التعاون العراقي، البرغوثي، الرئيس الروسي، القضاء المصري   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:31 (مكة المكرمة)، 23:31 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

07/12/2002

- التعاون العراقي مع مفتشي الأسلحة في ظل التصعيد الأميركي
- دعوة البرغوثي لتغيير السلطة الفلسطينية ومحاولة شارون الالتفاف على خطة العمل

- جولة الرئيس الروسي ومخاوفه من التغلغل الأميركي في آسيا الوسطى

- القضاء المصري وإمكانية ربط قضية سعد الدين إبراهيم باعتبارات سياسية

- مستقبل الأرخبيل الإندونيسي في ظل مكافحة الإرهاب والحركات الانفصالية

جميل عازر: مشاهدينا الكرام أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه:

العراق تعاون كامل مع المفتشين ولو بمآخذ على زيارة قصر رئاسي، ولكن بوش يظل غير معجب بالمجهود العراقي.

مروان البرغوثي ينادي من السجن بتغيير القيادة الفلسطينية وشارون يحاول الالتفاف على خطة العمل.

والقضاء المصري وقضية سعد الدين إبراهيم هل يمكن ربطها باعتبارات سياسية رغم النفي الرسمي؟

التعاون العراقي مع مفتشي الأسلحة في ظل التصعيد الأميركي

عاد الحديث في العراق إلى اتهام مفتشي الأسلحة الدوليين بالتجسس رغم فتح كل باب في البلاد على مصراعيه وتوفير كل التسهيلات أمام هؤلاء الفنيين للقيام بما فوضهم مجلس الأمن الدولي به من مهام، ولم ينفِ المفتشون بل أكدوا أنهم يتلقون معلومات استخبارية من مصادر متنوعة على رأسها الأميركية بشأن المواقع المشتبه في أنها متصلة بأسلحة دمار شامل، ولكن القبول بقرارات الأمم المتحدة، وكشف العراقيين أنفسهم عن تفاصيل برامج تسلحهم للتدمير الشامل أو غيره، ودخول المفتشين إلى مواقع تعتبر رموزاً سيادية كلها ممارسات لا يمكن إلا أن تعني أن العراق دولة منقوصة السيادة بقرار دولي.

تقرير/ حسن إبراهيم: ربما يكون مفهوم سيادة الدول على أراضيها في القانون الدولي أكبر اعتبارات شرعية السيادة تضرراً من قرارات مجلس الأمن الدولي بشأن العراق، فهي تحد من قدرة النظام على ممارسة تلك السيادة في الحدود الجغرافية، كما ظلت تتغاضى عن الخروقات الأميركية والبريطانية للأجواء العراقية، فلا عجب أن يعتبر العراقيون دخول المفتشين إلى قصر السجود محاولة أميركية لإراقة ماء وجه النظام وعملاً استفزازياً ربما يؤدي إلى ما قد يبرر عملاً عسكرياً، فمنذ استئناف التفتيش عن أسلحة التدمير الشامل وفقاً لقرار الأمم المتحدة 1441 والعراق يتعاون بشكل كامل مع المفتشين، لكن كما تندر بعض المراقبين فإن ما سموه (شايلوك واشنطن) الحديث يأبى إلا اقتطاع رطل اللحم العراقي بلا مبالاة إن هو أراق ماء الوجه أو حتى دماء آلاف العراقيين، فالرئيس الأميركي يصر على أن العراق يراوغ، بل وساوى تصدي الدفاعات العراقية للطائرات الأميركية والبريطانية المغيرة بمخالفة لذلك القرار، رغم أن فرض منطقتي حظر الطيران على شمال وجنوب العراق أمر لم يرد في أي من قرارات مجلس الأمن. البيت الأبيض إذن مازال يقرع طبول الحرب وتأتي في ذلك الإطار تصريحات (بول وولفويتس) كبير صقور وزارة الدفاع الأميركية في تركيا عندما قال إن حكومة عبد الله جول قد وافقت على فتح الأجواء التركية أمام الطائرات الأميركية ذلك رغم عدم صدور تأكيد رسمي من تركيا بأنها ستشارك في حرب أميركية على العراق، تقارير المفتشين الدوليين توحي بتعاون عراقي لا غبار عليه تماشياً مع قول الرئيس صدام حسين: إنه يُعطي المفتشين الدوليين فرصة لإثبات خلو العراق من أسلحة التدمير الشامل الأمر الذي يعني بطلان الادعاءات الأميركية بعكس ذلك، وتأتي في هذا الإطار تصريحات كوفي عنان (الأمين العام للأمم المتحدة) التي استندت إلى تقارير هانز بليكس (رئيس هيئة التفتيش والتحقق والمراقبة) ولعل المؤشر على المزاج الدولي تجاه الموقف الأميركي من العراق هو الإصرار على تمديد اتفاقية النفط مقابل الغذاء ستة أشهر أخرى رغم معارضة واشنطن، ومع ذلك يرفق المسؤولون الأميركيون تصريحاتهم حول إمكانية التوصل إلى حلٍ شامل بتحذيرات للعراقيين من مغبة عرقلة عمل المفتشين الدوليين، وقد يجد العراقيون مؤرقاً في تصريحات بعض المفتشين بأنهم يتلقون معلومات من بعض أجهزة الاستخبارات الغربية لتحديد المواقع التي سيفتشونها وتحديد طبيعة كل موقع، ويعتبر العراقيون الذين فروا إلى الغرب مصدراً رئيساً لما توصف بمعلومات استخبارية، ومن هنا فإن اتهامات طه ياسين رمضان (نائب الرئيس العراقي) للمفتشين الدوليين بأنهم جواسيس للإدارة الأميركية وأن الغرض من مهمتهم هو استفزاز العراق تنطوي على خطورة إذا تصرف العراقيون وفقاً لها.

دعوة البرغوثي لتغيير السلطة الفلسطينية ومحاولة شارون الالتفاف على خطة العمل

جميل عازر: لا يزال مروان البرغوثي (أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية) رهن التوقيف لدى الإسرائيليين ولا يزال ينتظر محاكمة لا يمكن إلا أن تكون غير عادلة، لأنها -على أقل تقدير- ستتحدى مبدأ مقاومة الاحتلال، ولكن مروان انبرى في أحدث تصريحاته من وراء القضبان للتشكيك في قدرة القيادة الفلسطينية الحالية على تحقيق مطمح الفلسطينيين إلى دولة لهم، وطالب بوجوب إيجاد قيادة بديلة للعمل السياسي إلى جانب استمرار المقاومة، وهذا ما يثير غضب (شارون) الذي يحاول استباق خطة العمل المقترحة حتى قبل بدء العمل في تطبيقها، فرؤية شارون تختلف عن رؤية البرغوثي بالنسبة للدولة الفلسطينية الموعودة في الخطة.

مروان البرغوثي في تصميم فني مع أرييل شارون
تقرير/ سمير خضر: أصبحت رؤية مروان البرغوثي محاطاً برجال الأمن الإسرائيلي منظراً شائعاً في شتى وسائل الإعلام التي باتت تركز على إجراءات محاكمته بشكل بدأ يقلق السلطات الإسرائيلية، حكومة شارون تحاول جهدها إظهار البرغوثي على أنه زعيم جماعة إرهابية تتهمها بقتل المدنيين الإسرائيليين، لكن جهودها باءت حتى الآن بالفشل، فالبرغوثي لا يزال يمثل رمزاً لمعظم الفلسطينيين ولكن ليس كلهم.

تصريحاته وهو قيد الاعتقال تثير قلق الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء، فهو من جهة ينادي باستمرار الانتفاضة وتصعيد المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ومن جهة أخرى ينادي بإجراء تغييرات جذرية في بنية السلطة الفلسطينية مطالباً بإقالة من يسميهم المسؤولين عن مأساة الشعب الفلسطيني وإلى تسليم الراية إلى الشباب، ورغم أنه لم يذكر ياسر عرفات بالاسم فإن كثيرين فسروا هذه التصريحات على أنها دعوة إلى الرئيس الفلسطيني للتنحي، دعوة تتقاطع مع تلك التي أطلقها شارون منذ تسلمه السلطة قبل نحو عامين ولكن دون جدوى، فأزمة شارون تبدو اليوم أكثر تعقيداً من أزمة عرفات خاصة مع إصرار واشنطن على المُضي قُدماً في محاولاتها لفرض خطة العمل التي أقرتها المجموعة الرباعية وهي خطة تنص على وجوب قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل وفقاً لحدود يتم الاتفاق عليها لاحقاً، ومثل هذه الدولة بالمفهوم الأميركي لا تتطابق بالتأكيد مع رؤية شارون وحكومته اليمينية فمع اقتراب موعد الانتخابات وبروز نجم جديد على الساحة السياسية في إسرائيل ممثلاً بشخص زعيم حزب العمل الجديد (عمرام متسناع) يحاول شارون استمالة الناخبين الذين لا يزالون يحلمون بإمكانية تحقيق سلام ما مع الفلسطينيين، وبدلاً من الإصرار على حلم إسرائيل الكبرى بدأ شارون يلوح لهم بأنه يتمتع بمرونة لا يتحلى بها (نتنياهو) أو غيره من صقور اليمين وبتصلب لا يفقهه جناح الحمائم في حزب العمل، الفلسطينيون يريدون دولة فلتكن لهم إذن دولة، ولكن على ما نسبته 40% من مساحة الضفة الغربية ونحو ثلاثة أرباع قطاع غزة، أي ما يتطابق مع ما كانت تسمى في السابق مناطق "أ" و"ب" التي حددتها اتفاقات أوسلو وواي ريفر، ومثل هذا الطرح يضع شارون أمام الناخبين في سلة المعتدلين ويصبح أهون الشرين بين (نتنياهو) الغارق في يمينيته ومتسناع الحالم بالتعايش السلمي.

جولة الرئيس الروسي ومخاوفه من التغلغل الأميركي في آسيا الوسطى

جميل عازر: قام الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) بجولة زار خلالها عواصم الصين والهند وقيرغيزيا في أعقاب محادثاته في (سان بيترسبرج) مع الرئيس الأميركي (جورج بوش)، ويبدو أن زعيم الكريملين يتصرف بشيء من الذعر لما يراه من تطورات لا تأثير لروسيا في مسارها ولا قدرة لها على إيقافها، ومع ذلك فإنها تؤثر بصورة جذرية على حاضر الروس ومستقبلهم حتى ولو سلمنا جدلاً بأن روسيا تخلصت من عقدة الهيمنة السوفيتية، وربما توجد لدى بوتين حسابات بعيدة المدى وهو يحاول تكوين مثلث استراتيجي رؤوس أضلاعه موسكو وبكين ودلهي لموازنة قوة الولايات المتحدة وحلفائها الذين أصبحوا على عتبات روسيا الاتحادية في جميع الجهات.

فلاديمير بوتين
تقرير/ جيان اليعقوبي: الولايات المتحدة الأميركية كانت الغائب الحاضر في جولة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الآسيوية التي شملت بكين ودلهي وبشكك، فشبح (جورج دبليو بوش) كان يطوف فوق رؤوسهم ليذكرهم كل لحظة أن المطرقة الأميركية متأهبة ومن لا يركب قطارها السريع المسمى بمكافحة الإرهاب فسيكون مصيره الدهس ومن ثم التهميش على الساحة الدولية، فالانتقام الأميركي في أفغانستان رداً على هجمات الحادي عشر من سبتمبر أدى إلى انتشار عسكري أميركي غير مسبوق في آسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط، والصين تتعرض لعملية تطويق أميركية تكاد تخنق أنفاسها تشارك فيها مرغمة كل من باكستان وروسيا والهند وباقي دول منظمة شنغهاي التي وافقت جميعها وبدون أي تردد على مساعدة واشنطن في حربها الجديدة، وهكذا يجد العملاقان السابقان نفسيهما مجبرين على التعامل مع الوقائع الجديدة التي أفرزتها حقائق القرن الحادي والعشرين، أي روسيا منهكة اقتصادياً ومكبلة عسكرياً ومرهونة روحاً وقلباً بيد الغرب وصيناً تخطو ببطء نحو الرأسمالية المشذبة بتقاليد (كونفوشيوس) و(ماو تسي تونج) وعينها على واشنطن التي تتغلغل في آسيا الوسطى أمام أنظار بكين التي تبدو لا حول ولا قوة لها أمام هذا الإعصار الأميركي الكاسح، والقمة الروسية الصينية الحالية هي العاشرة منذ تفكك الاتحاد السوفيتي، وقد جاءت زيارة بوتين إلى بكين في أعقاب القمة الروسية الأميركية في (سان بيترسبرج) التي استعرض فيها الرئيس الأميركي عضلاته متباهياً بتوسيع حلف الناتو، فكان أن أصدر بوتين قراراً فورياً بإنشاء قاعدة عسكرية روسية في فيرغيزستان التي زارها في ختام جولته الحالية.

أما الهند محطته الأولى في هذه الجولة فلم بعد فيها لا (نهرو) ولا علمانية ولا اشتراكية، فهي اليوم أسيرة (بهارتيا جاناتا) من جهة و(بل جيتس) من جهة أخرى، وتعاونها مع موسكو اليوم تختلف أهدافه ومراميه عن أيام تعاونها مع روسيا السوفيتية، فالاثنان يجمعهما اليوم الخوف من الحركات الإسلامية المسلحة في كشمير والشيشان أكثر من أي شيء آخر، ولهذا لم ينسَ بوتين أن يوقع في ختام زيارته إلى دلهي مذكرة تفاهم حول مكافحة الإرهاب تنص على إنشاء مجموعة عمل مشتركة من البلدين لمناهضة هذا الخطر.

جولة بوتين كان هدفها الأول والأخير إيجاد معادلات سياسية واقتصادية جديدة تحاول الصين وروسيا من خلالها مساعدة بعضهما الآخر من أجل منع أو على الأقل تأجيل التهميش الكامل لكليهما أمام الولايات المتحدة.

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيها أيضاً بعد فاصل:

إندونيسيا بين مكافحة الإرهاب والنزعات الانفصالية اضطراب يثير مخاوف على مستقبل الأرخبيل.

[فاصل إعلاني]

القضاء المصري وإمكانية ربط قضية سعد الدين إبراهيم باعتبارات سياسية

جميل عازر: وإلى مصر حيث أعلنت محكمة النقض وجوب إطلاق سراح سعد الدين إبراهيم (رئيس مركز ابن خلدون للأبحاث) تمهيداً لتقديمه إلى المحاكمة، وبذلك سيحاكم الدكتور سعد للمرة الرابعة بتهم تتعلق على ما يبدو بممارسته عمله رئيساً لمؤسسة أبحاث ودراسات تشمل جوانب عديدة في مجالات السياسة وحقوق الإنسان حيث للدولة ومؤسساتها الدور الأكبر والحضور المهيمن، ومن هنا فإن قضية الدكتور إبراهيم تثير تساؤلات عن العلاقة بين مراكز الأبحاث المستقلة وبين الدولة وكذلك حول تمويل المراكز من مصادر خارجية أو ربما داخلية تسعى إلى جمع معلومات عن نشاط أو آخر.

سعد الدين إبراهيم
تقرير/ حسن إبراهيم: هناك مبدأ في القوانين الغربية يقضي بعدم محاكمة المتهم مرتين بنفس التهمة، لكن القضاء المصري يحاكم الدكتور سعد الدين إبراهيم أربع مرات، وقد يكون في هذا ما يطمئن المتهم بأن للقضاء درجات متفاوتة من المرجعية لولا أن التهم الموجهة إلى مؤسس ورئيس مركز ابن خلدون توحي بشيء من التربص السياسي، فقد تراوحت بين تهديد الأمن القومي عبر نشر أخبار كاذبة وتلقي أموال من جهات أجنبية لصالح مركز ابن خلدون الذي كان يرأسه بغرض تهديد الأمن القومي والإساءة إلى النظام ثم اختلاس الأموال الممنوحة إلى المركز، دفاع الدكتور سعد الدين إبراهيم أبرز وثائق هامة من بينها إقرار من الاتحاد الأوروبي مانح الأموال إلى مركز ابن خلدون بأنه لا يتهم الدكتور سعد الدين بتبديد المنح الأمر الذي ينفي التهم التي تتعلق بنزاهة المتهم.

أما تهديد الأمن القومي فتهمة تعود إلى أن مركز ابن خلدون تعرض إلى الفساد والتزوير في الانتخابات المصرية، ولكنه لم يكن الوحيد الذي أشار إلى حدوث ذلك، وأمام المحاكم المصرية عدد من القضايا ضد نواب بعينهم زوروا صناديق الاقتراع بل وسهلوا للبعض التصويت أكثر من مرة، وبعضهم استأجر مجرمين لضرب المواطنين.

ولعل ما أسهم في تعقيد مشكلة الدكتور سعد الدين إبراهيم التهديدات التي صدرت من الإدارة الأميركية تجاه مصر ورفض الرئيس الأميركي التصديق على معونة مقدارها 150 مليون دولار بسبب ما سماه اضطهاد حقوق الإنسان في مصر، ومن سوء حظ فريق الدفاع أن قرار الرئيس الأميركي أتى في وقت اشتدت فيه شوكة التيار المناهض للولايات المتحدة في الشارع المصري بسبب القمع الإسرائيلي للانتفاضة والانحياز الأميركي الكامل للجانب الإسرائيلي، وبالتالي فقد ارتبط اسم الدكتور سعد الدين إبراهيم بكل ما تكرهه الجماهير المصرية، ورغم ما تقوله السلطات المصرية بأن القضاء مستقل، فلا شك أن الحكم الذي قضى بسجن الدكتور سعد الدين إبراهيم سبعة أعوام مع الشغل والنفاذ كان حكماً أثلج صدور كثيرين في الشارع المصري.

وهناك مسألة مهمة أثارها كثير من الباحثين والناشطين المصريين وهي مسألة الدعم الأجنبي لكثير من مراكز الأبحاث وحقوق الإنسان التي ازدهرت في مصر منذ بداية المعونة الأميركية بعد معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل. وما استغربته بعض الأقلام القليلة التي ساءها ما حل بصاحب مركز ابن خلدون أن كثيراً من المراكز المماثلة لم تلاحق على هذا النحو، فقانون الجمعيات الأهلية في مصر كان يقضي فقط بكشف مصادر تمويل منظمات أو مؤسسات الأبحاث غير الحكومية، لكنه لم يكن يمنعها من تلقي دعم أجنبي بعكس ما هو عليه الآن، ولكن بعد إطلاق الدكتور سعد الدين إبراهيم من سجنه انتظاراً لمحاكمته الرابعة لابد من التساؤل إن كان ذلك استجابة لضغوط أميركية أم إجراء قضائياً لا شبهة سياسية في حيثياته.

جميل عازر: ولمتابعة هذا الموضوع ينضم إلينا من القاهرة الدكتور حافظ أبو سعدة (الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان).

دكتور حافظ، أولاً: ما رأيك في الإفراج عن الدكتور سعد الدين إبراهيم انتظارا لمحاكمته مرة أخرى؟

د.حافظ أبو سعدة (المنظمة المصرية لحقوق الإنسان): هو في الحقيقة دا كان قرار متوقع من محكمة النقض لأنه محكمة النقض لها رأي في الأمر العسكري اللي تم محاكمة دكتور سعد عليه، لأنه هي ترى أن هذا الأمر اغتصاب للسلطة التشريعية التي لا يجوز للسلطة التنفيذية أن تعتدي على حقوقها وتنظم أو تصدر قرارات لها قوة القانون تتضمن عقوبات، وبالتالي التهمة الثانية وهي نشر معلومات تسيء إلى سمعة البلاد في الخارج، أعتقد إن محكمة النقض أيضاً لن تقبل هذا الاتهام لأنه يتناقض تماماً مع حرية الرأي والتعبير المنصوص عليها في الدستور وبعد.. وبعد ذلك باقي التهم في الحقيقة لا تقف على قدمين ولا يوجد ما يسندها من أدلة، وبالتالي كان متوقع إن محكمة النقض للمرة الثانية أن تنقض هذا الحكم وتصدر قرارها الذي صدر بالإفراج عن الدكتور سعد وإعادة محاكمته مرة أخرى أمام محكمة النقض في جلسة خاصة لهذا الموضوع.

جميل عازر: طيب، هل هذه القضية بما فيها من ملابسات تعني أن القانون الذي يُحاكم تحت طائلته الدكتور إبراهيم يعني بهذا التعقيد إلى حد التدخل من محكمة النقض وإعادة محاكمته للمرة الثالثة؟

د.حافظ أبو سعدة: طبعاً لأنه في الحقيقة فيه كثير من القوانين الموجودة في قوانين العقوبات المصرية هي في الحقيقة تتناقض مع الدستور وتتناقض مع المبادئ الأساسية الواردة في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وموقعة عليها مصر.

جميل عازر: ألا تعتقد في ظل الظروف الراهنة الأوضاع السياسية في المنطقة بوجه عام وخاصة في.. في مصر يعني تدخل جهات أجنبية -كالولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي وحتى إسرائيل- في موضوع الدكتور إبراهيم أضفى على هذه القضية طابعاً سياسياً أكثر منه طابعاً قانونياً.

د.حافظ أبو سعدة: طبعاً، بس هو في الحقيقة لم يؤدي هذا التدخل لأي نتائج في القضية لاسيما وأن الدكتور سعد أقضى سنة كاملة أو ما يقرب من سنة في السجن، وبالتالي هذه التدخلات لم تؤثر ما.. وما تم ومحكمة النقض هي التي اتخذت القرار في المرتين مما يعني ونحن نعلم أن محكمة النقض المصرية من المحاكم المستقلة تماماً ولا يمكن أن يوجد أي شبهة للتدخل في عملها وفي الحقيقة وبالتالي هذه التدخلات ممكن تكون لم تفيد دكتور سعد الدين إبراهيم كثيراً، ولكن الذي أفاده هو محكمة النقض المصرية، لكن طبعاً هذه التدخلات تعطي شكلاً أو تعطي شبهة سياسية على القضية أو غطاءً سياسياً ويجعل الرأي العام في مصر يعني يبقى عنده موقف في الحقيقة من هذه التدخلات، لكن في الحقيقة يجب أن ننظر أنه لم تعد الآن مسائل الحريات العامة في الدول من المسائل الخاصة أو بالشأن الداخلي، أصبحت من الشأن الدولي ونحن نرى تدخلات في كثير من دول العالم حتى في داخل أوروبا أو في أميركا لأنه قضايا الرأي العام أو حرية الرأي والتعبير أو قضايا النشطاء السياسيين أو النشطاء الحقوقيين في الحقيقة لم تعد شأناً داخلياً، ولكنها أصبحت شأناً دولياً يمكن التدخل فيه، وبالتالي في الحقيقة لا أرى أن هناك أي مشكلة في إثارة هذه القضايا على المستوى الدولي، لأنه أصبح الآن المجتمع الدولي هو مجتمع مفتوح وبيسمى مجتمع السماوات المفتوحة فأصبح لا يوجد شيء يُسمى بشأن داخلي إلا فيما يسمى أو فيما يخص الأمن القومي أو المسائل الحساسة جداً وأصبحت بالمقارنة بالأنشطة العامة أعتقد إنها ضئيلة جنب نشاط حقوق الإنسان أو نشاط النشطاء السياسيين لا يمكن اعتبار هذه أنشطة من المسائل الحساسة التي لا يجوز التدخل فيها.

جميل عازر: ولكن هذا ما .... بالضبط ما ترفضه الحكومة المصرية خاصة يعني تصريحات من وزير الخارجية أحمد ماهر في هذا الشأن، ولكن أين تترك قضية الدكتور سعد، العلاقة بين المؤسسات أو المنظمات أو مراكز الأبحاث مثل مركز ابن خلدون، العلاقة بين هذه المؤسسات غير الحكومية والسلطة في مصر؟

د.حافظ أبو سعدة: في الحقيقة المشكلة أن السلطة لازالت حتى الآن لا تعترف ولا تتعامل مع منظمات المجتمع المدني وبالتحديد مؤسسات حقوق الإنسان أو مؤسسات تنمية الديمقراطية أو المؤسسات البحثية السياسية، ولازالت تعتبر النوع.. هذا النوع من النشاط هو نوع معادي وبالتالي هنا العلاقة في الحقيقة لا يوجد قنوات اتصال ما بين هذه المؤسسات والسلطة وفيه تراشق ما بين اتهام من هذه المنظمات للسلطة بأنها تنتهك حقوق الإنسان وهو ما يتم بالفعل في بعض.. في كثير من الأحيان وفي.. في المقابل السلطة تنظر إلى هذه المؤسسات بأنها تسيء إلى سمعة البلاد، في الحقيقة في.. في ظل هذا التراشق لا يوجد أرضية مشتركة يمكن التعامل على أساسها.

ما نطلبه كمنظمات حقوق إنسان وكمنظمات.. وكمنظمات مجتمع مدني هو الاعتراف من السلطة بهذه المؤسسات والتعامل في إطار القانون وفي ظل قانون في الحقيقة يحترم الحريات العامة ويحترم الحقوق الأساسية الواردة في الدستور، هذا ما نطالب به، لكن حتى الآن كل هذه المؤسسات لا يتم الاعتراف بها وحتى القانون الأخير قانون الجمعيات عندما قامت السلطة بسنِّه وضعت فيه من القيود على نشاط هذه المؤسسات ما يلغي ما يسمى بديمقراطية مؤسسات المجتمع المدني هذا الشعار الذي وضع في مقدمة القانون، إذن في الحقيقة فيه موقف حصاري من السلطة لهذه المؤسسات وفي المقابل هذه المؤسسات دورها هو انتقاد انتهاكات حقوق الإنسان هذا الدور الذي.. غير مرغوب من السلطة.

مستقبل الأرخبيل الإندونيسي في ظل مكافحة الإرهاب والحركات الانفصالية

جميل عازر: يختلط الحابل بالنابل هذه الأيام في المسرح السياسي في إندونيسيا بين عنف مرتبط بحركات انفصالية وعنف مرتبط بالحرب ضد الإرهاب، ولا أحد يدري إن كان أحدهما يغذي الآخر، فمنذ أن قبلت جاكرتا باستقلال تيمور الشرقية عنها زادت حدة العمل الانفصالي في أقاليم أو جزر أخرى في الأرخبيل الإندونيسي وعلى رأس الحركات الانفصالية حركة تحرير (آتشي) التي تتحاور الحكومة معها بشأن مستقبل آتشى إدراكاً منها لخطورة استقلال ذلك الإقليم، وبينما تشدد الحكومة على أنها لن تسمح بحدوث ذلك تجد نفسها في نفس ورطة دول آسيوية أخرى معنية بمكافحة الإرهاب.

تقرير/ أسامة راضي: وكأن القدر أبى على إندونيسيا أن تعيش سنوات ما بعد (سوهارتو) دون منغصات أو ضغوط دولية، فقد أصبح ينظر إليها إقليمياً على أنها معقل لعشرات الجماعات الأصولية الساعية لإقامة دولة خلافة إسلامية في شرق آسيا، وها هي تتفاوض على مستقبل واحد من أغنى أقاليمها يطالب بالانفصال كعدد من الأقاليم الأخرى التي تعمها اضطرابات معظمها دينية، مفاوضات الحكومة الإندونيسية مع الجبهة القومية لتحرير آتشي وسومطره والشهيرة بحركة آتشى الحرة توشك على إنهاء واحد من أقدم النزاعات في العالم إذ يعود إلى إعلان الحركة استقلال الإقليم قبل 26 عاماً، حكومة جاكرتا تسعى من وراء الاتفاق المنتظر إلى إظهار قوتها وقدرتها على تحقيق الاستقرار لأكبر أرخبيلات العالم الذي تموج بعض جذره بنزعات انفصالية بعضها ديني رغم التفاوت الكبير بين نسب طوائفها الدينية، فالمسلمون في إندونيسيا يشكلون 88%، ويعتنق 8% من سكانها الديانة المسيحية بين بروتستانت وكاثوليك، ويتوزع الأربعة في المائة الباقون بين هندوس وبوذيين وديانات أخرى، المفاوضات للتوصل إلى اتفاق بشأن آتشى تبدو أنها تسير بضغط دولي ظهر مؤخراً في مؤتمر عُقد قبل أيام في طوكيو لمناقشة السلام في الإقليم وإعادة إعماره، وكانت رسالة المؤتمر واضحة، إذ اشترط المشاركون فيه توقيع اتفاقية سلام و تنفيذها قبل تقديم أي مساعدة دولية للإقليم الغني أصلاً بموارده الطبيعية من نفط وغاز وغيرهما، أما جاكرتا فتبدي استعداداً لمنح الآتشيين حكماً ذاتياً لا أكثر خوفاً من أن تتفاقم المطالبة بالاستقلال من أقاليم أخرى كما في حالة تيمور الشرقية، وخلافاً لإقليم آتشى الذي يزيد سكانه على ثلاثة ملايين معظمهم مسلمون تشهد مناطق أخرى اضطرابات دينية كإقليم أريان جايا وجزر الملوك بالإضافة إلى جزيرة (سو لاويسي) التي تعاني اضطرابات دينية بين المسلمين والمسيحيين وكان أحدثها وقوع انفجارين أحدهما في واحد من سلسلة مطاعم أميركية للوجبات السريعة الأمر الذي قد يعتبر احتجاجاً على دور إندونيسيا في الحرب ضد الإرهاب، فالانفجاران وقعا بعد إعلان السلطات الإندونيسية ما اعتبرته نصراً أمنياً باعتقالها (مخلص) وهو أهم شخص اعتقل في قضية تفجير بالي، وهو مطلوب لدى عدد من دول المنطقة باعتباره القائد الميداني للجماعة الإسلامية في جنوب شرقي آسيا خلفاً للحنبلي الذي قيل إنه فر من إندونيسيا بعد حصوله على رتبة أعلى في تنظيم القاعدة الذي يُعد أحد قادته، ورغم أن السلطات الإندونيسية غير قادرة حتى الآن على إيجاد رابط ملموس بين تنظيم القاعدة من جهة والجماعة الإسلامية وتفجير بالي من جهة أخرى فإنها تبدو أيضاً غير قادرة على الخروج عن الخط العام المقبول أميركياً في الحملة على الإرهاب، إذ لا تزال تقرن حديثها عن التحقيق في قضية بالي بأفكار زعيم الجماعة الإسلامية وهو ما لا يناقض الاتهامات الغربية لتلك الجماعة بالسعي لإقامة دولة إسلامية في عدد من دول شرقي آسيا.

جميل عازر: وبهذا نأتي إلى ختام هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت أو الكتابة إلى عنوان البرنامج الإلكتروني، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة