ليلى الشايب:
قال اتحاد نقابات العمال الفرنسيين إن ثلاثة ملايين ونصف مليون شخص شاركوا في مظاهرات في مختلف أنحاء البلاد احتجاجا على خطة لإصلاح نظام التقاعد، وقد ازدادت المخاوف من شلل الاقتصاد في فرنسا وغيرها من البلدان الأوروبية مع اشتداد حركة الاحتجاج وانتشارها في عدد من المدن الأوروبية الأخرى. نتوقف مع هذا الخبر لنناقشه في عنوانين رئيسيين، إلى أين تتجه المعركة بين النقابات العمالية والحكومات في أوروبا؟ وما هي تداعيات هذه الأزمة الاقتصادية على الصعيدين السياسي والاجتماعي؟... تتواصل إضرابات نقابات العمال في مدن أوروبية مختلفة احتجاجا على خطط دول الاتحاد الأوروبي التقشفية، ورغم تأكيد هذه الدول على المضي قدما في خططها رغم اتساع دائرة الاحتجاجات فإن حالة من الشلل أصابت عددا منها منذرة بالأسوأ ما لم يتوصل الجانبان لحل وسط لهذه الأزمة.

[تقرير مسجل]

حجي جابر: يبدو أن أوروبا مقبلة على شتاء ساخن فحمى الإضرابات آخذة في الارتفاع، غضب شعبي ينتقل من دولة إلى أخرى كحجارة الدومينو والسبب خطط التقشف الاقتصادي فمن اليونان مرورا بفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وليس انتهاء عند البرتغال وإسبانيا صبت نقابات العمال جام غضبها على إجراءات حكومية تمثلت في زيادة الضرائب وخفض الأجور وترشيد الإنفاق، إجراءات ترى فيها الحكومات الأوروبية حائلا دون حدوث انكماش اقتصادي آخر كما أن من شأنها تقليل خطر اتساع أزمة الديون السيادية، لكن نقابة العمال ترفض ذلك بشدة وتؤكد أن الإجراءات ستزيد البطالة وتضر بالقطاع العام وسيكون المواطن العادي ضحيتها الأولى خاصة في ظل عدم تأثر المتسببين في الأزمة من الأغنياء وكبار المصرفيين الذين لا ينتهي العام دون أن تتضاعف أرصدتهم وفقا للنقابات. عملية الشد والجذب هذه زاد من وتيرتها دخول قانون إصلاح التقاعد على الخط وهو ما نثر ملحا على جرح العمال، وأمام إصرار الحكومات الأوروبية على المضي قدما في خططها الرامية على التقشف رغم الاحتجاجات لا يبدو أن عزم النقابات العمالية على مواصلة التحرك أقل تصلبا، تحرك ظهر أثره سريعا في مجالات شتى بدءا من تعطل حركة النقل مرورا بما يشبه الأزمة في الوقود وليس انتهاء عند أحداث الشغب بعد دخول الطلبة على الخط. وأمام كل ذلك لا يلوح في الأفق القريب أي مخرج من هذه الأزمات.

[نهاية التقرير المسجل]

دوافع الاحتجاجات واتجاهات حركة النقابات الأوروبية والحكومات

ليلى الشايب: ومعنا في هذه الحلقة من باريس الدكتور منصف شيخ روحه أستاذ المالية في المدرسة العليا للتجارة في باريس ونائب رئيس منتدى الاقتصاديين العرب، ومعنا من لندن توني ترافيرز أستاذ الاقتصاد السياسي في كلية الاقتصاد في جامعة لندن. ونبدأ معك دكتور منصف شيخ روحه، ثلاثاء أسود على ما يبدو في فرنسا هو اليوم الـ 23 في حركة الاحتجاج، بتقديرك إلى أين تمضي هذه المعركة بين النقابات وبين الحكومة الفرنسية؟

منصف شيخ روحه: تماما، دخلت المعركة بين ليس فقط النقابات -مثلما تفضلتم وقلتم- النقابات وطلبة الجامعات وطلبة المدارس ويبين سبر الآراء الأخير الذي قامت به شركات سبر الآراء البارحة أن تقريبا 71% من الفرنسيين يتفهمون هذه الإضرابات وفقط 18% يساندون الحكومة أو يفهمون موقف الحكومة، فدخلت في عمق جديد يبين أن الأزمة أعمق من أزمة صناديق الشيخوخة في فرنسا وهذا أخطر ما هو أن المجتمع الفرنسي الآن أصبح يتساءل عن مستقبل الاقتصاد والمجتمع فيه.

ليلى الشايب: يعني هذا لا يتعلق بفرنسا فقط دكتور شيخ روحه، يعني العالم كله يعيش تداعيات أزمة اقتصادية لماذا هذا التحرك بشدة في فرنسا تحديدا، هل على مسألة تعديل نظام التقاعد أم سياسات ساركوزي الاجتماعية والاقتصادية وهذه الفرصة ربما المواتية للتعبير عن المعارضة له؟

منصف شيخ روحه: صحيح، تعديل نظام التقاعد كان الشرارة التي أشعلت اللهيب فيما تشكو منه معظم البلدان الأوروبية الأخرى وتفضلتم في التقدير أن تحدثتم عن اليونان وإسبانيا، وفي هذه البلدان التي أصبحت بلدان غير صاعدة أي اقتصادها غير قادر اليوم على القيام بالتصدير كفاية والتصدير الذي يغطي التوريد اللازم فهذه البلدان محكوم عليها إما أن تزيد في ديونها حتى يبقى مستوى العيش على ما هو عليه الآن أو أنها تخفض موازينها وستكون هناك طبقات ستمس أولا العمال الرجال والنساء الذين يعملون والموظفين وثانيا الجيل الذي سيكون له أن يدفع هذه الديون وهو الجيل الصاعد، الطلبة اليوم ليسوا خائفين من التقاعد، خائفون من الديون التي ستتراكم على أكتافهم، فهناك في فرنسا من هو متضرر من هذا الوضع وهناك في أوروبا من هو متضرر ما عدا ثلاثة بلدان التي أصبحت صاعدة في أوروبا واختارت التصدير وهي ألمانيا وهولندا والدانمرك ففي معظم بلدان أوروبا الخطر كبير جدا بما فيهم فرنسا وإسبانيا وحتى بريطانيا ما دامت هذه البلدان لم تدخل إلى إصلاح هيكلي تام يجعلها تصدر وتنتج فهناك شعور بأن هذا غير منصف في الاقتصاد وفي المجتمع الفرنسي.

ليلى الشايب: ذكرت بريطانيا، وهنا أتحول إلى توني ترافيرز في لندن، العدوى وصلت إلى بريطانيا كما يبدو على خلفية عجز للدين العام وصل إلى 242 مليار دولار ولكن يبدو أن ربما حدة التململ أقل مما نشهده في فرنسا، حكومة ديفد كاميرون كيف ستتعامل مع ذلك؟

توني ترافيرز: حكومة بريطانيا ستعلن يوم غد الأربعاء إعلان عن خطتها العامة التفصيلية للنفقات العامة مستقبلا وآنذاك سنرى كيف سيكون رد فعل القطاع العام واتحاد النقابات وهل سيكون رد فعلهم كما هو الحال في فرنسا، ولكن في السنوات الماضية وكقاعدة عامة اتحادات النقابات العمالية لا تميل إلى نشاطات التظاهر والإضراب كما شاهدنا في فرنسا، وبريطانيا الآن ستحاول أن تقلل من عجزها المالي وبالتالي ستعلن إجراءات لا نعرف ما سيكون رد فعلها ولن نعرف ذلك إلا بعد غد والأشهر التالية.

ليلى الشايب: دكتور شيخ روحه في باريس، ساركوزي كان صارما عندما أكد بالقول إن الإصلاح ضروري وفرنسا ستطبقه، لماذا كل هذا الإصرار أولا وهل كان ربما بالإمكان تأجيل النظر والبت في في تعديل نظام التقاعد ربما لمرحلة لاحقة تخفف على حكومة ساركوزي تراكم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، ربما الوقت ليس مناسبا تماما لفتح ملف بهذه الحساسية؟

منصف شيخ روحه: هذا صحيح جدا وهذا يبين أن التوقيت يجعل هذا النظام لا اقتصادي ولا اجتماعي بل هو سياسي اليوم، لأن الرئيس ساركوزي وصل في سبر الآراء كرئيس إلى أدنى مستواه في فرنسا أي 31%من الفرنسيين يؤيدونه، فهو أمام وضع خطير جدا سياسيا إما أن يكسب هذا الرهان الذي أصبح سياسيا اليوم وله حظوظ للفوز في انتخابات 2012 أو أن يتقهقر أمام هذا الرهان وسوف لن يصوت له الفرنسيون من اليمين الذين كانوا يأملون أن تكون الحكومة اليمينية الفرنسية قوية أمام هذا النوع من الاضطرابات وكانوا يأملون أن يعطي الرئيس ساركوزي ما وعدهم..

ليلى الشايب (مقاطعة): التداعيات السياسية دكتور شيخ روحه والاجتماعية أيضا نتركها للجزء الثاني من هذه الحلقة ولكن سؤال في عجالة وأريد جوابا أيضا في عجالة، المدافعون عن سياسات ساركوزي على الأقل في هذه المرحلة بالذات يقرون فعلا بوجود عجز وخسران خسارة كبيرة في نظام المعاشات الفرنسي وعلى ساركوزي حل ذلك بحلول عام 2018، أضيف إلى ذلك ما قاله خوسيه مانويل باروزو رئيس المفوضية الأوروبية يقول الاتحاد الأوروبي يدرك التأثير الاجتماعي المؤلم بإجراءات التقشف ولكنه قال إنها ضرورية، إذاً يفهم بأن ساركوزي يفعل ما هو مطلوب منه؟

منصف شيخ روحه: صحيح ولكن التقشف يمس نوعين من المصاريف الحكومية، هناك المصاريف الحكومية التي لها أثر اجتماعي مثل المستشفيات مثل التعليم وهذا لا يريد المجتمع الفرنسي والعمال الفرنسيون لا يريدون أن يكون هذا التقشف في هذه الأبواب، وهناك تقشف ممكن في رأي العمال هو تقشف في المصاريف التي ليست لازمة، فالمصاريف مثلا كما تكتب الجريدة الفرنسية البطة المربوطة (كلمة فرنسية) تكتب أن المصاريف في حرب أفغانستان والحروب التي تخوضها فرنسا في بقية العام مصاريف كبيرة جدا فهل للمجتمع الفرنسي أن يتحمل هذه المصاريف اليوم، وهناك من المفروض أن يقع تقليص في ميزان الدولة ولكن في الأبواب التي لا تجرح المجتمع الفرنسي في ميدان الصحة وفي ميدان التعليم وفي ميدان الأمن الحقيقي وتقلص من مصاريف الحرب وهذا ما قامت به بجرأة الحكومة البريطانية اليوم.

ليلى الشايب: مرة أخرى أعود إلى توني ترافيرز في لندن، جون مونكس رئيس حركة النقابات العمالية الأوروبية يقر بصعوبة تنسيق هذه التحركات على مستوى القارة الأوروبية بشكل عام، مع ذلك هذا التحرك شديد الوضوح، وأسألك هنا يعني على ماذا تراهن النقابات فيما يبدو إصرارا على الذهاب إلى الآخر في هذه المعارك ضد الحكومات الأوروبية؟

توني ترافيرز: أعتقد أنه في بريطانيا ولحد الآن أي أنه إذا نظرنا إلى كل أوروبا نجد أن الأوضاع مختلفة حسب اختلاف الدول، سمعنا ما حصل في فرنسا وحيث أن السيد ساركوزي قضى في منصبه فترة أطول مما قضته حكومة ديفد كاميرون في المنصب فهو هنا منذ بضعة أشهر وبالتالي هو لا زال يحظى بشعبية وشرعية أكبر ولكن الحكومة البريطانية تحصل على دعم فيما تقوم به لحد الآن وهذا الوضع يختلف عما هو الحال عليه في فرنسا ولكن وكما سمعنا بوضوح من الضيف من باريس بعض الدول في أوروبا ليست بحاجة إلى تقليص عجزها وهناك دول لديها دعم عام لبرامجها وهناك دول مثل فرنسا تشهد تظاهرات في الشوارع، كما سمعنا أنه في اليونان كان رد الفعل كبيرا أما في إيرلندا كان رد الفعل بسيط إذاً الصورة تختلف من بلد لآخر وهناك مستويات مختلفة من الدعم العام الجمهور لا شك يختلف عما شاهدناه في فرنسا.

ليلى الشايب: ما شاهدناه في فرنسا حركة في قمة زخمها، على كل مزيد من النقاش حول الموضوع وحول تداعياته السياسية والاجتماعية بعد فاصل قصير أرجو أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

التداعيات السياسية والاجتماعية والسيناريوهات المتوقعة

ليلى الشايب: أهلا بكم من جديد مشاهدينا في هذه الحلقة التي تناقش أسباب وتداعيات المعركة بين النقابات العمالية والحكومات في العديد من البلدان الأوروبية على رأسها فرنسا كما نتابع. دكتور منصف شيخ روحه، النقابات الفرنسية اعتبرت هذه المواجهة معركة كرامة واستطاعت في سبيلها أن تنزل إلى الشارع ما يقرب من ثلاثة ملايين ونصف مليون مواطن فرنسي، حسب تقديرات النقابات طبعا، برأيك من الذي سيستسلم أولا في هذه المعركة؟

منصف شيخ روحه: يا ريت كنت أعرف ولكن لفظة كرامة صحيحة لأنه أصبحت الآن هذه المعارك بين قوسين أصبحت لوي أيدي ولوي الأيدي ليس جيدا لأنه يترك دائما الرابح والخاسر، النقابات ذكرت أن الرئيس ساركوزي لما وصل إلى الحكم وعد فرنسا بأن كل الفرنسيين سيعملون أكثر حتى يربحوا أكثر ومع الأسف الشغل تقلص بصفة رهيبة في فرنسا وأوروبا ووصلت نسب عدم الشغل إلى 10% والربح ودخل العمال الرجال والنساء تقلص في فرنسا ومواطن الشغل المفتوحة أمام الشباب تقلصت أيضا، فهذا ما يجعل الشباب اليوم محتارا جدا ويندمج مع النقابات ليقول أنا خائف عن مستقبل فرنسا وعن مستقبلي في فرنسا، هذه الرسالة الحقيقية، فأنا أتصور أن جرائد أميركية اليوم أعلنت أن الحكومة الفرنسية سترضخ أمام هذه القوة العمالية ولكن نحن في فرنسا سنعرف أن التكلفة السياسية لمجموعة الحكومة الحالية ستكون عالية جدا فإلى الآن لا أقدر أن أقول من هو..

ليلى الشايب (مقاطعة): ترضخ بأي معنى؟ دكتور شيخ روحه في كلمتين قبل أن أذهب مرة أخرى إلى لندن.

منصف شيخ روحه: بعجالة، ما قلتموه صحيح، هذا الإصلاح لازم في فرنسا ولكن توقيته غير ممكن الآن، فترضخ أي تقبل أن تؤجل النظر في هذه الخطوة فيما يخص التقاعد إلى أن تهدأ الأمور وهذا هو ما تعتبره النقابات كسبا لها.

ليلى الشايب: طيب توني ترافيرز في لندن يعني الشعوب عادة ما توصف بالإجحاف وبالأنانية حتى لأنها في زمن الرخاء تستفيد وتتمتع بالرخاء ولا تسأل عن مصدر الرخاء وفي زمن الأزمات لا تقبل بتقديم ولو القليل من التضحيات، يعني هل ينطبق هذا القول على ما يجري الآن في أوروبا بشكل عام وفرنسا بشكل خاص؟

توني ترافيرز: أعتقد أن هذا الكلام ينطبق على كثير من الدول الغربية والأوروبية فمن السهل جدا على الحكومات أن تزيد النفقات العامة لتضيف خدمات إضافية أو تقدم أموالا إضافية عن طريق نظام الضمان الاجتماعي فلطالما أن الحكومة تحصل على أموال من دافعي الضرائب وطالما أنها تدفع للمواطنين فإن الناس يرضون عن ذلك، ولكن عندما تنقلب الآية فإننا نجد هناك دولا مثل فرنسا وبريطانيا وغيرها هي دول الرعاية الاجتماعية والرفاه الاجتماعي وبالتالي فإن توقف مكنة الفوائد تقديم الفوائد للشعب أمر صعب جدا جدا، وهذا ما نشهده حاليا لأن كل الحكومات تحاول حاليا أن تقلل نفقاتها أو تزيد ضرائبها لتقلل من ديونها ولتضع اقتصادياتها على طريق مستديم على المدى البعيد، وهنا تكمن الصعوبة للحكومات لأنها لا تستطيع أن تقطع الإنفاق بالسهولة التي تقدم بها الأموال.

ليلى الشايب: دكتور منصف شيخ روحه ما يجري الآن أوحى للكثيرين وذكرهم بما فعلته الحكومات في الثلاثينات من القرن الماضي عندما قامت جميعها في التخفيض في وقت واحد مما أدى إلى الكساد الكبير، هل تعتقد أن السيناريو القابل للتكرر ولو بشكل مختلف هذه المرة في أوروبا؟

منصف شيخ روحه: يا سيدة ليلى كلامك من ذهب لأن الخطر ما زال موجودا خاصة في البلدان المتطورة من أوروبا الغربية ومن شمال أميركا، لماذا؟ لأن الاقتصاد المصرفي البنوك وأسواق المال خرجت من الأزمة وهي الآن تدر مرابح كبيرة وكبيرة جدا، الاقتصاد العام أي مستوى الدخل القومي له تقريبا نسبة نمو 1% أو 2% في هذه البلدان ولكن الاقتصاد الحقيقي أي الشغل للرجال والنساء يتقلص، فالبلدان رائحة إلى طريق نفق الركود بل إلى طريق الفقر فهذا يذكرنا بما حدث في الثلاثينيات ونتيجة هذا التوجه إلى الفقر يجعل أولا المتساكنين متشائمين وثانيا يجعل الأحزاب التي تتحدث بالتطرف وتتحدث بالشعبوية لها أذن السياسيين وهذا ما يحدث بالفعل أي الكراهية لفئات إنسانية أصبحت الآن في كل بلدان أوروبا التحدث عنها يجوز. فهذا الخطر الذي ينتظر البلدان التي لم تختر التطرق للأزمة الاقتصادية، ما هي الخطوات اللازمة؟ الخطوة الأولى هي أن الديون لم يسلطها الله على الحكومات بل سلطتها على نفسها، فالتطرق لمسألة الديون قامت به البلدان العربية قبل عشرين سنة والبلدان الإفريقية وخرجت منه والحمد لله، الجزائر كانت لها مشكلة ديون وإعادة جدولة، اليوم هي تتصرف بديونها أحسن من أوروبا الغربية، ثانيا التطرق للإصلاح الهيكلي أي توجيه الاقتصاديات في فرنسا وفي بريطانيا وفي إسبانيا للتوجه الذي يخلق الثروة الحقيقية والشغل الحقيقي ولا فقط الثروات الخيالية التي هي موجودة من استعمال الأدوات المالية المسمومة، فما لم تقم الحكومات بإعادة الإصلاح الهيكلي الذي قامت به أيضا الحكومات العربية والإفريقية قبل عشرين سنة فتبقى البلدان الغربية في خطر، ما هو الخطر؟ هو أن تصبح بقية البلدان أغنى منها، لما نر الصين تنمو بـ 10% والهند بـ 8% والبلدان العربية تنمو بـ 6% وكنا نتمنى أن تنمو بأكثر ولها الإمكانية أن تنمو بأكثر فالبلدان الأوروبية لها اليوم موقع في عالم التطور..

ليلى الشايب (مقاطعة): لهذا نسمع كثيرا هذه الأيام عن الاقتصادات الصاعدة في مقابل الاقتصادات الراكدة والمعنية بالاقتصادات الأوروبية، سأعود إليك لاحقا دكتور شيخ روحه ولكن أسأل توني ترافيرز يعني نريد رأي محلل ومراقب لا أكثر رغم أن ضيفي في باريس يقول إنه في النهاية ستخضع حكومة ساركوزي وربما تعمد إلى تأجيل هذا القانون والبت فيه، ولكن هل تعتقد أنه إذا فعلت العكس وذهبت إلى الآخر في اعتماده هل يغامر ساركوزي شخصيا بمستقبله السياسي؟ وهو يعني تبقى على فترته الرئاسية سنتان فقط يفترض أنه يؤدي فيها أداء أفضل من أدائه في السنوات السابقة.

توني ترافيرز: أعتقد أنه مما لا شك فيه أنه في أي بلد سواء في فرنسا أو بريطانيا هناك قدر كبير من المصداقية ترتبط بأي زعيم أو رئيس يقوم بإجراءات وإصلاحات كالتي قام بها الرئيس ساركوزي فإذا توقف وانحنى وتراجع فإن الجمهور أو من يخرج في تظاهرات سيرون في ذلك علامات وإشارة ضعف ستسيء إلى سمعة الرئيس وهذا ينطبق على بريطانيا أيضا عندما وضعت الحكومة خطة طموحة لتقليل النفقات وإذا ما انسحبت من هذه الخطة فإن ذلك سيؤثر على مصداقيتها وبالتالي سيؤثر على فرصها في إعادة انتخابها لاحقا، طبعا في كل هذه الدول كل الحكومات تريد أن تحظى بفرصة أخرى ليعاد انتخابها وبالتالي لا يودون التراجع عن أي قرارات مثل هذه لتقليل النفقات.

ليلى الشايب: دكتور شيخ روحه أخيرا في باريس دخول الطلبة على الخط وميل البعض أيضا إلى العنف إلى أي مدى يعقد الوضع بالنسبة لحكومة ساركوزي ويفتح ملفات اجتماعية كبرى كملف الهوية، ملف ربما المهاجرين الأقليات إلى غير ذلك؟ باختصار لو سمحت.

منصف شيخ روحه: هذا ليس سلبيا للحكومة الحالية لأن هذا يبين أن تشدد الحكومة الحالية هو مطلوب من الجمهور فيجعل الرئيس ساركوزي يتشدد في موقفه حاليات ويبين للفرنسيين الشغب متأتي من طلبة ضاعوا ومن عمال أو فرنسيين من أصل أجنبي فهذا الرجوع إلى الثلاثينات خطير جدا.

ليلى الشايب: هو سماهم مشاغبين على كل.

منصف شيخ روحه: تماما، يسميهم المشاغبين. فالرجوع إلى الكلمات وحتى الألفاظ الشعبوية التي تم استعمالها في الثلاثينات ونعرف ما وصلت إليه ألمانيا في تلك الفترة فاليوم فرنسا من المفروض أن تكون أعلى من هذا وأن تصل إلى حل وسط يعطي إرضاء للعمال ما يطلبوه ولكن فرنسا لا تزيد من ديونها من جهة أخرى وهذا الحل ممكن سياسيا إذا كان الرجال والنساء الذين يقومون به في فرنسا.

ليلى الشايب: شكرا جزيلا لك دكتور منصف شيخ روحه كنت معنا من باريس وأشكر من لندن توني ترافيرز وأشكركم مشاهدينا الكرام على المتابعة، تحية لكم أينما كنتم في الختام.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة